← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وقرأ طلحة بن مصرِّف: (مثاباتٍ) على الجمع (١). ﴿وَأَمْنًا﴾ يعني: مأمنًا يأمنون فيه. قال ابن عباس: فمن أحدث حدثًا خارج الحرم، ثم لجأ إلى الحرم أمِنَ مِنْ أنْ يُهَاج فيه، ولكن لا يُئْوى ولا يُخَالَط ولا يُبَايَع، ويوكل به، فإذا خرج منه أقيم عليه الحد، ومن أحدث في الحرم أقيم عليه الحد فيه (٢). قوله : ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قرأ شيبة وابن عامر ونافع والأعرج والحسن وابن أبي إسحاق وسلام: (واتَّخَذوا) بفتح الخاء على الخبر، وقرأ الباقون بالكسر على الأمر (٣). قال ابن كيسان: ذكروا أن رسول الله ﷺ مرَّ ومعه عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله؛ أليس هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: "بلي" قال: أفلا نتخذه مصلي؟ قال: "لم أؤمر بذلك" فلم تغب الشمس من يومهم

стр. 1542

حتى نزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ " (١). [٣٠١] أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن (إبراهيم بن محمد) (٢) ابن يحيى (٣) بقراءتي عليه، قال: أنا أبو الفضل عبدوس بن الحسين بن منصور (٤) سنة إحدى وثلاثين وثلث مئة، قال: نا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي (٥)، قال: نا محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري (٦)، قال: حدثني حميد الطويل (٧)، عن أنس بن مالك (٨) قال: قال عمر بن الخطاب: وافقني ربي في ثلاث، قلت: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلي، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقلت: يا رسول الله صلى الله عليك (٩)، إنه يدخل عليكم البر والفاجر، فلو حجبت أمهات المؤمنين! فأنزل الله تعالى آية الحجاب، قال:

стр. 1543

وبلغني شيء كان بين أمهات المؤمنين وبين النبي ﷺ فاستقريتهن أقول: لتكفن عن رسول الله ﷺ أو ليبدلنه الله (١) أزواجًا خيرًا منكن، حتَّى أتيت على آخر أمهات المؤمنين، فقالت أم سلمة: يا عمر، أمَا في رسول الله ﷺ ما يعظ نساءه حتَّى تعظهن؟ ! فأمسكت، فأنزل (٢) الله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ (٣) الآية (٤).

стр. 1544

واختلفوا في قوله: ﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾: فقال إبراهيم (١) النخعي: الحرم كله مقام (٢). وقال يمان: المسجد كله مقام إبراهيم (٣). وقال قتادة ومقاتل والسدي: (هو الصلاة عند مقام إبراهيم) (٤) وأمروا بالصلاة عنده، ولم يؤمروا بمسحه ولا تقبيله (٥).

стр. 1545

وأما قصته وبدء أمره: فروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أتى إبراهيم بإسماعيل وهاجر فوضعهما بمكة وأتت على ذلك مدة ونزلها (١) الجُرْهُمِيُّونَ (٢) وتزوج إسماعيل ﵇ امرأةً منهم. وماتت هاجر، فاستأذن إبراهيم ﵇ سارة أن يأتي هاجر (٣)، فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل، فقدم إبراهيم ﵇ وقد ماتت هاجر، فذهب إلى بيت إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحِبُكِ؟ قالت: ليس هو (٤) هاهنا، ذهب يتصيد -وكان إسماعيل يخرج من الحرم فيصيد ثم يرجع- فقال لها إبراهيم: هل عندك من (٥) ضيافة؟ هل عندك من (٦) طعام أو شرابٍ؟ قالت: ليس عندي شيء (٧) وما عندي أحد؛ فقال لها إبراهيم: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له: فليغِّير عتبة بابه. وذهب إبراهيم، فجاء إسماعيل ووجد ريح أبيه، فقال لامرأته:

стр. 1546

هل جاءك أحد؟ قالت: نعم (١) جاءني شيخ صفته كذا وكذا -كالمستخفة لشأنه (٢) - قال: فما قال لكِ؟ قالت: قال لي أقرئي زوجك السلام، وقولي له فليغير عتبة بابه، فطلقها وتزوج أخرى، فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم استأذن سارة أن يزور إسماعيل، فأذنت له واشترطت عليه أن لا ينزل، فجاء إبراهيم حتَّى انتهى إلى باب إسماعيل فقال لامرأته: أين صاحبكِ؟ قالت: ذهب يتصيد، وهو يجيء الآن إن شاء الله فانزل يرحمك الله؛ فقال لها: هل (٣) عندك من (٤) ضيافة؟ قالت: نعم. فجاءت باللبن واللحم، فدعا لهما بالبركة، فلو جاءت يومئذ (٥) بخبزٍ أو برٍّ أو شعيرٍّ (أو تمر) (٦) لكانت أكثر الأرض (٧) برًّا (وشعيرًا وتمرًا) (٨)، قالت له: انزل حتَّى أغسل رأسك. فلم ينزل، فجاءته بالمقام فوضعته عن شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه، فبقي أثر قدمه عليه فغسلت شق رأسه الأيمن، ثم حولت المقام إلى شقه الأيسر فغسلت شق رأسه الأيسر، فبقي أثر قدمه عليه، فقال لها: إذا

стр. 1547

جاء (١) زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له: قد استقامت عتبة بابك. فلما جاء إسماعيل ﵇ وجد ريح أبيه؛ فقال لامرأته: هل جاءك أحدٌ؟ قالت: نعم (٢)، شيخ أحسن الناس وجهًا وأطيبهم ريحًا، فقال لِي كذا، وقلت له كذا، وغسلت رأسه، وهذا موضع قدميه على المقام، قال (٣) ذاك أبي (٤) إبراهيم (٥). وقال أنس بن مالك: رأيت في المقام أثر أصابعه وعقبه وأخمص قدميه غير أنَّه أذهبه مسح الناس بأيديهم (٦).

стр. 1548

[٣٠٢] وأخبرنا محمد بن أحمد بن عبدوس (١)، قال: أنا محمد ابن حمدون بن خالد (٢)، قال: نا محمد بن إبراهيم (٣)، قال: نا هدبة ابن خالد (٤)، قال: نا أبو يحيى رجاء بن صبيح الحَرَشي (٥)، قال: سمعت مسافع بن شيبة (٦) يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول:

стр. 1549

أشهد بالله (١) -ثلاث مرات- إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنّة طمس الله نورهما، ولولا أن طمس نورهما لأضاءتا (٢)، ما بين المشرق والمغرب" (٣).

стр. 1550

قوله : ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ أي: أمرناهما وأوصيناهما (١). ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ يعني: الكعبة أي: ابنياه على الطهارة والتوحيد. وقال سعيد بن جبير وعبيد بن عمير وعطاء ومقاتل: طهرا بيتي من الأوثان والريب وقول الزور (٢). وسمع عمر ﵁ صوت رجل في المسجد فقال: ما هذا! أتدري أين أنت؟ (٣).

стр. 1551

[٣٠٣] وأخبرنا محمد بن على بن محمد الجرجاني (١)، قال: أنا محمد بن علي بن عمرو الأصبهاني (٢)، قال: أنا سليمان بن أحمد بن أيوب الأصبهاني (٣)، قال: نا إسحاق بن إبراهيم بن زبريق الحمصيّ (٤)، قال: نا أبو المغيرة (٥)، قال: نا الأوزاعي (٦)، قال:

стр. 1552

نا عبدة بن أبي لبابة (١)، قال حدثني زر بن حبيش (٢)، قال: سمعت حذيفة بن اليمان (٣) يقول: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى أوحى إليَّ: يا أخا المرسلين يا أخا المُنْذِرِيْن، أنذر قومك ألا يدخلوا بيتًا من بيوتي إلا بقلوب سليمة وألْسنَةٍ صادقة وأيدٍ نَقية وفروج طاهرة، ولا يدخلوا بيتًا من بيوتي ولأحد عندهم مظلمة؛ فإني ألعنه ما دام قائمًا بين يدي يصلي حتَّى يرد الظلامة إلى أهلها، فأكون سمعه الَّذي يسمع به، وأكون بصره الَّذي يبصر به، ويكون من أوليائي وأصفيائي، ويكون جاري مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين" (٤). وقال يمان بن رئاب: معناه بَخِّراه وخلِّقَاه (٥).

стр. 1553

[٣٠٤] أخبرنا أبو عمرو الفُراتي (١)، قال: أنا أبو موسى عمران ابن موسى (٢)، قال: نا أبو العباس بن همام (٣)، قال: نا يحيى (٤) ابن أبي طالب قال: نا يزيد بن هارون (٥)، قال: نا محمد بن مسلم (٦)، قال:

стр. 1554

حدثني (عبد ربِّهِ بن عبد الله عن يحيى بن العلاء) (١) عن مكحول (٢)، عن معاذ بن جبل (٣)، عن رسول الله ﷺ قال: "جنبوا مساجدكم غلمانكم -يعني: صبيانكم- ومجانينكم، وسل سيوفكم ورفع أصواتكم وحدودكم (٤) وخصومتَكُم وبيعكم وشراءكم، وجمِّرُوها يوم جمعكم، واجعلوا على أبوابها مطاهركم" (٥).

стр. 1555

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1556

وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وحفص (١) وأهل المدينة: (بيتيَ) بفتح الياء؛ وقرأ الآخرون (٢) بإسكانها (٣)، وأضافه تعالى إلى نفسه؛ تخصيصًا وتفضيلًا.

стр. 1557

﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ حوله، وهم النُّزَّاعُ إليه من آفاق الأرض. ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ أي المقيمين فيه (١) وهم سكان الحرم، ﴿وَالرُّكَّعِ﴾ جمع الرَّاكِعِ ﴿السُّجُودِ﴾ جمع الساجد، مثل قاعدٍ وقعود. قال عطاء (٢): إذا كان طائفًا فهو من الطائفين، وإذا كان جالسًا فهو من العاكفين، وإذا كان مصليًا، فهو من الركع السجُود (٣). [٣٠٥] أخبرنا أحمد بن أبي (٤)، قال: أنا المغيرة بن عمرو (٥)، قال: نا المفضل بن محمد (٦)، قال:

стр. 1558

نا أبو القاسم العابدي (١) عبد الله بن عمران قال: نا يوسف بن الفيض (٢)،

стр. 1559

عن الأوزاعي (١)، عن عطاء بن أبي رباح (٢) عن ابن عباس (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله تعالى في كل يوم وليلة عشرين ومئة رحمة تنزل على البيت (٤): ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين" (٥).

стр. 1560

١٢٦ - قوله - عز زجل -: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا﴾ يعني مكة (حرسها الله تعالى) (١) ﴿ءَامَنَّا﴾ أي: مأمونًا فيه يأمن أهله ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. قال الأخفش ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ﴾ يدل على التبيان، كما يقال: أخذت المال (٢) ثلثيه ورأيت القوم ناسًا منهم، وهذا إبدال البعض من الكل، كقوله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٣) (٤). قال الله : ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾: فأرزقُه (٥) إلى منتهى أجله.

стр. 1561

وقرأ معاوية وابن عامر (فأُمْتِعُهُ) بضم الألف وجزم الميم خفيفة (١)، وقرأ أبي بن كعب: (فنمتعه قليلًا ثم نضطره) بالنون (٢)، وقرأ ابن عباس: (فَأَمْتِعْهُ) بفتح الألف وكسر التاء خفيفة (وجزم العين) (٣) (ثُمَّ اضْطَرَّهُ) موصولة الألف مفتوحة الراء على جهة الدعاء من إبراهيم ﵇ (٤)، وقرأ الباقون: ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ بضم الألف مشددة (التاء) (٥). ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ على الخبر، أي: ألجئهُ في الآخرة ﴿إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع يصير إليه. ١٢٧ - قوله : ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ الآية، روت الرواة بأسانيد مختلفة في بناء الكعبة -جمعت حديثهم ونسقته ليكون أحسن في النظم وأقرب إلى الفهم- قالوا: خلق الله تعالى موضع البيت قبل الأرض بألفي عام، فكان (٦) زبدة بيضاء على الماء فدُحيت الأرض من تحتها، فلما أهبط الله آدم ﵇ إلى

стр. 1562

الأرض كان رأسه يمس السماء حتَّى صلع، وأورث أولاده الصلع، ونفرت من طوله دواب البر، فصارت وحشيًّا (١) من يومه (٢)، وكان يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم وتسبيحهم يأنس إليهم، فهابته الملائكة واشتكت نفسه، فنقصه الله تعالى إلى ستين ذراعًا بذراعه، فلما فقد آدم ما كان يسمع من أصوات الملائكة وتسبيحهم استوحش وشكى ذلك إلى الله ، فأنزل الله تعالى البيت (٣) ياقوتة من ياقوت الجنَّة لها (٤) بابان من زمرد أخضر باب شرقي، وباب غربي، وفيها (٥) قناديل من الجنَّة فوضعه على موضع البيت الآن، ثم قال: يا آدم، إني أهبطت لك بيتًا تطوف به كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يصلى عند عرشي. وأنزل عليه الحجر الأسود (٦) ليمسح به دموعه، وكان أبيض، فلما لَمَسَتْهُ الحيَّضُ في الجاهلية اسْوَدَّ (٧).

стр. 1563

وقال النبي ﵇: "إن الحجر ياقوتة من يواقيت الجنَّة، ولولا ما مسه المشركون بأنجاسهم ما مسه ذو عاهة إلا شفاه الله " (١). فتوجه آدم ﵇ من أرض الهند إلى مكة (حرسها الله تعالى) (٢) ماشيًا وقيض (الله (٣) له ملكًا يدله على البيت. قيل لمجاهد: يا أبا الحجاج، ألا كان يركب؟ قال: وأي شيء كان يحمله؟ ! فوالله إن خطوه (٤) مسيرة ثلاثة أيام، وكل موضع وضع عليه قدمه عمران، وما بعده (٥) مفاوز وقفار. فأتى مكة وحج البيت فأقام المناسك، فلما فرغ تلقته الملائكة: لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام (٦). وقال ابن عباس: حج آدم ﵇ أربعين حجة من (٧) الهند إلى مكة على رجليه (٨) فهذا بدء أمر الكعبة -حرسها الله تعالى- فكانت على

стр. 1564

ذلك إلى أيام الطوفان (١). فرفعه الله إلى السماء الرابعة، فهو البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، وبعث الله جبريل ﵇ حتى خبأ الحجر الأسود في جبل أبي قُبَيْسٍ صيانة له عن الغرق، فكان موضع البيت خاليًا إلى زمن إبراهيم ﵇ (٢). ثم إن الله تعالى أمر إبراهيم (بعدما) (٣) ولد له (٤) إسماعيل وإسحاق ﵉ ببناء (٥) بيت له يعبد ويذكر فيه، فلم يَدْرِ إبراهيم أين يبني، فسأل الله أن يبين له موضعه، فبعث الله إليه السكينة لتدله على موضع البيت، وهي ريح خجوج (٦) لها رأسان شبه (٧) الحية فتبعها إبراهيم ﵇ حتَّى أتيا مكة، فتطوت السكينة على موضع البيت كتطوّي الحَجَفَةِ (٨)، وأُمِرَ إبراهيمُ ﵇ أن

стр. 1565

يبني حيث تستقر السكينة، فبنى. وهذا (١) قول على بن أبي طالب ﵁ (٢) والحسن بن أبي الحسن (٣). وقال ابن عباس: بعث الله سحابة على قدر الكعبة فجعلت تسير وإبراهيم ﵇ يمشي في ظلها، إلى أن وافت مكة ووقفت على موضع البيت ونودي منها: (أن يا) (٤) إبراهيم، أن ابن على ظلها لا تزد ولا تنقص. فبنى بحيالها (٥). وقال بعضهم: أرسل الله تعالى (٦) جبريل ﵇ ليدله على موضع البيت، وذلك قوله : ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ (٧) فبنى إبراهيم البيت (وإسماعيل وجعل إبراهيم يبنيه) (٨) وإسماعيل يناوله

стр. 1566

الحجارة (١). [٣٠٦] وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب (٢) يقول: سمعت أبا بكر محمد بن محمد بن أحْيَد (٣) القطان البلخي (٤) -وكان عالمًا بالقرآن- يقول: كان إبراهيم ﵇ يتكلم بالسريانية وإسماعيل يتكلم (٥) بالعربية، وكل واحد منهما يعرف ما يقول صاحبه ولا يمكنه التفوُّه به، وكان إبراهيم يقول (٦) لإسماعيل ﵉: هب لي (٧) كثيبًا، يعني: ناولني حجرًا، ويقول له إسماعيل (٨): هاك الحجر فخذه، قالوا: فبقي موضع حجر فذهب إسماعيل يبغيه، فجاء جبريل ﵇ بحجر من السماء، فأتى إسماعيل وقد ركَّب إبراهيم الحجر في موضعه فقال: يا أبهْ (٩)، من أتاك بهذا

стр. 1567

الحجر؟ فقال: أتاني به من لم يتكل على بنائك، فأتمَّا بناء (١) البيت فذلك قوله : ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ (٢). قال ابن عباس: يعني أصول البيت التي كانت قبل ذلك (٣). وقال الكلبي وأبو عبيدة: أساسه، واحدتهما قاعدة (٤). قال الكميت: في ذِرْوَةٍ من يفاعِ أوَّلهم. . . زَانَتْ عواليَها قَوَاعِدُهَا (٥)

стр. 1568

(فبنياه (١) من خمسة أجبل: طور سيناء، وطور زيتا (٢)، ولبنان، والجودي، وبنيا قواعده من حراء (٣). فلما انتهى إبراهيم ﵇ إلى موضع الحجر الأسود) (٤) قال لإسماعيل ﵇: جئني بحجر يكون للناس علمًا. فأتاه بحجر، فقال: جئني بأحسن من هذا. فمضى إسماعيل يطلبه فصاح أبو قبيس: يا إبراهيم، إن لك عندي وديعة فخذها. فأخذ الحجر الأسود ووضعه مكانه (٥). وقيل: إن الله تعالى أمد إبراهيم وإسماعيل ﵉ بسبعة

стр. 1569

أملاك (١) يعينونهما على بناء البيت. فلما فرغا من بنائه (٢) قالا ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾. وفي الآية إضمار تقديره: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ وَيَقُوْلَانِ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا. وهكذا هو (٣) في قراءة عبد الله وأبي (٤) (تقبَّلْ مِنَّا بناءنا البَيْتَ). ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾ لدعائنا ﴿الْعَلِيمُ﴾ ببنائنا (٥).

стр. 1570

١٢٨ - قوله ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ موحدَين مخلصين مطيعَين لك. وقرأ عوْف بن أبي جميلة (مُسْلِمِيْنَ) بكسر الميم وفتح النون (١) على الجمع ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾ أي: أولادنا، ﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا﴾ أي: وعَلِّمْنَا. نظيره قوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٢) أي علمك الله. وفيه أربع قراءات: قرأ عبد الله بن مسعود (وأرهم مناسكهم) رده إلى الأُمَّة (٣). وقرأ عمر بن عبد العزيز وقتادة وابن كثير ورويس (أرنا) بسكون الراء في (٤) كل القرآن، وقرأ أبو عمرو باختلاس كسرة الراء، وقرأ الباقون بكسر الراء (٥).

стр. 1571

والأصل فيه (أَرْئنا) بالهمز فحذف استخفافًا، فمن قرأ بالجزم قال: ذهبت الهمزة وذهبت حركتها وبقيت الراء ساكنة على حالها، واستدل بقول الشاعر: أرْنا إداوة عبدِ اللهِ نملؤُهَا. . . من ماء زمزمَ إن القومَ قد ظمِئوا (١) ومن كسر فإنه نقل حركة الهمزة المحذوفة إلى الراء، وأبو عمرو (٢) طلب الخفة. [٣٠٧] أخبرنا محمد بن نعيم (٣) قال: أنا الحسين بن أيوب (٤) قال: أنا علي بن عبد العزيز (٥) قال: نا القاسم بن سلام (٦) قال: حدثني شجاع (٧) بن أبي نصر (٨) -وكان أمينا صدوقًا- (أنَّه رأى

стр. 1572

النبي ﷺ في المنام، فذاكره أشياء من حروف أبي عمرٍو، فلم يردَّ عليه إلا حرفين أحدهما هذا، والآخر (ما ننسخ من آية أو ننسأها) مهموز (١). وقوله: ﴿مَنَاسِكَنَا﴾ أي؛ شرائع ديننا، وأعلام حَجِّنَا. وقال مجاهد: مذابحنا (٢). والنسك: الذبيحة، وأصل النسك: العبادة، ويقال للعابد ناسك (٣). قال الشاعر: قَدْ كنْتُ مستورًا كَثِيْر تنسك (٤). . . فَهَتّكْتَ أسْتَاري ولَمْ تُبْقِ لِي نُسْكًا (٥)

стр. 1573

فأجاب الله دعاءهما وبعث جبريل ﵇ فأراهما المناسك في يوم عرفة، فلما بلغ عرفات قال: يا إبراهيم (١)، عرفت؟ قال: نعم. فسمي الوقت عرفة والموضع عرفات (٢). ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ أي تجاوز عنا وارجع إلينا بالرأفة والرحمة ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ﴾ أي المتجاوز الرجاع بالرحمة على عباده ﴿الرَّحِيمُ﴾. ١٢٩ - قوله : ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ﴾ أي في الأمَّةِ المسلمة (٣) من ذرية إبراهيم وإسماعيل، وقيل: في أهل مكة (٤) ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ أي مرسلًا، وهو فعول من الرسالة. قال ابن الأنباري: يشبه أن يكون أصله قولهم ناقةٌ مِرْسَال ورسْلَةٌ إذا كانت سهلةَ السير ماضيةً أمام النوق، ويقال للجماعة المهملة المرسلة رَسَلٌ، وجمعه أرْسَال، ويقال جاء القوم أرْسَالًا أي بعضهم في إثر بعض، ومنه قيل للَّبن رِسلٌ لأنه يُرْسلُ من الشرع (٥).

стр. 1574

﴿يَتْلُواْ﴾ أي: يقرأ ﴿عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ أي كتابك، جمع الآية وهي العلامة، وقيل: الآية جماعة الحروف، قال الشيباني: هي من قولهم خرج القوم بآيتهم أي بجماعتهم (١) ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قال بعضهم: الحكمة هاهنا الكتاب فنسق بها عليه لاختلاف اللفظين (٢). كقول الحطيئة (٣): ألا حبَّذَا هِنْدٌ وأرض بها هندُ. . . وهندٌ أَتى مِنْ دُونِهَا النَّأْيُ والبعدُ (٤) وقال مجاهد: يعني: بالحكمة فهم القرآن (٥).

стр. 1575

وقال مقاتل: هي مواعظ القرآن وما فيه من الأحكام وبيان الحلال والحرام (١). وقال ابن قتيبة: هي العلم والعمل، ولا يسمى الرجل حكيمًا حتَّى يجمعهما (٢). [٣٠٨] وسمعت أبا الحسن على بن الحارث البياري (٣) يقول: سمعت أبا سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي (٤) يقول سمعت أبا

стр. 1576

بكر محمد بن الحسن الدرديري (١) يقول: كل كلمة وعظتك، وزجرتك، ودعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة وحُكم (٢). ومنه قول النبي ﷺ : "إنَّ من الشعر حكمة" (٣). وجاء في بعض الألفاظ: "حكمًا". [٣٠٩] وسمعت أبا عبد الرحمن محمد بن الحسين بن موسى (٤)

стр. 1577

يقول: سمعت منصور بن عبد الله (١) يقول: سمعت العباس بن يوسف (٢) يقول: سمعت أبا جعفر محمد بن يعقوب (٣) يقول: الحكمة كل صواب من القول ورَّث (٤) فعلًا صحيحًا أو حالًا صحيحًا (٥). وقال يحيى بن معاذ: الحكمة جند من جنود الله يرسلها الله تعالى إلى قلوب العارفين حتَّى يروح عنها رهج (٦) الدنيا (٧). وقيل:

стр. 1578

وضع الأشياء موضعها (١). وقيل: الحكمة والحُكْمُ كلُّ ما وجب عليك (٢) فعله. قال الشاعر: قد قُلْت قَوْلًا لم يُعَنَّفْ قائِلُهْ. . . الصَّمْتُ حكم وقليل فاعله (٣) أي واجب العمل بالصمت. وقيل: هي الأحكام والقضاء (٤). وقيل: هي السنة (٥). والأصل فيها المنع، وقد ذكرناه (٦).

стр. 1579

﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أي يطهرهم من الشرك والذنوب. وقيل: يأخذ زكاة أموالهم (١). وقال ابن كيسان: يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة إذا شهدوا للأنبياء بالبلاغ (٢). بيانه قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية (٣). ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ قال ابن عباس: العزيز الَّذي لا يوجد مثله (٤) بيانه قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٥). وقال الكلبي: العزيز المنتقم ممن يشاء (٦). بيانه قوله تعالى: ﴿وَاللهُ

стр. 1580

﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (١). وقال الكسائي: العزيز الغالب (٢) بيانه قوله: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ (٣) أي غلبني. ويقال في المثل: من عَزَّ بَز (٤). أي: من غَلَبَ سَلَبَ. وقال ابن كيسان: العزيز الَّذي لا يعجزه شيء (٥). بيانه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٦). وقال المفضل بن سلمة: العزيز المنيع الَّذي لا تناله الأيدي ولا يرد له أمر ولا يغلب فيما أراد (٧). بيانه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا
следующие страницы →