← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

- عند قول الله تعالى: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦] قال ﵀: قال أهل الإشارة: إنما قال (ربك الكريم) دون سائر أسمائه وصفاته؛ لأنه لقَّنه الإجابة حتى يقول: غَرّني كرم الكريم. - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ [الفجر: ٣] نقل لأبي بكر الوراق من أقوال الصوفية. ومما ينبغي أن يذكر في خاتمة الكلام عن التفسير الصوفي الإشاري وموقف الثعلبي منه: أنَّ الثعلبي رغم أنه نقل عن الصوفية، وبعض شيوخه منهم، ورغم أنه ضمَّن كتابه مجموعة من التفاسير الإشارية، إلا أنه رغم ذلك يبدو أنه ﵀ كان متحرِّيًا في هذِه النقول، إذ خلا تفسيره من التفسير الصوفي النظري الباطني، كما أنَّه لم يتَّبع شيخه السلمي في ما أخطأ فيه وانتقده بسببه العلماء، كما أن الثعلبي صان تفسيره من التأويلات الرمزيَّة والإشارية التي تخالف مقاصد اللغة العربية، خاصةً إذا تجاوزنا ما ذُكر في أوائل السور من الأقوال التي قلَّ من لا يذكرها من المفسِّرين (١).

стр. 212

ثانيًا: علوم القرآن يُعرَّف علوم القرآن باعتباره فنًّا مدوَّنًا بأنه: مباحث تتعلق بالقرآن الكريم من ناحية نزوله وجمعه وقراءاته وتفسيره وناسخه ومنسوخه وأسباب نزوله ومكيَّه ومدنيِّه ونحو ذلك (١). وممَّا يجدُر ذكرُه أنَّ الثعلبي من أقدَم من ألَّف في علوم القرآن، وذلك في كتابه "الكامل في علوم القرآن" وهو كتاب مفقود ذكره الواحدي في مقدمة كتابه "البسيط" وذكر أنَّه قرأه على مؤلفه أبي إسحاق الثعلبي (٢). وهذا يدل على أنَّ الثعلبي له يد طولى، وقدم راسخة في هذِه العلوم، فلا غَرْوَ بعد ذلك أن يبسط هذِه العلوم في تفسيره. وعلوم القرآن كثيرةٌ جدًا أوصلها الزركشي في "البرهان" إلى سبعةٍ وأربعين نوعًا، والسيوطي في "الإتقان" إلى ثمانين نوعًا. وقد ذكرنا منها طرفًا في طرق التفسير عند المصنف، ونتناول هنا إن شاء الله بقية المباحث. أ- أسماء السور (٣) يعتني الثعلبي ببيان أسماء السورة إن كان لها عدة أسماء. ويذكر

стр. 213

الدليل على الاسم وسبب التسمية، والتعليل لذلك. فبعد أن فرغ من تفسير سورة الفاتحة عقد فصلًا في أسماء هذِه السورة، وهي عشرة: فاتحة الكتاب، وسورة الحمد، وأم الكتاب والقرآن، والسبع المثاني، والوافية، والكافية، والأساس، والشفاء، والصلاة، وسورة تعليم المسألة. ويستدل على هذِه الأسماء من السنة، وأقوال الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. ويذكر العلل لهذِه الأسماء ويستشهد في ثنايا ذلك بالشعر. ب- عدد آيات السورة، وكلماتها وحروفها اهتم العلماء بعدد آي القرآن، وألفوا في ذلك عدة مصنَّفات، منهم أبو عمرو الداني، وأبو عبد الله الموصلي، وعلى بن محمد الغالي. وذكر العلماء لهذا العلم عدة فوائد، من أبرزها ترتُّب بعض الأحكام الفقهية على معرفته (١). ويمتاز "الكشف والبيان" بذكر عدد آيات السورة، وكلماتها، وحروفها. وعلماء البصريين، والكوفيين والشاميين وغيرهم تكلموا في هذا الموضوع قديمًا، ولكن الاعتناء بهذا النوع، وتقديمه بهذا الشكل

стр. 214

الذي قدمه لنا الثعلبي لا يوجد قبله (١). حتى إنَّ الإمام أبا عمرو الداني (ت ٤٤٤ هـ) الذي يعد من أقدم العلماء الذين كتبوا في عدد الآيات في كتابه "البيان في عبد آي القرآن" كان متأخرًا عن الثعلبي مما يفيد أنَّ الإمام الثعلبي كان رائدًا في هذا الباب. وقد اهتمَّ الثعلبي في تفسيره بذلك، حيث نراه يصدِّر كلَّ سورة بذكر عدد حروفها، وكلماتها، وآياتها. ففي أول تفسير سورة البقرة قال: سورة البقرة: مدنية، هي خمسة وعشرون ألفًا وخمس مئة حرف، وستة آلاف ومئة وإحدى وعشرون كلمة، ومئتان وست وثمانون آية في العدد الكوفي، وفي عدد أمير المؤمنين علي ﵁. جـ- المكي والمدني معرفة المكي والمدني من أهم العلوم المتعلقة بالقرآن الكريم، وهي من الأمور التي لا يستغني عنها المفسِّر لكتاب الله العظيم، فبمعرفة هذا العلم يمكن التمييز بين الناسخ والمنسوخ، كما يستعان بهذا العلم في تفسير القرآن الكريم؛ إذ إنَّ معرفة مكان النزول يعين على فهم المراد بالآية ومعرفة مدلولاتها (٢). لذلك جعل أبو القاسم

стр. 215

ابن حبيب -شيخ الثعلبي- هذا العلم من أشرف علوم القرآن (١). وقد اعتنى العلماء بهذا العلم وأفرده جماعة بالتأليف، منهم مكي ابن أبي طالب، والعزُّ الدريني، ولا تكاد تجد مؤلَّفًا في علوم القرآن إلا ويتضمن المكي والمدني (٢). وكذلك المفسِّرون لا تجد تفسيرًا إلا وفيه بيان المكي والمدني بين مقل ومكثر، متوسع ومقتضب. وفي مقدمة هؤلاء المفسرين أبو إسحاق الثعلبي حيث اعتنى في تفسيره "الكشف والبيان" بهذا النوع، وأولاه عناية كبيرة، ولذلك نراه قبل أن يفسِّر الآية يُبيِّن هل هي مكية، أم مدنية؟ وإذا كان في تعيين ذلك خلاف ساقه، وذكر الأقوال فيه. ففي أول تفسير سورة الفاتحة: ذكر الخلاف فيها هل هي مكية، أم مدنية؟ وروى الآثار في ذلك بإسناده. حيث روى بإسناده عن علي، وابن عباس أنها نزلت بمكة. وذكر أن هذا قول أكثر العلماء. ودلَّل على هذا القول بحديث عمرو بن شرحبيل قال: إنَّ أول ما نزل من القرآن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢] الحديث. ثم روى بسنده عن مجاهد أنَّ الفاتحة نزلت في المدينة. وذكر ردَّ العلماء على مجاهد في قوله هذا (٣).

стр. 216

ثم حكى قولًا ثالثًا ملفقًا بين القولين السابقين وهو أنَّها مكية مدنية، وعلَّل لهذا القول. ويبيِّن الثعلبي غالبًا مكيَّة السورة أو مدنيتها باختصار وإيجاز، حيث يذكر أنها مدنية، أو مكية، ثم يمضي، كما فعل في أول سورة البقرة. د- أسباب النزول لمعرفة أسباب النزول أهمية كبيرة في فهم معاني آيات القرآن الكريم، بل قد يتوقف فهم معاني بعض الآيات على معرفة سبب النزول. ولذا يقول الواحدي في مقدمة كتابه "أسباب النزول" عنها: هي أوفى ما يجب الوقوف عليها، وأولى ما تُصرف العناية إليها، لامتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها (١). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ومعرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإنَّ العلم بالسَّبب يورث العلم بالمسبَّب (٢).

стр. 217

عناية الثعلبي بأسباب النزول، واعتماد العلماء عليه في هذا الباب: لقد اعتنى الثعلبي ﵀ عناية كبيرة بأسباب النزول، فأودع تفسيره جملة كبيرة منها. حتى أصبحت "أسباب النزول" من المعالم البارزة في تفسير "الكشف والبيان"، وأصبح هذا التفسير من المصادر الهامة للمؤلفات التي ألِّفت بعده في هذا العلم. فالكتب المطبوعة الآن في أسباب النزول، وهي: "أسباب النزول" للواحدي، و"لباب النقول" للسيوطي، "العُجاب في بيان الأسباب" لابن حجر، هذِه المصادر الثلاثة اعتمدت على تفسير "الكشف والبيان" للثعلبي اعتمادًا كبيرًا، وخاصة الواحدي وابن حجر ومن ينظر في هذِه الكتب يتبيَّن له اعتماد أصحاب هذِه المؤلفات على هذا التفسير في مؤلفاتهم. وسيأتي تفصيل ذلك عند الكلام عن أهمية الكتاب وذكر مزاياه. ومن الأمثلة على ما ورد في أسباب النزول: - عند تفسيره لصدر سورة آل عمران قال: أخبرنا عبد الله بن حامد وساق بسنده عن محمد بن جعفر بن الزبير، وعن الكلبي، وعن الربيع ابن أنس قالوا: نزلت هذِه الآيات في وفد نجران، وكانوا ستين راكبًا، قدموا على رسول الله ﷺ ، وفيهم أربعة عشر رجلًا من أشرافهم. . .، فساق قصة وفادة أهل نجران إلى رسول الله ﷺ ، وما وقع منهم وإليهم من أحداث في حجاج تاريخيّ، وجدل منطقيّ. .، إلى أن

стр. 218

قال: فسكتوا، فأنزل الله فيهم: صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها. - عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦]: قال: قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ سأل ربه أن يجعل ملك الروم وفارس في أمته، فأنزل الله هذِه الآية. وقال ابن عباس وأنس بن مالك ﵁: لمّا افتتح رسول الله ﷺ مكة ووعد أمته ملك فارس والروم، قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم، وهم أعز وأمنع من ذلك، ألم يكف محمدًا مكة والمدينة حتى طمّع نفسه في ملك فارس والروم؟ ! فأنزل الله تعالى هذِه الآية ثم ساق بسنده عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: خط رسول الله ﷺ الخندق عام الأحزاب. . .، فذكر خبرًا طويلًا قصّ فيه خبر الخندق وما عرض لهم فيه إلى أن قال: فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ١٢] الآية. وأنزل الله تعالى في هذِه القصة قوله : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] لآية. - عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨]: قال: قال ابن عباس ﵄: كان الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد بطنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم؛ فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعد ابن خيثمة ﵁ لأولئك النفر. . .، إلى أن قال: فأنزل الله فيهم

стр. 219

هذِه الآية. وقال مقاتل: نزلت هذِه الآية في حاطب بن أبي بلتعة وغيره، كانوا يظهرون المودة لكفار مكة فنهاهم الله تعالى عن ذلك. وروى الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عباس ﵁ قال: نزلت في المنافقين: عبد الله بن أبيّ وأصحابه كانوا يتولون اليهود والمشركين. . . الحديث. وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت هذِه الآية في عبادة بن الصامت الأنصاريّ. . .، إلى أن قال: فأنزل الله تعالى هذِه الآية. - وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]: قال: قال عكرمة: نزلت في أبي رافع وكنانة ابن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وغيرهم من رؤساء اليهود. . .، وقال الكلبيّ: إن ناسًا من علماء اليهود أولي فاقة. .، فأتوا: كعب بن الأشرف ليستميروه. .، فذكر الخبر إلى أن قال: ففرح بذلك كعب -عليه لعنة الله إلى يوم القيامة- ومارهم، فأنزل الله تعالى هذِه الآية. - عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨]: قال: وروى ابن أبي مليكة عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ﵁: أن مروان بن الحكم قال لمولاه: يا رافع، اذهب إلى ابن عباس وقل له: إن كان كل امرئ منا يفرح بما أتى، ويحب أن يحمد بما لم يفعل معذبًا، لنعذبن أجمعين. فقال ابن عباس ﵄: ما لكم ولهذه الآية، إنما دعا رسول الله ﷺ اليهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره. .، إلى أن قال: فنزلت فيهم هذِه الآية.

стр. 220

- عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩]: قال: وقال سعيد بن المسيّب، والضحاك: هو العنيّن الذي ما له ذكر قويّ، ودليل هذا التأويل: ما أخبرني ابن فنجويه. .، ثم ساق بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه". .، إلى أن قال: ثم أهوى النبي ﷺ بيده إلى قذاه من الأرض فأخذها وقال: "كان ذكره مثل هذِه القذاة". - وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]: قال: ﴿بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾: بدينه الإسلام ﴿إِخْوَانًا﴾: في الدين والولاية، نظيره قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] ثم ساق بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا تناجشوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يخذله، التقوى هاهنا"، وأشار بيده إلى صدره، "حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم". وروى بسنده عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" وشبك بين أصابعه. منهج الثعلبي في ذكر أسباب النزول: ١ - يروي الثعلبي أسباب النزول أحيانا بإسناده الخاص إلى منتهاه . ٢ - وأحيانًا بإسناد معلَّق: مثال ذلك: عند قوله تعالى ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة:

стр. 221

١٤]: قال: قال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: كان عبد الله بن أبي ابن سلول الخزرجي عظيم المنافقين. . إلخ. ثم قال: وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: نزلت هذِه الآية في عبد الله بن أبي وأصحابه. . إلخ. ٣ - وأحيانًا يقتصر على الراوي الأعلى من الإسناد وهو الصحابي أو التابعي: مثال ذلك: عند قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧]. قال: قال ابن عباس: إنَّ حبرًا من أحبار اليهود من فدك. . إلخ. ثم قال: وقال مقاتل: نزلت في اليهود. . إلخ. ثم قال: وقال قتادة وعكرمة والسدي: كان لعمر بن الخطاب ﵁ أرض بأعلى المدينة، وممرُّها على مدراس اليهود. . إلخ. ٤ - وأحيانًا يذكر السبب بلا سند، ودون نسبته لأحد: فعند قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]: قال: وذلك أن المسلمين كانوا يقولون لرسول الله ﷺ : راعنا يا رسول الله، وأرعِنا سمعك. يعنون من المراعاة، وكانت هذِه اللفظة شيئًا قبيحًا باليهودية. . .، ثم ذكر حكاية سعد بن معاذ مع اليهود في ذلك. - وعند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]: قال: نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة وبني مدلج حرَّموا على نفوسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة

стр. 222

والوصيلة والحام، فقال الله : ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾. ٥ - يذكر المصنف الأقوال والخلاف المروي في سبب نزول الآية، وربما يرجِّح ما يراه راجحًا مع التعليل وذكر الدليل: فعند قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ١٠٨]: ذكر في نزول الآية قولًا لابن عباس، ومجاهد: أنَّها نزلت في عبد الله بن أمية المخزومي ورهطٍ من قريش، ثم قال: والصحيح إن شاء الله أنها نزلت في اليهود حين قالوا: يا محمد ائتنا بكتاب من السماء جملةً كما أتى موسى بالتوراة، لأنَّ هذِه السورة مدنية. وتصديق هذا القول: قوله ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾. -وعند قوله تعالى ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] ساق المؤلف الخلاف في سبب نزول هذِه الآية، فذكر أولًا قول قتادة والسدي أنها نزلت في غزوة الخندق. . ثم قال: وقيل: نزلت في حرب أحد. . وقال عطاء: لما دخل رسول الله ﷺ المدينة وأصحابه اشتد الضر عليهم؛ لأنهم خرجوا بلا مال، فأنزل الله تطبيبًا لقلوبهم ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾. - عند قوله ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢١٢] قال: قال بعضهم: نزلت هذِه الآية في مشركي العرب أبي جهل وأصحابه. . وهذا معنى رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. وقال مقاتل: نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، وقال عطاء:

стр. 223

نزلت في علماء اليهود ورؤسائهم من بني قريظة والنضير. ٦ - وقد يذكر الأقوال في سبب نزول الآية دون ترجيح: كما فعل عند قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ﴾ [البقرة: ١١٥] فقد ذكر في سبب نزولها خمسة أقوال، واكتفى بعرضها دون ترجيح. ٧ - وقد يستدل الثعلبي لبعض الأقوال في نزول الآية: كما استدل للقول بأن سورة الفاتحة نزلت بمكة بحديث عمرو بن شرحبيل قال: إنَّ أول ما نزل من القرآن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وذلك أن رسول الله ﷺ أسرَّ إلى خديجة وقال: لقد خشيت أن يكون خالطني شيء. فقالت: وما ذاك؟ قال: إني إذا خلوت، سمعت النداء فأفر، فانطلق به أبو بكر ﵁ إلى ورقة بن نوفل، فقال له ورقة: إذا أتاك فاثبت له. فأتاه جبريل ﵇ فقال له: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾. ٨ - ويذكر الثعلبي سبب النزول مرفوعًا إلى النبي ﷺ ويذكره من قول الصحابة والتابعين (١). ٩ - قد يطيل بعض الأحيان في ذكر سبب النزول: ولعل أوضح صورة في هذا ما ذكره في سبب معركة أحد عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [آل عمران: ١٣٩] وما بعدها فتجده يذكر عدد الشهداء،

стр. 224

وانهزام أصحاب النبي ﷺ في الشعب، ثم يذكر أمر رسول الله ﷺ لأصحابه في طلب القوم. .، ويستمر في ذلك لأكثر من سبع صفحات. ١٠ - قد يجمع المصنف أحيانًا كلام المفسرين في سبب النزول ويورده في سياق واحد . من الأمثلة على ذلك: - عند قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] قال: قال الشعبي، والكلبي، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وأبو الجوزاء، وسعيد بن جبير: نزلت هذِه الآية في حيين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهلية قبيل الإسلام، فكانت بينهم قتلى وجراحات، لم يأخذها بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام. - عند قوله ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] قال: نزلت في جُمل بنت يسار كانت تحت أبي البداح عاصم بن عدي ابن العجلان، فطلقها تطليقةً واحدة. هذا قول أكثر المفسرين. ١١ - اعتمد كثيرًا على مقاتل بن سليمان في أسباب النزول .

стр. 225

هـ- الوقف والابتداء المراد بذلك: معرفة ما ينبغي أو يستحسن الوقف عليه من آيات القرآن الكريم وجُمَلِهِ فيوقف عليه، ومعرفة ما لا ينبغي أو يقبح الوقف عليه فيُتَجنَّب الوقف عليه. وهو فنُّ مستقلٌّ بذاته ألِّفت فيه تآليف مستقلة، منها كتاب "القطع والائتناف" للنحاس، وكتاب "إيضاح الوقف والابتداء": لابن الأنباري، وكلاهما مطبوعان (١). والثعلبي قد اهتم بهذا الفن، وحرص على التنبيه عليه في كل موضع فيه وقف أو ابتداء. فنراه مثلًا عند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢] ينبِّه على ذلك فيقول: قوله : ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شك فيه أنه من عند الله. ثم قال: ﴿هُدًى﴾: أي هو هدى. وتمَّ الكلام عند قوله: ﴿فِيهِ﴾. - وعند قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]. يقول: وتمَّ الكلام عند قوله: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾. - وعند قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] قال: قل يا محمد ﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ عظيم، تم الكلام هاهنا، ثم قال ﴿وَصَدٌّ﴾.

стр. 226

و- القراءات من العلوم التي برز فيها الثعلبي ﵀ علم القراءات، حتى كان إمامًا في هذا العلم. ولذا قال عنه ابن الجزري بعد أن ذكره في "طبقات القراء": إمام بارع مشهور (١). وروى عنه القراءة تلميذه الواحدي، والذين ترجموا له وصفوه بالمقرئ. ومما يدل على علو مكانته في هذا العلم مروياته لكتب القراءات في مقدمة تفسيره. ولذلك فإن تفسير "الكشف والبيان" قد حوى كمَّا هائلًا من القراءات حتى غدا مصدرًا مهمًا من مصادر القراءات لمن جاء بعده من المفسِّرين. وقد سلك الثعلبي في عرضه للقراءات المنهج الآتي: ١ - توجيه القراءات: لم يكتف الثعلبي بذكر القراءات دون توجيه أو تعليل، بل كان يوجِّه ما يذكره من القراءات، ويذكر عللها (٢). وذلك دليل على تمكنه في هذا العلم. ومن الأمثلة على توجيه الثعلبي للقراءات: - في تفسير قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾

стр. 227

[الفاتحة: ٧] ذكر في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ سبع قراءات. ثم وجَّه هذِه القراءات فقال: فمن ضمَّ الهاء ردَّه إلى الأصل، لأنه لو أفرد لكان مضمومًا عند الابتداء به. ومن كسره فلأجل الياء الساكنة. ومن كسر الهاء وجزم الميم فإنه استثقل الضم مع مجاورة الياء الساكنة، والياء أخت الكسرة، والخروج من الضم إلى الكسر ثقيل. ومن ضم الهاء والميم أتبع الضمة الضمة. ومن كسر الهاء وضم الميم فإنه كسر الهاء لأجل الياء، وضمَّ الميم على الأصل. والاختلاس للاستخفاف. وإلحاق الواو للإشباع. والله أعلم. - عند قوله تعالى ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٣]: قال: ولقراءة العامة وجهان، أحدهما: على سعة الكلام، كقوله ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩]، والآخر: أن معناه: ليحكم نبي بكتابه، وإذا حكم بالكتاب؛ فكأنما حكم الكتاب. - عند قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠]: قال: قرأ الحسن، وأبو عمرو، وابن عامر، والأعمش، وحمزة وحفص (وصيةً) بالنصب على معنى: فليوصوا وصية. وقرأ الباقون بالرفع على معنى كتبت عليهم الوصية. وقيل: معناه لأزواجهم وصية. وقيل: ولتكن وصية. - عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]: قال: قرأ الحسن، ومجاهد، وحميد، وابن كثير، وأبو جعفر، وشيبة، ونافع، وعاصم برواية أبي بكر وحفص، وأبو عمرو، وابن عامر،

стр. 228

وابن كثير، وأبو جعفر، وشيبة، ونافع، وعاصم برواية أبي بكر وحفص، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب، وأيوب: مخففة الفاء، واختاره أبو عبيد، وأبو حاتم، وحينئذ يكون (زكريا) في محل الرفع أي: ضمها إلى نفسه، وقام بأمرها. .، ثم دلّل على ذلك شعرًا، وذكر تصديقها قرآنا ثم قال: وروى عن ابن كثير، وأبي عبد الله المزنيّ: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ بكسر الفاء، أيّ: ضمّها والاسم منه: كفيل. .، وقرأ الباقون: بتشديد الفاء، وزكريا في محل النصب أي: ضمها الله زكريا وضمها إليه بالقرعة التي قرعها، فصار: أحق الناس بها وفي مصحف أبيّ: "وأكفلها زكريا" بالألف، نظيره قوله تعالى: ﴿أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]. (زكريا). . . وفيه لغتان: (زكريا) مقصور، وهي قراءة ابن مسعود والسلميّ، وحميد، وابن وثّاب والأعمش وحمزة والكسائي، وخلف، وحفص. و(زكرياء) بالمد، وهي قراءة الباقين. - وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦]: قال: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ إخبارًا عن الله تعالى، وهي قراءة العامة، وقرأ عليّ وإبراهيم النخعيّ، وابن عامر، وأبو بكر، ويعقوب: (وضعتُ) برفع التاء جعلوها من كلام أم مريم. - وقوله في توجيه قراءة أهل الكوفة وابن عامر (أإمة)، قال: بهمزتين على التحقيق، وهي لغة بني تميم.

стр. 229

- وقال على قراءة الضحاك (سُقاية الحاج) بضم السين، وهي لغة. -كما قال مبينًا القراءات في قوله تعالى ﴿يَكْنِزُونَ﴾: (وقرأ يحيى ابن يعمر (يكنُزون) بضم النون، وقراءة العامة بالكسر، وهما لغتان). وهكذا. ٢ - توجيه القراءة بسبب النزول: قد يجعل الثعلبي سبب النزول وجهًا للقراءة. مثاله: قراءة ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] بالجزم على النهي. حيث قال عقب ذكرها: وجهها القول الأول في سبب نزول الآية. يريد قول ابن عباس: أن النبي قال ذات يوم: "ليت شعري ما فعل أبواي! " فنزلت هذِه الآية. ٣ - بيان معاني القراءات: مثل الفرق بين معنى (مالك) و (ملِك) وأقوال العلماء في ذلك. وقد يذكر معنى الآية مسندًا عن بعض العلماء مثل الفرق بين معنى (أسرى) و (أسارى) وهما قراءاتان. حيث روى بإسناده إلى أبي عمرو ابن العلاء قوله: ما قد أُسر فهو أُسارى، وما لم يُؤْسر فهو أسْرى. ٤ - اختياره لبعض القراءات، وتعليله لهذا الاختيار: مثال ذلك: عند قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]، ذكر في ﴿الصِّرَاطَ﴾ خمس قراءات. ثم قال: وكلها لغات فصيحة صحيحة، إلا أنَّ الاختيار الصاد، لموافقة المصحف، لأنها كتبت في جميع المصاحف بالصاد، ولمؤاخاتها الطاء، لأنهما

стр. 230

متوافقتان في الإطباق والاستعلاء (١). - عند قوله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]: قال: فجملة ما ذكرنا من هذِه الأقاويل على قراءة من قرأ ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ وهي القراءة الصحيحة التي عليها عامة أهل القرآن، ومصاحف البلدان. - عند قوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ [البقرة: ٢٨٣]: قال: قرأ ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد (كتابًا)، وقرأ الآخرون ﴿كَاتِبًا﴾ على الواحد، وهو الاختيار لموافقة المصحف. - عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١]: قال: قرأ يحيى بن وثّاب (تبوي المؤمنين)، خفيفة غير مهموزة، من أبوي يوبي، مثل: أروى يروي. وقرأ الباقون: مهموزة مشدّدة، يقال: بوأت القوم تبوئة وأبوأتهم آبواء، إذا وطنتهم، وتبؤوا: إذا توطنوا، قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا﴾، وقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. والتشديد أفصح وأشهر، وتصديقه قوله: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾، وقال: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾. ٥ - تضعيفه لبعض القراءات، والتعليل لهذا التضعيف: قال عند قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]: وقرأ الحسن ومجاهد وطلحة (وُقودها) بضم الواو حيث كان، وهو رديء، لأنَّ الوُقود بالضم المصدر، وهو الالتهاب

стр. 231

والوَقود بالفتح الاسم، وهو ما توقَد به النار، كالطَّهور والبرود ونحوهما، ومثله: الوَضوء، والوُضوء. مثال آخر: عند الآية (١٢٤) من سورة البقرة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ ذكر عن أبي الشعثاء جابر بن زيد أنه قرأ (إبراهيم) رفعًا (ربَّهُ) نصبًا، على معنى: دعا وسأل. ونقد الثعلبي هذِه القراءة بقوله: وهذا غير قوي لأجل الباء في قوله ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾. ثم نقل عن الباقين القراءة بضدِّ ما سبق. قال: وهو الصحيح. ٦ - رواية بعض القراءات المرفوعة والموقوفة بسنده: مثل الأسانيد (١٧٤، ١٧٥، ١٧٦، ١٧٧، ١٧٨، ١٧٩، ١٨٢). ٧ - ذكر بعض القراءات المرفوعة بلا إسناد: مثال ذلك: في سورة الفاتحة آية: (٧) ذكر في قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ سبع قراءات. القراءة الثانية منها (عليهُمْ) بضم الهاء وجزم الميم. قال: وهي قراءة الأعمش وحمزة. ورُوي ذلك عن النبي ﷺ وعن عمر بن الخطاب ﵁. ٨ - الاستدلال للقراءة بالقرآن: مثاله: عند قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]. قال: فقرأ زيد بن ثابت وأهل العالية وعاصم وأبو عمرو (حُسْنًا) بضم الحاء وجزم السين، وهو اختيار أبي حاتم. دليله قوله ﴿بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا﴾. ٩ - الاستشهاد بالحديث على القراءة:

стр. 232

مثاله: عند ذكر القراءات في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤] في سورة الفاتحة. ذكر ضمن القراءات قراءة (مالك) بالألف ونصب الكاف على النداء. ثم قال: وروي أن النبي ﷺ قال في بعض غزواته: "يا مالك يوم الدين". ١٠ - الاستدلال بقراءة الصحابي على القراءة المذكورة: قال عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩]: وفيه قراءتان: بالجزم على النهي. . . وقرأ الباقون بالرفع على النفي. . . دليلها قراءة ابن مسعود (ولَنْ تُسْأَلَ). ١١ - الاستشهاد بالشعر على القراءة: مثال ذلك: استشهاده بقول الشاعر: ويوم بدر لقيناكم لنا مددٌ ... فيه مع النَّصرِ جبريلٌ وميكالُ على قراءة (مِيكال) في الآية (٩٨) من سورة البقرة. وهذا كثير. - وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ [آل عمران: ٣٩] نجده يذكر في ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ اختلاف القراء على وجوه كثيرة في جميع القرآن، ثم وجّه كل قراءة مستدلًا بالشعر العربيّ. . .، إلى أن قال: ومن قرأ بالتشديد: فهو من بَشَّرَ يُبشِّرُ تبشيرًا، وهو أعرب في اللغة وأفصحها ثم دلّل على ذلك قرآنًا وشعرًا. ١٢ - ذكر القراءات الشاذة، وعدم الاقتصار على المتواترة:

стр. 233

مثاله: عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٢] قال: وقرأ أبو وا قد وأبو الجراح: (حبطت) -بفتح الباء، فيكون مغايرة بكسر الباء يحبط، وأصله من الحبط. قال أبو جعفر النحاس: وهي لغة شاذة (١). - وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦]: قال: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ إخبارًا عن الله تعالى وهي قراءة العامة، وقرأ على وإبراهيم النخعيّ، وابن عامر، وأبو بكر، ويعقوب: (وضعت) برفع التاء جعلوها من كلام أم مريم. ومن قرأ بالرفع قراءة شاذة كما أشار بذلك ابن جرير (٢). وقد يترك التنبيه على القراءات الشاذة، مكتفيًا ومعتمدًا في ذلك على نسبة القراءة إلى من قرأ بها. ١٣ - الاستدلال بقراءات شاذة لتوضيح وإثبات القراءات المتواترة . من الأمثلة على ذلك: - عند قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٢٦٩]: قال: قرأ يعقوب (ومن يؤت) بكسر التاء، أراد: يؤتِهِ الله، فحذف الهاء، وأبقى الكسرة. ودليله قراءة الأعمش (ومن يؤته الله). - عند قوله تعالى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]: قال: وقرأ الأعمش (وإن كان معسر) وهو دليل قراءة العامة.

стр. 234

١٤ - الاستعانة بالقراءة لتوضيح قول: فعند قوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٠]، ذكر المصنف قول ابن عباس في سبب نزول الآية: لما ذكر رسول الله ﷺ ما أخذ الله عليهم وما عهد إليهم فيه، قال مالك بن الصَّيف: والله ما عُهد إلينا في محمد عهدٌ ولا ميثاق، فأنزل الله تعالى هذِه الآية. قال المصنف عَقِبَه: يوضِّحهُ قراءة أبي رجاء العطاردي (أوَ كُلَّما عُوهِدوا عهدًا) جعلهم مفعولين. - وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]: قال: واختلف العلماء في المعنى الذي لأجله أمر الله تعالى نبيّه ﷺ بالمشاورة مع كمال عقله وجزالة رأيه، وتتابع الوحيّ عليه. . .، إلى أن قال: فقال بعضهم: هو خاص في المعنى، وإن كان عامًا في اللفظ، ومعنى الآية: وشاورهم فيما ليس عندك فيه من الله عهد، يدل عليه قراءة ابن عباس ﵄: (وشاورهم في بعض الأمر). - وقد حكى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ عدة أقوال عن الصحابة والتابعين أن الناس كانوا على التوحيد والإسلام قرونًا ثم حدث الشرك بعْدُ في قوم نوح ﵇، ثم قال: يدل على صحة هذِه التأويلات قراءة عبد الله ﵁ (وما كان الناس إلا أمة واحدة على هدًى فاختلفوا). ١٥ - ذكر الآيات المماثلة: من الأمثلة: - قال عند قوله سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢]:

стр. 235

قرأ أهل الكوفة والشام غير عاصم بتخفيف النون ورفع الشياطين وكذلك في الأنفال (ولكن الله قتلهم) (ولكن الله رمى). - عند قوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال: قرأ ابن إسحاق بكسر الحاء من الحج في جميع القرآن. .، وذكر عن طلحة بن مصرف بالكسر هاهنا وفي سورة آل عمران، وبالفتح في سائر القرآن. وقرأ الباقون بالفتح كل القرآن. - عند قوله تعالى ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥١] قال: قرأ أبو جعفر، وشيبة، ونافع، ويعقوب، وأيوب (دفاع الله) بالألف هاهنا وفي سورة الحج. واختاره أبو حاتم، وقرأ الآخرون بغير ألف فيهما. ١٦ - نسبة القراءة إلى من قرأ بها: يهتم المصنف ﵀ بنسبة القراءة إلى من قرأ بها. إما على سبيل التفصيل: بأن يذكر أسماء كل من قرأ بهذِه القراءة. أو على سبيل الإجمال. أما التفصيل: فمن الأمثلة عليه: - ما ذكره عند قراءتي (مالك) و (ملِك) في سورة الفاتحة: فقراءة (مالِك) نسبها إلى النبي ﷺ ثم روى ذلك بإسناده. ثم نسب هذِه القراءة إلى ستة عشر صحابيًا ذاكرًا أسماءهم. ثم نسبها إلى واحدٍ وثلاثين رجلًا من التابعين وأتباعهم. وقراءة (ملِك) رواها مرفوعةً. ونسبها إلى خمسة من الصحابة، وإلى عشرين رجلًا من التابعين وأتباعهم.

стр. 236

- وعند قوله تعالى ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ﴾ [البقرة: ١٨٢] قال: (من موص) قرأ مجاهد، وحميد، وابن كثير، وابن عامر، وحفص، وأبو جعفر، وشيبة، ونافع بالتخفيف. . . وقرأ الباقون (من موص) بالتشديد. - وعند قوله ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠] قال: قرأ علي بن أبي طالب، وأبو الأسود الديلي، والعطاردي، وأبو عبد الرحمن السلمي، وعكرمة، والأعرج، وشيبة، ونافع، وابن كثير، وابن عامر، وعاصم، والكسائي، وأبو عمرو، ويعقوب، وأيوب بضم الصاد. . . وقرأ علقمة، وعبيد بن عمير، وسعيد بن جبير، وطلحة، وقتادة وأبو جعفر، ويحيى بن وثاب، والأعمش، وحمزة، وخلف (فصرهن) بكسر الصاد. ومثال العزو الإجمالي: ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] قال: وقرأ العامَّة بالتخفيف. وعند قوله: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] قال: قرأ ابن محيصن بضم اللام، وقرأ الباقون بجزمه. وقد يعزو إجمالًا إلى قراء البلد. فيقول مثلًا عند قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]: في (ميكائيل) أربع لغات: ممدود مهموز مشبع، على وزن ميكاعيل، وهي قراءة أهل مكة والكوفة والشام. وميكائِل، ممدود مهموز مختلس، مثل ميكاعِل، وهي قراءة أهل المدينة. وميكَأِلْ، مهموز مقصور على وزن مِيكَعِل،

стр. 237

وهي قراءة الأعمش وابن محيصن. ومِيْكال، على وزن مِفْعَال، وهي قراءة أهل البصرة. ١٧ - ضبط القراءة وإعرابها: من الأمثلة على ذلك: - عند قوله تعالى ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]: قال: قرأ الحسن، وابن أبي إسحاق، وأبو جعفر (ويُهلكُ) برفع الكاف على الابتداء. وقراءة العامة بالنصب. - عند قوله تعالى ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]: قال: قرأ الأعمش، وحمزة، وعيسى (ربيْ الذي) بإسكان الياء. وقرأ الباقون بفتحه؛ لمكان الألف واللام. ١٨ - الاهتمام بذكر اختيار أبي عبيد وأبي حاتم: كثيرًا ما يهتم المصنف بعد عرضه للقراءات بذكر اختيار أبي عبيد القاسم بن سلام، وأبي حاتم السجستاني، اللذين روى كتابيهما في "القراءات" في مقدمة تفسيره. وقد يضيف إلى اختيارهما أحيانًا اختيار الفراء صاحب "معاني القرآن" الذي روى كتابه أيضًا في مقدمته. ١٩ - عنايته بما ورد في مصحف ابن مسعود ومصحف أبي . كما في آية ٢٧ من سورة النور، قال: (حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا) وذلك هو في مصحف ابن مسعود ﵁. وعند آية ٨ من سورة العنكبوت قال: وفي مصحف أُبَيّ (إحسانًا).

стр. 238

ز- الناسخ والمنسوخ معرفة الناسخ والمنسوخ أمر ضروري لا سيما لمن أراد أن يفسِّر كتاب الله وهو من أجل علوم القرآن قدرًا، ولذلك قرَّر العلماء أنه لا يجوز لأحد أن يفسِّر كتاب الله إلا بعد أن يعرف الناسخ والمنسوخ (١). يقول أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره "الكشف والبيان" مبيّنًا أهمية هذا العلم: هو نوع كبير من علوم القرآن لا يسع جهله لمن شرع في التفسير. ثم يذكر لنا اهتمام الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح بهذا العلم، وتأكيدهم على أهميته وضرورته، حيث يروي الثعلبي بسنده إلى على بن أبي طالب ﵁ أنه مرَّ بقاصٍّ يقصُّ فقال: هل تعلم الناسخ والمنسوخ؟ فقال: لا. فقال: هلكتَ وأهلكتَ. وكان الثعلبي لا يمر بآية ناسخة، أو منسوخة إلا ويقف عندها، ويذكر ما قيل فيها. ومن الأمثلة: - عند قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] قال: قال قوم: كان ذلك في أول ما فرض الصوم، وذلك أن الله تعالى لما أنزل فرض صيام شهر رمضان على رسوله، فخيرهم الله تعالى بين الصيام والإطعام، فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر، وافتدى

стр. 239

بالطعام، ثم نسخ الله تعالى ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ونزلت العزمة في إيجاب الصوم، وعلى هذا القول معاذ بن جبل، وأنس بن مالك. - عند قوله : ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] قال: قال مقاتل بن حيان: لما نزلت هذِه الآية نسخها قوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩١] ثم نسختها آية السيف في براءة، فهي ناسخة ومنسوخة. وقال آخرون: هذِه الآية محكمة، ولا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم، وهو قول مجاهد، وأكثر المفسرين. - عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] يعرض لأقوال أهل العلم في المراد بالإنفاق فمنهم من يقول: أحبها إليكم. ثم قال: وقال مجاهد والكلبيّ: هذِه الآية منسوخة نسختها آية الزكاة. وروي عن ابن عباس: حتى تخرجوا زكاة أموالكم. - وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] قال: قال المفسرون: فلمّا نزلت هذِه الآية قالوا: يا رسول الله، ومن يقوى على هذا وشق عليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، فنسخت هذِه الآية. قاله مقاتل، وليس في آل عمران من المنسوخ إلّا هذا. وقيل: ليست الآية منسوخة لأن من جانب جميع ما نهى الله تعالى عنه فقد اتقى الله حق تقاته، ولا يجوز أن يكون أحد لا يقدر أن يتقي في جميع

стр. 240

المعاصي ولا يجوز أن ينسخ مثل هذا لأن نسخه لا يكون إلّا بإباحة بعض المعاصي وهو لا يجوز على الله تعالى، ومعنى الآيتين واحد، لأن من اتقى ما استطاع، فقد اتقاه حق تقاته، فإحدى الآيتين مفسرة للأخرى. وللمصنف ﵀ مشاركة في علم أصول الفقه، ولذلك نجده كثيرًا ما يتناول الجوانب الأصولية لعلم الناسخ والمنسوخ، فنجده مثلًا يبين ويوضح في أماكن من تفسيره متى يقع النسخ، وفي أي النصوص يقع؟ ومن ذلك ما يأتي: - قال: فالإجابة كائنة لا محالة عند حصول الدعوة؛ لأن قوله: ﴿أُجِيبُ﴾ و (أستجب) خبر، والخبر لا يعترض عليه النسخ؛ لأنه إذا نسخ صار المخبر كذابًا، وتعالى الله عن ذلك. - عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٤] قال: وقال بعضهم هذِه الآية محكمة غير منسوخة؛ لأن النسخ في الأخبار غير جائز إلا خبرًا في أمر أو نهي أو شرط. تعريف الثعلبي للنسخ في "تفسيره" وبيان أقسامه: عند قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] بين الثعلبي أنَّ النسخ في اللغة شيئان: أ- الوجه الأول: بمعنى التغيير والتحويل. ووضَّح ذلك. واستدل عليه بقول لابن عباس، وقال: فعلى هذا

стр. 241

الوجه القرآن كلُّه منسوخ، لأنه نُسخ من اللوح المحفوظ، فأنزله الله تعالى على النبي ﷺ واستدل على ذلك. ب- الوجه الثاني: بمعنى رفع الشيء وإبطاله، يقال: نسخت الشمس الظل، أي: ذهبت به وأبطلته. قال: وإيَّاه عنى بقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. ثم قال: وعلى هذا الوجه يكون بعض القرآن ناسخًا وبعضه منسوخًا، وهو ما تعرفه الأمة من ناسخ القرآن ومنسوخه. فبيَّن الثعلبي أن المراد بالنسخ إذا أطلق هذا المعنى. وذكر أنه يتنوع إلى نوعين: أ- أحدها: أن يثبت خط الآية، ويُنسخ حكمها والعمل بها. ب- والنوع الثاني: أن تُرفع الآية أصلًا، فتكون خارجةً من خط الكتاب، وبعضها من قلوب الرجال. واستدل على الثاني بحديث لسعيد بن المسيب في ذلك. وهكذا نرى أن الثعلبي يعرِّف النسخ تعريفًا يشبه تعريف الأصوليين كثيرًا، حيث يعرف الأصوليون النسخ بأنه: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر (١). والثعلبي كذلك يعرف النسخ بأنه إبطال شيء وإثبات آخر مكانه. ويزيد هذا التعريف وضوحًا كلامه في الرد على اليهود الذين أنكروا

стр. 242

جواز النسخ على زعم أنه بداء حيث قال عن النسخ: هو نقل العباد من عبادة إلى عبادة، وحكم إلى حكم، لضرب من المصلحة، إظهارًا لحكمته، وكمال مملكته، وله ذلك. بيان الثعلبي أن النسخ يكون في الأوامر والنواهي دون الأخبار: قال ﵀: ثم اعلم أنَّ النسخ إنما يعرض على الأوامر والنواهي دون الأخبار، لأن الخبر إذا نُسخ صار المخبِر كذابًا. ردُّ الثعلبي على اليهود إنكارهم للنسخ: قال أبو إسحاق: "وأبى اليهود جواز نسخ الشرائع، وزعموا أنه بداء، فيقال لهم: أليس قد أباح الله تزويج الأخت من الأخ ثم حظره؟ ! وكذلك بنت الأخ وبنت الأخت؟ ! أليس قد أمر إبراهيم ﵇ بذبح ابنه ثم قال له: لا تذبحه؟ ! أليس قد أمر موسى بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل، ثم أمرهم برفع السيف عنهم؟ ! أليست نبوة موسى ﵇ غير متعبَّد بها قبل بعثته، ثم تُعبِّد بها بعد ذلك؟ أليس قد أمر حزقيل النبي ﵇ بالختان، ثم نهاه عنه؟ ! فلما لم يلحقه في هذِه الأشياء بَدَاء، فكذلك في نسخ الشرائع لا يلحقه بداء". ويُظهر لنا هذا الرد قوة حجة الثعلبي، وقوة جدله، حيث قرَّر اليهود بأشياء هم يقرُّون بها، وأتاهم من قبلها، فأسكتهم، وأظهر دحض شبهتهم، ووهاء قولهم. ويظهر لنا مما سبق أيضًا شخصية الثعلبي

стр. 243

الأصولية وتمكنه من هذا العلم. جـ- الربط والمناسبة بين الآيات: وهو أحد أنواع علوم القرآن، قال الزركشي: وهذا النوع يهمله بعض المفسرين، أو كثير منهم، وفوائده عزيزة. ومن الأمثلة عليه في كتاب "الكشف والبيان" ما يأتي: - عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] قال: إلا أن جمهور أهل التأويل على ما ذكرنا من قبل، ووجهه على قولهم: إن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، تقديره: فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، فإذا أفضتم من عرفات، فاذكروا الله عند المشعر الحرام. - لما بين قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٢] قال: ثم دلهم على خير الصدقات، وأفضل النفقات، فقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. ط- آخر ما نزل من القرآن: عقد المصنف فصلًا مطولًا بين فيه آخر الآيات نزولًا على رسول الله ﷺ ، ورجح أن قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] هي آخرهن نزولًا.

стр. 244

ثالثًا: منهجه الحديثي والرواية بالإسناد عند تناولنا لطرق التفسير التي انتهجها المصنف في كتابه تكلمنا فيها عن طريقته في تفسير القرآن الكريم بالسنة المطهرة، وقد تناولنا منهج المصنف بالتفصيل من الناحية الحديثية هناك، ونتكلم هنا إن شاء الله عن منهج المصنف في الرواية بالإسناد، وهو من أهم وأبرز المزايا التي تميَّز بها تفسير "الكشف والبيان"، فالثعلبي كان راويةً بالأسانيد، يروي المرويات بإسناده الخاص به عن شيوخه إلى منتهاه، ولم تقتصر روايته على الأحاديث، بل كان يروي بإسناده آثار الصحابة والتابعين، وأقوال مَن بعدهم، حتى أبيات الشعر كان يروي بعضها بإسناده، ومَن قرأ مقدمة الثعلبي لتفسيره، ووقف على كثرة مسموعاته وشيوخه، علم رسوخ قدمه في باب الرواية بالإسناد، وأدرك عنايته واهتمامه بذلك. وقد تمثَّل منهجه في الرواية بالإسناد فيما يأتي: ١ - ذكر الثعلبي في مقدمة "تفسيره" أسانيده إلى ابن عباس، وإلى أئمة التفسير من التابعين وأتباعهم ، ثم ذكر أسانيده إلى تفاسير أهل عصره من شيوخه الذين روى عنهم، ثم ذكر أسانيده إلى المؤلفات الأخرى التي رواها من كتب الوجوه والنظائر، وكتب معاني القرآن، وغريبه، ومشكله، وكتب القراءات، وكتب المغازي والتاريخ. والغرض من ذكر هذِه الأسانيد في مقدمة كتابه وجمعها في مكان واحد: ألا يحتاج إلى تكرارها كلَّما نقل منها في أثناء الكتاب كما

стр. 245

صرَّح بذلك في مقدمة كتابه. وليس معنى هذا أنَّ "تفسيره" قد خلا من الأسانيد اكتفاءً بما ذكره في مقدمة كتابه بل إنَّ "تفسيره" قد حوى في ثناياه عددًا كبيرًا من الأسانيد التي يرويها المصنف من مصادر أخرى غير التي ذكرها في المقدمة. ٢ - الاعتماد على إسناده الخاص في الرواية: فكل الأسانيد والمرويات التي في تفسيره إنما هي بروايته عن شيوخه إلى منتهى الإسناد. ولا شك أنَّ للإسناد قيمة عالية، كيف وهو خصيصة اختصت بها هذِه الأمة. ولذا فإنَّ الإسناد كان من أعظم المميزات التي امتاز بها "تفسير الكشف والبيان" حيث خلت معظم التفاسير من هذِه الميزة إلا النزر اليسير منها. ٣ - رواية الخبر الواحد بعدة طرق: وذلك دليل على سعة روايته، وكثرة مسموعاته. ٤ - يستخدم الرموز المصطلح عليها عند المحدثين: فيرمز لـ "حدثنا" بـ "نا" أو "ثنا" ولـ "أخبرنا" بـ "أنا" وهذا صنيعه في معظم أسانيده. ويستخدم كذلك (ح) للتحويل من طريق إلى طريق آخر. ٥ - يذكر في أثناء روايته للسند تاريخ الرواية، ومكانها، وطريقة

стр. 246

تحملها: فيبين مثلًا أنه سمعها من شيخه إملاء، أو لفظًا، أو قراءة، أو كتابة، أو إجازةً، ونحو ذلك. ومن أمثلة ذلك: - قال: حدثنا الحسن بن محمد بن الحسن لفظًا قال: نا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان بمرو الروذ إملاءً قال: نا إسحاق بن إبراهيم. . إلخ. - قال: حدثنا أبو منصور ظفر بن محمد بن أحمد بن محمد الحسيني ﵀ إملاء. - قال: وأنشدنا أبو على زاهر بن أحمد السرخسي كتابة. ويقول في بيان تاريخ الرواية: - أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن يحيى قراءة عليه سنة ثلاث وثمانين وثلاث مئة قال: أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان سنة ثمان وثلاث مئة إلخ. - حدثنا محمد بن أحمد بن عبدوس المزكي ﵀ لفظًا سنة سبع وثمانين وثلاث مئة قال: حدثنا أبو العباس عبد الله بن يعقوب بن إسحاق الكرماني سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن زكريا. - أخبرنا الإمام بن الإمام أبو عبد الله بن أبي الوليد بقراءتي عليه سنة ست وثمانين وثلاث مئة قال: أنا مكي بن عبدان سنة عشرين

стр. 247

وثلاث مئة. وفي بيان مكان الرواية يقول: - حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله الفامي قال: نا أبو الحسن محمد بن عثمان بن الحسن النصيبي ببغداد قال: نا أبو بكر محمد بن الحسين بن صالح السبيعي بحلب. - حدثنا أبو القاسم. . . قال: نا بشر بن هاشم الحشاش بالبصرة. ٦ - يلتقي بأسانيده مع أصحاب كتب الحديث المشهورة: حيث التقى مع الإمام مسلم في صحيحه، والنسائي، وابن أبي شيبة، ويعقوب بن سفيان الفسوي، وابن أبي الدنيا وغيرهم. ٧ - لم يقتصر الثعلبي في روايته بالإسناد على الأحاديث ، بل كان يروي بإسناده كل شيء، فقد كان يروي الأحاديث، وأقوال الصحابة وأقوال التابعين، وأتباع التابعين، وأقوال من بعدهم من المفسرين كما سبق، وكان يروي بإسناده القراءات، واللغة، وأبيات الشعر، وغير ذلك كما سيأتي عند بيان منهجه في ذلك. ٨ - يحذف الثعلبي الإسناد مقتصرًا على الراوي الأعلى له، إذا تكرر الإسناد في موضع واحد ، فيقول عند الإسناد الثاني: وبه عن فلان. ٩ - يروي أحيانًا بعض الأحاديث والآثار بأسانيد معلَّقة غير موصولة (١).

стр. 248

رابعًا: منهج الثعلبي في تقرير مسائل العقيدة والرد على الفرق (١) القرآن الكريم قرَّر مسائل العقيدة وأصولها في آيات كثيرة، ومن يفسِّر كتاب الله الكريم لا بد أن يمرَّ بهذِه الآيات ويبيِّن عقيدته التي يدين الله بها. والثعلبي في تفسيره "الكشف والبيان" قد تعرَّض عند تفسير الآية لما يتعلِّق بها من مسائل عقَديَّة. حيث نراه يقرِّر هذِه المسائل ويبيِّن القول الذي يعتقده فيها، ويذكر الأدلة عليها من الكتاب والسنة، وسنستعرض بعض هذِه المسائل لنتعرف على طريقته وأسلوبه في عرضها: ١ - مسألة: حقيقة الإيمان والإسلام: عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٣] عقد الثعلبي فصلًا في مسألة "الإيمان" حيث عرَّف الإيمان أولًا وأنَّ حقيقته التصديق بالقلب، وعلل لذلك، ودلل عليه بعدة آيات من القرآن. ثم بيَّن محل الإسلام من الإيمان، وأنَّ كل إيمان إسلام، وليس كل إسلام إيمانًا. واستدل على ذلك بعدة أدلة من الكتاب والسنة. ثم ذكر أنَّ إقرار اللسان، وأعمال الأبدان تسمى إيمانًا. واستدل على ذلك بعدة أحاديث.

стр. 249

٢ - مسألة: زيادة الإيمان ونقصانه: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ [التوبة: ١٢٤]، نجده يبين عن مذهب أهل السنة والجماعة القائلين بزيادة الإيمان ونقصانه، فنجده يسوق في ذلك الآثار فيقول: قال مجاهد في هذِه الآية: الإيمان يزيد وينقص، وقال عمر بن الخطاب ﵁: لو وزن إيمان أبي بكر ﵁ بإيمان أهل الأرض لرجحهم، بلى إن الإيمان ليزيد وينقص، قالها ثلاث مرات. وروى زبيد اليامي عن زر قال: كان عمر يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: تعالوا حتى نزداد إيمانا. قال علي بن أبي طالب ﵇: إن الإيمان يبدو لمعة بيضاء في القلب كلما ازداد الإيمان عظما ازداد البياض حتى يبيض القلب كله، وأن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب فكلما ازداد النفاق ازداد ذلك السواد فيسود القلب كله. فايم الله لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود. وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: إن للإيمان سننًا وشرائع وحدودًا وفرائض من استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان. وقال ابن المبارك: لم أجد بدًّا من الإقرار بزيادة الإيمان أو أردّ كتاب الله تعالى.

стр. 250

٣ - الاسم هو المسمى، أم لا ؟ وفي تفسير البسملة من سورة الفاتحة تعرض الثعلبي لمسألة: هل الاسم هو المسمى، أم لا؟ (١). وقرَّر في هذِه المسألة أن الاسم هو المسمَّى. وهذا اختيار شيخه أبي بكر ابن فورك. قال أبو إسحاق الثعلبي: فأما معنى الاسم: فهو المسمى، وحقيقته: الموجود وذات الشيء وعينه ونفسه، واسمه. كلها يفيد
следующие страницы →