стр. 16171
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 18686
تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير
الثعلبي
Полный текст (16 476 стр.). Показаны 16171–16210 · переход к 16176.
стр. 16172
стр. 16173
أُتي سعيد بن جبير (١) بشربة عسل فقال: أما إن هذا من النعيم الذي يسأل الله (٢) عنه (٣).
وقال محمد بن كعب: يعني عما أنعم عليكم بمحمد ﷺ (٤) ودليل هذا التأويل قوله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ (٥).
عكرمة: عن الصحة والفراغ والمال.
سعيد بن جبير: عن الصحة والفراغ (٦) (٧) ودليله ما روي عن ابن
стр. 16174
عباس عن النبي ﷺ قال: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" (١).
وقال عروة بن محمد (٢): كنا مع وهب بن منبه فرأينا رجلًا أصم أعمى مقعدًا مجذومًا مصابًا، فقلنا (٣) لوهب: هل بقي على هذا (شيء من النعيم) (٤). قال: نعم، أعظمه يسيغه ما يأكل ويشرب، ويسهل عليه إذا خرج لذلك (٥) (٦).
قال بكر بن عبد الله المزني: يا لها من نعمة نأكل لذة ويخرج سرحًا (٧) (٨).
стр. 16175
стр. 16176
١٠٣ - سُورَة العصر
стр. 16177
سورة والعصر
مكية (١)، وهي ثمانية وستون حرفًا، وأربع عشرة كلمة، وثلاث آيات (٢).
[٣٦٣٢] أخبرنا كامل بن أحمد (٣)، أخبرنا محمد بن مطر (٤)، حدثنا إبراهيم بن شريك (٥)، حدثنا أحمد بن يونس (٦)، حدثنا سلام ابن سليم (٧)، حدثنا هارون بن كثير (٨)، عن زيد بن أسلم (٩)، عن أبيه (١٠)، عن أبي أمامة (١١)، عن أُبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة والعصر ختم الله له بالصبر، وكان مع أصحاب
стр. 16178
стр. 16179
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
١ - ﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾ قال ابن عباس: والدهر (١).
ابن كيسان: الليل والنهار، ويقال لهما: العصران وللغداة والعشي أيضًا عصران (٢) .
قال حميد بن ثور:
ولن يلبث العصران يومٌ وليلةٌ ... إذا طَلبَا أن يُدْرِكا ما تيمَّما (٣)
الحسن: بعد زوال الشمس إلى غروبها.
قتادة: آخر ساعة من ساعات النهار.
مقاتل: صلاة العصر وهي الوسطى (٤).
٢ - ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ خسران ونقصان (٥).
стр. 16180
وقال الأخفش: هلكة (١). الفراء: عقوبة (٢).
وقرأ الأعرج: (خُسُر) بضمتين (٣) .
٣ - ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فإنهم ليسوا في خسر.
﴿وَتَوَاصَوْا﴾ وتحاثّوا وأوصى بعضهم بعضًا.
﴿بِالْحَقِّ﴾ بالقرآن، عن (٤) الحسن وقتادة ومقاتل: بالإيمان والتوحيد.
وقيل: على العمل بالحق.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ على أداء الفرائض وإقامة أمر الله (٥).
وروى ابن عون عن إبراهيم قال: أراد أن الإنسان إذا عمر في الدنيا وهرم لفي نقص وضعف وتراجع، إلَّا المؤمنين فإنهم يكتب لهم أجورهم، ومحاسن أعمالهم التي كانوا يعملونها في حال شبابهم وقوتهم وصحتهم، وهي مثل قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ
стр. 16181
تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١) الآية. قال: وقِرَأَتُنَا (٢): (والعصر إن الإنسان لفي خسر، وإنه فيه إلى آخر الدهر) (٣)، وكذلك هي في قراءة ابن مسعود (٤)، وكان على ﵁ يقرءها: (والعصر ونوائب الدهر، إن الإنسان لفي خسر، وإنه فيه إلى آخر الدهر) (٥)، والقراءة الصحيحة ما عليه العامة والمصاحف.
[٣٦٣٣] أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن محمد بن حمدان الخطيب السجزي (٦) قراءة عليه، في رجب سنة ست وثمانين وثلاثمائة، حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن دلّان (٧)، أخبرنا
стр. 16182
القاضي منصور بن محمد (١)، حدثنا محمد بن أحمد البزاز (٢)، حدثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن داود بن سليمان الدينوري (٣)، حدثنا علي بن إسماعيل (٤)، حدثنا الحسن بن علقمة (٥)، حدثنا أسباط بن محمد (٦)، عن القاسم بن رفيعة (٧)، عن أبي أمامة، عن أبي بن كعب قال: قرأت على رسول الله ﷺ ﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾ فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله ما تفسيرها؟ فقال: " ﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾ قسم من الله، أقسم ربكم بآخر النهار ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ قال: "أبو جهل بن هشام ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أبو بكر الصديق ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ عمر بن الخطاب ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ عثمان بن عفان. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ علي بن أبي طالب" (٨).
стр. 16183
[٣٦٣٤] وأخبرنا أبو القاسم عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق المؤذن (١) بقراءتي عليه، أخبرنا أبو بكر محمد بن يوسف بن حاتم بن نصر (٢)، حدثنا الحسن بن عثمان (٣)، حدثنا أبو هشام محمد بن يزيد بن رفاعة (٤)، حدثنا عمي علي بن رفاعة (٥)، عن أبيه رفاعة (٦)، قال: حججت فوافيت (على عبد الله) (٧) بن عباس يخطب على منبر
стр. 16184
стр. 16185
١٠٤ - سُورَة الهُمَزَةِ
стр. 16186
سورة الهمزة
مكية (١)، وهي مائة وثلاثون حرفًا، وثلاث وثلاثون كلمة، وتسع آيات (٢).
[٣٦٣٥] أخبرني أبو الحسن محمد بن القاسم الفارسي (٣) (بقراءتي عليه) (٤)، حدثنا أبو عمرو إسماعيل بن نجيد بن أحمد بن يوسف السلمي (٥)، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد البوشنجي (٦)، حدثنا سعيد بن حفص (٧) قال: قرأت على معقل بن عبيد الله (٨)، عن عكرمة بن خالد (٩)، عن سعيد بن جبير (١٠)، عن ابن عباس، عن أُبي بن كعب قال: قال رسول الله
стр. 16187
стр. 16188
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
١ - ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾
قال: ابن عباس: هم (١) المشَّاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبراء العنت (٢).
سعيد بن جبير وقتادة: الهمزة الذي يأكل لحوم الناس ويغتابهم، واللمزة الطعَّان عليهم (٣). مجاهد: الهمزة الطعَّان في الناس، واللمزة الطعَّان في أنساب الناس (٤).
وقال أبو العالية والحسن وعطاء بن أبي رباح: الهمزة الذي يعيب
стр. 16189
стр. 16190
ابن زيد: الهمزة الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمزة الذي يلمزهم بلسانه ويعيبهم (١). سفيان الثوري: يهمز بلسانه ويلمز بعينه (٢).
ابن كيسان: الهمزة الذي يؤذي جليسه لسوء اللفظ، واللمزة الذي يكسر عينه على جليسه، ويشير برأسه، ويومض بعينه، ويرمز بحاجبه (٣). وهما لغتان للفاعل نحو سُخَرة وضُحكة للذي يسخر ويضحك من الناس.
وروي عن أبي جعفر والأعرج بسكون الميم فيهما، فإن صحت القراءة فهي بمعنى المفعول وهو الذي يتعرض للناس حتى يهمزوه، ويضحكوا منه، ويحملهم على الاغتياب (٤).
وقرأ عبد الله والأعمش (ويل للهمزة واللمزة) (٥)، وأصل الهمز الكسر والعضُّ على الشيء بالعنف، ومنه همز الحرف (٦)، ويُحكى
стр. 16191
أن أعرابيًا قيل له: أتهمز الفأرة؟ قال: الهِرةُ تهمِزُها (١)، وقال العجاج:
ومن همزنا رأيسَه تهشما (٢)
واختلف المفسرون فيمن نزلت هذِه الآية، فقال قوم: نزلت في جميل بن عامر الجمحي وإليه ذهب ابن أبي نجيح.
وقال الكلبي: نزلت في الأخنس بن شريق ووهب بن عمرو الثقفي وكان يقع في الناس ويغتابهم مقبلين ومدبرين.
وقال محمد بن إسحاق بن يسار: ما زلنا نسمع أن سورة الهمزة نزلت في أمية بن خلف الجمحي.
وقال مقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة وكان يغتاب النبي ﷺ ويطعن في وجهه.
وقال مجاهد وغيره: ليست بخاصة لأحد، بل كل من كانت هذِه صفته (٣).
стр. 16192
٢ - ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا﴾
قرأ شيبة ونافع وعاصم وابن كثير وأبو عمرو وأيوب بالتخفيف، واختاره أبو حاتم، وغيرهم بالتشديد واختاره أبو عبيد، واختلف فيه عن يعقوب (١). ﴿وعدده﴾ أحصاه، وقال مقاتل: استعدّه وذخّره، وجعله عتادًا له (٢).
وقرأ الحسن: (وعَددَه) بالتخفيف وهو بعيد (٣)، وقد جاء مثل ذلك في الشعر لما أبرزوا التضعيف (٤) خففوه. قال الشاعر:
стр. 16193
مهلًا أمامةُ قد جرَّبتِ (١) من خُلُقي ... إني أجود لأقوام وإن ضَنِنوا (٢)
أي ضنُّوا وبخلوا.
٣ - ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)﴾ في الدنيا.
٤ - ﴿كَلَّا﴾ ردّ عليه.
[٣٦٣٦] أخبرني ابن فنجويه (٣)، حدثنا ابن حبش (٤)، حدثنا أبو القاسم بن الفضل (٥)، حدثنا أبو زرعة (٦)، حدثنا ابن السرح (٧)، حدثنا ابن وهب (٨)، حدثني حرملة بن عمران (٩) أنه سمع عمر بن عبد الله مولى غُفرة (١٠) يقول: إذا سمعتَ الله يقول: ﴿كَلَّا﴾
стр. 16194
فإنما يقول: كذبت (١).
﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ ليقذفنَّ ويطرحنَّ (٢).
وقرأ الحسن: (لينبذان) بالألف على التثنية، يريد هو وماله ﴿فِي الْحُطَمَةِ﴾ وهي النار (٣)، سميت بذلك، لأنها تحطم، أي: تكِسر (٤).
٥ - ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)﴾
يعني: حتى (٥) يبلغ ألمها ووجعها (إلى القلب، والاطلاع والبلوغ قد يكونان بمعنى) (٦)، وحكي عن بعض (٧) العرب سماعًا متى طلعت
стр. 16195
أَرَضنا (١) بمعنى بلغت (٢)، ومعنى الآية أنها تأكل كل شيء منه، حتى تنتهي إلى فؤاده، قاله القرظي والكلبي (٣).
٨ - ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ مطبقة مغلقة (٤).
٩ - ﴿فِي عَمَدٍ﴾
قرأ أهل الكوفة (إلَّا حفصًا) (٥) بضمتين، غيرهم بالنصب.
واختاره أبو حاتم (٦) لقوله: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ (٧) وهما جمعان للعمود مثل أديم وأَدَم وأُدُم (٨)، وأَفَيق (٩) وأفَقَ
стр. 16196
وأفُق (١) وقَضيم (٢) وقَضم وقُضُم (٣) قاله الفراء (٤). وقال أبو عبيدة: هو جمع عماد مثل أَهَاب، وأَهَب، وأُهُب (٥).
﴿مُمَدَّدَةٍ﴾ قراءة العامة بالخفض على نعت العبد، وقرأ عاصم الجحدري: (ممدة) بالرفع، وجعلها نعتًا للمؤصدة (٦).
واختلفوا في معنى الآية فقال ابن عباس: أدخلهم في عمد فمدت عليهم بعماد، وفي أعناقهم السلاسل فشدت عليهم بها الأبواب (٧). وقال قتادة: بلغنا أنها عمد يعذبون بها في النار (٨).
стр. 16197
وقيل: هي عمد موتدة على أبوابها ليتأكد إياسهم (١) منها (٢).
وقيل: معناه: إنها عليهم مؤصدة بعمد، وكذلك هي قراءة عبد الله بعمد بالباء (٣).
[٣٦٣٧] أخبرنا عبد الله بن حامد (٤) (حدثنا ابن شاذان (٥)، حدثنا جيغويه) (٦) (٧)، حدثنا صالح بن محمد (٨)، حدثنا سليمان بن عمرو (٩)، عن أبان (١٠)، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن كيّس فطن حذر وقَّاف متثبت (١١) لا يعجل، عالم، ورع، والمنافق همزة، لمزة، حطمة، كحاطب الليل لا يبالي من أين كسب وفيما أنفق" (١٢).
стр. 16198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 16199
١٠٥ - سُورَة الفيل
стр. 16200
سورة الفيل
مكية (١)، وهي ستة وتسعون حرفًا، وثلاث وعشرون كلمة، وخمس آيات (٢).
[٣٦٣٨] أخبرني ناقل بن راقم (٣)، حدثنا محمد بن شاذة (٤)، حدثنا أحمد بن الحسن (٥)، حدثنا محمد بن يحيى (٦)، حدثنا سلم ابن قتيبة (٧)، عن شعبة (٨)، عن عاصم (٩)، عن زر (١٠)، عن أُبي قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة الفيل، عافاه الله تعالى أيام حياته في الدنيا من القذف والمسخ" (١١).
стр. 16201
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
١ - ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)﴾
(ذكر القصة) (١).
قال محمد بن إسحاق بن يسار: كان من حديث أصحاب الفيل فيما ذكر بعض (٢) أهل العلم عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس ﵄، وعمن لقي من علماء أهل (٣) اليمن وغيرهم أن ملِكًا من ملوك حمير يقال له: زُرعة ذو نواس، كان قد تهوَّد، استجمعت معه حمير على ذلك، إلَّا ما كان من أهل نجران فإنهم كانوا على النصرانية على أصل حكم الإنجيل (٤)، ولهم رأس يقال له: عبد الله ابن الثامر (٥) فدعاهم إلى اليهودية فأبوا فخيرهم فاختاروا القتل فخدَّ لهم أخدودًا، وصنفَّ لهم أصناف القتل فمنهم من قتله صبرًا، ومنهم من خدَّ له فألقاه (٦) في النار، إلَّا رجلًا من أهل سبأ، يقال له: دوس بن ثَعْلبان، فذهب (٧) على فرسٍ له فركض (٨) حتى
стр. 16202
أعجزهم في الرمل، فأتى قيصر فذكر له ما بلغ منهم واستنصره. فقال: بعُدت بلادك عنا، ولكنِّي سأكتب لك إلى ملك الحبشة فإنه على ديننا فينصرك. فكتب له إلى النجاشي يأمره بنصره، فلما قدم على النجاشي (بكتاب قيصر) (١) بعث معه رجلًا من أهل الحبشة يقال له أرياط، فلما بعثه قال (٢): إن دخلت اليمن فاقتل ثلث رجالها، وأخرب ثلث بلادها، وابعث ثلث سباياها (٣)، فلما دخلها ناوش شيئًا من قتال فتفرقوا عن ذي نواس، وخرج به فرسه فاستعرض به البحر فضربه فهلكا جميعًا فكان آخر العهد به، ودخلها أرياط فعمل بما أمر به (٤) النجاشي، فقال ذو جدن الحميري فيما أصاب أهل اليمن ونزل بهم (٥):
стр. 16203
دعيني لا أبا لك لم (١) تطيقي ... لحاك الله قد أنزفتِ ريقي
إذا (٢) عزف القيان إذا انتشينا ... وإذ نُسقَى من الخمر الرحيق
وشُرْبُ الخمرِ ليس عليَّ عارٌ (٣) ... إذ لم يشكني فيها رفيقي (٤)
وغُمْدان الذي بنيت عليه (٥) ... بنوه ممسكًا في رأس نيق (٦)
مصابيح السليط (٧) تلوح (٨) فيه ... إذا يمسي كتوماض (٩) البروق
стр. 16204
فأصبح بعد جِدَّته رمادًا ... وغَيَّر حسنه لهب الحريق (١)
وأسلم ذو نواس مستكينًا ... وحذَّر قومه ضنك المضيق (٢)
قال: فأقام أرياط باليمن، وكتب إليه النجاشي أن أثبت بجندك ومن معك، فأقام حينًا، ثم إن أبرهة بن الصبَّاح ساخطه في أمر الحبشة، حتى انصدعوا صدعين، فكانت (٣) معه طائفة، ومع أبرهة طائفة ثم تزاحفا، فلما دنا بعضهم من بعض (٤) أرسل أبرهة إلى أرياط أنك لا تصنع بأن يلقى الحبشة بعضها بعضًا شيئًا حتى تفانى (٥)، ولكن أخرج إليَّ فأيُّنا قتل (٦) صاحبه انضم إليه الجند، فأرسل إليه إنك قد أنصفت، ثم خرجا فكان أرياط جسيمًا عظيمًا
стр. 16205
وسيمًا في يده حربته (١)، وكان أبرهة رجلًا قصيرًا حادرًا (٢) لحيمًا، وكان ذا دين في النصرانية، وخلف أبرهة وزيرًا له يقال له عتودة، فلما دنوا رفع أرياط الحربة فضرب بها رأس أبرهة، فوقعت على جبينه فشرمت عينه وجبينه (٣) وأنفه وشفته، فبذلك سمي الأشرم، وحمل عتودة على أرياط فقتله، فاجتمعت الحبشة لأبرهة، وقال عتودة في قتل أرياط:
أنا عتودة من خلفه أردّه
لا أب ولا أم تحده (٤)
وقال أبرهة: ما كان لك قتله يا عتودة ولا ديته (٥)، قال: فبلغ (٦) النجاشي ما صنع أبرهة فغضب (٧)، وحلف لا يدع أبرهة حتى يجُزَّ ناصيته ويطأ بلاده، وكتب إلى أبرهة إنك عدوت على أميري، فقتلته بغير أمري، وكان أبرهة رجلًا ماردًا، فلما بلغه ما كان من قول النجاشي حلق رأسه، وملأ جرابًا من تراب أرضه، وكتب إلى النجاشي: أيها الملك إنما كان أرياط عبدك وأنا عبدك اختلفنا (٨)
стр. 16206
في أمرك، وكنت أعلم بالحبشة وأسوس لها، وقد كنت أردته على أن يعتزل، وأكون أنا أسوسه فأبى فقتلته، وقد بلغني الذي حلف عليه الملك، وقد حلقت رأسي فبعثت به إليه، وبعثت إليه بجراب من تراب أرضي ليضعه تحت قدمه ويبرَّ بيمينه، فلما انتهى إليه ذلك رضي عنه، فأقره على عمله، وكتب إليه أن يثبت بمن معه من الجند، ثم إن أبرهة بنى كنيسة بصنعاء (لم يُبْنَ لملك مثلها قط) (١)، يقال لها: القُليَّس (٢)، وكتب إلى النجاشي: قد بنيت لك بصنعاء كنيسة لم يبن لملك مثلها قط، ولست منتهيًا حتى أصرف إليها حج العرب، فسمع (٣) بذلك رجل من بني مالك بن كنانة فخرج إلى القُليَّس فدخلها ليلًا فقعد فيها (٤)، فبلغ أبرهة ذلك، ويقال: إنه أتاها ناظرًا إليها فدخلها أبرهة فوجد تلك العذرة، فقال: من اجترئ عليّ. فقيل: صنع ذلك رجل من العرب من أهل ذلك البيت، سمع بالذي قلت وصنع هذا (٥)، فحلف أبرهة عند ذلك ليسيرنَّ إلى الكعبة فيهدمها، فخرج سائرًا في الحبشة، وخرج معه بالفيل،
стр. 16207
فسمعت بذلك (١) العرب فأعظموه، وفظعوا منها (٢)، ورأوا جهاده حقًا عليهم (٣) فخرج ملك من ملوك حمير يقال له: ذو نفر بمن أطاعه من قومه، فقاتله فهزمه وأُخِذ ذو نفر فأُتي به (٤)، فقال: أيها الملك لا تقتلني فإن استبقائي خير لك (٥) من قتلي، فاستحياه وأوثقه (٦)، وكان أبرهة رجلًا حليمًا، ثم خرج سائرًا حتى دنا من بلاد خثعم، خرج نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلة خثعم شهران وباهش (٧)، ومن اجتمع إليه من قبائل اليمن، فقاتلوه فهزمهم وأخذ النفيل، فقال نفيل (٨): أيها الملك إني دليل بأرض العرب (فلا تقتلني) (٩) وهاتان يداي (١٠) على قومي بالسمع والطاعة. فاستبقاه، وخرج معه يدلُّه
стр. 16208
حتى إذا مرَّ بالطائف خرج إليه مسعود بن مغيث (١) في رجال من ثقيف، فقال: أيها الملك إنما نحن عبيدك ليس لك (٢) عندنا خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد، يعنون اللات، إنما تريد البيت الذي بمكة، نحن نبعث معك من يدلك عليه فبعثوا أبا رغال مولي لهم (٣).
فخرج (٤) حتى إذا كان بالمُغَمِّس (٥) مات أبو رغال، وهو الذي يُرجم قبره، وبعث أبرهة من المغمس رجلًا (٦) من الحبشة يقال له: الأسود بن مقصود على مقدمة خيله (٧) فجمع إليه أموال الحرم (٨)، وأصاب لعبد المطلب مائتي بعير، فقال عبد الله بن عمر (٩) بن مخزوم:
اللهم أخز الأسود بن مقصود
الآخذ الهجمة (١٠) ذات التقليد
стр. 16209
بين (١) حراء فثبير (٢) فالبيد (٣)
فضمها إلى طمَّاطم سود (٤)
قد أجمعوا أن لا يكون معبود (٥)
ويهدموا بيت (٦) الحرام المعمود
والمروتين (٧) والمشاعر السود
حقَّر (٨) بهم ربي وأنت محمود
ثم إن أبرهة بعث حناطة الحميري إلى أهل مكة، وقال له سل عن شريفها (٩)، ثم أَبلِغه ما أُرسلك به، أخبره أني لم آت لقتال إنما جئت لأهدم البيت (١٠).
стр. 16210
فانطلق حتى دخل مكة، فلقي عبد المطلب بن هاشم، فقال: إن الملك أرسلني إليك لأخبرك أنه لم يأت لقتال إلَّا أن تقاتلوه، وإنما جاء لهدم هذا البيت، ثم الانصراف عنكم. فقال عبد المطلب: ماله عندنا قتال، وما لنا به يدان سنخلي بينه وبين ما جاء له. فقال: هذا (١) بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم ﵇ فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يُخلِّ بينه وبين ذلك فوالله ما لنا به قوة. قال (٢): فانطلق معي إلى الملك. فزعم بعض العلماء أنه أردفه على بغلة له كان عليها، وركب معه بعضُ بنيه، حتى قدم العسكر، وكان ذو نفر صديقًا لعبد المطلب فأتاه فقال: يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا. فقال: ما غناء رجل أسير (٣) لا يأمن (٤) أن يقتل بكرة أو عشيًا، ولكني سأبعث لك إلى أنيس سايس الفيل، فإنه لي صديق فأسأله (٥) أن يصنع لك عند الملك ما استطاع من خير ويُعظم خطرك ومنزلتك عنده. قال: فأرسل إلى أنيس، فأتاه فقال له: إن هذا سيد قريش، صاحب (٦) عير مكة، يُطعم (٧) الناس في السهل، والوحوش