← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

قال قتادة والربيع: يعني بـ ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: المؤمنين (١). وقال أبو العالية: هذا يوم القيامة يوقَفُ (الكفار فيلعنهم) (٢) الله ، ثم تلعنهم (٣) الملائكة، ثم يلعنهم (٤) الناس أجمعون (٥). وقال السدي: لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا (٦) كافران فيقول أحدهما: لعن الله الظالم إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر؛ لأنه ظالم، فكل أحد من الخلق يلعنه (٧). ١٦٢ - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ مقيمين في اللعنة والنار ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾: لا يُرَفَّه ﴿عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: يمهلون ويؤجلون. وقال أبو العالية: لا يُنْظَرون فيعتذرون، كقوله : ﴿هَذَا يَوْمُ لَا

стр. 1717

يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ (١) (٢). ١٦٣ - قوله ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ قال الكلبي (٣) عن أبي صالح (٤) (عن ابن عباس) (٥): نزلت في كفار قريش، قالوا يا محمَّد: صِفْ وانْسبْ لنا ربَّك؛ فأنزل الله سورة الإخلاص، وهذِه الآية (٦). وقال جويبر (٧) عن الضحاك (٨)، عن ابن عباس: كان للمشركين في الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا يعبدونها من دون الله إفكًا وأشرًا (٩)، فبين

стр. 1718

الله تعالى لهم أنَّهُ إله (١) واحد وأنزل تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ (٢). [٣٢٥] حدثنا أبو منصور الحمشاذي (٣)، قال: نا أبو العباس الأصم (٤)، قال: نا أحمد (٥) بن الفضل العسقلاني، قال: نا آدم بن أبي إياس (٦)، قال: نا أبو جعفر (٧)، قال: نا سعيد (٨)، عن أبي الضحى (٩) قال: لما نزلت هذِه الآية عَجِبَ المشركون، وقالوا: إنَّ

стр. 1719

محمدًا يقول: إن (١) إلهكم إله واحد، فليأتنا بآية إن كان من الصادقين؛ فأنزل الله تعالى: ١٦٤ - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٢). أي: تعاقبهما في الذهاب والمجيء، والاختلاف: الافتعال، من خلف يخلف خلوفًا؛ يعني: أن كل واحد منهما يخلف صاحبه، إذا ذهب أحدهما جاء الآخر خلافه أي: بعده؛ نظيره قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ (٣).

стр. 1720

وقال عطاء وابن كيسان: أراد اختلاف الليل والنهار في اللون والطول والقصر والنور (١) والظلمة، والزيادة والنقصان، يكوِّر (٢) أحدَهما على الآخر (٣). و﴿اللَّيْلِ﴾ جمع ليلة، مثل تمرة وتمر، ونخلة ونخلٍ، والليالي جمع الجمع، ﴿وَالنَّهَارِ﴾ واحد، وجمعه نُهُر، قال الشاعر: لَوْلا الثَّرِيْدَان هَلَكْنَا بالضُّمُرْ ... ثَرِيْدُ لَيْلٍ وثَرِيدٌ بالنُّهُرْ (٤) وقدَّمَ الليل على النهار في الذكر؛ لأنه هو (٥) الأصل والأقدم، قال الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ (٦)، خلق الله تعالى

стр. 1721

الأرض مُظْلِمَةً، ثم خلق الشمس والقمر، وهذا كَتَقْدِمَةِ الصَّوَامِع والبِيَعِ والصلوات على المساجد والله أعلم (١). ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ يعني: السفن، واحده وجمعه سواء، قال الله تعالى في الواحد: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ (٢)، وقال: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠)﴾ (٣)، قال في الجمع: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ (٤)، ويُذَكَّر ويُؤنَّث، قال الله في التذكير: ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (٥) وقال في الجمع و (٦) التأنيث: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ فالتذكير على لفظ الواحد، والتأنيث على معنى الجمع (٧). ﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ يعني: ركوبها والحمل عليها في التجارات والمكاسب وأنواع المطالب. ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾ يعني: المطر ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ

стр. 1722

مَوْتِهَا﴾ أي: بعد (١) يبوستها وجُدُوبَتِهَا ﴿وَبَثَّ﴾ ونشر وفرَّق فيها ﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ أي: تقليبها قبولًا و (٢) دَبورًا (٣) وشمالًا وجنوبًا، وقيل: تصريفها مرة بالرحمة ومرة بالعذاب (٤). وقرأ حمزة والأعمش والكسائي وخلف: (الريح) بغير ألف على التوحيد (٥)، وقرأ الباقون: ﴿الرِّيَاحِ﴾ بالجمع (٦). قال ابن عباس: الرياح للرحمة والريح للعذاب (٧). وكان النبي ﷺ إذا هاجتِ الريحُ يقول: "اللَّهُمَّ اجعلها ريَاحًا ولا تَجْعَلْهَا ريْحُا" (٨).

стр. 1723

والريح تذكَّر وتؤنَّث. ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ﴾ أي: الغْيمِ المذلل ﴿بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ سُمِّيَ سحَابًا؛ لأنَّهُ يَنْسَحِبُ أي: يسير في سرعته كأنه يُسْحَبُ، أي يُجَرُّ ﴿لَآيَاتٍ﴾ لدلالات وعلامات ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فيعلمون أن لهذِه الأشياء خالقًا وصانعًا. قال رسول الله ﷺ : "وَيْلٌ لمن قرأ هذِه الآيةِ فَمَجَّ بها" (١). أي: لم

стр. 1724

يتَفَكَّر فيها ولم يعتبر بها. ١٦٥ - قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ يعني: الأصنام المعبودة من دون الله، قاله أكثر المفسرين (١). وقال السدي: يعني: سادتهم وقادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله (٢). ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ أي: كحب المؤمنين الله، وهذا كما قال: بعت غلامي كبيع غلامك، يعني: كبيعك غلامك. أنشد الفراء: ولستُ مسلّمًا ما دمتُ حيًّا ... على زيدٍ كتسليمِ الأميرِ (٣) أي: كتسليمي على الأمير، هذا قول أكثر العلماء (٤).

стр. 1725

وقال ابن كيسان والزجاج: تقدير الآية: يحبونهم كحبهم الله، يعني: أنهم يسوون بين هذِه الأصنام وبين الله في المحبة (١). ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ قال ابن عباس: أثبت وأدوم، وذلك أن المشركين كانوا يعبدون صنمًا، فإذا رأوا شيئًا أحسن منه تركوا ذلك الوثن وأقبلوا على عبادة الأحسن (٢). وقال عكرمة: أشد حبًّا لله في الآخرة (٣). وقال قتادة: إن الكافر يعرض عن معبوده في وقت النبلاء، ويقبل على الله ، نحو قوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٥)، والمؤمن لا يُعرض عن الله في السراء والضراء والرخاء والبلاء، ولا يختار عليه سواه (٦).

стр. 1726

وقال الحسن: إن الكافرين عبدوا الله بالواسطة، وذلك قولهم للأصنام: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١) وقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٢)، والمؤمنون يعبدونه بلا واسطة؛ لذلك قال عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (٣). قال سعيد بن جبير: إن الله يأمر من أحرق نفسه في الدنيا على رؤية الأصنام أن يدخلوا جهنم مع أصنامهم، فيأبون لعلمهم أن عذاب جهنم على الدوام، ثم يقول للمؤمنين بين أيدي الكافرين: إن كنتم أحبائي فادخلوا جهنم، فيقتحم المؤمنون النار، وينادي مناد من تحت العرش: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (٤). وقيل: لأن (٥) حب المشركين لأوثانهم مشترك؛ لأنهم يحبون الأنداد الكثيرة، وحب المؤمنين لربهم غير مشترك؛ لأنهم يحبون ربًا واحدًا. وقيل: لأن حبهم هوائي، وحب المؤمنين عقلي. وقيل: لأن حبهم الأصنام (٦) بالتقليد، وحب المؤمنين الله (٧)

стр. 1727

بالدليل والتمييز. وقيل: لأن الكافرين يرون معبوديهم مصنوعيهم، والمؤمنون يرون الله صانعهم. وقيل: لأن المشركين أحبوا الأصنام وعاينوها، والمؤمنون يحبون الله ولم يعاينوه، بل آمنوا بالغيب للغيب في الغيب. وقيل: إنَّما قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ لأنَّ الله أحبَّهم أولًا ثم أحبوه، ومن شهد له المعبود (١) بالمحبة كانت محبته أتمَّ وأصح. قال الله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٢). وقرأ أبو رجاء العُطاردي (يَحبونهم) بفتح الياء (٣)، وهي لغةٌ، يُقال: حببتُ الرجلَ فهو محبوب. قال الفراء: أنشدني أبو ثروان (٤): أحِبُّ لحبِّها السُّودانَ حتى ... حببتُ لحبِّها سودَ الكِلاب (٥)

стр. 1728

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: قرأ أبو عبد الرحمن وأبو رجاء والحسن وأبو جعفر وابن عامر وشيبة ونافع (١) وقتادة والأعرج وعمرو بن ميمون وسلام ويعقوب وأيوب (٢): (ولو ترى) بالتاء. وقرأ الباقون بالياء (٣). فمن قرأ بالتاء: فهو خطاب للنبي ﷺ ، والجواب محذوف، تقديره (٤): (وَلَوْ تَرى) أي: تبصر يا محمَّد ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: أشركوا ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ لرأيت أمرًا عظيمًا، أو لعلمت ما يصيرون إليه أو لتعجبت منه (٥). ومن قرأ بالياء: فمعناه: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم عند رؤية العذاب لعلموا أنَّ القوة لله جميعًا، أو لآمنوا، أو لعلموا مضرة الكفر. ونظير هذِه الآية من المحذوف الجواب: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية (٦). يعني: لكان هذا القرآن. وهذا (٧) كما تقول: لو (٨) رأيتَ فلانًا والسياط تأخذه. فتستغني عن

стр. 1729

الجواب؛ لأنَّ المعنى مفهوم (١). ﴿إِذْ يَرَوْنَ﴾: قرأ أبو البرهسم وابن عامر: (إذ يُرون) بضم الياء على التعدي، وقرأ الآخرون (٢) بفتحه على اللزوم (٣). ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾: قرأ الحسن وقتادة وأبو جعفر وشيبة وسلام ويعقوب: (إن القوة لله) و: (إن الله) (بالكسر فيهما) (٤) على الاستئناف. فالكلام تام عند قوله: ﴿يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ مع إضمار الجواب كما ذكرنا (٥). وقرأ الباقون بفتحها على معنى: بأنَّ القوة، وبأن الله. وقيل: معناه: لرأوا أن القوة، أو (٦) لأيقنوا وعاينوا (٧). وقال عطاء: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يوم القيامة ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ حين تخرج إليهم جهنم من مسيرة خمسمائة عام، تلتقطهم كما يلتقط

стр. 1730

الحمامُ الحبَّ (١)، لعلموا ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ﴾ والقدرة والملكوت والجبروت ﴿لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ (٢). ١٦٦ - ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾: قرأ مجاهد بتقديم الفاعل على المفعول (٣)، وقرأ الباقون بالضدّ. والمُتبَعون (٤): هم الجبابرة والقادة في الشر والشرك. والتابعون: هم الأتباع والضعفاء والسفلة. قاله أكثر أهل التفسير (٥). وقال السدي: هم الشياطين يتبرءون من الإنس (٦). ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ أي: عنهم. الباء بمعنى: عن. ﴿الْأَسْبَابُ﴾: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني: أسباب المودة والوُصلات التي كانت بينهم في الدنيا، وصارت مخالتهم (٧)

стр. 1731

عداوة (١). وقال الربيع: يعني بالأسباب: المنازل التي كانت لهم من أهل الدنيا (٢). وقال ابن جريج والكلبي: يعني بالأسباب: الأرحام، كقوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ (٣) (٤). وقال السدِّي: يعني: الأعمال التي كانوا يعملونها في دار (٥) الدنيا (٦). بيانه: قوله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً

стр. 1732

مَنْثُورًا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٢). وقال ابن زيد: تقطعت عنهم أسباب أعمالهم، فأهل التقوى أعطوا أسباب (٣) أعمالهم الوثيقة، فيأخذون بها فينجون، والآخرون أعطوا أسباب أعمالهم الخبيثة فتنقطع بهم فيذهبون إلى (٤) النار (٥). وقال أبو روق: العهود التي كانت بينهم في الدنيا (٦). وأصل السبب: كلُّ شيء يتوصل به إلى شيء من ذريعةٍ أو قرابةٍ أو مودة، ومنه قيل للحبْل: سبب، وللطريق: سبب، وللسُّلَّم: سبب (٧). قال زهير:

стр. 1733

ومن هابَ أسبابَ المنايا ينلنَه ... ولو رامَ أن يرقى السماءَ بسُلَّمِ (١) ١٦٧ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ يعني: الأتباع ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾: رجعةً إلى الدنيا ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ أي: من المتبوعين ﴿كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ اليوم، أجاب التمني بالفاء. قال الله : ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما أراهم العذاب، كذلك يريهم الله. وقيل: كتبرُّؤ بعضهم من بعض (٢). ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ﴾: ندامات ﴿عَلَيْهِمْ﴾ قيل: أراد أعمالهم الصالحة التي ضيعوها (٣). قال السدّي: يرفع لهم الجنة، فينظرون إليها (٤) وإلى بيوتهم فيها لو أطاعوا الله ، فيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتم الله، ثم تقسم بين المؤمنين فيرثونهم (٥)، فذلك حين يندمون (٦).

стр. 1734

وقال الرَّبيع: أراد به (١) أعمالهم السيئة، لم عملوها؟ ! وهذا عملوا بغيرها (٢) مما يُرضي الله ! (٣) وقال ابن كيسان: إنهم أشركوا بالله تعالى الأوثان؛ رجاء أن تقربهم إلى الله، فلما عُذبوا على ما كانوا يرجون ثوابه تحسروا وندموا (٤). والحسرات: جمع حسرة، وكذلك كل اسم كان واحده على: فَعْلَة، مفتوح الأول ساكن الثاني، فإن جمعه على: فَعَلات، مثل: تمرة وتَمَرات، وشهْوة وشهَوات، فأمَّا إذا كان نعتًا فإنك تسكن ثانيه، مثل: ضخْمةٍ وضخْمات (٥)، وعبْلة وعبْلات (٦) ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾.

стр. 1735

١٦٨ - قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة وبني مُدلج، حرَّموا (١) على نفوسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام (٢)، فقال الله : ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ (٣) أدخل

стр. 1736

(من) للتبعيض؛ لأنه ليس كل ما في الأرض يمكن أكله أو يحل أكله. ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾: طاهرًا (١) هما منصوبان على الحال، وقيل: على المفعول. وتقديره: كلوا حلالًا طيبًا ممَّا في الأرض (٢). ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: قرأ شيبة ونافع وعاصم -في رواية أبي بكر- والأعمش وحمزة وأبو عمرو وابن كثير -في رواية البزي- (٣): (خُطْوات) بسكون الطاء في جميع القرآن. وقرأ أبو جعفر وأبو مجلز (٤) والزهري وابن عامر والكسائي (وحفص، وقُنبل) (٥): بضم الخاء والطاء (٦). وقرأ علي ﵁ وعمرو بن ميمون وسلام: بضم الخاء والطاء وبهمزة

стр. 1737

بعد الطاء (١). وقرأ أبو السمال العدوي وعُبيد بن عُمير: (خَطَوات) بفتح الخاء والطاء (٢). فمن خفف فإنه أبقاه على الأصل وطلب الخفة؛ لأنها جمع: خَطْوة ساكنة الطاء، ومن ضمَّ الطاء، فإنه (٣) أتبعها ضمة الخاء. وكلُّ ما كان من الأسماء على وزن (٤): (فُعْلة) فجمع على التاء فإن الأغلب والأكثر في جمعه التثقيل، وتحريك عين الفعل بالحركة التي على (٥) فاء الفعل في الواحد، مثل: ظُلمة وظُلُمات، وقُربة وقُرُبات، وحُجرة وحُجُرات، وقد يُخفف أيضًا (٦). ومن ضم الخاء والطاء مع الهمزة فقال الأخفش: أراه ذهب بها (٧) مذهب الخطيئة، فجعل ذلك على مثال (فُعلةٍ) من الخطأ.

стр. 1738

وقال أبو حاتم: أشبع (١) الفتحة في الواو فانقلبت همزةً وهذا شائع (٢) في كل واو (٣) مفتوحة. ومن نصب الخاء والطاء: فإنه أراد جمع خَطْوة مثل: تمرة وتمرات، والله أعلم (٤). واختلف المفسرون في معنى قوله: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ فروى علي ابن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: خطوات الشيطان: عمله (٥). وقال مجاهد وقتادة والضحاك: خطاياه (٦). وقال السدي والكلبي: طاعته (٧).

стр. 1739

وقال عطاء عن ابن عباس: زلاته وشهواته (١). وقال أبو مجلز: هي النذور في المعاصي (٢). وقال المؤرج: آثاره (٣). وقال أبو عبيدة: هي المحقَّرات من الذنوب (٤). وقال القتيبي والزجاج: طُرُقه (٥). والخطوة: ما بين القدمين، والخطوة بالفتح: الفعلة الواحدة، من قول القائل: خطوتُ أخطو خطوًا. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بيّن العداوة، وقيل (٦): مُظهر العداوة، قد

стр. 1740

أبان عداوته لكم بإبائه السجود لأبيكم آدم ﵇، وغروره إياه حتى أخرجه من الجنة -وأبان: يكون لازمًا ومتعديًا- ثم بين عداوته فقال: ١٦٩ - ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ﴾ يعني: بالإثم. وأصل السوء: كلُّ ما يسوء صاحبه، وهو مصدر ساءه يسوؤه سُوءًا ومساءةً إذا حزنه (١). وسوَّأتُهُ فسيء، أي: حزنته فحزن. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢) (٣). قال الشاعر: إن يكُ هذا الدهر قد ساءني ... فطالما قد سرَّني الدَّهْرُ الأمرُ عندي فيهما واحدٌ ... لذاك صبرٌ ولذا شُكْرُ (٤) ﴿وَالْفَحْشَاءِ﴾ يعني: المعاصي وما قبح من القول والفعل. وهو مصدر كالبأساء، والضراء، واللأواء (٥). ويجوز أن يكون نعتًا لا فعل (٦) له كالعذراء والحسناء.

стр. 1741

قال مُتمم بن نويرة (١): لا يُضْمرُ الفحشاءَ تحت ثيابِهِ ... حلوٌ شمائلُهُ عفيفُ المِئْزَرِ (٢) واختلف المفسرون في معنى الفحشاء المذكور (٣) في هذِه الآية: فروى باذان عن ابن عباس قال: الفحشاء من المعاصي كل ما كان فيه حدٌّ في الدنيا، والسوء من الذنوب: ما لا حدَّ فيه (٤). وقال طاوس عنه: هو ما لا يعرف في شريعةٍ ولا سنة (٥). وقال عطاء عنه: البخل (٦).

стр. 1742

وقال السدي: الزنا (١). وزعم مقاتل: أن جميع ما في القرآن (من ذكر الفحشاء) (٢) فإنه الزنا، إلا قوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ (٣) فإنه منع الزكاة (٤). ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من تحريم الحرث والأنعام. ١٧٠ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ اختلف العلماء في وجه هذِه الآية. فقال بعضهم: إنها قصة مستأنفة، وإنها نزلت في اليهود. وعلى هذا القول يكون الهاء والميم في قوله: ﴿لَهُمْ﴾ هو كناية عن غير مذكور. روى محمَّد بن إسحاق بن يسار (٥)، عن محمَّد بن أبي محمَّد مولى زيد بن ثابت (٦)

стр. 1743

قال: حَدَّثني سعيد بن جبير (١) -أو: عكرمة (٢) - عن ابن عباس (٣) قال: دعا رسول الله ﷺ اليهود إلى الإِسلام ورغبهم فيه، وحذرهم عذاب الله ونقمته، فقال له (٤) رافع بن خارجة ومالك بن عوف: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا خيرًا وأعلم منا. فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٥). وقال قوم: بل هذِه الآية متصلة بما قبلها، وهي نازلة في مشركي العرب وكفار قريش (٦). (واختلفوا فيه: فقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يعني: كفار قريش) (٧) من بني عبد الدار (٨). ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ من عبادة الأصنام. فقال

стр. 1744

الله : ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ من التوحيد ومعرفة الله (١) ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ للحجة البالغة. وعلى هذا القول تكون (٢) الهاء والميم عائدة على ﴿وَمِنَ﴾ في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾. وقال الآخرون: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ في تحليل ما حرموه على أنفسهم من الحرث والأنعام والسائبة والبحيرة (٣) والوصيلة والحام وسائر الشرائع والأحكام (٤) ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا﴾ أي: وجدنا عليه آباءنا من التحليل والتحريم والدين والمنهاج. وعلى هذا القول تكون الهاء والميم راجعة إلى ﴿النَّاسُ﴾ في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ ويكون رجوعًا من الخطاب إلى الخبر، كقوله : ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ (٥). وهذا أولى الأقاويل, لأن هذِه القصة (٦) عقيب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 1745

النَّاسُ﴾ فهي أولى أن تكون خبرًا عنهم من أن تكون خبرًا عن المتَّخذين للأنداد مع ما بينهما من الآيات وطول الكلام. وأدغم الكسائي لام (هل وبل) في ثمانية أحرف: التاء كقوله (١): ﴿بَل تُؤْثِرُونَ﴾ (٢) و: ﴿هَلْ تَعْلَمُ﴾ (٣)، والثاء كقوله (٤): ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ (٥) والسين كقوله: ﴿بَل سَوَّلَتْ﴾ (٦) والزاي كقوله: ﴿بَلْ زُيِّنَ﴾ (٧)، والضاد كقوله: ﴿بَلْ ضَلُّوا﴾ (٨) والظاء كقوله: ﴿بَلْ ظَنَنتُمْ﴾ (٩)، والطاء كقوله: ﴿بَلْ طَبع اللهُ﴾ (١٠) والنون كقوله (١١): ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَينَا عَلَيْهِءَابَآنَا﴾. وإنما خصَّ لام (هل وبل) دون سائر اللامات؛ لأنها ساكنة بناءً، وسائر اللامات ساكنةٌ لعللٍ متى ما زالت تلك العلل زال سكونها (١٢).

стр. 1746

قال الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ واو العطف، ويقال لها: واو التعجب دخلت عليها أَلْف الاستفهام للتوبيخ والتقرير؛ فلذلك نُصبت، والمعنى: أيتبعون آباءهم وإن (١) كانوا جهالًا؟ ! فترك جوابه؛ لأنه معروف (٢). وقوله تعالى: ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ لفظه عام ومعناه الخصوص؛ لأنهم كانوا يعقلون (٣) أمر الدنيا، ومعناه: لا يعقلون شيئًا من أمر الدين ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. ثم ضرب لهم مثلًا فقال عز من قائل:

стр. 1747

١٧١ - ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، وسلكت العلماء في هذِه الآية طريقين، وأولوها على وجهين: فقال قوم: أراد بما لا يسمع إلَّا دعاء ونداء البهائمَ التي لا تعقل، مثل: الإبل والبقر والغنم والحمر (١) ونحوها، وعلى هذا القول ابن عباس وعكرمة ومجاهد (٢) وقتادة وعطاء والربيع والسدي وأكثر المفسرين (٣). ثم اختلف أهل المعاني في وجه هذا القول وتقدير (٤) الآية: فقال بعضهم: معنى الآية: ومثلك يَا محمَّد ومثل الذين كفروا في وعظهم ودعائهم إلى الله . قاله الأخفش والزجاج (٥). وقال الباقون: مثل واعظ الذين كفروا وداعيهم ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾. فترك ذلك وأضاف المثل إلى الذين كفروا؛ لدلالة الكلام (٦) عليه،

стр. 1748

وُيسمَّي هذا النوع من الخطاب: المضمر، ومثله في القرآن كثير (١) كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٢). قال الشَّاعر: حسبتَ بُغَامَ راحلَتي عناقًا ... وما هي ويبَ غيرِك والعَنَاقِ (٣) يعني: حسبت بُغام راحلتي بُغام عناقٍ. وقال آخر (٤): ولستُ مسلِّمًا ما دُمتُ حيُّا ... على زيدٍ كتسليمِ الأميرِ أي: كتسليمي على الأمير. فشبه الله تعالى واعظ الكفار بالراعي الذي (٥) ينعق بالغنم، أي: يصيح ويصوِّت لها. يقال: نَعَق ينعِق نعِيقًا ونُعاقًا ونَعْقًا: إذا صاح وزجر (٦).

стр. 1749

قال الأخطل: فانعِقْ بضأنك يَا جريرُ فإنَّما ... منَّتْكَ نفسُك في الخلاءِ ضَلالًا (١) فكما أنَّ هذِه البهائم تسمع الصوت ولا تفهمه ولا تنتفع به ولا تعقِل ما يُقال لها، كذلك الكافر لا ينتفع بوعظك إنْ أمرتَه بخيرٍ أو زجرته عن شر، غير أنَّه يسمع صوتك. قال الحسن: يقول: مثلهم فيما قبلوا عن آبائهم وفيما أتيتهم به حيث لا يسمعونه ولا يعقلونه (٢)، كمثل راعي الغنم الذي ينعق بها، فإذا سمعت الصوت رفعت رؤوسها فاستمعت إلى الصوت والدعاء ولا تعقل منه شيئًا، ثم تعود بعدُ إلى مراتعها لم تفقه ما ناداها به (٣). وقال بعضهم: معنى الآية: ومثل الذين كفروا في قلة فهمهم وعقلهم عن الله وعن رسوله ﵇ وسوء قبولهم عنهما، كمثل

стр. 1750

المنعوق به من البهائم التي لا تفقه من الأمر والنهي غير الصوت، فكذلك الكافر في قلة فهمه وسوء تفكره وتدبره فيما أمر به ونُهي عنه، فيكون المعنى للمنعوق به والكلام خارج على الناعق، وهو فاشٍ في كلام العرب يفعلون ذلك (١) ويقلبون (٢) الكلام لاتِّضاح المعنى عندهم، فيقولون: فلان يخافك كخوف الأسد، أي: كخوفه الأسد. ويقولون (٣): اعرض الحوض على الناقة، وإنما هو: اعرض الناقة على الحوض. قال الله : ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ (٤). وإنَّما العصبة تنوء بالمفاتيح (٥). وقال الشَّاعر: لقد خفتُ حتَّى لا تزيدَ مخافتي ... على وعِلٍ في ذي المطارةِ عاقلِ (٦)

стр. 1751

والمعنى: حتَّى ما (١) تزيد مخافة وعِلٍ على مخافتي. وقال الآخر: كانت فريضة ما تقولُ كما ... أنَّ الزناءَ فريضةُ الرجمِ (٢) المعنى: كما أنَّ الرجم فريضة الزنا. وأنشد الفراء: إنَّ سراجًا لكريمٌ مفخرُه ... تحلى به العين إذا ما تجهرُه (٣) والمعنى: يحلى (٤) بالعين، ونظائرها كثير (٥)، وعلى هذا القول عبيدة والفراء وجماعة من العلماء (٦).

стр. 1752

وقال بعضهم: معنى الآية: ومثل الكفار في قلة عقلهم (١) وفهمهم، كمثل الرعاة يكلِّمون البُهم، والبُهم لا تعقل عنهم، وعلى هذا التفسير لا تحتاج الآية إلى الضمير (٢). وقال بعضهم: معناها: ومثل الذين كفروا في دعائهم الأصنام التي لا تفقه دعاءهم كمثل النَّاس بغنمه فلا تنتفع من نعيقه بشيء، غير أنَّه في عناءٍ، من دعاءٍ ونداء، فكذلك الكافر ليس له من دعائه الآلهة وعبادته الأوثان إلَّا العناء والبلاء، ولا ينتفع بشيء، يدل عليه قوله تعالى في صفة الأصنام: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ (٣) فهذا وجه صحيح (٤). وأمَّا الوجه الآخر: فقال قوم: معنى الآية: ومثل الكفار في دعائهم الأصنام وعبادتهم الأوثان، كمثل الرَّجل الذي يصيح في

стр. 1753

جوف الجبال فيجيبه فيها صوت يقال له: الصدى، يجيبه ولا ينفعه، فيكون تأويل الآية على هذا القول: ومثل الكفار في عبادتهم الأصنام كمثل الناعق بما لا يسمع منه الناعق إلَّا (دعاء ونداءً) (١). ثم قال: ﴿صُمٌّ﴾ أي: هم صم. والعرب تقول لمن يسمع ولا يعقل ما يسمعه: كأنَّه أصم. قال الشَّاعر: أصمُّ عما ساءه سميعُ (٢) ﴿بُكْمٌ﴾ عن الخير فلا يقولونه. ﴿عُمْىٌ﴾ عن الهدى فلا يبصرونه. ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.

стр. 1754

١٧٢ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ حلالات ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من الحرث والنَّعَم وسائر المأكولات. روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "إنَّ الله سبحانه طيِّبٌ لا يقبل إلَّا الطيب، وإنَّ الله أمر المُؤْمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (١) وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ " ثم ذكر: "الرَّجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمدُّ يديه إلى السماء ويقول (٢) يَا ربّ يَا ربّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِيَ بالحرام (٣)، فأنَّى يُستجاب له (٤) " (٥). ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ على نعمه ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ قال النَّبِيّ ﷺ : "يقول الله ﷻ : إنِّي والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويُعبد غيري، وأرزقُ ويُشكر غيري" (٦).

стр. 1755

ثم بيَّن ما حرَّم عليهم فقال: ١٧٣ - ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ قرأ أبو عبد الرَّحْمَن السلمي: (إنَّمَا حَرُمَ) خفيفة الراء (١) ﴿الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾، كلُّها رفعًا على أنَّ الفعلَ لها (٢). ورُوي عن أبي جعفر أنَّه قرأ (حُرِّم) بضم الحاء وكسر الراء وتشديدها، ورفع ما بعده، ولها وجهان: أحدهما: أنَّ الفاعل غير مسمى. والثاني: إنَّ الذي حُرِّم عليكم الميتةُ، على خبر إنَّ (٣). وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: ﴿حَرَّمَ﴾ الحاء مفتوحة (٤)، والراء
следующие страницы →