← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

أي: أنا لا أقبل منك. ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ قال ابن عباس وعطاء والأخفش: في خلاف. ويقال: شاقَّ يُشَاقُّ مشاقةً إذا خالف، كأن كل واحد أخذ في شق غير شق صاحبه (١). دليله قوله: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ (٢) أي: خلافي، وأنشد: وكان إليها كالذي اصْطَادَ بِكْرَهَا. . . شِقَاقًا وبُغْضُا أوْ أطمَّ وأهجَرَا (٣) وقال (ابن سلمة) (٤) وابن السري (٥):

стр. 1612

في عداوة كأن كل واحد منهما أخذ (١) في شق صاحبه أي في جهده وما يشق عليه، من قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ (٢). دليله قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٣) الآيات. أي: عادوا الله ورسوله. قال بشر بن أبي حازم الأسدي (٤): فإذْ جُزَّتْ نَوَاصي آلِ بَدْر. . . فَأَدُّوْهَا وأَسْرى فِي الوثاقِ (٥) وإلَّا فاعْلَمُوا أنَّا وأنتُمْ. . . بُغَاةٌ ما حَيينَا فِي شِقَاقِ (٦) أي: في عداوة. وقال مقاتل وأبو عبيدة: في ضلال واختلاف (٧). بيانه قوله تعالى:

стр. 1613

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ (١) أي: اختلاف بينهما. قال الشاعر: إلَى كَمْ تَقْتُلُ العلماءَ قَسْرًا. . . وتَفْخَرُ بالشِّقَاقِ وبِالنِّفَاقِ (٢) أي: بالضلال والاختلاف. وقال الكسائي: في خلع الطّاعة (٣). بيانه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ (٤). وقال الحسن: في بعاد وفراق إلى يوم القيامة (٥). ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ يا محمَّد، يعني اليهود والنصارى ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوالهم. وكفاه الله تعالى أمرهم بالسبي والقتل في بني قريظة، والنفي والجلاء في بني النضير، والجزية والذلة في نصارى نجران.

стр. 1614

١٣٨ - قوله ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾: قال أبو العالية: دين الله (١). وقال مجاهد: الإِسلام (٢). وقال ابن عباس: هي أن النصارى كان إذا وُلدَ لأحدهم ولدٌ فأتى عليه سَبْعَةُ أيام غمسوه في ماء لهم يقال له المعْمُودِي (٣) وصبغوه به لِيُطَهِّرُوهُ بذلك مكان الخِتَان فإذا فعلوا (٤) ذلك قالوا: الآن صار نصرانيًّا حقًّا. فأخبر (٥) الله تعالى أن دينه الإِسلام لا ما يفعله (٦) النصارى (٧).

стр. 1615

وقال ابن كيسان: صبغة الله: وجهة الله. يعني القبلة (١). قال: ويقال حجة الله التي احتج بها على عباده (٢). وقال (أبو عبيدة) (٣) والزجاج: خِلْقَةَ الله، من صَبَغْتُ الثوب إذا غيَرْتُ لونه وخِلْقَتَهُ، فيكون المعنى ابتدأ الخلْقَةَ على الإِسلام (٤). دليله: قول مقاتل في هذِه الآية: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٥) أي: دين الله (٦) ويوضحه ما: [٣١٥] أخبرنا محمَّد بن عبد الله بن حمدون (٧)، قال: أنا أحمد بن محمَّد بن الحسن (٨)، قال: أنا محمَّد بن يحيى (٩) وعبد الرحمن بن بشر (١٠) وأحمد بن يوسف (١١)، قالوا: أنا عبد الرزاق (١٢)، قال:

стр. 1616

أنا معمر (١)، عن همام بن منبه (٢)، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة (٣) عن محمَّد رسول الله ﷺ قال: " (من يُوْلَدْ يُوْلَدْ) (٤) على هذِه الفطرة، فأبَوَاه يُهَوِّدَانِهِ أو يُنَصّرَانِهِ، كما تُنْتِجُونَ البَهِيْمَة، فهل تجدون فيها جَدْعَاء (٥) حتى تكونوا أنتم تَجْدَعُوْنَهَا؟ " قالوا يا رسول الله، أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عَامِلِيْن" (٦).

стр. 1617

وقال (أبو عبيد) (١) سُنَّةَ الله (٢). ويقال (٣): هو الختان؛ لأنه يصبغ صاحبه بالدم (٤). وفي الخبر: الختان سنة للرجال مَكْرُمَةُ للنِّسَاءِ (٥).

стр. 1618

وهي (١) نصب على الإغراء تقديره: اتبعوا والزموا صبغة الله (٢). وقال الأخفش: هي (٣) بدل من قوله ملَّة إبراهيم (٤). ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ دينا (٥) ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ أي مطيعون. * * *

стр. 1619

١٣٩ - ﴿قُلْ﴾ يا محمَّد لليهود والنصارى ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾ أتجادلوننا وتخاصموننا. وقرأ الأعمش والحسن وابن محيصن بنون واحدة مشددة (١). وقرأ الباقون بنونين خفيفتين اتباعًا للخط ﴿فِي اللَّهِ﴾ أي: في دين الله، وذلك أنهم قالوا: يا محمَّد، إنَّ الأنبياء كانوا منا وعلى ديننا, ولم يكن من العرب نبي، فلو كنت نبيًّا لكنت منَّا وعلى ديننا (٢). ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ قال مقاتل والكلبي: لنا ديننا ولكم دينكم (٣). ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أي: موحدون. وهذِه الآية منسوخة بآية السيف (٤). فصل في معنى الإخلاص: [٣١٦] سمعت أبا عبد الرحمن محمَّد بن الحسين (٥) وسألته عن الإخلاص ما هو؟ فقال: سمعت علي بن سعيد (٦) وأحمد بن محمَّد

стр. 1620

ابن زكريا (١) وسألتهما عن الإخلاص ما هو؟ قالا: سمعنا على بن إبراهيم الشقيقي (٢)، وسألناه عن الإخلاص ما هو؟ قال: سمعت محمَّد بن جعفر الخصَّاف (٣) وسألناه عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت أحمد بن يسار (٤) عن: الإخلاص ما هو؟ قالَ: سألت أبا يعقوب الشريطي (٥) عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت أحمد بن

стр. 1621

غسان (١) عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت أحمد بن عطاء الهجيمي (٢) عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت عبد الواحد بن

стр. 1622

زيد (١) عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت الحسن (٢) عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت حذيفة (٣) عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت النبي ﷺ عن الإخلاص ما هو؟ قال: "سألت جبريل ﵇ عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت ربَّ العزة عن الإخلاص ما هو؟ فقال: هُو سِرٌّ مِنْ سِرِّي اسْتَوْدَعْتُهُ قَلْبَ مَنْ أحْبَبْتُ مِنْ عِبَادي" (٤). [٣١٧] وأخبرنا أبو سعيد محمَّد بن موسى بن الفضل (٥)،

стр. 1623

قال: أنا أبو عبد الله الصفار (١)، قال نا داود بن سليمان الخراساني (٢)،

стр. 1624

قال: نا الوليد بن مسلم (١)، عن خالد بن يزيد (٢) عن يونس بن حَلْبَس (٣) عن أبي إدريس الخولاني (٤) [عن أبي ذر] (٥) قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيْقَةً، وما بلغ عبد حقيقةَ الإخلاص حتى لا يحب أن يُحْمَد على شيء من عمل الله" (٦).

стр. 1625

وقال سعيد بن جبير: الإخلاص: أن يخلص العبد دينه وعمله لله ولا يشرك به في دينه ولا يرائي بعمله أحدًا (١). [٣١٨] وسمعت محمَّد بن الحسين (٢) يقول: سمعت علي بن بندار (٣) يقول: سمعت عبد الله بن محمود (٤) يقول: سمعت محمَّد

стр. 1626

ابن عبد ربه (١) يقول: سمعت الفضيل (٢) يقول: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك؛ والإخلاص أن يعافيَك الله منهما (٣) (٤). وقال يحيى بن معاذ: الإخلاص تمييز العمل من العيوب كتمييز اللبن من بين (٥) الفرث والدم (٦). وقال أبو الحسن البوشنجي (٧): هو ما لا يكتبه الملكان، ولا

стр. 1627

يُفْسدُهُ الشيطان، ولا يطلع عليه الإنسان (١). وقال رويم (٢): هو ارتفاع رؤيتك من الفعل (٣). وقيل: هو ما يراد به الحق ويقصد به الصدق. وقيل: هو ما (٤) لا تشوبه الآفات ولا تتبعه رخص التأويلات. وقيل: ما (٥) استتر من الخلائق واستُصفِيَ من العلائق. وقال حذيفة المرعشي (٦): هو أن تَسْتَوِي أفعال العبد في الظاهر

стр. 1628

والباطن (١). وقال أبو يعقوب المكفوف (٢): هو أن يكتم حسناته كما يكتم سيئاته (٣). وقال سهل بن عبد الله: هو الإفْلاسُ (٤). [٣١٩] أخبرنا أبو القاسم الحبيبي (٥)، قال: أنا أبو جعفر، الرازي (٦)، قال: نا (٧) العباس بن حمزة (٨)، قال: نا أحمد بن أبي (٩) الحواري (١٠)، قال: سمعت أبا سليمان (١١)، يقول: للمرائي ثلاث

стр. 1629

علامات: يَكْسلُ إذا كان وَحْدَهُ، ويَنْشَطُ إذا كان في الناس، ويزيد في العمل إذا أُثْنِيَ عليه (١). ١٤٠ - قوله : ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف وحفص بالتاء، واختاره أبو عبيد، وقرأ الباقون بالياء؛ واختاره أبو حاتم. فمن قرأ بالتاء فللمخاطبة التي قبلها: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ والتي بعدها ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ ومن قرأ بالياء فهو إخبار عن اليهود والنصارى (٢). ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ﴾ لهم يا محمَّد: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ﴾ بدينهم ﴿أَمِ اللَّهُ﴾ وقد أخبرني الله أنه لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولكن كان حنيفًا مسلمًا ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ﴾ أي: أخفى ﴿شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ وهي علمهم أن إبراهيم وبنيه كانوا مسلمين، وأن محمدًا حق ورسول الله (٣) بصفته ونعته ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. * * *

стр. 1630

١٤١ - ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ١٤٢ - قوله : ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ أي: الجهال ﴿مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ﴾ أي: صرَفهم وحوَّلهم ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ يعني بيت المقدس. نزلت في اليهود ومشركي مكة ومنافقي المدينة، طعنوا في تحويل القبلة، فقال مشركو مكة: قد تردد على محمَّد أمره واشتاق إلى مولده ومولد آبائه، وقد توجه نحو قبلتكم وهو راجع إلى دينكم عاجلًا (١) فقال : ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ (٢) مِلْكًا وخلقًا (٣)،

стр. 1631

والخَلْق عبيدهُ يحولهم كيف يشاء. ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ١٤٣ - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي عدلاً خيارًا، تقول العرب: أنْزِل وسَطَ الوادي، أي: خير موضع فيه (١). ويقال لرسول الله ﷺ : هو أوسط (٢) قُرَيْش نسبًا أي: خَيْرُهُمْ؛ قال الله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ (٣) أي: خيرهم وأعدَلُهُم، وأصله هو أن خير الأشياء أوسطها (٤). قال زهير: هُمُ وَسَطٌ يَرْضَى الأَنَامُ بِحُكْمِهِمْ. . . إذَا نَزَلَتْ إحْدى الليِالي بِمُعْظَمِ (٥)

стр. 1632

وقال الكلبي: يعني متوسطة. أي: أهل (١) دين وسط بين الغلو والتقصير؛ لأنهما مذمومان في الدين (٢). قال ثعلب: يقال: جلس وسط القوم ووسط الدار؛ وكذلك فيما يحتمل البينونة؛ واحتجم وسط رأسه (٣) بالفتح (٤)، وكذلك فيما لا يحتمل البينونة. نزلت هذِه الآية في مرحب وربيع وأصحابهما من رؤساء اليهود، قالوا لمعاذ بن جبل: ما ترك محمَّد قبلتنا إلا حسدًا، وإن قبلتنا قبلة الأنبياء، ولقد علم محمَّد أنا عدْلٌ بين الناس، فقال معاذ: إنَّا على حق وعدل، فأنزل الله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٥). أي: وهكذا، وقيل: الكاف فيه للتشبيه، تقديره: وكما اخترنا إبراهيم وذريته واصطفيناهم كذلك جعلناكم أمَّةً وَسَطَا مردودة على قوله ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ الآية.

стр. 1633

﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ يوم القيامة أن الرسل قد بَلَّغَتْهُمْ ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ محمَّد ﷺ ﴿عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ معدلًا مزكيًا لكم (١). وذلك أن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي ويَنْفُذُهُمُ البصر؛ ثم يقول لِكُفَّار الأمَم: ألم يأتكم نذير؟ فينكرون ويقولون: ما جاءنا من نذير. فَيَسْألُ الأنبياء عن ذلك، فيقولون: كذبوا وقد بلغناهم وأعْذَرْنَا إليهم، فَيَسْألُهُمُ البَيِّنَةَ -وهو أعلم- إقَامَةً للْحُجَّةِ (٢)، فيؤْتَى بأُمَّةِ محمَّد ﷺ فيشهدون لهم أنه قد بلغوا، فَتَقُوْلُ الأمَمُ الماضيةُ: مِنْ أين علموا ذلك، وبيننا وبينهم مدة مديدة؟ فيقولون: قد علمنا ذلك بإخبار الله تعالى إيَّانا به (٣) في كتابه الناطق على لسان رسوله الصادق، فيُؤتى بمحمد ﷺ فَيُسْألُ عن حال أمَّتِهِ فيزكيهم ويشهد بصدقهم (٤) فيهم.

стр. 1634

قوله : ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ يعني: التحويل عن القبلة التي كنت عليها وهي بيت المقدس، وقيل معناه: القبلة التي أنت عليها وهي الكعبة كقوله ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ (١) أي: أنتم في ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ لنرى ونميز ﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ في القبلة ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ فيرتد ويرجع إلى قبلته الأولى، هذا قول المفسرين (٢). وقال أهل المعاني: معناه: إلا لعلمنا من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، كأنه سبق ذلك في علمه أن تحويل القبلة سبب هداية قوم وضلالة آخرين، وقد تضَعُ العرب لفظ الاستقبال موضع المُضِيِّ كقوله

стр. 1635

تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ (١) (٢) أي: قتلتم. وأنزل بعض أهل اللغة العلم منزلتين: علمًا بالشيء قبل وجوده، وعلمًا به بعد وجوده، والحكم للعلم الموجود؛ لأنه يوجب الثواب والعقاب، فمعنى قوله ﴿لِنَعْلَمَ﴾ أي: لنعلم العلم الذي يستحق به (٣) العامل الثواب أو العقاب (٤) وهذا على معنى التقرير، كرجل قال لصاحبه: النار تحرق الحطب. فقال الآخر: لا ترد عليه هات الحطب والنار لتعلم أنها تحرقه، أي: ليتقرر علم ذلك عندك. فقوله ﴿لِنَعْلَمَ﴾ تقديره: لنُقَرِّر علمَنا عندكم (٥). وقيل (٦): معناه ﴿لِنَعْلَمَ﴾ محمَّد ﷺ ، فأضاف علمه ﷺ إلى نفسه تخصيصًا وتفضيلًا كقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ (٧) وقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ (٨) ونحوهما.

стр. 1636

﴿وَإِنْ كَانَتْ﴾ أي: وقد كانت توليةُ القبلة وتحويلها، فأنَّثَ الفعل لتأنيث الاسم، كقولهم: ذهَبَتْ بعضُ أصَابِعِهِ، وقيل: هذِه الكناية راجعة إلى القبلة بعينها، أراد: وإن كانت الكعبة (١). ﴿لَكَبِيرَةً﴾ ثقيلة شديدة ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ وقال سيبويه: (وإن) تأكيد شبيه باليمين، لذلك دخلت اللام في جوابها ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. وذلك أن حيي بن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس كانت (٢) هدى أو (٣) ضلالة، فإن كانت هدى فقد تحولتم عنها، وإن كانت ضلالة لقد (٤) دنتم الله بها، وإن من مات منكم عليها مات (٥) على الضلالة، فقال المسلمون: إنما (٦) الهدى ما أمر الله به، والضلالة ما نهى الله عنه. قالوا: فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا، وكان قد (٧) مات قبل أن تحول القبلة (٨):

стр. 1637

أسعد بن زرارة (١) من بني النجار، والبراء بن معرور (٢) من بني سلمة؟ وكانا من النقباء، ومات رجال آخرون، فانطلق عشائرهم إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله قد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم، فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهو يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٣) صلاتكم إلى بيت المقدس: ﴿إِنَّ

стр. 1638

اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وفي ﴿رَءُوفٌ﴾ ثلاث قراءات: ﴿رَءُوفٌ﴾ مهموز مثقل وهي قراءة نافع وابن كثير (١) وابن عامر وحفص. واختاره أبو حاتم، قال: لأن أكثر أسماء الله على فعول وفعيل (٢). وقال الشاعر: نُطِيْعُ رَسُوْلَنَا ونُطِيْعُ ربَّا. . . هُوَ الرَّحْمَنُ كان بنا رَؤُوفًا (٣) (رَوُوْفٌ) مثقل غير مهموز وهي قراءة أبي جعفر (٤).

стр. 1639

و (رؤُفٌ) مهموز مخفف وهي قراءة الباقين (١). واختيار (٢) أبي عبيد. قال جرير: تَرى لِلْمُسْلِمِيْنَ عَلَيْكَ حَقًّا. . . كَفِعْلِ الوَالِدِ الرَّؤُفِ الرَّحِيْمِ (٣) والرأفة: أشد الرحمة. * * *

стр. 1640

١٤٤ - قوله- : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية. اعلم أن أول (١) ما نسخ من أمر الشرع أمر (٢) القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا يصلون بمكة إلى الكعبة، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة وقَدِمَهَا لِلَيْلَتَيْنِ خلتا من شهر ربيع الأول أمره الله تعالى أن يصلي نحو صخرة بيت المقدس؛ ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إيَّاه إذا صلى إلى قبلتهم مع ما يجدون من (٣) نعته في التوراة. وهذا قول عامة المفسرين (٤). وقال عبد الرحمن بن زيد: قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ قال رسول الله ﷺ : "هؤلاء يهود يستقبلون بيتًا من بيوت الله فلو استقبلناه" فاستقبله النبي ﷺ (٥). قالوا جميعًا: فصلى النبي ﷺ وأصحابه نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرًا، وكانت

стр. 1641

الأنصار قد صَلَّت قِبَلَ بيت المقدس سنتين قَبْلَ قدوم النبي ﷺ ، وكانت الكعبة أحب القبلتين إلى رسول الله ﷺ (١). واختلفوا في السبب الذي كان ﵇ من أجله يَكْرَهُ قِبْلَةَ بيت المقدس ويهوى قبلة الكعبة: فقال ابن عباس: لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم (٢). وقال مجاهد: من أجل أن اليهود قالوا: يخالفنا محمَّد في ديننا ويتبع قبلتنا (٣). وقال مقاتل بن حيان: لَمَّا أُمِرَ رسول الله ﷺ أن يصلي نحو بيت المقدس، قالت اليهود: يزعم محمَّدٌ أنه نبي، وما نراه أحدث في نبوته شيئًا، أليس يصلي إلى قبلتنا ويستن بسنتنا؟ فإن كانت هذِه نبوة فنحن أقدم وأوفر نصيبًا. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فشق ذلك عليه وزاده شوقًا إلى الكعبة (٤). وقال ابن زيد: لما استقبل النبي ﷺ نحو (٥) بيت المقدس بلغه أن

стр. 1642

اليهود تقول: والله ما درى محمَّد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم (١). قالوا جميعًا: فقال رسول الله ﷺ لجبريل ﵇: "وددت أن الله تعالى صرفني عن (٢) قبلة اليهود إلى غيرها، فإني أبغضهم وأبغض موافقتهم" فقال جبريل: إنما أنا عبد مثلك ليس لِي من الأمر شيء، فاسأل (٣) ربك، فعرج جبريل ﵇ وجعل رسول الله ﷺ يدعو (٤) ويديم النظر إلى السماء رجاء أن ينزل عليه (٥) جبريل بما يحب من أمر القبلة، فأنزل الله : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ (٦) أي تَحَوُّلَ وتَصَرُّفَ وجهك يا محمَّد: ﴿فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ أي: فَلَنُحَوّلنَّكَ ولنصرفنك ﴿قِبْلَةً﴾ إلى قبلة ﴿تَرْضَاهَا﴾ أي تُحِبُّها وتهواهَا.

стр. 1643

﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: نحوه وقصده. قال الشاعر: وأظْعَنُ بِالقَوم شَطْرَ المُلُو. . . ك حَتَّى إذَا خَفَقَ المِجْدَح (١) أي: نحوهم. وهو نصب على الظرف و ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: المحرم، كالكتاب بمعنى المكتوب، والحساب بمعنى المحسوب ﴿حَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ في بر أو بحرٍ، سَهْلٍ أو جَبَلٍ، شرقٍ أو غربٍ ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فحولت القبلة في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين. وقال مجاهد وغيره: نزلت هذِه الآية ورسول الله ﷺ في مسجد بني سلمة -وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر- فتحول في الصلاة فاستقبل الميزاب وحول الرجال مكان النساء، والنساء مكان

стр. 1644

الرجال، فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين (١). قال ابن عباس: البيت كله قبلة، وقبلة البيت الباب، والبيت قبلة أهل المسجد، والمسجد قبلة أهل الحرم، والحرم قبلة أهل الأرض كلها (٢). فلما حوِّلت القِبْلَة إلى الكعبة قالت اليهود: يا محمد، ما أمرت بهذا -يعنون: القبلة- وما هو إلا شيء تبتدعه من تلقاء نفسك، فتارة تصلي إلى بيت المقدس، وتارة إلى الكعبة، فلو ثبتَّ على قبلتنا لكُنَّا نرجو أن تكون صاحبنا الذي كنا ننتظره؛ ورأيناكم تطوفون بالحجارة المبنية (٣) -وأرادوا الكعبة- فأنزل الله ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ (٤). يعني: أمر الكعبة ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وأنها قبلة إبراهيم

стр. 1645

عليه السلام، ثم هددهم فقال ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (١) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء، والباقون بالياء (٢). * * *

стр. 1646

١٤٥ - قوله ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا﴾ يعني يهود المدينة ونصارى نجران قالوا للنبي ﷺ : ائتنا بآية كما أتى بها الأنبياء قبلك، فأنزل الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ يعني الكعبة (١). قال الأخفش والزجاج: أجيبت (لئن) بـ (ما) لأنها بمعنى (لو) (٢). وقيل: إنها (٣) أجيبت بـ (ما) لما فيها (٤) من معنى اليمين، كأنه قال: والله لئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك (٥). ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ لأن اليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى تستقبل المشرق ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ مرادهم (٦) في أمر القبلة ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أنها حق وأنها قبلة إبراهيم ﴿إنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي الجاحدين الضارين أنفسهم.

стр. 1647

١٤٦ - قوله ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني: مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ يعني) (١) محمدًا ﷺ ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ من بين الصبيان. [٣٢٠] أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان (٢) قال: أنا أحمد بن محمد ابن شاذان (٣) قال: نا جيعويه بن محمد (٤) قال: نا صالح بن محمد (٥)، عن محمد بن مروان (٦) عن الكلبي (٧)، عن أبي صالح (٨)، عن ابن عباس (٩) قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة قال عمر بن الخطاب ﵁ لعبد الله بن سلام: قد (١٠) أنزل الله على نبيه ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ فكيف يا عبد الله هذِه المعرفة؟ فقال عبد الله بن سلام: يا عمر، لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان (١١) يلعب، وأنا أشد معرفة بمحمد ﷺ

стр. 1648

مِنِّي لابني. فقال عمر: وكيف ذلك (١)؟ قال: أشهد أنه رسول (الله ﷺ ) (٢) حقٌّ من الله، وقد نعته الله تعالى في كتابنا، ولا أدري ما يصنع النساء، فقال له عمر: وفقك الله يا (٣) ابن سلام فقد (٤) صدقت وأصبت (٥). ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ يعني: صفة محمد ﷺ وأمر الكعبة ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. ثم قال تعالى: ١٤٧ - ﴿الْحَقُّ﴾ أي: هذا الحق، خبر ابتداء مضمر، وقيل: رفع بإضمار فعل. أي: جاءك الحق. كما قال: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾ (٦). قرأ علي بن

стр. 1649

أبي طالب (الحقَّ من ربك) (١) نصبًا على الإغراء. وقوله ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي من (٢) الشاكين، مفتعل من المرية، والخطاب في هذِه الآية وفيما قبلها للنبي ﷺ والمراد به غيره وكل ما ورد عليك من هذا النحو (٣) فهو (٤) سبيله. ١٤٨ - قوله : ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ أي: ولكل أهل ملة قبلة ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ أي: مستقبلها ومقبلٌ إليها، يقال: وليته (٥) ووليت إليه: إذا أقبلت إليه، ووليت عنه: إذا أدبرت عنه. وأصل التولية الانصراف، وقرأ ابن عباس وابن عامر وأبو رجاء وسليمان بن عبد الملك (٦)،

стр. 1650

(هو مُولَّاها) (١) أي: مصروف إليها، وفي حرف أُبي: (ولكل قبلة هو موليها)، وفي حرف عبد الله: (ولكل جعلنا قبلة هو موليها) (٢). ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ فبادروا بالطاعات (٣) ومجازه: فاستبقوا إلى الخيرات أي لسبق بعضكم بعضًا، فحذف حرف الجر (٤)، كقول الراعي: ثنائي عليكم يا ابن حَرْب ومن يملْ. . . سواكم فإني مهتدٍ غير مائلِ (٥) أراد: ومن يمل إلى سواكم. ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا﴾ أنتم وأهل الكتاب ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ يوم القيامة، فيجزيكم بأعمالكم ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾. * * *
следующие страницы →