← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

والمعنى: حتَّى ما (١) تزيد مخافة وعِلٍ على مخافتي. وقال الآخر: كانت فريضة ما تقولُ كما ... أنَّ الزناءَ فريضةُ الرجمِ (٢) المعنى: كما أنَّ الرجم فريضة الزنا. وأنشد الفراء: إنَّ سراجًا لكريمٌ مفخرُه ... تحلى به العين إذا ما تجهرُه (٣) والمعنى: يحلى (٤) بالعين، ونظائرها كثير (٥)، وعلى هذا القول عبيدة والفراء وجماعة من العلماء (٦).

стр. 1752

وقال بعضهم: معنى الآية: ومثل الكفار في قلة عقلهم (١) وفهمهم، كمثل الرعاة يكلِّمون البُهم، والبُهم لا تعقل عنهم، وعلى هذا التفسير لا تحتاج الآية إلى الضمير (٢). وقال بعضهم: معناها: ومثل الذين كفروا في دعائهم الأصنام التي لا تفقه دعاءهم كمثل النَّاس بغنمه فلا تنتفع من نعيقه بشيء، غير أنَّه في عناءٍ، من دعاءٍ ونداء، فكذلك الكافر ليس له من دعائه الآلهة وعبادته الأوثان إلَّا العناء والبلاء، ولا ينتفع بشيء، يدل عليه قوله تعالى في صفة الأصنام: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ (٣) فهذا وجه صحيح (٤). وأمَّا الوجه الآخر: فقال قوم: معنى الآية: ومثل الكفار في دعائهم الأصنام وعبادتهم الأوثان، كمثل الرَّجل الذي يصيح في

стр. 1753

جوف الجبال فيجيبه فيها صوت يقال له: الصدى، يجيبه ولا ينفعه، فيكون تأويل الآية على هذا القول: ومثل الكفار في عبادتهم الأصنام كمثل الناعق بما لا يسمع منه الناعق إلَّا (دعاء ونداءً) (١). ثم قال: ﴿صُمٌّ﴾ أي: هم صم. والعرب تقول لمن يسمع ولا يعقل ما يسمعه: كأنَّه أصم. قال الشَّاعر: أصمُّ عما ساءه سميعُ (٢) ﴿بُكْمٌ﴾ عن الخير فلا يقولونه. ﴿عُمْىٌ﴾ عن الهدى فلا يبصرونه. ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.

стр. 1754

١٧٢ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ حلالات ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من الحرث والنَّعَم وسائر المأكولات. روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "إنَّ الله سبحانه طيِّبٌ لا يقبل إلَّا الطيب، وإنَّ الله أمر المُؤْمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (١) وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ " ثم ذكر: "الرَّجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمدُّ يديه إلى السماء ويقول (٢) يَا ربّ يَا ربّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِيَ بالحرام (٣)، فأنَّى يُستجاب له (٤) " (٥). ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ على نعمه ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ قال النَّبِيّ ﷺ : "يقول الله ﷻ : إنِّي والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويُعبد غيري، وأرزقُ ويُشكر غيري" (٦).

стр. 1755

ثم بيَّن ما حرَّم عليهم فقال: ١٧٣ - ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ قرأ أبو عبد الرَّحْمَن السلمي: (إنَّمَا حَرُمَ) خفيفة الراء (١) ﴿الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾، كلُّها رفعًا على أنَّ الفعلَ لها (٢). ورُوي عن أبي جعفر أنَّه قرأ (حُرِّم) بضم الحاء وكسر الراء وتشديدها، ورفع ما بعده، ولها وجهان: أحدهما: أنَّ الفاعل غير مسمى. والثاني: إنَّ الذي حُرِّم عليكم الميتةُ، على خبر إنَّ (٣). وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: ﴿حَرَّمَ﴾ الحاء مفتوحة (٤)، والراء

стр. 1756

مشدَّدة، ورفع ما بعده، جعل (ما) بمعنى الذي، منفصلة عن قوله: (إنَّ)، وحينئذ تكون (ما) نصبًا باسم إنَّ، وما بعدها رفعًا على خبرها (١)، كما تقول: إنَّ ما أخذتَ مالك، وإنَّ ما ركبتَ دابتُك. أي: إنَّ (٢) الذي. قال الله : ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ (٣) (٤). وقرأ الباقون: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ نصبًا على إيقاع الفعل، وجعلوا (إنَّما) كلمة واحدةً، تأكيدًا وتحقيقًا. وقرأ أبو جعفر (الميّتة) وبابها بالتشديد في (٥) كل القرآن. وأما الآخرون فخفَّفوا بعضًا، وشددوا بعضًا. فمن شدَّد قال: أصله مَيْوِت: فَيْعِل (٦) من الموت، فأدغمت الياء في الواو، وجُعلت الواو يَاءً مشددة للكسرة، كما فعلوا بسيِّد وجيِّد وصيّب. ومن لم يشدِّد فعلى طلب الخفة، وهما لغتان جيدتان، مثل: هيّن

стр. 1757

وهَيْن، وليِّن وليْن (١). قال الشَّاعر: ليس مَن مات فاستراح بمَيْتٍ ... إنَّما الميْتُ ميِّتُ الأحياءِ (٢) فجمع بين اللغتين، وحكى أبو معاذ عن النحويين الأوَّلين أنَّ الميْت بالتخفيف: الذي فارقه الروح (٣)، والميِّت بالتشديد: الذي لم يمت بعد، وهو يموت. قال الله : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ (٤) لم يختلفوا في تشديده، والله أعلم (٥). والميتة: كل (٦) ما لم تُدرَك ذكاته مما يُذبَح. والدم: أراد به الدم البُخَارِيّ، يدل عليه قوله : ﴿أَوْ دَمًا

стр. 1758

مَّسْفُوحًا﴾ (١) (٢) فقيَّد. وهذِه الآية مخصوصة (٣) بالسنة، وهي قوله ﵇: "أُحلّت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالحوتُ والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطِّحال" (٤).

стр. 1759

﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾: أراد به جميع أجزائه وكلَّ بدنه، فعبَّر عن ذلك باللحم؛ لأنه معظمه وقوامه (١). ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أي: ما ذُبح للأصنام والطواغيت كلها، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضَّحَاك (٢). وأصل الإهلال: رفعُ الصوت، ومنه: إهلال الحج، وهو رفع الصوت بالتلبية (٣).

стр. 1760

قال ابن أحمر (١) يصف فَلَاةً: يُهِلُّ بالفَرْقَدِ رُكبانُها ... كما يُهلُّ الراكبُ المعتمر (٢) وقال آخر: أو دُرَّةٌ صَدَفِيَّةٌ غَوَّاصُها ... بَهِجٌ متى يَرَها يُهِلّ ويسجُدِ (٣)

стр. 1761

ومنه إهلال الصبي واستهلاله، وهو صياحه عند خروجه من بطن أمِّه. وفي الحديث: كيف أَدِي من لا نطق ولا استهلّ، ولا شرب ولا أكل، فمثل ذلك يُطَلّ (١) (٢). ومنه إهلال المطر واستهلاله وانهلاله، وهو صوت وقوعه بالأرض.

стр. 1762

قال عمرو بن قَمِيئَة (١): ظلَمَ البطاحَ به انهِلالُ حريصةٍ ... فصَفَا النِّطَافُ لهُ بُعيدَ المُقْلَعِ (٢) وإنَّما قال: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ﴾ لأنهم كانوا إذا ذبحوا لآلهتهم سَمَّوا آلهتهم التي قرَّبوا لها وجهروا به أصواتهم، فجرى ذلك من أمرهم، حتَّى قيل لكل ذابحٍ سمَّى أو لم يسمّ، جهر بالتسمية أو لم يجهر: مُهِلّ (٣).

стр. 1763

وقال الرَّبيع بن أنس وغيره: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾: ما ذُكر عليه غير اسم الله (١). قال الزُّهْرِيّ: الإهلال لغير الله هو (٢) أنْ يقول: باسم المسيح (٣). وهذِه الآية مخصوصة بالكتاب، وهو قوله : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٤). وروى حيْوة (٥) عن عُقبة بن مسلم (٦) وقيس بن رافع الأَشجعيّ (٧)

стр. 1764

أنهما قالا: أُحِلَّ لنا ما ذُبح لعيد (١) الكنائس وما أُهديَ لها من خبزٍ أو لحمٍ، وإنما هو طعام أهل الكتاب. قال حيوة: فقلت: أرأيت قول الله : ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ قال (٢): إنَّما ذلك المجوس وأهل الأوثان والمشركون (٣). قوله : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ قرأ عاصم وحمزة ويعقوب وأبو عمرو: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ بكسر النُّون فيه وفي أخواته، مثل: ﴿أَنِ اقتُلُواْ. . أَوِ اخْرُجُوا﴾ (٤) (٥) ونحوها؛ لأنَّ الجزم يُحرَّك إلى الكسر (٦). وقرأ الآخرون: بضم النُّون؛ لأنهم (٧) لمَّا سكَّنوا أول الفعل الذي يليه لأجل الوصل، نقلوا ضمته إلى النُّون (٨). وقرأ ابن محيصن: (فَمَنِ اطُّرَّ) بإدغام الضاد في الطاء حتَّى تكون طاءً خالصة.

стр. 1765

وقرأ أبو جعفر (فَمَنُ اضْطِرَّ) بكسر الطاء، ردَّ إلى الطاء كسرة الراء المُدغمة؛ لأنَّ أصله: اضطُررَ على وزن افْتُعِلَ من الضرورة (١). وقرأ الباقون: ﴿اضْطُرَّ﴾ بضم الطاء على الأصل. ومعناه: أُحْوِجَ وألْجِئَ وأُجْهِدَ إلى ذلك، وقال مجاهد: يعني: أكرِهَ عليه، كالرجل يأخذه العدو فيُكرهه على أكل لحم الخنزير وغيره من معصية الله (٢). ﴿غَيْرَ﴾ نصب على الحال، وقيل: على الاستثناء. وإذا رأيتَ (غير) تصلح (٣) في موضعها (لا) (٤) فهي حال، وإذا صلح في موضعها (إلَّا) فهي استثناء (٥). فقِسْ على هذا ما ورد عليك من هذا الباب. وقوله تعالى: ﴿بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾:

стр. 1766

أصل البغي في اللغة: قصدُ الفساد، يُقال: بَغى الجرحُ يبغي بغْيًا، إذا تَرَامى إلى الفساد. ومنه قيل للزنا: بِغَاءٌ. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ (١). وللزانية: بَغِيٌّ. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (٢). وأصل العدوان: الظلم ومجاوزة الحد، يقال: عَدَا عليه عدْوًا وعدوًّا (٣) وعُدْوانًا، وعداءً، إذا ظلَم (٤). واختلف المفسرون في معنى قوله: ﴿غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾: فقال بعضهم: ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ أي: غير قاطعٍ للطريق، ﴿وَلَا عَادٍ﴾: مفارقٍ للأئمَّة، مشاقٍّ للأمَّة، خارجٍ عليهم بسيفه. فمن خرج يقطع الرَّحم، أو يخيف السبيل (٥) ويفسد في الأرض، أو أبَق من سيده، أو فرَّ من غريمِه، أو خرج عاصيًا بأيِّ وجهٍ كان، فاضطُرَّ إلى الميتة، لم يحلَّ له أكلها، أو اضطرَّ (٦) إلى الخمر عند العطش، لم (٧) يحلَّ له شربها, لا رخصة له ولا كرامة.

стр. 1767

فأما إذا خرج مطيعًا، ومباحًا له ذلك، فإنَّه يُرخَّص له فيه. وهذا قول مجاهد، وسعيد بن جبير، والضَّحَاك، والكلبي، ويمان (١). وهو مذهب الشَّافعيّ ﵁ قال: إذا أبَحْنا له ذلك فقد أعنَّاه على فساده وظلمه، لكن يتوب ويستبيح ذلك (٢). وقال الآخرون: هذا البغي والعدوان راجعان إلى الأكل، وإليه ذهب أبو حنيفة ﵀ وأباح تناول الميتة للمضطر وإن كان عاصيًا (٣)، ثم اختلف أهل التأويل في تفصيل هذا التفسير (٤): فقال الحسن وقتادة والربيع وابن زيد: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ بأكله من غير اضطرار ﴿وَلَا عَادٍ﴾: متعدٍّ (٥) يتعدى الحلال إلى الحرام، فيأكلها وهو

стр. 1768

غنيٌّ عنها (١) (٢). وقال مقاتل بن حيان: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ أي: غير (٣) مستحلٍّ لها، ﴿وَلَا عَادٍ﴾: متزوِّدٍ منها (٤). وقال السدي: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ في أكله شهوةً فيأكلها تلذذًا ﴿وَلَا عَادٍ﴾ يأكل حتَّى يشبع منه، ولكن يأكل منها قُوتًا (مقدَّرًا، قدرَ) (٥) ما يمُسك رمقه (٦). وقال شهر بن حوشب: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ أي: مجاوز (٧) للقدر (٨) الذي حلَّ (٩) له ﴿وَلَا عَادٍ﴾: ولا يقصر فيما يحل (١٠) له فيدعه

стр. 1769

ولا يأكله (١). وقال مسروق: بلغني أنَّه من اضطر إلى الميتة فلم يأكلها حتَّى مات دخل النَّار (٢). وقد اختلف العلماء (٣) في مقدار ما يحل للمضطر أكله من الميتة: فقال بعضهم: مقدار ما يُمسك به رمقَه. وهو أحد قولي الشَّافعيّ (٤)، واختيار المزني (٥) (٦).

стр. 1770

والقول الآخر: أنْ يأكل منها حتَّى يشبع (١). وقال مقاتل بن حيان: لا يزداد (٢) على ثلاث لُقَم (٣). وقال سهل بن عبد الله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: مفارق للجماعة، ﴿وَلَا عَادٍ﴾: مبتدع مخالف للسنة، فلم يُرخَّص للمبتدع بتناول المحرمات عند الضرورات (٤). ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: فلا حرج عليه في أكلها. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِمَا أكل الحرام في حال الاضطرار ﴿رَحِيمٌ﴾ به حيث رخَّص له في ذلك. ١٧٤ - قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية. قال جويبر (٥) عن الضحاك (٦) عن ابن عباس (٧): سألت الملوكُ اليهودَ قبل مبعث محمَّد ﷺ : ما الذي تجدون في التوراة؟ فقالت

стр. 1771

اليهود: إنَّا لنجدُ في التوراةِ أنَّ الله يبعث نبيُّا من بعد المسيح يُقال له: محمَّد، بتحريم الزنا والخمر والملاهي وسفك الدماء. فلما بعثَ الله محمدًا ﵇ (ونزل المدينة) (١)، قالت الملوك لليهود: هذا الذي تجدون في كتابكم؟ فقالت اليهود -طمعًا في أموال الملوك: ليس هذا بذاك النَّبِيّ، فأعطاهم الملوك الأموال؛ فأنزل هذِه الآية؛ إكذابًا لليهود (٢). وقال الكلبي (٣)، عن أبي صالح (٤)، عن ابن عباس (٥): نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم، كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضول (٦)، وكانوا يرجون أن يكون النَّبِيّ المبعوث منهم، فلما (بُعث محمدٌ) (٧) ﵇ من غيرهم خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رئاستهم، فعمدوا إلى صفة رسول الله ﷺ فغيَّروها، ثم أخرجوها

стр. 1772

إليهم، وقالوا: هذا نعت النَّبِيّ الذي يخرج في آخر الزمان لا يشبه نعت هذا النَّبِيّ الذي بمكة، فإذا نظرت السفلة إلى النعت المغيَّر وجدوه مخالفًا لصفة محمَّد ﷺ فلا يتبعونه؛ فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (١) يعني: صفة محمَّد ﷺ ونبوَّته ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ﴾ أي: بالمكتوم ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: عرضًا يسيرًا، يعني: المآكل التي كانوا يصيبونها من سفلتهم. ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ ذكر البطون هاهنا للتوكيد؛ لأنَّ الإنسان قد يقول: أكل فلانٌ مالي، إذا أفسده وبذَّره. ويُقال: كلَّمَهُ مِنْ فِيهِ؛ لأنَّه قد يُكلِّمهُ مراسلة ومُكاتبةً، وناوله (٢) من يده، ونحوها (٣).

стр. 1773

قال الشَّاعر: نظرتَ فلم تنظُر بعينيك منْظَرًا (١) ﴿إِلَّا النَّارَ﴾ يعني: إلَّا (٢) ما يوردهم النَّار، وهو الرشوة والحرام وثمن الدين والإِسلام، لما كانت عاقبته النَّار سمَّاه في الحال نارًا، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (٣). يعني: إنَّ عاقبته تئول إلى النَّار (٤). وقوله ﵇ في الذي يشرب من (٥) آنية الذهب والفضة: "إنَّما يُجرجِرُ في بطنِهِ نارَ جهنم" (٦). أخبر عن المآل بالحال.

стр. 1774

﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ كلامًا ينفعهم ويسرُّهم، هذا قول أهل التفسير (١). وقال أهل المعاني: (أراد أنَّه) (٢) يغضب عليهم، كما تقول: فلانٌ لا يكلِّم فلانًا، أي: هو غضبان عليه (٣). ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾: ولا يطهِّرهم من دنس ذنوبهم ولا يثني عليهم (٤). ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ١٧٥ - قوله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾ استبدلوا (٥) ﴿الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ اختلف العلماء في (مَا)، فقال بعضهم (٦) هو (ما) التعجب (٧).

стр. 1775

واختلفوا في معناه: فقال الحسن وقتادة والربيع: واللهِ ما لهم عليها من صبر، ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النَّار (١). قالوا: هذِه لغة يمانية (٢)، قال الفراء: أخبرني الكسائي، قال: أخبرني قاضي اليمن أنَّ خصمين اختصما إليه، فوجبت اليمين على أحدهما، فحلف (٣)، وقال خصمه: ما أصبركَ على الله. أي: ما أجرأك عليه (٤). وقال المؤرِّج: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّار﴾ أي: على عملٍ يؤديهم إلى النَّار؛ لأنَّ هؤلاء كانوا علماء بأنَّ من عاند النَّبِيّ ﷺ صار من أهل النَّار (٥). وقال الكسائي وقُطرب: معناه: فما أصبرهم على عمل أهل النَّار،

стр. 1776

أي: ما أدومهم عليه، كما تقول: ما أشبه سخاءك بحاتم، أي: بسخاء حاتم (١). وقال مجاهد: ما أعملهم بأعمال أهل النَّار (٢). وقيل: ما أبقاهم في النَّار، كما يقال: ما أصبر فلانًا على الضرب والحبس (٣). وقال عطاء والسدي وابن زيد وأبو بكر بن عياش: هو (ما) الاستفهام، معناه: ما الذي صبَّرهم؟ وأيُّ شيءٍ صبَّرهم على النَّار حين (٤) تركوا الحق واتبعوا الباطل؟ (٥). وقيل: هذا على وجه الاستهانة (٦).

стр. 1777

١٧٦ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾: قال بعضهم: ومعناه: ذلك العذاب بأنَّ الله نزَّل الكتاب بالحق فاختلفوا فيه. وحينئذ يكون: ﴿ذَلِكَ﴾ في محل الرفع. وقال بعضهم: (محله نصب) (١)، معناه: فعلنا ذلك بهم بأنَّ الله -أو: لأنَّ الله- نزَّل الكتاب بالحق فاختلفوا فيه وكفروا به، فنزع حرف الصفة. وقال الأخفش: خبر ذلك مضمر، معناه: ذلك معلوم لهم بأنَّ الله نزَّل الكتاب بالحق (٢). وقال بعضهم: معناه: ذلك، أي: فعلهم الذي يفعلون من الكفر والاختلاف والاجتراء على الله، من أَجل أنَّ الله نزل الكتاب بالحق، وتنزيله الكتاب بالحق هو إخباره عنهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (٣) (٤). ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ﴾ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي: لفي خلاف وضلال طويل (٥).

стр. 1778

١٧٧ - قوله : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ الآية (١). قرأ حمزة، (وحفص ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ (٢) بنصب الراء، وقرأ الباقون بالرفع (٣). فمن رفع (البر) جعله اسم ليس وجعل خبره في قوله ﴿أَنْ تُوَلُّوا﴾، تقديره: ليس البرُّ توليتَكم وجوهَكم، ومن نصب جعل أن، وصلتها (٤) في موضع الرفع على اسم ليس، تقديره: ليس توليتكم وجوهَكم البرَّ كلَّه كقوله: ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ (٥)، وقوله ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ﴾ (٦) (٧). [٣٢٦] أخبرنا محمَّد بن نُعيم (٨) قال: أنا الحسين بن أَيُّوب (٩)

стр. 1779

قال: أنا علي بن عبد العزيز (١) قال: أنا (٢) القاسم بن سلّام (٣) قال: نا حجاج (٤) عن هارون (٥) عن عبد الله وأُبي بن كعب أنهما قرآ: (ليس البر بأن تولوا) (٦). واختلف المفسرون في تأويل هذِه الآية (٧) فقال قوم: إنما (٨) عَنَى الله تعالى بهذِه الآية اليهود والنصارى، وذلك أن اليهود كانت تصلي (قِبَلَ المغرب إلى بيت المقدس) (٩)، والنصارى قِبَلَ

стр. 1780

المشرق، وزعم كل فريق منهم أن البرَّ في ذلك، فأخبر الله تعالى أن البر غير دينهم وعملهم، ولكن ما بيناه في هذِه الآية، وعلى هذا القول قتادة (١)، والربيع (٢) ومقاتل بن حيان (٣)، وعوف الأعرابي (٤). وقال الآخرون: إن (٥) المراد بهذِه الآية المؤمنون، وذلك أن رجلًا سأل النَّبِيّ ﷺ عن البر؟ فأنزل الله تعالى هذِه الآية، فدعا رسول الله ﷺ ذلك الرَّجل فتلاها عليه، وقد كان الرَّجل قبل نزول (٦) الفرائض إذا شهد أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وصلى الصلاة إلى أي ناحية كانت ثم مات على ذلك وجبت له الجنة، فلما هاجر رسول الله ﷺ ، ونزلت الفرائض، (وصرفت القبلة إلى الكعبة، وحدّت الحدود) (٧) أنزل الله تعالى هذِه

стр. 1781

الآية (١)، فقال: ليس البرَّ كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ قرأ نافع، وابن عامر: (ولكن البر) بكسر النُّون مخففة ورفع الراء في الموضعين (٢). ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية. وعلى هذا القول: ابن عباس (٣)، ومجاهد (٤)، والضَّحَاك (٥)، وعطاء (٦)، وسفيان. وقوله : ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ جعل من -وهي اسم- خبرًا للبر وهو فعل، ولا يقال البرُّ زيد. واختلفوا في وجه الآية، فقال بعضهم: لما وقع (من) في موقع (٧)

стр. 1782

المصدر جعله خبرًا للبر، كأنه قال (١): ولكن البرُّ الإيمان بالله ، والعرب تجعل الاسم خبرًا للفعل (٢)، كقولهم: إنما البر الصادق الذي يصل رحمه، ويخفي صدقته، يريدون (٣) صلة الرَّحم، وإخفاء الصدقة، وعلى هذا القول الفراء (٤)، والمفضل بن سلمة (٥). وأنشد الفراء: لَعمركَ ما الفتيانُ أن تنبتَ اللِّحَى ... ولكِنَّما الفتيانُ كلُّ فتى ندي (٦) فجعل نبات اللحية خبرًا للفتى. وقيل: معناه ولكن البر بر (٧) من آمن بالله، فيستغنى (٨) بذكر الأول (٩) عن الثاني كقولهم: الجود حاتم،

стр. 1783

والشجاعة عنترة، والشعر زهير، أي جود حاتم، وشجاعة عنترة، وشعر زهير. (والعرب تقول) (١): بنو فلان تَطَؤهم (٢) الطريق أي أهل الطريق قال الله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٣) وقال تعالى ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (٤) (أي كخلق نفس واحدة) (٥)، وقال الشَّاعر: كأن (٦) غديرهم بجنوب سِلَّى (٧) ... نعام فاق في بلد قفار (٨)

стр. 1784

يريد كأن غديرهم غدير نعام (فاق من بلد قفار) (١)، وقال النابغة الجعدي (٢): وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب أي كخلالة أبي مرحب. وعلى هذا القول قطرب، واعتمده الفراء (٣)، والزجاج (٤) أَيضًا. وقال أبو عبيدة: معناه ولكن البار من آمن بالله (٥). كقوله تعالى ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (٦) أي: للمتقي (٧). وقيل: معناه: ولكن ذا البر من آمن بالله، حكاه الزجاج (٨).

стр. 1785

كقوله ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللهِ﴾ (١) أي: هم (٢) ذوو درجات. قال المبرد (٣): لو كنت ممن أقرأ (٤) القرآن لقرأت: ولكن البر من آمن بالله، بفتح الباء، تقول (٥): رجل برّ وبار، والجمع بررة وأبرار. والبر: العطف والإحسان, (والبر أَيضًا: الصدق) (٦)، والبر أَيضًا: الإيمان والتقوى، وهو المراد في هذِه الآية (يدلك عليه) (٧) قوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ﴾ كلهم ﴿وَالْكِتَابِ﴾ يعني: الكتب ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾ أجمع ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ أي وأعطى المال) (٨) ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ اختلفوا (٩) في هذِه الكناية، فقال أكثر المفسرين: الهاء في ﴿حُبِّهِ﴾ راجعة إلى المال، يعني: أعطى المال في حال صحته، ومحبته إياه، وضنه (١٠) به، يدل عليه قول ابن مسعود في هذِه الآية قال: (أن تؤتيه) (١١) وأنت صحيح،

стр. 1786

شحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر ولا تمهل حتَّى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان؛ كذا, ولفلان كذا (١). ورفعه بعضهم (٢).

стр. 1787

وقيل (١): هي عائدة على (٢) الله تعالى أي: على حب الله سبحانه (٣). وقال (٤) الحسين بن الفضل: على حب الإيتاء (٥). ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ أي: أهل القرابة. [٣٢٧] أخبرنا أبو عمرو أَحْمد بن أُبي الفراتي (٦)، قال: أنا الهيثم ابن كليب (٧) (٨)، قال: نا محمَّد بن عبيد (٩) الله المنادي (١٠)، قال: نا

стр. 1788

يزيد بن هارون (١)، قال: أنا ابن عون (٢)، عن حفصة بنت سيرين (٣)، عن أم (٤) رائح بنت صليع (٥)، عن سلمان (٦) بن عامر (٧)، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "صدقتك على المسكين صدقة (٨)، وصدقتك (٩) على ذي الرَّحم

стр. 1789

اثنتان (١)، لأنها صدقة وصلة" (٢).

стр. 1790

[٣٢٨] وأخبرنا أَحْمد بن أُبي (١) أخبرنا (٢) الهيثم (٣) قال: نا العباس ابن محمَّد الدُّوريّ (٤) قال: نا عبد الله بن الزُّبير الحميدي (٥) قال: نا سفيان بن عيينة (٦)، عن الزُّهْرِيّ (٧) عن حميد بن عبد الرَّحْمَن (٨) عن
следующие страницы →