← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

١٤٥ - قوله ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا﴾ يعني يهود المدينة ونصارى نجران قالوا للنبي ﷺ : ائتنا بآية كما أتى بها الأنبياء قبلك، فأنزل الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ يعني الكعبة (١). قال الأخفش والزجاج: أجيبت (لئن) بـ (ما) لأنها بمعنى (لو) (٢). وقيل: إنها (٣) أجيبت بـ (ما) لما فيها (٤) من معنى اليمين، كأنه قال: والله لئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك (٥). ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ لأن اليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى تستقبل المشرق ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ مرادهم (٦) في أمر القبلة ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أنها حق وأنها قبلة إبراهيم ﴿إنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي الجاحدين الضارين أنفسهم.

стр. 1647

١٤٦ - قوله ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني: مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ يعني) (١) محمدًا ﷺ ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ من بين الصبيان. [٣٢٠] أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان (٢) قال: أنا أحمد بن محمد ابن شاذان (٣) قال: نا جيعويه بن محمد (٤) قال: نا صالح بن محمد (٥)، عن محمد بن مروان (٦) عن الكلبي (٧)، عن أبي صالح (٨)، عن ابن عباس (٩) قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة قال عمر بن الخطاب ﵁ لعبد الله بن سلام: قد (١٠) أنزل الله على نبيه ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ فكيف يا عبد الله هذِه المعرفة؟ فقال عبد الله بن سلام: يا عمر، لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان (١١) يلعب، وأنا أشد معرفة بمحمد ﷺ

стр. 1648

مِنِّي لابني. فقال عمر: وكيف ذلك (١)؟ قال: أشهد أنه رسول (الله ﷺ ) (٢) حقٌّ من الله، وقد نعته الله تعالى في كتابنا، ولا أدري ما يصنع النساء، فقال له عمر: وفقك الله يا (٣) ابن سلام فقد (٤) صدقت وأصبت (٥). ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ يعني: صفة محمد ﷺ وأمر الكعبة ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. ثم قال تعالى: ١٤٧ - ﴿الْحَقُّ﴾ أي: هذا الحق، خبر ابتداء مضمر، وقيل: رفع بإضمار فعل. أي: جاءك الحق. كما قال: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾ (٦). قرأ علي بن

стр. 1649

أبي طالب (الحقَّ من ربك) (١) نصبًا على الإغراء. وقوله ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي من (٢) الشاكين، مفتعل من المرية، والخطاب في هذِه الآية وفيما قبلها للنبي ﷺ والمراد به غيره وكل ما ورد عليك من هذا النحو (٣) فهو (٤) سبيله. ١٤٨ - قوله : ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ أي: ولكل أهل ملة قبلة ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ أي: مستقبلها ومقبلٌ إليها، يقال: وليته (٥) ووليت إليه: إذا أقبلت إليه، ووليت عنه: إذا أدبرت عنه. وأصل التولية الانصراف، وقرأ ابن عباس وابن عامر وأبو رجاء وسليمان بن عبد الملك (٦)،

стр. 1650

(هو مُولَّاها) (١) أي: مصروف إليها، وفي حرف أُبي: (ولكل قبلة هو موليها)، وفي حرف عبد الله: (ولكل جعلنا قبلة هو موليها) (٢). ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ فبادروا بالطاعات (٣) ومجازه: فاستبقوا إلى الخيرات أي لسبق بعضكم بعضًا، فحذف حرف الجر (٤)، كقول الراعي: ثنائي عليكم يا ابن حَرْب ومن يملْ. . . سواكم فإني مهتدٍ غير مائلِ (٥) أراد: ومن يمل إلى سواكم. ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا﴾ أنتم وأهل الكتاب ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ يوم القيامة، فيجزيكم بأعمالكم ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾. * * *

стр. 1651

١٤٩ - وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ (حيث) حرف يدل على الموضع وفيه ثلاث لغات: (حَيْثُ) بالياء ورفع الثاء، وهي لغة قريش وقراءة العامة، واختلفوا في وجه رفعها، فقيل: هو مبني على الضم، مثل منذ وقط، وقيل: رفع على الغاية، كقوله تعالى ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (١). و(حَيْثَ) بالياء ونصب الثاء، وهي قراءة عبيد بن عمير. قال الكسائي: إنما نصب بسبب الياء؛ لأنها ساكنة، وإذا اجتمع ساكنان في حرف حركوا الثاني إلى الفتح لأنه أخف الحركات، مثل ليت وكيف. و(حوْثُ) بالواو والضم (٢): وهي لغة ابن عمر، يروى أنه سئل أين يضع المصلي يده في الصلاة؟ فقال: ارم بهما حوثُ وقعتا (٣). ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّك وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.

стр. 1652

١٥٠ - قوله : ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ هي (لام كي) دخلت على (أن لا) فكتبت ياء (١) لكسرة ما قبلها، وترك بعضهم همزها تخفيفًا، والحجة: فُعْلَة من الحج وهو القصد، ومنه المَحجَّة وهي الطريق الواضح (٢) المسلوك؛ لأنه مقصود. ويقال للمخاصمة محاجَّة (٣) لقصد كل واحد من الخصمين إلى إقامة بينته وإبطال ما في يد صاحبه (٤). واختلف العلماء في تأويل هذِه الآية ووجه قوله ﴿إِلَّا﴾: فقال بعض أهل التأويل: معنى الآية: حُوِّلَت القبلة إلى الكعبة ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ إذا صليتم إليها (٥) فيحتجون عليكم ويقولون: لم تركتم التوجه إلى الكعبة وتوجهتم إلى غيرها لولا أنه (٦) ليست لكم قبلة ﴿إلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهم قريش واليهود، أما قريش فتقول: إنما رجع إلى الكعبة، لأنه عَلِمَ أنها قبلة آبائه وهي (٧) الحق؛ وكذا يرجع إلى ديننا ويعلم أنه الحق. وأما اليهود

стр. 1653

فإنهم يقولون: لم ينصرف عن (١) بيت المقدس مع علمه بأنه حق، إلا أنه إنما (٢) يفعل برأيه ويزعم أنه أمر به. وهذا القول اختيار المفضل بن سلمة الضبي. وهو قول صحيح مرضيّ (٣). وقال قوم: معنى الآية ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾ يعني: لأهل الكتاب ﴿عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ وكانت حجتهم على رسول الله ﷺ وأصحابه في صلاتهم نحو بيت المقدس أنهم كانوا يقولون: ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم نحن. وقولهم: يخالفنا محمد في ديننا ويتبع قبلتنا. فهذِه الحجة التي كانوا يحتجون بها على المؤمنين على وجه الخصومة منهم والتمويه بها على الجهال من المشركين. ثم قال ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ وهم مشركو مكة، وحجتهم أنهم قالوا لما صُرفت القبلة إلى الكعبة: إن محمدًا قد تحير في دينه فتوجه إلى قبلتنا وعلم أنَا أهدى سبيلًا منه، وأنه لا يستغني عنَّا، ويوشك أن يرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا. وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والربيع والسدي واختيار محمد ابن جرير الطبري (٤).

стр. 1654

وعلى هذين القولين ﴿إِلَّا﴾ استثناء) (١) صحيح على وجهه، نحو قولك ما سار أحدٌ من الناس إلا أخوك، فهو إثبات للأخ من السير ما هو منفي عن كل أحدٍ من الناس وكذلك قوله ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ نفي عن أن يكون لأحد حجة قبل رسول الله ﷺ وأصحابه بسبب تحولهم إلى الكعبة ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ من قريش فإن لهم قبلهم حجَّةً لما ذكرنا (٢). ومعنى (الحجة) في هذين القولين: الخصومة والدعوى الباطلة. كقوله: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ (٣) أي: لا خصومة، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ (٤) ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ﴾ (٥) و ﴿تُحَاجُّونَ﴾ (٦) (٧) و ﴿حَاجَجْتُمْ﴾ (٨) كلها بمعنى المخاصمة والمجادلة لا بمعنى الدليل والبرهان.

стр. 1655

وموضع ﴿الَّذِينَ﴾ خفض كأنه قال: إلا للذين ظلموا. فلما سقطت (١) اللام حلت ﴿الَّذِينَ﴾ محلها، قاله الكسائي (٢). وقال الفراء: موضعه نصب بالاستثناء وإنما قال ﴿مِنْهُمْ﴾ ردًّا إلى لفظ ﴿النَّاسِ﴾ لأنه عام، (وإن كان كل واحد منهما) (٣) غير الآخر والله أعلم. وقال بعضهم هذا استثناء منقطع من الكلام الأول. ومعناه (٤): لئلا يكون للناس كلهم عليكم حجة، اللهم إلا الذين ظلموا، فإنَّهم يحاجونكم بالباطل ويجادلونكم بالظلم. وهذا كما تقول (٥) في الكلام للرجل: الناس كلهم لك حامدون إلا الظالم لك (٦). يعني ذلك (٧) لا يعتد بتركه حمدك لعداوته لك. وكقولك (٨) للرجل: مالك عندي حق إلا أن تظلم، ومالك حجة إلا الباطل.

стр. 1656

والباطل (١) لا يكون حجة. وهذا استثناء من غير الجنس كقولك (٢): ليس في الدار إلا الوحش. وكقول النابغة: وقفتُ فيها أُصَيلانًا أُسائِلُها. . . عَيَّتْ جَوابًا وما بالرَّبعِ مِنْ أَحَدِ إلّا الأوارِيَّ لأيا ما أُبَيِّنُهَا. . . والنّؤْيَ كالحَوْضِ بالمَظْلومَةِ الجَلَدِ (٣) وهذا قول الفراء والمؤرِّج (٤). وقال أبو روق: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾ يعني: لليهود (٥) ﴿عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾

стр. 1657

وذلك أنهم قد عرفوا أن الكعبة قبلة إبراهيم ﵇، وقد كانوا وجدوا في التوراة أن محمدًا ﷺ سيحول إليها، فحوله الله تعالى إليها لئلا يكون لهم حجة فيحتجوا بأن هذا النبي الذي نجده في كتابنا سيحول إليها ولم تحول أنت، فلما حول النبي ﷺ ذهبت حجتهم، ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني إلا أن (١) يظلموكم فيكتموا ما عرفوا (٢). وقال الأخفش: معناه: لكن الذي ظلموا، كقوله ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ (٣) معناه (٤): لكن يتبعون الظن. وقوله ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ (٥) يعني لكن يبتغي وجه ربه، فيكون منفردًا عن الكلام الأول (٦). وروى (٧) أبو عبيد عن أبي عبيدة أنه قال: ليس موضع (إلا) هاهنا بموضع (٨) استثناء؛ لأنه لا يكون (٩) للظالم حجة، إنما هو في موضع

стр. 1658

واو العطف، كأنه قال: ولا الذين ظلموا. يعني: والذين ظلموا لا يكون لهم أيضًا حجة (١). أنشد المفضَّل: مَا بِالْمَدِيْنَةِ دَار غَيْرُ واحِدَةٍ. . . دَارُ الخَلِيْفَةِ إلَّا دَارُ مَرْوَانا (٢) يعني: ودار مروان. وأنشد أيضًا: وكُلُّ أخٍ مُفَارِقُهُ أخُوْهُ. . . لَعَمر أبِيْكَ إلا الفَرْقَدَان (٣) يعني: والفرقدان أيضًا يتفرقان. وأنشد الأخفش:

стр. 1659

وأرى لَهَا دَارًا بأغْدِرَةِ السيـ ... ـدان لَمْ يَدْرُسْ لَهَا رَسْمُ إلَّا رَمَادًا خَامِدًا دَفَعَت ... عَنْهُ الرِّيَاحَ (خَوَالِد) سُحْمُ (١) أراد: أرى دارًا ورمادًا. ويؤِّيِّد (٢) هذا القول: ما روى أبو بكر بن مجاهد عن بعضهم أنه قرأ: (إلى الذين ظلموا) مخففًا يعني: مع الذين ظلموا (٣). ومعنى الآية ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾ يعني: لليهود عليكم حجة في أمر الكعبة حيث لا تستقبلونها، وهي قبلة إبراهيم فيقولون لكم: تزعمون أنكم على دين إبراهيم ولا تستقبلون قبلته، ولا للذين ظلموا وهم مشركو مكة (٤)، لأنهم قالوا: إن الكعبة قبلة جدنا إبراهيم، فما بال محمد يُحوَّل

стр. 1660

عنها فلا يصلي إليها ويصلي إلى قبلة اليهود؟ وقال قطرب: معناها: إلا على الذين ظلموا، فيكون رده على الكاف والميم، أي: إلا على الذين ظلموا، فإن عليهم حجة (١) فحذف حرف الجر (٢). وهذا (٣) اختيار أبي منصور الأزهري (٤)، سمعت أبا القاسم الحبيبي يحكيها عنه. وحكي محمد بن جرير عن بعضهم أنه قال: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هاهنا: ناس من العرب كانوا يهودًا ونصارى فكانوا (٥) يحتجون على النبي ﷺ ، فأما سائر العرب فلم تكن له حُجَّة، وكانت حجة من احتج أيضًا داحضة باطلة، لأنَّك تقول لمن تريد أن تكسر حجته عليك: إن لك عليَّ حجة ولكنها منكسرة، وإنك لتحتج بلا حجة وحجتك ضعيفة. فمعنى الآية: إلا الذين ظلموا منهم مِنْ أهْلِ الكتاب فإن لهم عليكم (٦) حجة داحضة (٧) واهية (٨).

стр. 1661

﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ في انصرافكم إلى الكعبة وفي تظاهُرهِم عليكم في المحاجَّة والمحاربَةِ فإني وَليكّم أظْهِركم عليهم بالحجة والنصرة ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ في تركها ومخالفتها ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ (عطف على قوله ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ ولكي أتم نعمتي عليكم) (١) بهدايتي إياكم إلى قبلة إبراهيم فَتَتِمُّ لكم الملة الحنيفية. وقال علي بن أبي طالب ﵁: تمام النعمة: الموت على الإسلام (٢). وروي عنه أيضًا أنه قال: النعم ستة: الإسلام، والقرآن، ومحمد ﷺ ، والستر، والعافية، والغني عما في أيدي الناس (٣). ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ في (لعلّ) ست لغات: علَّ، ولعلَّ، ولعنَّ (٤)، وعنَّ، ورعنَّ (٥)، ولَعَا. ولها ستة أوجه (٦):

стр. 1662

هي من الله واجبة (١). ومن الناس على معانٍ: قد تكون بمعنى الاستفهام، كقول القائل: لعلك فعلت ذلك؟ (٢) مستفهمًا. وتكون بمعنى الظن، كقول القائل: قدم فلان. فيرد عليه المراد: لعل ذلك. بمعنى أظن وأرى ذلك. ويكون بمعنى: الإيجاب بمنزلة ما أخلقه، كقولك: قد وجبت الصلاة. فيرد المراد: لعل ذلك أي ما أخلقه، وأنشد الفراء (٣): لَعَلَّ المَنايَا مَرَّةً سَتَعُوْدُ ... وآخِرَ عَهْدِ الثَّائِرينَ جَدِيدُ (٤) وتكون بمعنى التمني والترجي، كقولك (٥): لعل الله أن (٦) يرزقني مالًا، ولعلي أحج. وأنشد الفراء: لَعَلّي فِي هدى أمِّي وَجَوْرِي ... وَتَقْطِيعِي التَّنُوفَةَ وَاحْتِيَالِي

стр. 1663

سَتُوْشِكُ أنْ تَتِيحَ إلَي كَرِيمِ ... يَنَالُكَ بِالنَّدى قَبْلَ السُّؤَالِ وتكون بمعنى: (عسى). تكون لما (١) يراد ولا يكون، كقوله: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ (٢) أي: عسى أبلغ (٣)، وقال أبو دُؤَاد (٤): فَأَبْلُوْنِي بَلِيَّتَكُم لَعَلّي. . . أصَالِحُكُم وأسْتَدْرج نَوَيّا (٥) أي نواي. وتكون بمعنى (كي)، على الجزاء، كقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ

стр. 1664

نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ (١) يعني (٢) لكي يفقهوا، ونظائرها (٣) كثيرة، فقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: ولكي تهتدوا من الضلالة. قال الربيع: خاصم يهودي أبا العالية فقال: إن موسى كان يصلي إلى صخرة بيت المقدس. فقال أبو العالية: كان يصلي عند الصخرة إلى البيت الحرام، قال: فبيني وبينك مسجد صالح فإنه تحته من الجبل. قال أبو العالية: قد صليت فيه وقبلته إلى البيت الحرام (٤). قال: وأخبرني أبو العالية أنَّهُ مَرَّ عَلَى مسجد ذي القرنين وقبلته إلى الكعبة. ١٥١ - قول : ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ هذِه الكاف للتشبيه، وتحتاج إلى شيء ترجع إليه (٥). فاختلفوا فيه: فقال بعضهم: هو راجع إلى ما قبله (٦)، والكاف من صلة ما قبلها، تقديره: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي * وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ (٧). فيكون إرسال الرسول شرطًا للخشية ومؤذنًا بإتمام النعمة.

стр. 1665

وقيل: معناه: ولعلكم تهتدون كما أرسلنا (١). وقال محمد بن جرير: إنَّ إبراهيم ﵇ دعا بدعوتين فقال: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ (٢) فهذِه الدعوة الأولى. والدعوة الثانية قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الآية (٣)، فبعث الله الرسول وهو محمد ﷺ ، ووعده في هذِه الآية أن يجيب الدعوة الثانية بأن يجعل من ذريته أمَّةً مسلمة، فمعنى الآية: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ ببيان شرائع ملتكم الحنيفية، وأهديكم لدين خليلي إبراهيم: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ يعني: فكما أجَبْتُ دعوته بانْبِعَاث الرسول، كذلك (٤) أجيْبُ (٥) دعوته بأنْ أهْدِيَكم لدينه وأجعلكم مسلمين (٦)، فهذا على قول من يجعله متصلًا بما قبله (٧) وجوابًا للآية الأولى، وهو اختيار الفراء (٨). وقال بعضهم: إنها متعلقة بما بعدها، وهو قوله:

стр. 1666

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ تقديرها: كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم فاذكروني أذكركم. فيكون جزاء له جوابان: مقدَّم ومؤخَّر، كما تقول: إذا جاءك فلان فأتِهِ تُرْضِه. فقولك (١): فأته ترضه. جوابان لقوله: إذا جاءك. وكقولك: إن تأتني أحْسِنْ إلَيْكَ أكْرِمْكَ. وهذا قول مجاهد وعطاء والكلبي ومقاتل والأخفش وابن كيسان، واختيار الزجاج (٢). وهذِه الآية خطاب للعرب وأهل مكة يعني: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ يا معشر العرب ﴿رَسُولًا مِنْكُمْ﴾: محمدًا ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ يعني: القرآن ﴿وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ من الأحكام وشرائع الإسلام. * * *

стр. 1667

١٥٢ - قوله : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قال ابن عباس: أذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي (١)، بيانه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (٢). وقال سعيد بن جبير: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي (٣)، بيانه قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ (٤). وقال فضيل بن عياض: فاذكروني بطاعتي أذكركم بثوابي (٥)، بيانه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ الآية (٦). ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "من أطاع الله فقد ذكر الله، وإن قَلَّتْ صلاته وصيامه وتلاوته للقرآن، ومن عصى الله فقد نسي الله، وإن

стр. 1668

كثُرَتْ صلاته وصيامه وتلاوته القرآن" (١). وقيل: اذكروني بالتوحيد والإيمان أذكركم بالدرجات والجنان (٢). بيانه قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي﴾ الآية (٣). وقال أبو بكر الصديق ﵁: كفى بالتوحيد عبادةً، وكفى بالجنة ثوابًا (٤).

стр. 1669

وقال ابن كيسان: اذكروني بالشكر أذكركم بالزيادة (١)؛ بيانه قوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٢). وقيل: اذكروني على ظهر الأرض أذكركم في بطنها. قال الأصمعي: رأيت أعرابيًّا واقفًا (٣) يوم عرفة بعرفات وهو يقول: إلهي عجَّتْ إليك الأصوات بضروب (٤) اللغات يسألونك الحاجات، وحاجتي إليك أن تذكرني عند البلى إذا نسِيَني أهل الدنيا. وقيل: اذكروني في الدنيا أذكركم في العقبى. وقيل: اذكروني بالطاعات أذكركم بالمعافاة (في الآخرة) (٥)، دليله قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (٦). وقيل: اذكروني في الخلاء والملأ أذكركم في الخلاء (٧) والملأ (٨)، بيانه ما روي في الخبر أن الله تعالى قال في بعض

стр. 1670

الكتب: "أنا عند ظن عبدي بي فليظن عبدي (١) بي ما شاء، وأنا معه إذا ذكرني، فمن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ (٢) ذكرته في ملأ خير منه (٣)، ومن تقرَّب إليَّ شبرًا تقرَّبت إليه ذراعًا، ومن تقرَّب إليَّ ذراعًا تقرَّبت إليه باعًا، ومن أتاني مَشْيًا أتيته هَرْوَلةً، ومن أتاني بقراب الأرض (٤) خطيئة أتيته بمثلها مغفرة بعد أن لا يشرك بي شيئًا" (٥).

стр. 1671

وقيل: اذكروني في النعمة والرخاء أذكركم في الشدة والبلاء (١). بيانه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ (٢). وقال سلمان الفارسي ﵁: إن العبد إذا كان دعَّاءً في السراء، فإذا نزل به البلاء قالت الملائكة: عبدك قد نزل به البلاء. فيشفعون له فيجيبه الله تعالى، وإذا لم يكن دعَّاءً قالوا: آلآن! فلا يشفعون له (٣): بيانه قصة فرعون: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ الآية (٤). وقيل: اذكروني بالتسليم والتفويض أذكركم بأصلح الاختيار، بيانه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٥).

стр. 1672

وقيل: اذكروني بالشوق والمحبة أذكركم بالوصل والقرْبَةِ. وقيل: اذكروني بالحمد والثناء أذكركم بالجزاء. وقيل: اذكروني بالتوبة أذكركم بغفران الحوبة. وقيل (١): اذكروني بالدعاء أذكركم بالعطاء. وقيل (٢): اذكروني بالسؤال أذكركم بالنَّوال، اذكروني بلا غفلة أذكركم بلا مهلة، اذكروني بالندم أذكركم بالكرم، اذكروني بالمعذرة أذكركم بالمغفرة، اذكروني بالإرادة أذكركم بالإفادة، اذكروني بالتنصُّل أذكركم بالتَّفَضُّل، اذكروني بالإخلاص أذكركم بالخلاص اذكروني بالقلوب أذكركم بكشف الكروب (٣)، اذكروني بلا نسيان أذكركم بالأمان، اذكروني بالافتقار أذكركم بالاقتدار، اذكروني بالاعتذار والاستغفار أذكركم بالرحمة والاغتفار، اذكروني بالإيمان أذكركم بالجنان، اذكروني بالإسلام أذكركم بالإكرام، اذكروني بالقلب أذكركم برفع (٤) الحجب، اذكروني ذكرًا فانيًا أذكركم ذكرًا باقيًا، اذكروني بالابتهال أذكركم بالإفضال، اذكروني بالتذلل أذكركم بعفو الزلل، اذكروني بالاعتراف أذكركم بمحو الاقتراف، اذكروني بصفاء السر أذكركم بخالص (٥) البر، اذكروني بالصدق أذكركم بالرفق، اذكروني بالصَّمْوِ أذكركم بالعفو، اذكروني بالتعظيم أذكركم

стр. 1673

بالتكريم، اذكروني بالتكبير أذكركم بالتطهير، اذكروني بالتمجيد (١) أذكركم بالمزيد، اذكروني بالمناجاة أذكركم بالنجاة، اذكروني بترك الجفاء أذكركم بحفظ الوفاء، اذكروني بترك الخطا أذكركم بأنواع العطا، اذكروني بالجهد في الخدمة أذكركم بإتمام النعمة، اذكروني من حيث أنتم أذكركم من حيث أنا: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٢) (٣). قال الربيع في هذِه الآية: إن الله ذاكرٌ من ذكره، وزائدٌ من شكره، ومعذّبٌ من كفره (٤). وقال السدي فيها: ليس من عبدٍ يذكر الله إلا ذكره الله، لا يذكره مؤمن إلا ذكرَهُ بالرحمة ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب (٥). وقال سفيان بن عيينة: بلغنا أن الله قال: أعطيت عبادي ما لو أعطيته جبريل وميكائيل، كنت قد أجزلت لهما، قلت: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، وقلت لموسى: قل لِلظَّلَمَةِ لا يَذْكُرُوني؛ فَإنِّي أذْكُرُ مَنْ

стр. 1674

ذكرني، وإنَّ ذكري إيَّاهمْ أن ألْعَنَهُم (١). وقال أبو عثمان النهدي: إني لأعْلم حين يَذْكُرني ربي ، قيل: وكيف ذلك (٢)؟ قال: إن الله قال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ فإذا ذكرت الله ذكرني (٣). ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ نعمي (٤) ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. ١٥٣ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ بالعون والنصرة (٥). ١٥٤ - قوله : ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ نزلت في قتلي بدر من المسلمين، وكانوا أربعة عشر رجلًا: ثمانية من الأنصار، وستة من المهاجرين، وذلك أن الناس كانوا يقولون للرجل يقتل في سبيل الله: مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ

стр. 1675

أَموَت﴾ (١). أي: هم أموات ﴿بَل﴾ هم (٢) ﴿أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أنهم كذلك. قال رسول الله ﷺ : "إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تسرح في الجنة، تأكل من ثمار الجنة وتشرب (٣) من ألبانها (٤) وتأوي بالليل إلى قناديل من نور معلقةٍ بالعرش" (٥)

стр. 1676

وقال الحسن: إن الشهداء أحياء عند الله، تعرض أرزاقهم على أرواحهم؛ فيصل إليهم الرَّوح والفَرَح، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدْوَةً (١) وعشيَّةً؛ فيصل إليهم الوجع (٢). وقال أبو اليسار السلمي (٣): أرواح الشهداء في قِبَاب بيضٍ من قباب الجنة، في كل قبة زوجتان رزقهم في كل يوم طلعتْ فيه الشمس ثَوْرٌ وَحُوْتٌ، فأما الثور: ففيه طعم كل ثمرةٍ في الجنة، وأما الحوت: ففيه طعم كل شراب في الجنة (٤). وقال قتادة في هذِه الآية: كنا نحدث أنَّ أرواح الشهداء تعارف في طير (٥) بيض يأكلن من ثمار الجنة، وأنَّ مساكِنَهُم (٦) في سِّدْرَة (٧) المنْتَهَي، وأنَّ للمجاهد في سبيل الله ثلاثَ خصال: من قتل في سبيل الله منهم صار حيًّا مرزوقًا، ومن غلبَ آتاهُ الله أجرًا عظيمًا، ومن مات رزقُه الله رزقًا حسنًا (٨).

стр. 1677

[٣٢١] أخبرنا أبو بكر الحِمْشاذِي (١)، قال: أنا أبو بكر القطيعي (٢)، قال: نا عبد الله بن أحمد (٣)، قال: حدثني أبي (٤)، قال: نا زيد بن يحيى الدمشقي (٥)، قال نا ابن ثوبان (٦)،

стр. 1678

عن أبيه (١)، عن مكحول (٢)، عن كثير بن مُرَّة (٣)، عن قيس الجذامي (٤) رجل كانت له صحبة قال: قال رسول الله ﷺ : "يُعْطَى الشهيدُ ستَّ خصال عند أول قطرة من دمه: تكفر عنه كل خطيئةٍ، وبرى مقعده من الجنة، ويزوَّج من الحور العين، ويؤمَّن من الفزع الأكبر، ومن عذاب القبر، ويحلي حلَّةَ (٥) الإيمان" (٦).

стр. 1679

١٥٥ - قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أي: ولنختبرنكم يا أمة محمد ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ الآية. قال ابن عباس: الخوف يعني: خوف العدو (١) ﴿وَالْجُوعِ﴾ يعني: المجاعة والقحط ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ يعني: الخسران والنقصان في المال وهلاك المواشي ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ يعني: الموت والقتل، وقيل: المرض، وقيل: الشيب (٢) ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ يعني: الجوائح، وأن لا تخرج الثمرة كما كانت تخرج. وقال الشافعي: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ يعني: خوف الله ﴿وَالْجُوعِ﴾: صيام شهر رمضان ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾: أداء

стр. 1680

الزكوات والصدقات ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾: الأمراض (١) ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾: موت الأولاد؛ لأن ولد الرجل ثمرة قلبه (٢). يدل عليه ما: [٣٢٢] أخبرنا أحمد بن أُبيٍّ (٣) قال: أنا (٤) محمد بن عمران (٥)، قال: أنا الحسن بن سفيان (٦)، قال: نا حبان بن موسى (٧)، قال: أنا عبد الله بن المبارك (٨)، عن حماد بن سلمة (٩)، عن أبي سنان (١٠)،

стр. 1681

قال: دفنت ابني سنانًا، وأبو طلحة الخولاني (١) على شفير القبر جالس، فلما أردت الخروج أخذ بيدي فانتشطني (٢) وقال: ألا أبشِّرك يا أبا سنان؟ قلت: بلى! قال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن بن عرْزب (٣)، عن أبي موسى الأشعري (٤) أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات ولد العبد، قال الله تعالى للملائكة: أقبضتم ولد

стр. 1682

عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: أقبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله : ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسمُّوه بيت الحمد" (١). ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ على البلايا والرَّزَايا، ثم نَعَتَهُم فقال: ١٥٦ - ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾ عبيدًا وملكًا ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ في الآخرة. وأمالَ نُصير (٢) النونَ في قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ وأَمالَ قتيبة النون واللام جميعًا، وفخَّمَهُما (٣) الآخرون (٤).

стр. 1683

وقال أبو بكر الوراق: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ إقرارًا مِنَّا له بالملك ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ إقرارًا على أنفسنا بالهلك (١). قال عكرمة: طفئَ سراج النبي ﷺ فقال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فقيل: يا رسول الله، أمصيبة هي؟ قال: "نعم، كلُّ شيء يؤذي المؤمن فهو لهُ مصيبة" (٢). وقال سعيد بن جبير: ما أعطي أحد في المصيبة ما أعْطِيَتْ هذِه الأمة -يعني: الاسترجاع- ولو أعْطيهَا أحد لأعطيها (٣) يعقوب ﵇، ألا تسمع إلى قوله في فقد يوسف: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ (٤) (٥).

стр. 1684

وقال رسول الله ﷺ : "من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفًا صالحًا يرضاه" (١). * * *

стр. 1685

[٣٢٣] أخبرنا أحمد بن أُبي (١) قال أنا محمد بن عمران (٢) قال: نا الحسن بن سفيان (٣) قال: نا ابن أبي شيبة (٤) قال: نا وكيع (٥)، عن هشام ابن زياد (٦)، عن أمِّه (٧) عن فاطمة بنت الحسين (٨)،
следующие страницы →