← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

١٨٨ - قوله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ الآية (١). قال ابن حيان وابن السائب: نزلت هذِه الآية في امرئ القيس بن عابس الكندي (٢)، وفي عبدان (٣) بن أشوع (٤) الحضرمي (٥)، وذلك

стр. 2032

أنهما اختصما إلى النبي (١) ﷺ في أرض، فأراد امرؤ (٢) القيس أن يحلف، فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ (٣) (٤) الآية، فقرأها النبي ﷺ عليه (٥)، فأبى أن يحلف (٦)، وحكّم عبدان في أرضه، ولم يخاصمه، وكان امرؤ القيس المطلوب، وعبدان (٧) الطالب، فأنزل الله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٨) أي: لا

стр. 2033

يأكل بعضكم مال (١) بعض بالباطل أي: من غير الوجه الذي أباحه الله تعالى. وأصل الباطل الشيء المذاهب الزائل، يقال: بَطَلَ يَبْطُلُ بُطُولًا وبُطْلانًا إذا ذهب (٢). ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ أي: تلقون (٣) أمور تلك الأموال بينكم وبين أربابها إلى الحكام، وهو جمع الحاكم. وأصل الإدلاء: إرسال (٤) الدَّلْوِ، وإلقاؤه في البئر، يقال: أدلى دلوه إذا أرسلها، قال الله : ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ (٥)، ودلاها يدلوها إذا أخرجها، ثم جعل كل إلقاء قول (أو فعل) (٦) إدلاءً (٧)، ومنه قيل للمحتج

стр. 2034

بدعواه (١): أدلى بحجته، إذا كانت حجته سببًا له يتعلق به في خصومته كتعلق المستقي بدلو قد أرسلها هي سبب وصوله إلى الماء (٢)، ويقال: دلى (٣) فلان لفلان (٤) إذا تناول حاجته منه به (٥)، وأنشد يعقوب (٦): فقد جعلت إذا ما حاجة عرضت ... بباب دارك أدلوها بأقوامِ ومنه يقال أيضًا (٧): دلى ركابه يدلوها، إذا ساقها سوقًا رفيقًا (٨).

стр. 2035

قال الراجز (١): (يا مي) (٢) قد تدلو المطيُّ دلوا ... وتمنع العين الرُقاد الحلوا (٣) واختلف النحاة في محل قوله: ﴿وَتُدْلُوا﴾ فقال بعضهم: جزم بتكرير (٤) حرف النهي، المعنى: ولا تأكلوا، ولا تدلوا (٥). وكذلك هو في حرف أُبي بإثبات (لا) (٦). وقيل: هو (٧) نصب على الظرف (٨)

стр. 2036

كقول (١) الشاعر (٢): لا تنه عن (٣) خلق وتأتِيَ مثلهُ ... عمار عليك إذا فعلت عظيمُ وقيل: نصب بإضمار أن الخفيفة (٤). وقال الأخفش: نصب على الجواب (٥) بالواو (٦). ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا﴾ طائفة ﴿مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ أي (٧): بالباطل. قال المفضل: أصل الإثم التقصير في الأمر (٨).

стр. 2037

قال الأعشى يصف ناقته (١): جُمالِيَّة تَغْتَلي بالرِّداف ... إذا كَذَبَ الآثِماتُ الهجيرا (٢) (٣) ثم جعل التقصير في أمر الله (٤) إثمًا. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنكم (٥) مبطلون. قال ابن عباس: هذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه (٦) بينة، فيجحد المال، ويخاصمهم (٧) فيه إلى الحكام، وهو يعرف أن الحق عليه ويعلم أنه آثم وآكل حرام.

стр. 2038

وقال مجاهد (في هذه) (١) الآية: لا تخاصم وأنت ظالم (٢). قال الحسن: هو أن يكون (على الرجل لصاحبه) (٣) حق، فإذا طالبه به (٤) دعاه إلى الحاكم، فيحلف له، ويذهب بحقه (٥). وقال الكلبي: هو أن يقيم شهادة الزور (٦). وقال قتادة: لا تدلِ بمال أخيك (٧) إلى الحاكم، وأنت تعلم أنك ظالم، فإن (٨) قضاءه لا يحل حرامًا، ومن قضي له بالباطل، فإن خصومته لم تنقض (٩) حتى يجمع الله (يوم القيامة) (١٠) بينه وبين خصمه فيقضي بينهما بالحق (١١).

стр. 2039

(وقال شريح) (١): إني لأقضي لك، وإني لأظنك ظالمًا، ولكن لا يسعني إلا أن أقضي بما يحضرني من البينة، فإن قضائي لا يحل لك حرامًا (٢). [٣٦٨] أخبرنا عبد الله بن حامد الأصبهاني (٣)، قال: أنا محمد بن أحمد بن حبيش البغوي (٤)، قال: نا إبراهيم بن إسحاق بن أبي العَنْبَس (٥)، قال:

стр. 2040

نا محمد بن يعلى زنبور (١)، عن محمد بن عمرو (٢)، عن أبي سلمة (٣)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما أنا بشر (٤)، ولعل بعضكم أن (٥) يكون ألحن (٦) بحجته من بعض فأقفي له، فمن قضيت له بشيء من مال (٧) أخيه؛ فإنما أقطع قطعة من النار" (٨).

стр. 2041

١٨٩ - قوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ الآية (١) نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم (٢) الأنصاريين، قالا:

стр. 2042

يَا رسول الله، ما بال الهلال يبدو دقيقًا (١) مثل الخيط، ثم يزيد حتَّى يمتلئ ويساوي، ثم لا يزال ينقص حتَّى يعود كما بدأ، لا يكون على حالة واحدة؟ فأنزل الله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ (٢) يَا محمَّد ﴿عَنِ

стр. 2043

الْأَهِلَّةِ﴾. وهي جمع هلال، مثل: رداء وأردية، واشتقاق الهلال من قولهم: استهل الصبي إذا صرخ حين يولد، وأهل القوم بالحج والعمرة؛ إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية (١)، قال الشَّاعر (٢): يُهِلُّ بالفَرْقَدِ رُكْبانُهَا ... كما يُهِلُّ الراكبُ المعتمرْ فسُمي هلالًا؛ لأنه حين يُرى يهل النَّاس بذكر الله ويذكرونه (٣). ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ﴾ جمع الميقات وهو الزمان المحدود للشيء. ﴿لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. أخبر الله تعالى عن الحكمة في زيادة القمر

стр. 2044

ونقصانه، واختلاف أحواله، وأعلم أنَّه فعل ذلك ليعلم النَّاس أوقاتهم في حجهم، وعمرتهم (١)، وحل (٢) ديونهم، وعدة (٣) نسائهم، وأجور أُجرائهم (٤)، وحيض الحائض، ومدة الحامل، ووقت الصوم والإفطار، وغير ذلك، فلهذا خالف بينه وبين الشَّمس التي هي دائمة على حالة واحدة. ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ (قرأها ورش، وأبو عمرو، وحفص بضم الباء حيث وقعت) (٥). قال المفسرون: كان النَّاس في الجاهلية، وفي أول الإِسلام إذا أحرم الرَّجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل حائطًا, ولا بيتًا (٦)، ولا دارًا (٧) من بابه، فإن كان من أهل المدر (٨) نقب نقبًا في ظهر بيته؛ (منه يدخل ويخرج) (٩)، أو يتخذ سلمًا، فيصعد منه. وإن كان من أهل الوبر (١٠)

стр. 2045

خرج من خلف الخيمة أو الفسطاط (١)، ولا يدخل من الباب، ولا يخرج منه (٢) حتَّى يحل من إحرامه، ويرون ذلك بِرًّا إلَّا أن يكون من الحمس، وهم: قريش، وكنانة، وخزاعة، وثقيف، وجشم (٣)، وبنو عامر بن صعصعة (٤)، وبنو نصر بن معاوية (٥) سموا حمسًا لتشددهم في دينهم، والحماسة: الشدة والصلابة. قالوا: فدخل رسول الله ﷺ ذات يوم بيتًا لبعض الْأَنصار، فدخل رجل من الْأَنصار يقال له: رفاعة بن تابوت (٦).

стр. 2046

وقال الكلبي: قطبة بن عامر بن حذيفة (١) أحد بني سلمة فدخل على إثره من الباب، وهو محرم، فأنكروا عليه، فقال له (رسول الله ﷺ ) (٢): "لم دخلت من الباب، وأنت محرم؟ " قال: رأيتك دخلت فدخلت على إثرك. (فقال رسول الله ﷺ ) (٣): "إنِّي أحمس" قال الرَّجل: إن كنت أحمس، فإنِّي أحمس، ديننا واحد، رضيت (٤) بهديك، وسمتك، ودينك، فأنزل الله هذِه الآية (٥).

стр. 2047

وقال الزُّهْرِيّ: كان ناس (١) من الْأَنصار إذا أهلوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شيء يتحرجون من ذلك، وكان الرَّجل يخرج مهلًّا بالعمرة فتبدو له الحاجة بعد ما (٢) يخرج من بيته، فيرجع ولا يدخل (٣)

стр. 2048

من باب الحجرة من أَجل سقف الباب (١) أن يحول بينه وبين السماء، فيفتح الجدار من ورائه، ثم يقوم في حجرته، فيأمر بحاجته فتخرج (٢) إليه من بيته، حتَّى بلغنا أن رسول الله ﷺ أهل (زمن الحديبية) (٣) بالعمرة، فدخل حجرة، فدخل رجل على إثره من الْأَنصار من بني سلمة، فقال له (٤) النَّبِيّ ﷺ : (لم فعلت ذلك (٥)؟ " قال: لأني رأيتك دخلت. فقال (رسول الله) (٦) ﷺ : "إنِّي أحمس" وكانت الحمس لا يبالون بذلك، فقال الأَنْصَارِيّ: وأنا أحمس. يقول: وأنا على دينك، فأنزل الله (٧): ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾. قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر، (ونافع برواية قالون (٨) (البِيوت)

стр. 2049

بكسر الباء) (١) في جميع القرآن لمكان الياء، وقرأ الباقون بضمه (٢) على الأصل (٣). ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ (أي: بر من اتقى) (٤) كقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ (٥) وقد مر (٦) ذكره. ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ في (٧) حال الإحرام ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ١٩٠ - (وقوله (٨) ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في دين الله وطاعته ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾. قال الرَّبيع بن أنس

стр. 2050

وعبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم: هذِه أول آية نزلت (١) في القتال، فلما نزلت كان (رسول الله ﷺ ) (٢) يقاتل من قاتله، ويكف عمّن (٣) كف عنه، حتَّى نزلت ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ (٤) (٥) فنُسخت هذِه الآية، وأمر بالقتال مع المشركين كافة، قالا: فهذِه الآية (٦) منسوخة (٧). (ومعنى قوله) (٨) ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ أي لا تبدؤوهم ولا تفاجئوهم (٩) بالقتال قبل تقديم الدعوة. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١٠). وقال بعضهم: هذِه الآية محكمة. أُمر رسول الله ﷺ فيها (١١) بالقتال، ولم يُنْسَخ شيء من حكم (١٢) هذِه الآية، قالوا: ومعنى

стр. 2051

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ أي: لا تقتلوا النساء، والصبيان، والشيخ الكبير، ولا من ألقى إليكم السلم، فكف يده، فإن فعلتم ذلك؛ فقد اعتديتم، وهو (١) قول ابن عباس (٢)، ومجاهد (٣). وقال يحيى بن عامر (٤): كتبت إلى عمر بن عبد العزيز أسأله عن (قوله (٥): ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ فكتب إليَّ أن (٦) ذلك في النساء، والذرية، والرهبان، ومن لم ينصب الحرب (٧) منهم (٨).

стр. 2052

وقال الحسن: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ أي: لا تأتوا ما نهيتم عنه (١). وقال بعضهم: الاعتداء ترك قتالهم. [٣٦٩] حَدَّثَنَا (٢) أبو بكر محمَّد بن أَحْمد بن عبدوس المزكي (٣) ﵀ لفظًا سنة سبع (٤) وثمانين وثلاثمائة، قال: حَدَّثَنَا (٥) أبو العباس عبد الله بن يعقوب بن إسحاق الكرماني (٦) سنة ثمان وعشرين

стр. 2053

وثلاثمائة، (قال: حَدَّثَنَا أبو عبد الله محمَّد بن زكريا بن أبي بكير الكرماني (١)) (٢)، قال: نا وكيع بن الجراح بن (٣) مليح العبسي (٤)، قال: نا سفيان (٥)، عن علقمة بن مرثد (٦)، عن سليمان (٧) بن بريدة (٨)، عن أَبيه (٩) قال: كان رسول الله ﷺ وإذا بعث أميرًا على سرية، أو جيش أوصاه (في نفسه خاصة) (١٠) بتقوى الله ، وبمن

стр. 2054

معه من المسلمين خيرًا. وقال: "اغزوا باسم الله، وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا, ولا تغلوا, ولا تغدروا, ولا تمثلوا, ولا تقتلوا وليدًا" (١).

стр. 2055

[٣٧٠] وبإسناده عن وكيع (١)، قال: نا أبو خزيمة (٢) يوسف بن ميمون (٣)، عن عطاء بن أبي رباح (٤)، قال: لما استعمل أبو بكر ﵁ يزيد بن أبي سفيان (٥) على الشام خرج معه يشيعه أبو بكر ماشيًا وهو راكب، فقال له (٦) يزيد: يَا خليفة رسول الله ﷺ إما أن تركب وإما أن أنزل. فقال له (٧) أبو بكر: ما أَنْتَ بنازل، ولا (٨) أنا براكب إنِّي أحتسب خطاي (٩) هذِه في سبيل الله، إنِّي أوصيك بوصية إن أَنْتَ

стр. 2056

حفظتها أفلحت (١): إنك ستمر على قوم قد حبسوا أنفسهم في الصوامع (-زعموا- لله) (٢) فدعهم (٣)، وما حبسوا له أنفسهم، وستمر على قوم قد فحصوا (٤) عن أوسط (٥) رؤوسهم، وتركوا من شعورهم أمثال العصائب؛ فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف، (ثم قال) (٦): لا تقتلوا امرأة، ولا صبيًّا, ولا شيخًا فانيًا, ولا تعقروا (شجرًا مثمرًا) (٧)، ولا تغرقوا (٨) نخلًا, ولا تحرقوه (٩)، ولا تذبحوا بقرةً، ولا شاةً إلَّا لمأكل (١٠)، ولا تخربوا عامرًا (١١).

стр. 2057

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2058

وقال الكلبي (١) عن أبي صالح (٢) عن ابن عباس: نزلت هذا الآيات (٣) في صلح الحديبية (٤)، وذلك أن (رسول الله ﷺ ) (٥) لما خرج هو وأصحابه في العام الذي أرادوا فيه العمرة، وكانوا ألفًا وأربعمائة؛ فساروا حتَّى نزلوا الحديبية (٦)، فصدهم المشركون عن

стр. 2059

البيت الحرام، فنحروا الهدي بالحديبية، ثم صالحة المشركون على أن يرجع عامة ذلك على أن يُخْلُوا (١) له مكة عام قابل ثلاثة أيام، فيطوف بالبيت، ويفعل ما يشاء، فصالحهم (رسول الله ﷺ ) (٢)، ثم رجع من فوره (٣) ذلك إلى المدينة، فلما كان العام المقبل (٤) تجهز رسول الله ﷺ وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن (٥) لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدوهم عن المسجد الحرام، ويقاتلوهم، وكره أصحاب (رسول الله) (٦) ﷺ قتالهم في الشهر الحرام في الحرم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٧)

стр. 2060

أي (١): محرمين. ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ يعني: قريشًا ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ ولا تظلموا فتبدؤوا (في الحرم بالقتال) (٢) محرمين ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. ١٩١ - ثم قال: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي (٣): وجدتموهم. وأصل الثقافة: الحذق، والبصر بالأمر، يقال: رجل ثقف لقف إذا كان حاذقًا في الحرب بصيرًا بمواضعها، جيد الحذر فيها (٤)، فمعنى الآية: واقتلوهم حيث أبصرتم مقاتلتهم (٥)، وتمكنتم من قتلهم. ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ يعني: مكة (٦) ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾ يعني: الشِّرك (﴿أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾) (٧) يعني: وشركهم بالله أعظم (٨) من قتلكم إياهم في الحرم، والحرام (٩)،

стр. 2061

والإحرام، قاله عامة المفسرين (١). وقال الكسائي: الفتنة هاهنا العذاب، وكانوا يعذبون من أسلم (٢). ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (٣) قرأ عيسى بن عمر، وطلحة بن مصرف، ويحيى بن وثاب، والأعمش، وحمزة، والكسائي ثلاثتها بغير أَلْف من القتل (٤) على معنى: ولا تقتلوا بعضهم (٥)، تقول العرب: قتلنا بني تميم، وإنما قتلوا بعضهم، لفظه عام، ومعناه خاص. وقرأ الباقون كلها بالألف من القتال. واختلفوا في حكم الآيات (٦)، فقال قوم: هي منسوخة، نهوا عن

стр. 2062

الابتداء (في القتال) (١)، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٢)، هذا قول قتادة (٣)، والربيع (٤). وقال مقاتل بن حيان: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: حيث أدركتموهم (٥) في الحل والحرم، لما نزلت هذِه (٦) الآية نسخها قوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، ثم نسختها (٧) آية السيف (٨) في براءة (٩) فهي ناسخة ومنسوخة (١٠).

стр. 2063

وقال آخرون (١): هذِه آية محكمة، (ولا يجوز) (٢) الابتداء بالقتال في الحرم، وهو (٣) قول مجاهد (٤)، وأكثر المفسرين (٥). ﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾. ١٩٢ - ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عن القتال والكفر ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لما سلف ﴿رَحِيمٌ﴾ بعباده (٦)، نظيرها في الأنفال (٧). ١٩٣ - ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ يعني: المشركين ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾

стр. 2064

أي (١) شرك (٢)، يعني: قاتلوهم حتَّى يسلموا، فليس يقبل من المشرك الوثني جزية، فلا يرضى منه إلَّا بالإِسلام، وليسوا كأهل الكتاب الذين تؤخذ منهم الجزية. والحكمة فيه على ما قاله (٣) المفضل بن سلمة: أن مع أهل الكتاب كتبًا منزلة فيها الحق، وإن كانوا قد أهملوها (٤)، فأمهلهم الله تعالى بحرمة تلك الكتب التي بأيديهم (٥) من القتل، وأمر بإصغارهم بالجزية، ولينظروا في كتبهم، وليتدبروها (٦)، فيقفوا على الحق منها، فيتبعوه (٧) كفعل مؤمني أهل الكتاب، ولم يكن لأهل الأوثان ما يرشدهم إلى الحق، وكان إمهالهم زائدًا في شركهم (٨) فأبى الله أن يرضى منهم إلَّا بالإِسلام، أو القتل عليه. ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ﴾ الطاعة والعبادة ﴿لِلَّهِ﴾ وحده فلا يعبد دونه شيء. قال المقداد بن الأسود (٩): سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يبقى

стр. 2065

على ظهر (١) الأرض (بيت وبر، ولا مدر) (٢)، إلَّا أدخله الله كلمة الإِسلام؛ إما بعز عزيز، أو بذل (٣) ذليل، إما يعزهم (٤) فيجعلهم (٥) من أهله فيعزوا به (٦)، وإما أن يذلهم فيدينون له" (٧). قوله (٨): ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عن القتال والكفر. ﴿فَلَا عُدْوَانَ﴾ فلا سبيل

стр. 2066

ولا حجة ﴿إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ قاله (١) ابن عباس (٢)، يدل عليه قوله : ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ (٣) أي فلا سبيل عليَّ. وقال أهل المعاني: العدوان: الظلم (٤)، دليله قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٥). ولم يرد الله تعالى بهذا (٦) أمرًا بالظلم، وإباحة له، وإنما حمله على اللفظ الأول على طريق (٧) المجازاة (٨) فَسَمَّى الجزاء على الفعل فعلًا كقوله (٩) تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (١٠). وقال (١١): ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (١٢). وقال عمرو بن كلثوم:

стр. 2067

ألا لا يجهلنْ أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا (١) وقال قتادة وعكرمة في هذِه الآية: الظالم الذي أبي أن يقول: لا إله إلَّا الله (٢). وإنما سمي الكافر ظالمًا لوضعه العبادة في غير موضعها. ١٩٤ - (قوله (٣): ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ نزلت في عمرة القضاء، وذلك أن رسول الله ﷺ صالح أهل مكة عام الحديبية على أن ينصرف عامة ذلك، ويرجع العام القابل (٤) على أن يخلوا له مكة ثلاثة أيام فيدخلها هو وأصحابه، ويعتمرون، ويطوفون بالبيت، ويفعلون ما أحبوا (٥) على أن لا يدخلوها إلَّا بسلاح الراكب في غمده، ولا يخرجوا بأحد (٦) معهم من أهل مكة؛ فانصرف رسول الله

стр. 2068

- ﷺ عامة ذلك، ورجع العام القابل في ذي القعدة، ودخلوا مكة، واعتمروا، وطافوا، ونحروا، وأقاموا (١) ثلاثة أيام فأنزل الله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ﴾ (٢)

стр. 2069

يعني (١): إذا القعدة) (٢) الذي دخلتم فيه مكة، واعتمرتم، وقضيتم منها وطركم في سنة سبع ﴿بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ (ذي القعدة) (٣) الذي صُددتم فيه عن البيت، ومُنِعتم من مرادكم في (٤) سنة ست. و ﴿الشَّهْرُ﴾ (٥) مرفوع بالابتداء، وخبره في قوله: ﴿بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ (٦) ﴿وَالْحُرُمَاتُ﴾ جمع

стр. 2070

الحرمة كالظلمات جمع الظلمة، والحجرات جمع الحجرة. والحرمة: ما يجب حفظه، وترك انتهاكه، وإنما جمع الحرمات لأنه أراد الشهر الحرام، والبلد الحرام، وحرمة الإحرام (١). والقصاص: المساواة والمماثلة (٢)، وهو أن يفعل بالفاعل كما فعل. ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ وقابلوه (٣) ﴿بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى﴾ فسمي الجزاء باسم الابتداء على مقابلة اللفظ. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. ١٩٥ - (قوله تعالى) (٤) ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ الآية (٥). اعلم أن التهلكة مصدر بمعنى الإهلاك (٦) وهو (٧) تفعلة من الهلاك (٨).
следующие страницы →