← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 16206–16245 · переход к 16211.

стр. 16206

في أمرك، وكنت أعلم بالحبشة وأسوس لها، وقد كنت أردته على أن يعتزل، وأكون أنا أسوسه فأبى فقتلته، وقد بلغني الذي حلف عليه الملك، وقد حلقت رأسي فبعثت به إليه، وبعثت إليه بجراب من تراب أرضي ليضعه تحت قدمه ويبرَّ بيمينه، فلما انتهى إليه ذلك رضي عنه، فأقره على عمله، وكتب إليه أن يثبت بمن معه من الجند، ثم إن أبرهة بنى كنيسة بصنعاء (لم يُبْنَ لملك مثلها قط) (١)، يقال لها: القُليَّس (٢)، وكتب إلى النجاشي: قد بنيت لك بصنعاء كنيسة لم يبن لملك مثلها قط، ولست منتهيًا حتى أصرف إليها حج العرب، فسمع (٣) بذلك رجل من بني مالك بن كنانة فخرج إلى القُليَّس فدخلها ليلًا فقعد فيها (٤)، فبلغ أبرهة ذلك، ويقال: إنه أتاها ناظرًا إليها فدخلها أبرهة فوجد تلك العذرة، فقال: من اجترئ عليّ. فقيل: صنع ذلك رجل من العرب من أهل ذلك البيت، سمع بالذي قلت وصنع هذا (٥)، فحلف أبرهة عند ذلك ليسيرنَّ إلى الكعبة فيهدمها، فخرج سائرًا في الحبشة، وخرج معه بالفيل،

стр. 16207

فسمعت بذلك (١) العرب فأعظموه، وفظعوا منها (٢)، ورأوا جهاده حقًا عليهم (٣) فخرج ملك من ملوك حمير يقال له: ذو نفر بمن أطاعه من قومه، فقاتله فهزمه وأُخِذ ذو نفر فأُتي به (٤)، فقال: أيها الملك لا تقتلني فإن استبقائي خير لك (٥) من قتلي، فاستحياه وأوثقه (٦)، وكان أبرهة رجلًا حليمًا، ثم خرج سائرًا حتى دنا من بلاد خثعم، خرج نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلة خثعم شهران وباهش (٧)، ومن اجتمع إليه من قبائل اليمن، فقاتلوه فهزمهم وأخذ النفيل، فقال نفيل (٨): أيها الملك إني دليل بأرض العرب (فلا تقتلني) (٩) وهاتان يداي (١٠) على قومي بالسمع والطاعة. فاستبقاه، وخرج معه يدلُّه

стр. 16208

حتى إذا مرَّ بالطائف خرج إليه مسعود بن مغيث (١) في رجال من ثقيف، فقال: أيها الملك إنما نحن عبيدك ليس لك (٢) عندنا خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد، يعنون اللات، إنما تريد البيت الذي بمكة، نحن نبعث معك من يدلك عليه فبعثوا أبا رغال مولي لهم (٣). فخرج (٤) حتى إذا كان بالمُغَمِّس (٥) مات أبو رغال، وهو الذي يُرجم قبره، وبعث أبرهة من المغمس رجلًا (٦) من الحبشة يقال له: الأسود بن مقصود على مقدمة خيله (٧) فجمع إليه أموال الحرم (٨)، وأصاب لعبد المطلب مائتي بعير، فقال عبد الله بن عمر (٩) بن مخزوم: اللهم أخز الأسود بن مقصود الآخذ الهجمة (١٠) ذات التقليد

стр. 16209

بين (١) حراء فثبير (٢) فالبيد (٣) فضمها إلى طمَّاطم سود (٤) قد أجمعوا أن لا يكون معبود (٥) ويهدموا بيت (٦) الحرام المعمود والمروتين (٧) والمشاعر السود حقَّر (٨) بهم ربي وأنت محمود ثم إن أبرهة بعث حناطة الحميري إلى أهل مكة، وقال له سل عن شريفها (٩)، ثم أَبلِغه ما أُرسلك به، أخبره أني لم آت لقتال إنما جئت لأهدم البيت (١٠).

стр. 16210

فانطلق حتى دخل مكة، فلقي عبد المطلب بن هاشم، فقال: إن الملك أرسلني إليك لأخبرك أنه لم يأت لقتال إلَّا أن تقاتلوه، وإنما جاء لهدم هذا البيت، ثم الانصراف عنكم. فقال عبد المطلب: ماله عندنا قتال، وما لنا به يدان سنخلي بينه وبين ما جاء له. فقال: هذا (١) بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم ﵇ فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يُخلِّ بينه وبين ذلك فوالله ما لنا به قوة. قال (٢): فانطلق معي إلى الملك. فزعم بعض العلماء أنه أردفه على بغلة له كان عليها، وركب معه بعضُ بنيه، حتى قدم العسكر، وكان ذو نفر صديقًا لعبد المطلب فأتاه فقال: يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا. فقال: ما غناء رجل أسير (٣) لا يأمن (٤) أن يقتل بكرة أو عشيًا، ولكني سأبعث لك إلى أنيس سايس الفيل، فإنه لي صديق فأسأله (٥) أن يصنع لك عند الملك ما استطاع من خير ويُعظم خطرك ومنزلتك عنده. قال: فأرسل إلى أنيس، فأتاه فقال له: إن هذا سيد قريش، صاحب (٦) عير مكة، يُطعم (٧) الناس في السهل، والوحوش

стр. 16211

في رؤوس الجبال، وقد أصاب له الملك مائتي بعير، فإن استطعت أن تنفعه عنده فانفعه (١) فإنه صديق لي أحب ما وصل إليه من الخير (٢). فدخل أنيس على أبرهة فقال: أيها الملك هذا سيد قريش (٣) , وصاحب عير مكة الذي يُطعم الناس في السهل، والوحوش في رؤوس الجبال، يستأذن عليك، وأنا أحب أن تأذن له فيكلمك فقد جاء غير ناصب (٤) لك، ولا مخالف عليك. فأذن له أبرهة، وكان عبد المطلب رجلًا جسيمًا وسيمًا عظيمًا، فلما رآه أبرهة أعظمه وأكرمه، وكره أن يجلس معه على سريره (٥) فهبط إلى البساط فجلس عليه، ثم دعاه فأجلسه معه (٦)، ثم قال لترجمانه: قل له: ما (٧) حاجتك إلى الملك، فقال له الترجمان ذلك. فقال عبد المطلب: حاجتي إلى الملك أن يرد على مائتي بعير أصابها لي. فقال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد (٨) كنت أعجبتني حين رأيتك، ولقد زهدت فيك. قال: لم. قال: جئت إلى بيت هو دينك ودين

стр. 16212

آبائك وعصمتكم (١) لأهدمه، لم تكلمني فيه، وتكلمني في مائتي بعير أصبتها. قال عبد المطلب: أنا ربُّ هذِه الإبل، ولهذا البيت ربٌّ سيمنعه. قال: ما كان ليمنعه مني. قال: فأنت وذاك. فأمر بإبله فردت عليه. قال ابن إسحاق وكان فيما زعم بعض (٢) أهل العلم: قد ذهب عبد المطلب (٣) إلى أبرهة (٤) بعمرو بن نفاثة بن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وهو يومئذ سيد بني كنانة وخويلد بن واثلة الهذلي وهو يومئذ سيد بني هذيل فعرضوا على أبرهة ثلث أموال أهل تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت، فأبى عليهم. قال: فلما ردّت الإبل على عبد المطلب خرج وأخبر قريشًا الخبر وأمرهم (٥) أن يتفرقوا في الشعاب، ويتحرزوا في رؤوس الجبال خوفًا (٦) عليهم من معرة الجيش إذا دخل، ففعلوا. وأتى عبد المطلب الكعبة فأخذ بحَلْقة الباب، وجعل يقول (٧):

стр. 16213

يا رب لا أرجو لهم سواكا يا رب فامنع منهم حماكا إن عدو البيت من عاداكا امنعهم أن يخربوا قراكا (١) وقال أيضًا: لا هُمّ (٢) إنَّ العبد يمنع رحله ... وحلاله (٣) فامنع حلالك (٤) لا يغلبن صليبُهم ... ومحالُهم (٥) غدوًا محالك جروا جموع بلادهم ... والفيل كي يسبوا عيالك عمدوا حماك بكيدهم جهلًا ... وما رقبوا جلالك إن كنت تاركهم وكعبتنا ... فأمر ما بدالك

стр. 16214

ثم ترك عبد المطلب الحلقة وتوجه في بعض تلك الوجوه مع قومه (١)، وأصبح أبرهة بالمغمس وقد تهيأ للدخول، وعبأ جيشه، وهيأ فيله، وكان اسم الفيل محمودًا، وكان فيل النجاشي بعثه إلى أبرهة، وكان فيلًا لم يُرَ مثله في الأرض عظمًا وجسمًا وقوة، ويقال: كان معه اثنا عشر فيلًا (٢) فأقبل نفيل إلى الفيل الأعظم (٣) ثم أخذ بإذنه فقال له: ابرك محمودًا، وارجع راشدًا من حيث جئت فإنك في بلد الله الحرام (٤). فبرك الفيل (٥)، فبعثوه (٦) فأبى، فضربوه بالمعول في رأسه (٧) فأبى، فأدخلوا محَاجِنَهم تحت مراقه (٨) ومرافقه، فنزعوه ليقوم فأبى، فوجهوه راجعًا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، فصرفوه إلى الحرم فبرك وأبى أن يقوم، وخرج

стр. 16215

نفيل يشتد حتى أصعد في الجبل. وأرسل الله طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف (١) من كل طائر منها ثلاثة أحجار: حجران في رجليه، وحجر في منقاره، أمثال الحمص والعدس فلما غَشين (٢) القوم أرسلتها عليهم، فلم تصب تلك الحجارة أحدًا إلَّا هلك، وليس كل القوم أصابت وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا ويسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل بن حبيب حين رأى من أنزل الله بهم من نقمته: أين المفر والإله الطالب والأشرم المغلوب غير (٣) الغالب وقال نفيل أيضًا في ذلك: ألا حُيّيت عنا يا رُدينا نعمناكم مع الإصباح عينا رُدينةُ لو رأيتِ ولن (٤) تَرْيه لدى جنب المحصَّب ما رأينا إذًا لعذرتني وحمِدتِ أمري ولم تأسي على ما فات بينا

стр. 16216

حمدتُ الله إذ عاينتُ (١) طيرًا وخِفتُ حجارة تُلقي علينا فكل القوم يسأل عن نفيل كأن على للحُبْشان دَينا ونفيل ينظر إليهم من بعض (٢) تلك الجبال وقد صرخ القوم وماج بعضهم في بعض خرجوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون على (٣) وكل منهل، وبعث الله تعالى على أبرهة داءً في جسده فجعل يتساقط (٤) أنامله (٥) كلما سقطت أنملة اتبعتها مِدّة (٦) من قيح ودم فانتهى (٧) إلى صنعاء وهو مثل فَرْخ الطير فيمن بقي من أصحابه وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ثم هلك (٨). وزعم مقاتل بن سليمان أن السبب الذي جرَّ حديث أصحاب الفيل

стр. 16217

هو أن فتية من قريش خرجوا تجارًا إلى أرض النجاشي، فساروا حتى دنوا من ساحل البحر وفي سند (١) حِقْفٍ (٢) من أحقافها بيعة (٣) للنصارى تسميها قريش الهيكل، ويسميها النجاشي وأهل أرضه الماسرجسان (٤) فنزل القوم في سندها فجمعوا حطبًا ثم أججوا نارًا فاشتووا، فلما ارتحلوا تركوا النار كما هي في يوم عاصف فعجت الريح فاضطرم الهيكل نارًا، وانطلق الصريخ إلى النجاشي فأخبره فأسف عند ذلك غضبًا للبيعة فبعث أبرهة لهدم الكعبة. وقال فيه: وكان بمكة يومئذ أبو مسعود الثقفي، وكان مكفوف البصر يُصيِّف بالطائف، ويشتو بمكة، وكان رجلًا نبيهًا نبيلًا تستقيم (٥) الأمور برأيه، وهو أول فاتق وأول راتق (٦) , وكان خليلًا

стр. 16218

لعبد المطلب فقال عبد المطلب: يا أبا مسعود ماذا عندك هذا يوم لا يُستغنى فيه عن رأيك. فقال أبو مسعود: اصعد بنا حراء فصعد الجبل، فمكثا فيه (١) فقال أبو مسعود لعبد المطلب: اعمد إلى مائة من الإبل فاجعلها حرمًا لله وقلدِّها نعلًا، ثم أثبتها في الحرم، لعل بعض هذِه السودان يعقر منها فيغضب رب هذا البيت فيأخذهم. ففعل ذلك عبد المطلب، فعمد القوم إلى تلك الإبل فحملوا عليها، وعقروا بعضها، فجعل عبد المطلب يدعو. فقال أبو مسعود: إن لهذا البيت لربًّا يمنَعُه، فقد نزل تبّع ملك اليمن بصحن هذا البيت وأراد هدمه فمنعه الله وابتلاه، وأظلم عليه ثلاثة أيام، فلما رأى ذلك تُبَّع كساه القُباطّي (٢) البيض، وعظّمه ونحر له جُزُرًا. [ثم قال أبو مسعود لعبد المطلب] (٣): فانظر نحو البحر، فنظر عبد المطلب فقال: أرى طيرًا بيضًا نشأت من شاطئ (٤) البحر، فقال: ارمقها ببصرك، أين قرارها؟ قال أراها قد أرزت (٥) على

стр. 16219

رؤوسنا. قال: هل تعرفها؟ قال والله ما أعرفها، ما هي بنجدية، ولا تهامية (١)، ولا عدنية، ولا شامية، وإنها لطير بأرضنا غير مؤنَسَة (٢). قال: ما قَدُّها؟ قال: أشباه (٣) اليعاسيب (٤)، في مناقرها حصى كأنها حصى الخذف، قد أقبلت كالليل يكسع بعضها بعضًا أمام كل زُفَّة (٥) طيرٌ يقودها أحمر المنقار (٦)، أسود الرأس طويل العنق. فجاءت حتى إذا حازت (٧) بعسكر القوم ركبت فوق رؤوسهم فلما وافت (٨) الرعال كلها أهالت الطير (٩) ما في مناقيرها على من تحتها مكتوب في كل حجر اسم صاحبه، ثم إنها انصاعت راجعة من حيث جاءت، فلما أصبحا انحطا من ذروة الجبل فمشيا رتوة (١٠)،

стр. 16220

فلم يوفيا أحدًا ثم دنيا رتوة فلم يسمعا حسًّا، فقالا: بات القوم سامدين فأصبحوا نيامًا. فلما دنوا من عسكر القوم فإذا هم خامدون، وكان يقع الحجر على بيضة (١) أحدهم فيخرقها حتى يقع في دماغه، ويحرق الفيل والدابة، ويغيب الحجر (٢) في الأرض من شدة وقعه فعمد عبد المطلب فأخذ فأسًا من فؤوسهم فحفر حتى أعمق في الأرض فملأه من الذهب الأحمر، والجوهر الجيد، وحفر لصاحبه فملأه. ثم قال لأبي مسعود: هات خاتمك فاختر، إن شئت أخذت حفرتي (وإن شئت حفرتك) (٣)، وإن شئت فهما لك معًا، فقال أبو مسعود: اختر لي على نفسك. فقال عبد المطلب: إني لم آل أن اجعل أجود المتاع في حفرتي فهو (٤) لك. وجلس كل واحد منهما على حفرته، ونادى عبد المطلب في الناس فتراجعوا وأصابوا من فضلهما، حتى ضاقوا به ذرعًا وساد عبد المطلب بذلك قريشًا (٥)، وأعطته المقادة (٦) فلم يزل عبد المطلب وأبو مسعود في أهليهما في

стр. 16221

غنى من ذلك المال، ودفع الله عن كعبته وقبلته، فسلط عليهم جنودًا لا قبل لهم بها (١). وقال الواقدي بأسانيده: وجه النجاشي أرياط في أربعة آلاف إلى اليمن فغلب عليها، فأكرم الملوك، واستذل الفقراء، فقام رجل من الحبشة يقال له: أبرهة الأشرم أبو يكسوم. فدعا إلى طاعته فأجابوه فقتل أرياط، وغلب على اليمن فرأى الناس يتجمهرون أمام الموسم إلى الحج، فسأل أين يذهب الناس، فقالوا: يحجون بيتًا لله (٢) بمكة. قال: مما هو. قالوا من حجارة؟ قال فما كسوته، قالوا: مما يأتي من هاهنا والوصائل (٣)، قال والمسيح (٤) لأبنين لكم بيتًا (٥) خيرًا منه فبنى لهم بيتًا عمله بالرخام (٦) الأبيض والأحمر والأصفر والأسود، وحلّاه بالذهب والفضة، وحفّه بالجواهر، وجعل له أبوابًا عليها صفائح (٧) الذهب، ومسامير الذهب، وفصل

стр. 16222

بينهما بالجواهر، وجعل فيها ياقوتةً حمراء عظيمة، وجعل لها حُجَّاجًا، وكان يوقد بالمندلي (١)، ويَلْطَخ جدره بالمسك (٢) فيُسوِّدُها حتى تغيب الجواهر، وأمر الناس بحجه فحجه كثير (٣) من قبل العرب سنين، ومكث فيه رجال يتعبدون ويتألهون ونسكوا (٤) له، وكان نفيل الخثعمي يورض له ما يكره فأمهل فلما كان ليلة من الليالي لم ير أحدًا يتحرك (٥) فقام فجاء بعذرة فلطخ بها قبلته، وجمع جيفًا فألقاها فيه فأخبر أبرهة بذلك فغضب غضبًا شديدًا، وقال: إنما فعلت هذا العرب (٦) غضبًا لبيتهم، لأنقضنه حجرًا حجرًا، وكتب إلى النجاشي يخبره بذلك وسأله أن يبعث إليه بفيله محمود، وكان فيلًا لم يرَ مثله في الأرض، عظمًا، وجسمًا، وقوة، فبعث به إليه فلما قدم عليه الفيل سار أبرهة بالناس، ومعه ملك حمير ونفيل بن حبيب الخثعمي، فلما دنا من الحرم أمر أصحابه

стр. 16223

بالغارة على نعم الناس، فأصابوا إبلًا لعبد المطلب، وكان نفيل صديقًا العبد المطلب فكلمه في إبله فكلم نفيل أبرهة، فقال: أيها الملك قد أتاك سيد العرب، وأفضلهم قدرًا، وأقدمهم شرفًا، يحمل على الجياد، ويعطى الأموال، ويطعم الناس. فأَدخله على أبرهة، فقال: حاجتك، قال: ترد على إبلي. قال: ما أري ما بلغني عنك إلا الغرور، وقد ظننت أنك تكلمني في بيتكم الذي هو شرفكم. فقال عبد المطلب: أردد على إبلي، ودونك والبيت، فإن له ربًّا سيمنعه. فأمر برد إبله عليه (١)، فلما قبضها قلّدها النعال، وأشعرها، وجعلها هديًا وبثّها في الحرم لكي يصاب منها شيء، فيغضب رب الحرم، وأوفى عبد المطلب على حراء ومعه عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، ومطعم بن عدي، وأبو مسعود الثقفي، فقال عبد المطلب: لاهم أن المرء يمنع رحلها ... وحِلاله فامنع حِلالك الأبيات. قال: فأقبلت الطير من البحر أبابيل مع كل طير ثلاثة أحجار، حجران في رجليه، وحجر في منقاره، فقذفت الحجارة عليهم لا تصيب شيئًا إلَّا هشمته ولا تفك (٢) ذلك الموضع. وكان ذلك أول ما

стр. 16224

رُئي الجدري والحصبة (١)، والأشجار المرة (٢)، فأهمدتهم الحجارة، وبعث الله سيلًا (٣)، فذهب بهم إلى البحر فألقاهم فيه وولي (٤) أبرهة ومن بقي معه هُرّابًا (٥)، فجعل أبرهة يسقط عضوًا عضوا، وأما محمود فيل النجاشي فربض ولم يشجع على الحرم فنجا، وأما الفيل الآخر فشجع فحصب (٦). ويقال: كانت اثني عشر فيلًا (٧). قال أبو إسحاق: ولما ردَّ الله الحبشة عن مكة عظَّمت العرب قريشًا، وقالوا: أهل الله قاتل عنهم وكفاهم مؤنة عدوهم. وقال عبد الله بن عمر بن مخزوم في قصة أصحاب الفيل (٨): أنت الجليل ربنا لا تدنس (٩) أنت حبست الفيل بالمُغمس

стр. 16225

من بعدما همَّ بشرٍّ مبلس (١) حبسته في هيئة المكركس ومالهم من فرج ومنفس والمكركس: المنكوس المطروح. وقال أبو الصلت بن أمية في ذلك أيضًا: إن آيات ربنا بينات (٢) ... ما يماري بهن (٣) إلَّا الكفور (٤) حبس الفيل بالمغمس حتى ... ظلَّ يحبو كأنه معقور (٥) حوله من رجال كندة فتيان ... مصاليت (٦) في الحروب صقور (٧)

стр. 16226

غادروه (١) ثم أبْذعروا (٢) سراعًا ... كلهم عظم ساقه مكسور وقال الكلبي ومقاتل: كان صاحب الجيش أبرهة (٣)، وكان أبو يكسوم من ندمائه ووزرائه، فلما أهلكهم الله بالحجارة لم يفلت منهم إلَّا أبو يكسوم، فسار وطائر يطير فوقه ولم يشعر به حتى دخل على النجاشي فأخبره ما أصابهم، فلما استتمَّ كلامه رماه الطائر فسقط فمات، فأرى الله تعالى النجاشي كيف كان هلاك أصحابه. وقال الآخرون: أبو يكسوم هو أبرهة بن الصَّباح. وقال الواقدي: كان أبرهة جد النجاشي الذي كان في زمن رسول الله ﷺ (٤). واختلفوا في تاريخ الفيل، فقال مقاتل: كان أمر الفيل قبل مولد

стр. 16227

رسول الله ﷺ بأربعين سنة (١). وقال الكلبي وعبيد بن عمير: كان قبل مولد النبي ﷺ بثلاث وعشرين سنة (٢). وروي أنه كان في العام الذي ولد فيه رسول الله ﷺ ، وعليه أكثر العلماء، يدل عليه ما: [٣٦٣٩] أخبرنا أبو بكر الجوزقي (٣)، أخبرنا أبو العباس الدغولي (٤)، أخبرنا أبو بكر بن أبي خيثمة (٥)، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي (٦)، حدثنا عبد العزيز بن أبي ثابت (٧)، حدثنا الزبير ابن موسى (٨)، عن أبي الحويرث (٩)، قال: سمعت عبد الملك بن

стр. 16228

مروان (١) يقول لقباث بن أشيم الكناني الليثي (٢): يا قباث أنت أكبر أم رسول الله ﷺ قال: رسول الله ﷺ أكبر مني، وأنا أسنُّ منه، ولد رسول الله ﷺ عام الفيل ووقفت بي أمي على روث الفيل. وقالت عائشة: رأيت قائد الفيل وسايسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان (٣). التفسير: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)﴾ قال مقاتل: كان معهم فيل واحد (٤)، وقال الضحاك: كانت الفيلة ثمانية (٥). وإنما وحَّد على هذا التأويل لوفاق رؤوس الآي، أو يقال نسبهم إلى الفيل الأعظم (واسمه محمود) (٦). ٢ - ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢)﴾

стр. 16229

عما أرادوا من تخريب الكعبة، وقيل في بطلان وأباطيل. وقال مقاتل: في خسار (١). ٣ - ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ﴾ من البحر ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ كثيرة متفرقة يتبع بعضها بعضًا (٢). وقال عبد الرحمن بن أبزى: أقاطيع كالإبل المؤبلة (٣). قال الأعشى: طريق وجبَّار رِواءٌ أُصُولُه ... عليه أبابيلٌ من الطير تَنْعبُ (٤) وقال امرئ القيس: تراهم إلى الداعي سراعًا كأنهم ... أبابيل طير تحت دجن مسخر (٥) وقال آخر: كادت تُهَدُّ من الأصوات راحلتي ... إذ سالت الأرض بالجُرد الأبابيل (٦)

стр. 16230

واختلفوا في واحدها (١)، فقال الفراء: لا واحد لها من لفظها مثل الشماطيط (٢) والعباديد (٣) والشعارير (٤) كل هذا لا يفرد له واحد، قال: وزعم لي الرؤاسي وكان ثقة مأمونًا أنه سمع واحدها أبالة، ولقد سمعت من العرب من يقول: ضغث على إبّالة (٥): يريدون خِصب على خصب. قال: ولو قال قائل: واحدها إيباله كان صوابًا، مثل: دينار ودنانير، ويقال أيضًا للفضلة التي تكون على حمل (٦) الحمار، أو علف البعير: إيبالة، وقال الكسائي: كنت أسمع النحويين يقولون: واحدها أبوّل مثل: عِجوّل (٧)

стр. 16231

وعجاجيل (١)، وحكى محمد بن جرير عن بعض النحويين أن واحدها أبيل، يقال: جاءت الخيل أبابيل من هاهنا وهاهنا (٢). قال ابن عباس: لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب (٣). عكرمة: لها رؤوس كرؤوس السباع لم ير (٤) قبل ذلك ولا بعده (٥). ربيع (٦): لها أنياب كأنياب السباع (٧). وقالت عائشة ﵄: أشبه شيء بالخطاطيف (٨).

стр. 16232

سعيد بن جبير: طير خضر لها مناقير صفر (١). أبو الجوزاء: أنشأها الله في الهواء في ذلك الوقت (٢). ٤ - ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ قراءة العامة ترميهم بالتاء للطير، وقرأ طلحة وأشهب العقيلي: (يرميهم) بالياء (٣)، وهو اختيار أبي حنيفة ﵀ يعنون الله تعالى كقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٤) ويجوز أن يكون راجعًا إلى الطير لخلوها من علامات التأنيث (٥). ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ قال ابن مسعود: صاحت الطير ورمتهم بالحجارة، وبعث الله سبحانه ريحًا فضربت الحجارة فزادتها شدة، فما وقع منها حجر على رجل إلا خرج من الجانب الآخر، وإن وقع على رأسه خرج من دبره (٦).

стр. 16233

٥ - ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ كزرع أكلته الدواب فراثته فيبس، وتفرقت أجزاؤه، شبَّه تقطع أوصالهم بتفرق أجزاء الروث (١)، قال مجاهد: العصف ورق الحنطة (٢). قتادة: هو التبن (٣). قال الحسن: كنا ونحن غلمان بالمدينة نأكل الشعير إذا قُضِب وكان يسمى العصف (٤). سعيد بن جبير: هو الشعير النابت الذي يؤكل ورقه (٥). الفراء: أطراف الزرع قبل أن يسنبل ويُدرك (٦). عكرمة: كالحب إذا أكل فصار أجوف (٧). ابن عباس: هو القشر الخارج الذي يكون على حب الحنطة كهيئة الغلاف له.

стр. 16234

المؤرج: هو ما تعصفَ من الزرع فسقطت أطرافه (١). وقال ابن السكيت: هو العصف والعصيفة والجِل (٢) (٣). وقيل: كرزع أكل حبه وبقي تبنه (٤). وقال الضحاك: كطعام مطعوم (٥). * * *

стр. 16235

١٠٦ - سُورَة قُرَيْش

стр. 16236

سورة قريش مكية (١)، وهي ثلاثة وسبعون حرفًا، وسبع عشرة كلمة، وأربع آيات (٢). [٣٦٤٠] أخبرنا ناقل بن راقم البابي (٣)، حدثنا عبد الله بن أحمد ابن محمد (٤) البلخي، حدثنا عمرو بن محمد بن محمد الكرباسي (٥)، حدثنا أسباط بن اليسع (٦)، حدثنا يحيى بن عبد الله (٧) السلمي، حدثنا نوح بن أبي مريم (٨)، عن علي بن زيد (٩)، عن زر بن حبيش (١٠)، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "من

стр. 16237

قرأ لإيلاف قريش؛ أعطي من الأجر عشر حسنات بكل من طاف بالكعبة واعتكف بها" (١). [٣٦٤١] أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين (٢)، حدثنا هارون ابن محمد بن هارون (٣)، حدثنا خازم بن يحيى الحُلْوَاني (٤)، أخبرنا أبو مصعب (٥)، عن إبراهيم بن محمد بن ثابت (٦)، أخبرني عثمان ابن عبد الله بن أبي عتيق (٧)، عن سعيد بن عمرو بن جعدة (٨)، عن أبيه (٩)، عن جدته أم هاني بنت أبي طالب (١٠) ﵄ قالت: إن رسول

стр. 16238

الله ﷺ قال: "فضَّل الله قريشًا بسبع خصال لم يعطها أحد قبلهم، ولا يعطيها أحدًا بعدهم، فضَّل الله قريشًا أني منهم، وأن النبوة فيهم، وأن الحجابة منهم، والسقاية فيهم (١)، (ونصرهم الله على الفيل) (٢)، وعبدوا الله عشر سنين لا يعبده غيرهم، وأنزل الله تعالى فيهم سورة لم يشرك فيها أحدًا غيرهم" (٣). * * *

стр. 16239

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ١ - ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ﴾ اختلف القُرَّاء فيهما، فقرأ عبد الله بن عامر (لإلاف) مهموزًا مختلسًا بلا ياء، وقرأ أبو جعفر (ليْلاف) بغير همز وإنما ذهب إلى طلب الخفة، وقرأ (١) الباقون ﴿لِإِيلَافِ﴾ بالياء مهموزة مشبعة (٢) . وأما قوله: ﴿إِيلَافِهِمْ﴾ فروى العمري عن أبي جعفر الفليحي (٣) عن ابن كثير (إلْفهم) ساكنة اللام بغير ياء، وتصديق هذِه القراءة ما. [٣٦٤٢] أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه (٤)، حدثنا محمد بن حبش بن عمر المقرئ (٥)، حدثنا أبو حنيفة أحمد بن داود (٦)، حدثنا

стр. 16240

محمد بن حميد (١)، حدثنا مِهران (٢)، عن سفيان (٣)، عن ليث (٤)، عن شهر بن حوشب (٥)، عن أسماء (٦) ﵄ قالت: سمعت النبي صلي الله عليه وسلم يقرأ "إلفهم رحلة الشتاء والصيف" (٧).

стр. 16241

وروى الفضل (١) بن شاذان بإسناده عن أبي جعفر والوليد عن أهل الشام (إلا فهم) مهموزة مختلسة بلا ياء. وروى محمد بن حبيب الشموني (٢)، عن أبي يوسف الأعشى (٣)، عن أبي بكر (٤)، عن عاصم (٥) (إئلافهم) (٦) بهمزتين الأولى مكسورة، والثانية ساكنة (٧)، الباقون: ﴿إِيلَافِهِمْ﴾ (٨).

стр. 16242

[٣٦٤٣] وأخبرني عقيل بن محمد (١) أن المعافى بن زكريا (٢)، أخبرهم عن محمد بن جرير (٣)، حدثنا أبو كريب (٤)، حدثنا وكيع (٥)، عن أبي مكين (٦)، عن عكرمة (٧) أنه كان يقرأ: (ليلاف قريش الْفَهم) (٨). وعدَّ بعضهم السورتين واحدة منهم أُبيُّ بن كعب ولا فصل بينهما في مصحفه (٩). وقال سفيان بن عيينة: كان لنا إمام لا يفصل بينهما، ويقرأهما

стр. 16243

معًا (١). وقال عمرو بن ميمون الأودي: صليت المغرب خلف عمر بن الخطاب ﵁ فقرأ في الأولى ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ (٢) وفي الثانية ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ (٣) و ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ (٤). واختلفوا في العلة الجالبة لهذِه اللام: فقال الفراء: هي متصلة بالسورة الأولى، وذلك أنه ذكَّر أهل مكة عظم نعمه عليهم فيما صنع بالحبشة، ثم قال ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ يعني فعلنا ذلك بأصحاب الفيل نعمة منَّا على قريش إلى نعمتنا عليهم في رحلتهم الشتاء والصيف، فكأنه قال: نعمة إلى نعمة (٥). فتكون اللام بمعنى إلى، وقال الكسائي والأخفش: هي لام التعجب، يقول: أعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف وتركهم عباد رب هذا البيت (٦)، ثم أمرهم بعبادته، وهذا كما تقول في الكلام

стр. 16244

لزيد وإكرامنا إياه على وجه التعجب، أي أعجبوا لذلك. والعرب إذا جاءت بهذِه (١) اللام اكتفوا بها دليلًا على التعجب من إظهار الفعل (٢). كقول الشاعر: أغَرَّك أن قالوا لقرة شاعرًا ... إيّاه أعني من عَرْيف (٣) وشاعر (٤) أي: اعجبوا لِقرة شاعرًا. وقيل: هي لام (كي) مجازها فجعلهم كعصف مأكول ليولف قريشًا، فكان هلاك أصحاب الفيل سببًا لبقاء إيلاف قريش، ونظام حالهم، وقوام أمرهم (٥) ومالهم (٦). وقال الزجَّاج: هي مردودة إلى ما بعدها تقديره فليعبدوا رب هذا البيت لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف (٧). وقريش هم ولد النضر بن كنانة فمن ولده النضر فهو قرشي،

стр. 16245

ومن لم يلده النضر فليس بقرشي (١)، قال رسول الله ﷺ : "إنا بني النضر بن كنانة لا نقفوا أُمّنا (٢) ولا ننتفي من أبينا" (٣).
следующие страницы →