← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

قال: دفنت ابني سنانًا، وأبو طلحة الخولاني (١) على شفير القبر جالس، فلما أردت الخروج أخذ بيدي فانتشطني (٢) وقال: ألا أبشِّرك يا أبا سنان؟ قلت: بلى! قال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن بن عرْزب (٣)، عن أبي موسى الأشعري (٤) أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات ولد العبد، قال الله تعالى للملائكة: أقبضتم ولد

стр. 1682

عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: أقبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله : ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسمُّوه بيت الحمد" (١). ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ على البلايا والرَّزَايا، ثم نَعَتَهُم فقال: ١٥٦ - ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾ عبيدًا وملكًا ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ في الآخرة. وأمالَ نُصير (٢) النونَ في قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ وأَمالَ قتيبة النون واللام جميعًا، وفخَّمَهُما (٣) الآخرون (٤).

стр. 1683

وقال أبو بكر الوراق: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ إقرارًا مِنَّا له بالملك ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ إقرارًا على أنفسنا بالهلك (١). قال عكرمة: طفئَ سراج النبي ﷺ فقال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فقيل: يا رسول الله، أمصيبة هي؟ قال: "نعم، كلُّ شيء يؤذي المؤمن فهو لهُ مصيبة" (٢). وقال سعيد بن جبير: ما أعطي أحد في المصيبة ما أعْطِيَتْ هذِه الأمة -يعني: الاسترجاع- ولو أعْطيهَا أحد لأعطيها (٣) يعقوب ﵇، ألا تسمع إلى قوله في فقد يوسف: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ (٤) (٥).

стр. 1684

وقال رسول الله ﷺ : "من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفًا صالحًا يرضاه" (١). * * *

стр. 1685

[٣٢٣] أخبرنا أحمد بن أُبي (١) قال أنا محمد بن عمران (٢) قال: نا الحسن بن سفيان (٣) قال: نا ابن أبي شيبة (٤) قال: نا وكيع (٥)، عن هشام ابن زياد (٦)، عن أمِّه (٧) عن فاطمة بنت الحسين (٨)،

стр. 1686

عن أبيها (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "من أصيب بمصيبة فأحدث استرجاعًا، وإن تقادم عهدها كتب الله (٢) له من الأجر مثله يوم أصيب" (٣). ١٥٧ - ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: أهل هذِه الصفة ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ﴾ قال ابن عباس: مغفرة (٤) ﴿مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ أي: ونعمة.

стр. 1687

وقال ابن كيسان: الصَّلَوَاتُ هاهنا: الثناء والرحمة والتزكية (١)؛ وإنما ذكر الصلاة والرحمة ومعناهما واحد؛ لاختلاف اللفظين، كقول الحطيئة: ألا حبَّذَا هِنْدٌ وأرضٌ بها هِنْدٌ. . . وهند أتَى مِنْ دُوْبها النَّأيُ والبعدُ (٢) وجَمَعَ الصلوات؛ لأنّهُ عَنَى بها الرحمة بعد الرحمة (٣). ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ إلى الاسترجاع. وقيل: إلى الجنة والثواب. وقيل: إلى الحق والصواب (٤). وكان عمر بن الخطاب إذا قرأ هذِه الآية قال: نعم العدلان ونعمت (٥) العلاوة (٦).

стр. 1688

١٥٨ - قوله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. الصَّفَا: جمع الصفاة، وهي الصخرة الصلبة الملساء، قال امرؤ القيس: لَهَا كفَل كصَفَاةِ المسيـ. . . ـلِ أبْرَزَ عَنْهَا جُحَاف مُضِر (١) يقال: صَفَاةٌ وصَفَا، مثل: حصاةٍ وحَصَا، وقَطَاةٍ وَقَطَا، ونَوَاةٍ ونَوى. وقيل: إن الصَّفَا واحدٌ وتثنيته صفوان، مثل عصًا وعَصَوَان، وجمعه: أصْفاءٌ؛ مثل: رحًى وأرَحَاءٍ، وصفا وصُفِيٌّ؛ مثلَ: عصا وعصِيّ (٢).

стр. 1689

قال الراجز: كَأنَّ مَتْنَيْه مِنَ النَّفِي. . . مَوَاقِعُ الطَّيْر عَلَى الصُّفِيِّ (١) ﴿وَالْمَرْوَةَ﴾ من الحجارة ما لأن وصغر (٢). قال أبو ذؤيب الهذلي: حَتَّى كَأنّي لِلْحَوَادِثِ مَرْوَة. . . بصَفَا المُشَرَّقِ كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ (٣)

стр. 1690

أي: صخرة رخوة صغيرة، وجمع المروة: مَروَات و (جمعها الكثير) (١): مَرْوٌ، مثل: تَمْرَة وتَمَرَاتٍ وتَمْرٍ، وجَمْرَةٍ وجَمَرَاتٍ وجَمْرٍ. قال الأعشى يصف ناقته: وتُوَليّ الأرْض خُفُّا ذابلًا. . . فإذَا مَا صَادَفَ المَرْوَ رَضَحْ (٢) وإنما عنى الله بهما الجبلين المعروفين بمكة دون سائر (٣) الصفا (٤) والمروة، فلذلك أدْخَلَ فيهما (٥) الألِفَ واللامَ، و ﴿شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: أعلام دينه، واحدتها: شعيرة، وكل ما كان معلمًا لقربان يتقرب به إلى الله عبدُه من دعاء وصلاةٍ وذَبِيْحَةٍ وأداء فَرْضٍ

стр. 1691

وَغَيْرَ ذَلِكَ فهو شعيرة (١). قال الكُمَيْتُ: نُقَتِّلُهُمْ جِيلًا فجِيلًا تَرَاهُمُ. . . شَعَائِرَ قُرْبَان بِهِم يُتَقَرَّبُ (٢) وأصلها من الإشعار، وهو الإعلام على الشيء، ومنه إشْعَارُ الهَدْي (٣). وفي الحديث: أنَّ قائلًا قال حين شج عمر في الحج: أُشعر أمير المؤمنين دمًا (٤). وأراد بالشعائر هاهنا مناسك الحج التي جعلها الله تعالى أعلامًا لطاعته. وقال مجاهد: يعني من الخبر الذي أخبركم عنه (٥). وأصل الكلمة على هذا القول مِنْ شَعَرْتُ أي: عَلِمْتُ، كأنه إعْلامُ اللهِ عِبَادَهُ أمْرَ الصَّفَا والْمَرْوَةِ (وتقدير الآية: إنَّ الطواف

стр. 1692

بالصفا والمروة) (١) مِنْ شَعَائِرِ الله، فَتَرَكَ ذكر الطواف اكْتِفَاءً بذِكرهما، إذ كان معلومًا عند المخاطبين. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ أصْلُ الحَجِّ في اللغة: القصد. قال الشاعر: لِرَاهِبٍ يَحُج بَيْتَ المَقْدِسِ ... ذِي بُرْجُدٍ وَمَنْقَلٍ وبُرْنُس (٢) وقال محمد بن جرير: كلُّ من أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج (٣). قال المخبَّل السعدي (٤):

стр. 1693

وأشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلَوْلًا كثِيْرَةً ... يَحُجُّوْنَ سِبَّ (١) الزبْرقَانِ المُزَعْفَرَا أي: يكثرون التردد إليه، لسؤدده ورياسته. وإنما قيل للحاج: حاج؛ لأنه يأتي البيت (٢) قبل التعريف، ثم يعود إليه للطواف يوم النحر، ثم ينصرف عنه إلى منى، ثم يعود إليه لطواف الصَّدر (٣)، فلتكراره العود إليه مرةً بعد أخرى قيل له: حاج (٤). ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾ من العمرة وهي الزيارة، قال العجاج: لقد سما ابن معمر حين اعتمر ... مغزى بعيدًا من بعيدٍ وضبر (٥)

стр. 1694

يعني حين قصد وزار (١). وقال المفضل بن سلمة: ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾ أي: حل بمكة بعد الطواف والسعي، ففعل ما يفعل الحلال، والعمرة: الإقامة بالموضع، والعمارة: إصلاحه ومرمته. [٣٢٤] أخبرنا أبو عمرو الفراتي (٢) قال: أخبرنا أبو نصر السرخسي (٣) قال: نا محمَّد بن أيوب (٤) قال: نا محمَّد بن كثير (٥) قال: حدثنا سفيان الثوري (٦)، عن عاصم (٧)،

стр. 1695

عن عبد الله بن عامر (١) بن ربيعة (٢) [عن أبيه] (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : "تابعوا بين (٤) الحج والعمرة؛ فإن متابعة ما بينهما تزيد (٥) في الرزق والعمر، وينفيان الذنوب كما ينفي الكبير (٦) خبث الحديد" (٧).

стр. 1696

﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ الجناح: الإثم، وأصله من جنح إذا مال عن القصد يقال: جنح الليل إذا مال بظلمته، وجنحت السفينة إذا

стр. 1697

مالت إلى الأرض، قال الله : ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (١)، ومن جناح الطائر. ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ أي: يدور، وأصله يتطوف، فأدغمت التاء في الطاء. وقرأ أبو حيوة الشامي: (يطوف) مخففة (٢). واختلفوا في وجه الآية وتأويلها وسبب نزولها: فقال أنس بن مالك: كنا نكره الطواف بين الصفا والمروة؛ لأنهما من مشاعر قريش في الجاهلية فتركناه في الإِسلام؛ فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٣). وقال عمرو بن حبشي (٤): سألت ابن عمر ﵄ عن هذِه الآية،

стр. 1698

فقال: انطلق إلى ابن عباس فاسأله, فإنه أعلم من بقي بما أنزل على محمَّد ﷺ فأتيته فسألته، فقال ابن عباس: كان على الصفا صنم على صورة رجل (١) يقال له (٢): إساف، وعلى المروة صنم على صورة امرأة تدعى: نائلة، وإنما ذكروا الصفا؛ لتذكير الإساف، وأنثو المروة؛ لتأنيث نائلة، وزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة فمسخهما الله حجرين فوضعا (٣) على الصفا والمروة ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عُبدا من دون الله، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بينهما مسحوا الوثنين، فلما جاء الإِسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف بينهما؛ لأجل الصنمين؛ فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٤). وقال السدي (٥) عن أبي مالك (٦)، عن ابن عباس (٧): كان في

стр. 1699

الجاهلية شياطين تعزف (١) الليل أجمع بين الصفا والمروة وكانت بينهما آلهة، فلما ظهر الإِسلام قال المسلمون: يا رسول الله، لا نطوفن بين الصفا والمروة فإنه شرك كنا نصنعه في الجاهلية , فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٢). وقال قتادة: كان ناس من تهامة في الجاهلية لا يسعون بين الصفا والمروة، فلما جاء الإِسلام تحوَّبوا (٣) السعي بينهما كما كانوا (٤) يتحوَّبونه (٥) في الجاهلية؛ فأنزل الله تعالى هذِه الآية، وأخبرهم أنها كانت سنة إبراهيم وإسماعيل ﵉ (٦).

стр. 1700

وروى الزهريّ (١)، عن عروة بن الزبير (٢) قال: قلت لعائشة ﵂: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية، والله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة، فقالت عائشة: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذِه لو كانت على ما أوَّلَتها كانت: لا جناح عليه أن لا يطوف بهما؛ ولكنها إنما أنزلت (٣) في الأنصار، وذلك أنهم كانوا قبل أن يسلموا يُهلون لمناة الطاغية، وهي صنم بين مكة والمدينة بالمشلل (٤)، وكان من أهلَّ لها (٥) يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله- ﷺ عن ذلك فقالوا: يا رسول الله إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيمًا لمناة، فهل علينا حرج أن نطوف بينهما (٦)؟ فأنزل الله تعالى هذِه الآية. ثم قالت عائشة: قد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما فليس لأحد تركه. قال الزهريّ: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث

стр. 1701

ابن هشام (١) فقال: هذا العلم (٢). وقال مقاتل بن حيان: إن الناس كانوا قد تركوا الطواف بين الصفا والمروة غير الخمس، وهم: قريش وكنانة وخزاعة وعامر بن

стр. 1702

صعصعة (١)، سموا حُمسًا لتشددهم في دينهم، والحماسة: الشجاعة والصلابة، فسألت الحمس رسول الله ﷺ عن السعي بين الصفا والمروة أمن شعائر الله أم لا؟ فإنه كان لا يطوف بهما أحدٌ (٢) غيرنا؛ فنزلت هذِه الآية (٣).

стр. 1703

واختلف الفقهاء في حكم هذِه الآية: فقال مالك والشافعي ﵄: الطواف بين الصفا والمروة فرض واجب ومن تركه لزمه القضاء والإعادة ولا يجزئه فدية ولا شيء إلا العود إلى مكة والطواف بينهما، كما لا يجزئ تارك طواف الإفاضة إلا قضاؤه بعينه. وقالا: هما طوافان واجبان أمِرَ بهما، أحدهما بالبيت والآخر بين الصفا والمروة وحكمهما واحد (١). وقال أبو حنيفة والثوري وأبو يوسف (٢) ومحمد (٣): إن عاد تارك الطواف بينهما لقضائه فحسن، وإن لم يعد فعليه دم (٤). رأوا أن حكم الطواف بهما (٥) حكم رمي بعض الجمرات والوقوف

стр. 1704

بالمشعر الحرام (١) وطواف الوداع، وما أشبه ذلك مما يجزئ تاركه فدية، ولا يلزمه العود لقضائه بعينه. وقال أنس بن مالك، وعبد الله بن الزبير، ومجاهد وعطاء: الطواف بهما (٢) تطوع، إن فعله فاعل (٣) كان محسنًا، وإن تركه تارك لم يلزمه بتركه (٤) شيء (٥). واحتج من لم يوجب السعي والطواف (٦) بينهما بقراءة ابن عباس وأنس وشهر بن حوشب وابن سيرين: (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما). بإثبات: (لا)، وكذلك هو في مصحف عبد الله (٧). والجواب عنه: أنّ (لا) زيادة صلة، كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (٨) وكقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٩). وقوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ (١٠)،

стр. 1705

و: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ (١). قال الشاعر: فَمَا ألُوْمُ البِيْضَ ألَّا تَسْخَرَا ... لَمَّا رَأيْنَ الشَمِطَ القَفَنْدَرَا (٢) فلو كان رسم المصحف (٣) كذلك لم يكن (٤) فيه لمحتج حجة مع احتمال الكلام ما وصفنا، فكيف وهو خلافُ رسومِ الإمَام ومصاحف أهل الإِسلام (٥). ثم إنَّ (٦) الدليل على أن السعي بينهما واجب، وعلى تاركه الإعادة

стр. 1706

-ناسيًا تركه أو عامدًا- بظاهر الأخبار أن رسول الله ﷺ فعل ذلك وأمر به. وروى جعفر بن محمَّد (١)، عن أبيه (٢)، عن جابر (٣) قال: لما دنا رسول الله ﷺ (من الصفا) (٤) في حجته قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ابدءوا (٥) بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فَرَقِي عليه حتى رأى البيت، ثم مشى حتى إذا تَصَوَّبتْ قدماه في الوادي سعى (٦). وروى هشام بن عروة (٧)، عن أبيه (٨)، عن عائشة قالت: لَعَمْرِيْ مَا

стр. 1707

حَجَّ مَنْ لم يسع بين الصفا والمروة؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١). وقال الحسن (٢): الطواف بين الصفا والمروة مفروض في كتاب الله والسنة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، وقال رسول الله ﷺ "يا أيها الناس كتب عليكم السعي فاسعوا" (٣). قال كليب (٤): رأى ابن عباس قومًا يطوفون بين الصفا والمروة، فقال: هذا ما أورثَتْكُمْ أمُّكُمْ أم إسماعيل، انطلقت حين عطش ابنها

стр. 1708

وجاع، فوجدت الصفا أقرب جبل إلى الأرض فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا فهبطتْ من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رَفَعَتْ طَرف درْعِهَا ثم سعت سَعْي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة وقامت عليها تنظر هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات (١). وقال مجاهد: حجَّ موسى ﵇ على جمل أحمر وعليه عباءتان قَطَوَانِيَتان (٢) فطاف بالبيت، ثم صَعِدَ الصفَا ودعا، ثم هَبَطَ إلى السَّعْي وهو يُلبِّي فقال: لبيك اللهم لبيك. فقال الله : لبَّيْكَ عَبْدِيْ وأنَا مَعَكَ. فَخَرَّ مُوْسَى سَاجدًا (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ قرأ حمزة والكسائي: (يطَّوَّعْ) بالياء وتشديد الطاء (وجزم العين) (٤) وكذلك الثاني (٥) بمعنى يَتَطَوَّع (٦)، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم اعتبارًا بقراءة عبد الله (ومن يتطوع)

стр. 1709

بالياء (١)، وقرأ (٢) الباقون: ﴿تَطَوَّعَ﴾ هو بالتاء ونصب العين على الماضي (٣). قال مجاهد: فمن تَطَوَّع بالطواف (٤) بالصَّفَا والمروة (٥)، وقال: تَطَوَّعَ رسول الله ﷺ فكان من السنن (٦). وقال مقاتل والكلبي: فمن تطوع خيرًا فزاد في الطواف بعد الواجب (٧). وقال ابن زيد: ومن تطوع خيرًا فاعتمر، قال: فالحج فريضة والعمرة تطوع (٨).

стр. 1710

وقيل: من تطوع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة عليه (١). وقال الحسن وغيره: من تطوع خيرًا يعني به الدين كلَّه. أي: فَعَلَ غير المفترض (٢) عليه من طواف (٣) أو صلاةٍ أو زكاةٍ أو نوعٍ من أنواع الطاعات كلها (٤). ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ﴾ مُجازٍ له (٥) بعمله ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيته يَشْكُرُ اليَسيْرَ (ويعطي الكثير) (٦) ويغْفِرُ الكبير، وأصل الشكر من قول العرب: دابة شكور إذا كان يظهر عليها من السِّمَن فوق ما تُعلف (٧).

стр. 1711

١٥٩ - قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ يعني: الرجْمَ والحدود والأحكام والحلال والحرام ﴿وَالْهُدَى﴾ يعني: أمر محمَّد ﵇ ونَعْتَهُ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ﴾ لبني إسرائيل ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ في التوراة، نزلت في علماء اليهود ورؤسائهم؛ كتموا صفة محمَّد ﷺ وآية الرجم (١) ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ أصل اللعن في اللغة: الطرد (٢)، ولعْن الله إبليس: طرْده إياه حين قال له: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ (٣). قال الشماخ وذَكَرَ ماءً وَرَدَهُ: ذَعَرْتُ بِهِ القَطَا وَنَفَيْت عَنْه ... مَقَامَ الذئبِ كالرَّجل اللَّعِيْنِ (٤) وقال النابغة: فَبِتُّ كأَنَّنِي حَرِجٌ لَعِيْنُ ... نَفَاهُ النَّاسُ أَوْ دَنِفٌ طَعِيْنُ (٥)

стр. 1712

فمعنى قولنا: لعنه الله، أي: طَرَدَهُ وأبْعَدَهُ، وأصْلُ اللَّعْنَةِ: ما ذكرنا، ثم أكثر ذلك حتى صار قولًا. ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ أي: يسألون الله تعالى أن يلعنهم، يقولون: اللهمَّ العنهم. واختلف المفسرون في هؤلاء اللاعنين: فقال قتادة: هم الملائكة (١). وقال عطاء: الجن والإنس (٢). وقال الحسن: عباد الله أجمعون (٣). وقال ابن عباس: كل شيء إلا الجن والإنس (٤). وقال الضحاك: إنَّ الكافر إذا وضع في حفرته قيل له: من ربك؟

стр. 1713

ومن نبيك؟ وما دينك؟ فيقول: لا أدري! فيقال له: لا دريت، ثم يضرب ضربةً بمطرق؛ فيصيح صيحةً يسمعها كل شيء إلا الثقلين الإنس والجن، فلا يسمع صوته شيء إلا لعنه، فذلك قوله : ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (١). وقال البراء بن عازب (٢): إن الكافر إذا وضع في قبره أتته دابة كأنَّ عينيها قِدْرَانِ من نحاسٍ معها عمود من حديد، فَتَضْرِبهُ ضربةً بين كتفيه، فيصيح صيحة (٣) فلا يسمع أحد صوته إلا لعنه، ولا يبقى شيء إلا سمع صوته غير الثقلين (٤). وقال ابن مسعود: هو الرجل يلعن صَاحِبَهُ فترتفع اللعنةُ (٥) في السَّمَاء ثم تنحدر فلا تجد صاحبها الذي قيلت له أهلًا لذلك، فترجع إلى الذي تكلم بها فلا تجده أهلاً، فتنطلق فتقع على

стр. 1714

اليهود، فهو قوله : ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ فمن تاب منهم ارتفعت اللعنة عنه فكانت فيمن بقي من اليهود (١). وقال مجاهد: اللاعنون: البهائم (٢) تلعن عصاة بني آدم، إذا اشتدَّتِ السَّنَةُ وأمْسكَ القَطْرُ قالت: هذا بشؤم ذنوب بني آدم (٣). وقال عكرمة: دواب الأرض وهوامها حتى الخنافس والعقارب يقولون: منعنا القَطْرَ بذنوب بني آدم (٤). فإنما قال (٥) لهذِه الأشياء: اللاعنون، ولم يقل: اللاعنات؛ لأن من شأن العرب إذا وصفت شيئًا من البهائم والجمادات، وغيرها سوى الناس بما هو صفة الناس (٦) من قول أو فعل أن يخرجوه (٧) على مذهب بني آدم وجمعِهِمْ كقوله ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي

стр. 1715

سَاجِدِينَ﴾ (١) ولم يقل: ساجدات. وقوله للأصنام: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ الآية (٢). وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ الآية (٣). وقوله: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ (٤) (٥). ثم استثنى فقال: ١٦٠ - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (من الكفر) (٦) ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ الأعمال فيها بينهم وبين ربهم ﴿وَبَيَّنُوا﴾ صفة نبيهم (٧) محمَّد ﷺ وآية الرجم ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾: أتجاوز عنهم فأقبل توبتهم ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ﴾: الرجاع بقلوب عبادي المنصرفة عني إليَّ ﴿الرَّحِيمُ﴾ بهم بعد إقبالهم عليَّ. ١٦١ - قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ الواو واو حال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ﴾ أي: ولعنة الملائكة ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.

стр. 1716

قال قتادة والربيع: يعني بـ ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: المؤمنين (١). وقال أبو العالية: هذا يوم القيامة يوقَفُ (الكفار فيلعنهم) (٢) الله ، ثم تلعنهم (٣) الملائكة، ثم يلعنهم (٤) الناس أجمعون (٥). وقال السدي: لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا (٦) كافران فيقول أحدهما: لعن الله الظالم إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر؛ لأنه ظالم، فكل أحد من الخلق يلعنه (٧). ١٦٢ - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ مقيمين في اللعنة والنار ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾: لا يُرَفَّه ﴿عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: يمهلون ويؤجلون. وقال أبو العالية: لا يُنْظَرون فيعتذرون، كقوله : ﴿هَذَا يَوْمُ لَا

стр. 1717

يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ (١) (٢). ١٦٣ - قوله ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ قال الكلبي (٣) عن أبي صالح (٤) (عن ابن عباس) (٥): نزلت في كفار قريش، قالوا يا محمَّد: صِفْ وانْسبْ لنا ربَّك؛ فأنزل الله سورة الإخلاص، وهذِه الآية (٦). وقال جويبر (٧) عن الضحاك (٨)، عن ابن عباس: كان للمشركين في الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا يعبدونها من دون الله إفكًا وأشرًا (٩)، فبين

стр. 1718

الله تعالى لهم أنَّهُ إله (١) واحد وأنزل تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ (٢). [٣٢٥] حدثنا أبو منصور الحمشاذي (٣)، قال: نا أبو العباس الأصم (٤)، قال: نا أحمد (٥) بن الفضل العسقلاني، قال: نا آدم بن أبي إياس (٦)، قال: نا أبو جعفر (٧)، قال: نا سعيد (٨)، عن أبي الضحى (٩) قال: لما نزلت هذِه الآية عَجِبَ المشركون، وقالوا: إنَّ

стр. 1719

محمدًا يقول: إن (١) إلهكم إله واحد، فليأتنا بآية إن كان من الصادقين؛ فأنزل الله تعالى: ١٦٤ - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٢). أي: تعاقبهما في الذهاب والمجيء، والاختلاف: الافتعال، من خلف يخلف خلوفًا؛ يعني: أن كل واحد منهما يخلف صاحبه، إذا ذهب أحدهما جاء الآخر خلافه أي: بعده؛ نظيره قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ (٣).

стр. 1720

وقال عطاء وابن كيسان: أراد اختلاف الليل والنهار في اللون والطول والقصر والنور (١) والظلمة، والزيادة والنقصان، يكوِّر (٢) أحدَهما على الآخر (٣). و﴿اللَّيْلِ﴾ جمع ليلة، مثل تمرة وتمر، ونخلة ونخلٍ، والليالي جمع الجمع، ﴿وَالنَّهَارِ﴾ واحد، وجمعه نُهُر، قال الشاعر: لَوْلا الثَّرِيْدَان هَلَكْنَا بالضُّمُرْ ... ثَرِيْدُ لَيْلٍ وثَرِيدٌ بالنُّهُرْ (٤) وقدَّمَ الليل على النهار في الذكر؛ لأنه هو (٥) الأصل والأقدم، قال الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ (٦)، خلق الله تعالى
следующие страницы →