تحملها:
فيبين مثلًا أنه سمعها من شيخه إملاء، أو لفظًا، أو قراءة، أو كتابة، أو إجازةً، ونحو ذلك.
ومن أمثلة ذلك:
- قال: حدثنا الحسن بن محمد بن الحسن لفظًا قال: نا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان بمرو الروذ إملاءً قال: نا إسحاق بن إبراهيم. . إلخ.
- قال: حدثنا أبو منصور ظفر بن محمد بن أحمد بن محمد الحسيني ﵀ إملاء.
- قال: وأنشدنا أبو على زاهر بن أحمد السرخسي كتابة.
ويقول في بيان تاريخ الرواية:
- أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن يحيى قراءة عليه سنة ثلاث وثمانين وثلاث مئة قال: أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان سنة ثمان وثلاث مئة إلخ.
- حدثنا محمد بن أحمد بن عبدوس المزكي ﵀ لفظًا سنة سبع وثمانين وثلاث مئة قال: حدثنا أبو العباس عبد الله بن يعقوب بن إسحاق الكرماني سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن زكريا.
- أخبرنا الإمام بن الإمام أبو عبد الله بن أبي الوليد بقراءتي عليه سنة ست وثمانين وثلاث مئة قال: أنا مكي بن عبدان سنة عشرين
стр. 247
وثلاث مئة.
وفي بيان مكان الرواية يقول:
- حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله الفامي قال: نا أبو الحسن محمد بن عثمان بن الحسن النصيبي ببغداد قال: نا أبو بكر محمد بن الحسين بن صالح السبيعي بحلب.
- حدثنا أبو القاسم. . . قال: نا بشر بن هاشم الحشاش بالبصرة.
٦ - يلتقي بأسانيده مع أصحاب كتب الحديث المشهورة:
حيث التقى مع الإمام مسلم في صحيحه، والنسائي، وابن أبي شيبة، ويعقوب بن سفيان الفسوي، وابن أبي الدنيا وغيرهم.
٧ - لم يقتصر الثعلبي في روايته بالإسناد على الأحاديث ، بل كان يروي بإسناده كل شيء، فقد كان يروي الأحاديث، وأقوال الصحابة وأقوال التابعين، وأتباع التابعين، وأقوال من بعدهم من المفسرين كما سبق، وكان يروي بإسناده القراءات، واللغة، وأبيات الشعر، وغير ذلك كما سيأتي عند بيان منهجه في ذلك.
٨ - يحذف الثعلبي الإسناد مقتصرًا على الراوي الأعلى له، إذا تكرر الإسناد في موضع واحد ، فيقول عند الإسناد الثاني: وبه عن فلان.
٩ - يروي أحيانًا بعض الأحاديث والآثار بأسانيد معلَّقة غير موصولة (١).
стр. 248
رابعًا: منهج الثعلبي في تقرير مسائل العقيدة والرد على الفرق (١)
القرآن الكريم قرَّر مسائل العقيدة وأصولها في آيات كثيرة، ومن يفسِّر كتاب الله الكريم لا بد أن يمرَّ بهذِه الآيات ويبيِّن عقيدته التي يدين الله بها. والثعلبي في تفسيره "الكشف والبيان" قد تعرَّض عند تفسير الآية لما يتعلِّق بها من مسائل عقَديَّة.
حيث نراه يقرِّر هذِه المسائل ويبيِّن القول الذي يعتقده فيها، ويذكر الأدلة عليها من الكتاب والسنة، وسنستعرض بعض هذِه المسائل لنتعرف على طريقته وأسلوبه في عرضها:
١ - مسألة: حقيقة الإيمان والإسلام:
عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٣] عقد الثعلبي فصلًا في مسألة "الإيمان" حيث عرَّف الإيمان أولًا وأنَّ حقيقته التصديق بالقلب، وعلل لذلك، ودلل عليه بعدة آيات من القرآن. ثم بيَّن محل الإسلام من الإيمان، وأنَّ كل إيمان إسلام، وليس كل إسلام إيمانًا. واستدل على ذلك بعدة أدلة من الكتاب والسنة.
ثم ذكر أنَّ إقرار اللسان، وأعمال الأبدان تسمى إيمانًا. واستدل على ذلك بعدة أحاديث.
стр. 249
٢ - مسألة: زيادة الإيمان ونقصانه:
عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ [التوبة: ١٢٤]، نجده يبين عن مذهب أهل السنة والجماعة القائلين بزيادة الإيمان ونقصانه، فنجده يسوق في ذلك الآثار فيقول: قال مجاهد في هذِه الآية: الإيمان يزيد وينقص، وقال عمر بن الخطاب ﵁: لو وزن إيمان أبي بكر ﵁ بإيمان أهل الأرض لرجحهم، بلى إن الإيمان ليزيد وينقص، قالها ثلاث مرات.
وروى زبيد اليامي عن زر قال: كان عمر يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: تعالوا حتى نزداد إيمانا.
قال علي بن أبي طالب ﵇: إن الإيمان يبدو لمعة بيضاء في القلب كلما ازداد الإيمان عظما ازداد البياض حتى يبيض القلب كله، وأن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب فكلما ازداد النفاق ازداد ذلك السواد فيسود القلب كله. فايم الله لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود.
وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: إن للإيمان سننًا وشرائع وحدودًا وفرائض من استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان.
وقال ابن المبارك: لم أجد بدًّا من الإقرار بزيادة الإيمان أو أردّ كتاب الله تعالى.
стр. 250
٣ - الاسم هو المسمى، أم لا ؟
وفي تفسير البسملة من سورة الفاتحة تعرض الثعلبي لمسألة: هل الاسم هو المسمى، أم لا؟ (١).
وقرَّر في هذِه المسألة أن الاسم هو المسمَّى. وهذا اختيار شيخه أبي بكر ابن فورك.
قال أبو إسحاق الثعلبي: فأما معنى الاسم: فهو المسمى، وحقيقته: الموجود وذات الشيء وعينه ونفسه، واسمه. كلها يفيد
стр. 251
معنى واحدًا.
والدليل على أن الاسم هو المسمى قوله تعالى ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ فأخبر أن اسمه يحيى، ثم نادى الاسم وخاطبه فقال: ﴿يَا يَحْيَى﴾ ويحيى هو الاسم، والاسم هو يحيى. وقوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ أراد الأشخاص المعبودة، لأنهم كانوا يعبدون المسميات. وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ و ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾.
٤ - مسألة: رؤية الله يوم القيامة:
نجد المصنف يقرِّر العقيدة الصحيحة في مسألة رؤية الله في الآخرة عند قوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] فيثبت الرؤية كما أثبتها أهل السنة والجماعة، مستدلًا على ذلك بنصوص الكتاب والسنة. خلافاً لما ذهب إليه المعتزلة حيث نفوا هذِه الرؤية.
وها هو يستفتح تفسيره لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ بإسناده لحديث أنس ﵁ في تفسير النبي ﷺ للزيادة بأنها النظر إلى وجه الله الكريم، ويبين أن ذلك هو قول أبي بكر وحذيفة وأبي موسى وصهيب وعبادة بن الصامت وكعب بن عجرة وعامر بن سعد وعبد الرحمن بن سابط والحسن وعكرمة وأبي الجوزاء والضحاك والسدي وعطاء ومقاتل، ثم يردف ذلك ببعض الآثار المسندة الدالة على ذلك.
стр. 252
ردُّهُ على الفرق المخالفة، وتفنيده لأدلتهم وشبههم:
من يطالع "تفسير الثعلبي" يجده صاحب عقيدة صحيحة سالمة من التحريف والتبديل، ليس ذلك فقط، بل تجده يرد على أصحاب الفرق المبتدعة والملل الضالة، فعند قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٣] قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ﴾ ثبت على إيمانه ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ فتهود، وتنصر، وصاروا: يعقوبية، ونسطورية، وملكانية.
ولا تمر أدنى مناسبة إلا وينال من الفرق الباطلة، والمذاهب الرديئة، وله معهم وقفات جريئة، وانتقادات لاذعة، وردود قوية، وفيما يأتي موقفه من بعض الفرق:
١ - القدرية:
- عند قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]: عقد مسألة ذكر فيها قول القدرية: بأن الجنة التي أسكنها الله آدم وحواء لم تكن جنة الخلد، وإنما بستانًا من بساتين الدنيا. ثم ذكر أدلتهم على ما قالوه، وفنَّد هذِه الأدلة واحداً تلو الآخر.
- عند قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] قال: ولا حجة للقدرية في هذِه الآية؛ لأنها مبنية على أول الكلام في إيجاب الصيام، فهي خاص في الأحكام لأهل الإِسلام.
- وعند قوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] أورد بسنده عن الإمام مالك بن أنس ﵀ أنه سئل
стр. 253
عن تزويج القدري؟ فقال: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾.
- ويروي بسنده محاورة وقعت بين رجل وعلى بن أبي طالب ﵁، وفي آخرها؛ قال علي: لو رأيتُ رجلًا من أهل القدر؛ لأخذت برقبته فلا أزال أطأ رقبته حتى أكسرها؛ فإنهم يهود هذِه الأُمة، ونصاراها، ومجوسها.
٢ - الخوارج
نقض الثعلبي باستنباط بديع، وحجة دامغة بعضًا من أصول الخوارج خلال تفسيره، ومنها: (كفر مرتكب الكبيرة وخلوده في النار) فيقول عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]: وفي هذِه الآية دليل على أن القاتل لا يصير كافرًا ولا يبقى خالداً في النار بما أتاه؛ لأنَّ الله خاطبهم فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ ولا خلاف أن القصاص واقع في العمد فلم يسقط عنه اسم الإيمان بارتكاب هذِه الكبيرة.
- وعند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] يذكر أقوال الخوارج، والمعتزلة، والمرجئة، ثم يرد عليهم. ثم يبين العقيدة الصحيحة في هذِه المسألة بقوله: وعندنا أن المؤمن إذا قتل مؤمنًا متعمدًا فإنه لا يكفر بقتله، ولا يخرج به عن الإيمان إلا إذا فعل ذلك على جهة الاستحلال والديانة (١).
стр. 254
وذكر الأدلة على هذا.
وهذا القول الذي قرره هو قول أهل السنة والجماعة (١).
ونجده ﵀ يُعرِّض بالخوارج وينتقد مسلكهم فينقل ما يأتي:
- عند قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]: عن قتادة أنه قال: ما هم بأهل حروراء المراق من دين الله، ولكن هم المهاجرون والأنصار.
- وعند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٢٦٩] ينقل عن الضحاك أنه قال: ولا تكونوا كأهل نهروان تأولوا آياً من القرآن في أهل القبلة، وإنما نزلت في أهل الكتاب جهلوا علمها، فسفكوا بها الدماء، وشهدوا علينا بالضلال، وانتهبوا الأموال.
٣ - الشيعة:
روى الثعلبي بعض الأحاديث والآثار من طريق الشيعة، وأورد كثيرًا من الأحاديث والنصوص في فضائل على بن أبي طالب، لذلك اعتمد عليه بعض علماء الشيعة في مصنفاتهم وتفاسيرهم، وجعلوا كتابه مصدرًا مهمًا خاصة فيما يتعلق بفضائل ومناقب على بن أبي طالب وآل بيته (٢).
стр. 255
وكل هذا لا يجعلنا نصف الثعلبي بأنه شيعي المذهب، أو له ميل إلى الشيعة، وغاية ما يدل عليه أنه ينقل، ويجمع في كتابه ما ذكره غيره ممن سبقه دون تمحيص وتمييز، قال شيخ الإِسلام -وهو يتحدث عن ما ذكره الثعلبي، وأبو نعيم، والنقاش في كتبهم: وإن كان كثير من ذلك لا يعتقد صحته؛ بل يعتقد ضعفه؛ لأنه يقول: أنا نقلت ما ذكر غيري؛ فالعهدة على القائل لا على الناقل (١).
ثم إن تفسير الثعلبي لم يخل من فضائل الصحابة الآخرين، والمتتبع لهذا التفسير يجد فيه ثناء عاطرًا، ومديحًا وافرًا -بين صحيح وضعيف- للخلفاء الراشدين الثلاثة، وبقية الصحابة رضوان الله عليهم.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -وهو يرد على الرافضي: مثل كتاب "فضائل الصحابة" للإمام أحمد، وأبي نعيم، و "تفسير الثعلبي" وفيها من ذكر فضائل الثلاثة ما هو أعظم الحجج عليه (٢).
وأحياناً يذكر عقيدته في المسألة ولا يرد على مخالفيه فيها:
فعند قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]: قال
стр. 256
الثعلبي: والرزق: هو المهيأ للانتفاع به، فإن كان طعامًا فللتَّغذي، وإن كان لباسًا فللتَّدفي والتوقي، وإن كان مسكنًا فالانتفاع به سكنى، وقد ينتفع المنتفع بما هيء للانتفاع به على وجهين: حلالًا وحرامًا، فلذلك قلنا: إنَّ الله رزق الحلال والحرام.
فقرَّر أنَّ الله يرزق الحلال والحرام كما هو المذهب الصحيح ولم يرد على المعتزلة القائلين: إنَّ الحرام ليس برزق.
وعند قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]: قال ﵀: وفي هذِه الآية دليل على أنَّ النار مخلوقة، لأنَّ المُعَدَّ لا يكون إلا موجودًا.
وهذا هو القول الحق في هذِه المسألة، وعليه اتفق أهل السنة والجماعة، خلافاً للمعتزلة والقدرية.
стр. 257
خامسًا: الجانب الفقهي في تفسير الكشف والبيان
القرآن الكريم نزل هدايةً للناس، وتشريعًا لهم، وتضمَّن بين دفتيه ما يحتاج إليه الناس في شؤون دينهم ودنياهم، ومن ذلك الأحكام الشرعية، وبيان الحلال والحرام من خلال آيات الأحكام التي ذكر العلماء، أنها قرابة خمس مئة آية تتعلّق بأحكام المكلَّفين (١).
وكلُّ من رام تفسير كتاب الله لا بد أن يتطرق للأحكام الفقهيَّة من خلال تفسيره لآيات الأحكام، ولكنَّ المفسرين منهم من يتوسَّع في ذلك، ومنهم من يقتضب، حسب اهتمامه ومنهجه في تفسيره، وحسب شخصيته الفقهية، ورسوخ قدمه في هذا العلم.
وأبو إسحاق الثعلبي ﵀ عندما ألَّف تفسيره "الكشف والبيان" أراد منه أن يكون شاملًا لكل ما يتعلق بتفسير الآية، ولم يقتصر في "تفسيره" على جانب دون جانب، كما أنه لم يتوسَّع في جانب، ويقتضب في جانب آخر، ولذلك بني كتابه على أربعة عشر ركنًا، منها "الأحكام والفقهيّات" كما ذكر ذلك في مقدمته.
وعند تفسير آيات الأحكام من "الكشف والبيان" نجد الثعلبي يتحوَّل إلى ذلك الفقيه الذي أحاط بمذاهب العلماء، وأقوال
стр. 258
الفقهاء، وحفظ أدلة المسائل، ونجد شخصيته الفقهية تبرز في ترجيحاته، وردوده، واستنباطاته.
والمعالم الآتية توضّح لنا منهج الثعلبي في تفسيره لآيات الأحكام وعرضه للمسائل الفقهيَّة:
١ - الإمام الثعلبي شافعي المذهب كما سبق تفصيله عند الكلام عن مذهبه الفقهي. ومع ذلك لا ترى أدنى مظهر من مظاهر التعصب لديه. بل تراه يذكر المذهب الشافعي، ويذكر أدلته من الكتاب، والسنة، ثم يرد على المخالفين بكل موضوعية وأدب.
٢ - يبسط الثعلبي المسائل الفقهية التي تتعلّق بالآية، ويتوسَّع فيها، وخاصةً المسائل الخلافية المشهورة.
٣ - ينسب المذاهب والأقوال إلى أصحابها في الغالب ولا يقتصر على نسبة الأقوال إلى أصحاب المذاهب المشهورة، بل ينسب القول إلى من قال به من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من أصحاب المذاهب.
٤ - يبدأ بتقرير القول الراجح لديه، فيذكر أدلته من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. ثم يذكر أدلة القول الآخر دليلًا، دليلًا.
ويرد ويجيب عن كل دليل بكل علمٍ، وأدب.
فهو يعرض المسائل الفقهية بأسلوب الفقه المقارن.
٥ - يبني الثعلبي ترجيحه على الأدلة الشرعية. ولا يجرِّد الأقوال من أدلتها، أو يرجِّح تقليدًا، أو تعصبًا. بل يذكر الأقوال بأدلتها، ويرجِّح ما
стр. 259
يعضده الدليل الشرعي، مع التعليل والتوجيه.
هذا هو منهج الثعلبي في كثير من المسائل الفقهيَّة التي ذكرها في تفسيره، ومنها:
- مسألة: حكم قراءة الفاتحة للمأموم في الصلاة:
عقد هذِه المسألة معنونًا لها بقوله: ذكر وجوب قراءتها (أي الفاتحة) على المأموم كوجوبها على الإمام، واختلاف الفقهاء فيه. ثم ذكر أقوال العلماء في ذلك إذ قال: فقال مالك بن أنس: يجب عليه قراءتها إذا خافت الإمام، فأمَّا إذا جهر الإمام فليس عليه. وبه قال الشافعي في القديم. وقال في الجديد: يلزمه القراءة أسرَّ الإمام أم جهر.
وقال أبو حنيفة وأصحابه ﵏: لا يلزمه القراءة خافت أو جهر.
ثم قال: والدليل على وجوب القراءة على المأموم كوجوبها على الإمام. . وروى عدة أحاديث بسنده أدلةً على القول الذي يرجِّحه، وهو قول الشافعي في الجديد.
ثم نسب هذا القول إلى عدد من الصحابة رضوان الله عليهم، وجماعة كثيرة من التابعين وأئمة المسلمين رُوي عنهم جميعًا أنهم رأوا القراءة خلف الإمام واجبة.
ثم قال: ووجه القول القديم: ما روى سفيان عن عاصم بن أبي النجود عن ذكوان عن أبي هريرة وعائشة: أنهما كانا يأمران بالقراءة
стр. 260
وراء الإمام إذا لم يجهر.
ثم قال: واحتج أبو حنيفة وأصحابه. .، وذكر أدلتهم، وأجاب عن كل دليل، ذاكرًا في أثناء ذلك نصوصًا وأدلةً تخالف أدلتهم.
- مسألة: شروط وجوب الحج:
عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] يذكر شروط وجوب الحج قال: وهي تسعة، ثم يدخل في تفصيلها ومنها: وزاد كاف، وراحلة مبلّغة، وقوة مؤدية، وذكر اختلاف الفقهاء في تفصيل هذِه الشرايط، ومما قاله: فقال الشافعيّ ﵀: الاستطاعة وجهان: أحدهما: أن يكون مستطيعًا ببدنه، واجدًا من ماله ما يبلّغه الحج.
والثاني: أن يكون معضوبًا في بدنه لا يثبت على مركبه، وهو قادر على من يطيعه إذا أمره أن يحج عنه بأجرة، أو بغير أجرة.
ثم ذكر أدلة الشافعية في المسألة على أوجه مختلفة ناسبًا القول إلى من قال به من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من أصحاب المذاهب. وروى عن مالك بن أنس -يرحمه الله - أنَّه أوجب الحج على المطيق للمشي، وإن لم يكن له زاد وراحلة، ثم ذكر القائلين بذلك من أهل العلم.
ثم فصّل في المعضوب وقسّمه إلى مريض لا يرجى برؤه، ولكنه يقدر على مال يستأجر به، فهذا يلزمه الحج، ثم ذكر القائلين به من أصحاب المذاهب، ثم قلّب المسألة على أوجه مختلفة ذاكرًا أوجه
стр. 261
الخلاف مع الدليل لكلّ، وأخيرًا يذكر وجهًا من وجوه المسألة، وهو من يرجى زوال مرضه فهذا لا يحج عنه وعكسه المعضوب، وأجاز أبو حنيفة أن يحج عنه وعليه فيسقط عنه فرض الحج، قال: والله أعلم بالصواب. انتهى.
- وأحيانًا يذكر الثعلبي الأقوال في المسألة، ويذكر أدلة كل قول، لكنَّه لا ينسب هذِه الأقوال لأصحابها بل يوردها هكذا على سبيل الإجمال.
مثال ذلك: مسألة قراءة سورة الفاتحة في الصلاة. حيث قال بالقول في وجوب قراءة هذِه السورة في الصلاة، وروى عدة أحاديث في وجوب قراءتها.
وبعد أن ساق هذِه الأدلة قال: واحتج من أجاز الصلاة بغيرها. . وذكر أدلتهم في ذلك. وأجاب عن هذِه الأدلة، وبين أنَّه لا وجه لاستدلالهم بها.
وبما أنَّ الثعلبي شافعي المذهب لذلك نراه يبين القول الجديد في المذهب، والقول القديم، ويوجّه كلَّ قول، ويذكر أدلته، كما تقدم في المثال قبل السابق.
ويذهب إلى أبعد من ذلك حيث يذكر الاختيارات في المذهب. كما فعل عند مسألة: مقدار ما يحل للمضطر أكله من الميتة، حيث حكى أقوال العلماء في ذلك، وقال ضمن ذلك: فقال بعضهم: مقدار ما يمسك به رمَقَه. وهو أحد قولي الشافعي، واختيار المزني.
стр. 262
ويذكر الثعلبي في تفسيره بعض مسائل أصول الفقه:
مثال ذلك: عند مسألة قراءة الفاتحة في الصلاة ذكر أن الذين أجازوا الصلاة بغير الفاتحة استدلوا بحديث المسيء صلاته حيث قال له الرسول ﷺ : "إذا قمتَ إلى الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثم اركع" الحديث.
قال الثعلبي رادّا عليهم استدلالهم على ما ذهبوا إليه: وهذِه اللفظة (أي قوله ﵊: "ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن") يحتمل أنَّه أراد كل ما يقع عليه اسم قرآن، ويحتمل أنَّه أراد سورةً بعينها، فلما احتمل الوجهين نظرنا فوجدنا النبي ﷺ صلى بفاتحة الكتاب، وأمر بها، وأبطل صلاة من تركها، فصار هذا الخبر مجملًا، والأخبار التي رويناها مفسَّرة، والمُجمل يحمل على المفسر. . .
وبعد: فعرض الثعلبي للمسائل الفقهية، وذكره الأقوال فيها، والأدلة، ثم ذكره أدلة المخالفين، وردوده عليهم، ونقده لأدلتهم، وتوجيهها، في كل ذلك تظهر لنا شخصية الثعلبي الفقهية، ومكانته المرموقة في هذا العلم.
стр. 263
سادسًا: اللغة العربية واعتماد الثعلبي عليها في تفسيره
أهمية اللغة العربية في تفسير القرآن الكريم:
تعد اللغة العربية من أهم مصادر تفسير كتاب الله جلَّ وعلا وذلك لأن القرآن نزل ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٥] فلا يمكن تفسيره إلا بالاعتماد على لغة العرب.
وقد كان من بين المصادر التفسيرية عند الصحابة رضوان الله عليهم الاجتهاد وقوة الاستنباط، وكان من أهم أدوات ذلك الرجوع إلى اللغة العربية، ومعرفة أوضاعها وأسرارها ومصطلحاتها، ومعرفة أشعار العرب وعاداتهم في مخاطباتهم شعرًا ونثرًا، وكان الصحابة كثيرًا ما يستشهدون بأشعار العرب.
يقول ابن عباس ﵄: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي عليهم الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغتهم رجعوا إلى ديوانهم فالتمسوا معرفة ذلك (١).
وكان من بعد الصحابة من التابعين وأتباعهم يؤكدون هذا المبدأ، وينبهون على خطورة التَّصدي لتفسير كلام الله دون العلم بلغة العرب.
يقول الإمام مجاهد بن جبر ﵀ وهو تلميذ ابن عباس: لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلَّم في كتاب الله إذا لم
стр. 264
يكن عالمًا بلغات العرب.
ويقول الإمام مالك ﵀: لا أُوتى برجلٍ يفسِّر كتاب الله غير عالمٍ بالعربية إلا جعلته نكالًا.
اهتمام الثعلبي وعنايته باللغة العربية في تفسيره:
لما كان للغة العربية ذلك الدور الأساس في تفسير القرآن العظيم، اهتم الثعلبي بهذا الجانب في تفسيره اهتمامًا كبيرًا.
ورغم أن "الكشف والبيان" للثعلبي يعد موسوعة في التفسير بالمأثور، إلا أنَّ ذلك لم يؤثِّر على تكامل الجانب اللغوي في هذا التفسير.
وهذا الاهتمام من الثعلبي بهذا الجانب مبنيٌّ على إدراكه لأهمية اللغة العربية في تفسير كتاب الله جلَّ شأنه.
ولا غرابة في ذلك، فالثعلبي ﵀ كان بصيرًا بالعربية، عالمًا بوجوه الإعراب، ولذا فقد وصفه من ترجموا له بـ (الأديب)، وذكره المؤلفون ضمن تراجم اللغويين والأدباء، بل إنَّ الأسنوي قال عنه: كان إمامًا في علم النحو واللغة (١).
فليس بغريب بعد ذلك أن يعتمد الثعلبي في تفسيره اعتمادًا كبيرًا على اللغة العربية.
ولقد تجلى هذا الاهتمام على سبيل الإجمال في الأمور الآتية:
стр. 265
١ - أنَّ اللغة العربية من الأمور التي بني عليها الثعلبيُّ كتابه. فقد ذكر في مقدمة تفسيره ضمن هذِه الأمور: العربية واللغات، والإعراب والموازنات.
٢ - أنَّه ذكر ضمن مصادره التي ذكرها في مقدمته جمعًا من كتب معاني القرآن، وغريب القرآن، لأئمة النحو واللغة، أمثال أبي عبيدة، وأبي عبيد، والأخفش، والفراء، والزجاج، والكسائي، وابن قتيبة، وقطرب، وغيرهم.
٣ - حشده لكثير من النقول عن أئمة اللغة.
٤ - ذكره لعدد كبير من المسائل النحويَّة، والبلاغيَّة، والشواهد الشعريَّة.
هذا فيما يتعلق بمنهجه إجمالًا في اعتماده على اللغة العربية ومسائلها، وعنايته بها.
أما منهجه تفصيلًا فيتمثل في الأمور الآتية:
١ - عناية الثعلبي بنقل أقوال أئمة النحو واللغة والاستشهاد بها:
أودع الثعلبي ﵀ في تفسيره عددًا كبيرًا من أقوال أئمة اللغة، وعلماء العربية، أمثال الخليل بن أحمد، وسيبويه، والكسائي، والمبرّد، وثعلب، والفراء، والأخفش، وقطرب، وغيرهم. مصرِّحًا بنسبة هذِه النقول إليهم.
وهذِه الأقوال تارةً يرويها الثعلبي بإسناده، وتارةً ينقلها بلا إسناد. فيقول مثلًا: سمعت الحسن بن محمد يقول: سمعت أبا سعيد محمد
стр. 266
ابن سعيد الفارسي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن القاسم الأنباري يقول: سمعتُ أحمد بن يحيى ثعلبًا يقول: هو -أي: التفسير- من قول العرب: فسرت الفرس، إذا ركضتَها محصورة لينطلق حصرها.
وأما النقل عن علماء اللغة بلا إسناد فكثير، ومنه:
عند قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ في الفرق بين (مالكِ) و (ملِك)، قال: وفرَّق الآخرون بينهما: فقال أبو عبيدة والأصمعي وأبو حاتم والأخفش وأبو الهيثم: مالك أوسع وأمدح. . .
وعند قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ عند الكلام عن إيَّا، قال: وحكى الخليل عن العرب: إذا بلغ الرجل الستين، فإياه وإيا الشواب.
وعند قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠] قال: قال قطرب: يقال لجمع البقرة: بقر وباقر وبيقور وباقور. ثم قال: وقال المبرّد: سُئل سيبويه عن هذِه الآية فقال: كلُّ جمعٍ حروفه أقل من حروف واحده، فإنَّ العرب تذكِّرُه.
٢ - ذِكْرُ المسائل والقواعد النحوية:
من الدلائل الواضحة على اهتمام الثعلبي باللغة العربية عمومًا وبعلم النحو على وجه الخصوص إيراده لقواعد النحو في تفسيره عند مناسبة ذلك، والوقوف على المسائل النحويَّة وبسطها، والاستدلال بها في تفسيره ومن الأمثلة على ذلك:
стр. 267
عند قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ يذكر الثعلبي قاعدة مهمة من قواعد النحو في باب النعت، فيقول: (غير) صفة لـ "الذين" و "الذين" معرفة، وغير نكرة، ولا توصف المعارف بالنكرات، ولا النكرات بالمعارف.
وعند قوله جلَّ وعلا: ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٣٣] عقد الثعلبي مسألة نحوية بعنوان: القول في حدّ الاسم وأقسامه. فعرَّف الاسم، ثم قسَّمه إلى ثمانية أقسام، ممثِّلًا لكل قسم.
وعند قوله تعالى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٠]. ذكر في "لعل" ست لغات. ثم ذكر أنها من الله واجبة. ومن الناس لها ستة معانٍ، فذكرها ممثِّلًا لكل معنًى، ومستشهدًا له.
عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٤] قال: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: رفع على الغاية. . .، ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ هاد لمن تبعه، ولم يثنه لأنه مصدر، وهو في النصب على الحال والقطع.
وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٦٤] قال: محل (أن) الرفع على إضمار هي، وقال الزجاج: محله رفع بالابتداء، وقيل: محل نصب بنزع حرف الصفة معناه: بأن لا نعبد إلَّا الله، وقيل: محله خفض بدلًا من الكلمة، أي: تعالوا إلى أن لا نعبد إلَّا الله.
عند قوله تعالى: ﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ قال: وهي نصب على الحال. ومثلها عند قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾.
стр. 268
٣ - ذِكرُ اختلاف النُّحاة في بعض المسائل النَّحويَّة:
لم يكتف الثعلبي من النحو في تفسيره بالإعراب، وذكر المسائل النحوية، بل إنَّه تعمَّق في هذا العلم إلى درجة أنَّه أصبح يحكي لنا في تفسيره الخلاف بين علماء النحو، حيث نجد في عدة مواضع في تفسيره عرضًا للخلاف في بعض مسائل النحويين الكوفيين والبصريين (١).
والثعلبي ﵀ لم يلتزم مدرسةً بعينها، وإنما ينقل من كل مدرسة ما يراه صوابًا ويحتاج إليه في موضعه. ولذلك نجده في تفسيره ينقل عن علماء المدرستين جميعًا.
ومن الأمثلة على ذلك:
- عند قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩] حكى اختلاف النحاة في وزن صيِّب، فقال: واختلف النحاة في وزنه من الفعل: فقال البصريون: هو على وزن (فَيعِل) بكسر العين، ولا يوجد هذا المثال إلا في المعتل، نحو سيِّد، وميِّت، وليِّن، وهيِّن، وضيِّق، وطيِّب. وأصله (صَيْوب) فجُعلت الواو ياءً، وأدغمت إحدى اليائين في الأخرى. وقال الكوفيون: هو وأمثاله على وزن
стр. 269
(فَعْيِل) وأصله (صَيْيب) فاستثقلت الكسرة على الياء، فسكنت وأدغمت إحداهما في الأخرى، وحركت إلى الكسرة.
- في قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ قال: وهي نصب على القطع في قول الكسائي، وعلى المصدر في قول سيبويه، أي فرض الله هذِه الأشياء فريضة.
ومما يميز منهج الثعلبي في هذا الجانب مما لا ينبغي إغفاله استخدامه للمصطلحات الكوفية القديمة في الإعراب مما لم يعد شائعًا في كتب المتأخرين، فمن تعبيراته في ذلك: مصطلح (الصفة) وهو ما يقابل حروف الجر عند البصريين، حيث قال مبينًا وجه رفع ﴿بَرَاءَةٌ﴾ وقيل: رفع بخبر حرف الصفة على التقديم والتأخير. . .
كما استعمل مصطلح (الصرف) الذي هو النصب على إضمار (أن)، حيث قال في توجيه قراءة الأعرج وعيسى وابن أبي إسحاق (ويتوبَ الله) بالنصب على الصرف.
وكذا استعماله لمصطلح (الكناية) و (القطع) و (الإجراء) على ما هو مبيَّن في مواضعه إن شاء الله.
٤ - العناية بإعراب القرآن الكريم:
لإعراب القرآن الكريم أهمية عظمى، فبِهِ يُعرَف المعنى، لأنَّ الإعراب يميِّز المعاني ويوقف على أغراض المتكلمين (١).
стр. 270
ولذا فقد أولى الثعلبي هذا العلم عناية فائقة، وتطرَّق في مواضع كثيرةٍ جدًا إلى إعراب الآيات.
ومن الأمثلة على ذلك:
عند قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] يذكر الثعلبي قاعدةً في الإعراب فيقول: (غير) نصبٌ على الحال وقيل: على الاستثناء. وإذا رأيتَ غير تصلح في موضعها لا فهي حال، وإذا صلح في موضعها إلا فهي استثناء. فقِسْ على هذا ما ورد عليك من هذا الباب.
ويقول عند قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: و (إيّا) كلمة ضمير مكنية، لا يكون إلا في موضع النصب. والكاف: في محلّ الخفض بإضافة (إيّا) إليها، وخُصَّ بالإضافة إلى المضمر، ولا يضاف إلى الاسم المظهر إلا شاذًا.
ويقول في إعراب ﴿الم﴾ أول سورة البقرة:
وأما محلّ (ألم) من الإعراب، فرفع بالابتداء، وخبره فيما بعده. وقيل: (ألم) ابتداء، و (ذلك) ابتداء آخر، و (الكتاب) خبره، وجملة الكلام خبر الابتداء الأول.
стр. 271
٥ - العناية بالجوانب البلاغيَّة:
يُعتبر علم البلاغة بأنواعه الثلاثة: البيان، والمعاني، والبديع، من العلوم التي لا غنًى للمفسِّر عنها، إذ به يتجلى بيان القرآن وفصاحته. ولذا يقول الزركشي عنه: وهذا العلم من أعظم أركان المفسِّر، فإنه لا بد من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز، من الحقيقة والمجاز، وتأليف النظم، وأن يؤاخي بين الموارد، ويعتمد ما سيق له من الكلام حتى لا يتنافر، وغير ذلك ثم يقول: واعلم أنَّ معرفة هذِه الصناعة بأوضاعها هي عمدة التفسير، المطَّلع على عجائب كلام الله، وهي قاعدة الفصاحة، وواسطة عقد البلاغة، ولو لم يحبِّب الفصاحة إلا قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ (١) لكفى (٢).
وتفسير "الكشف والبيان" حوى مجموعةً من الأساليب والصور البلاغية الجميلة التي ازدان بها الكتاب، فقد كان الإمام الثعلبي حريصًا على إظهار إعجاز القرآن بما حواه من فصاحة في الأسلوب، وبلاغة في التركيب، وكان هذا المنهج واضحًا في تناوله لمفردات الآيات وتركيبها. ولذلك كان من ضمن مصادر كتابه التي ذكرها كتاب "مجاز القرآن" لأبي عبيدة الذي يعده عدد من العلماء أول من ألَّف في علم البيان. كما اعتمد ضمن مصادره كتاب "نظم القرآن" لأبي على الجرجاني، ولذا اعتنى في تفسيره بنظم القرآن في
стр. 272
عدد من الآيات. كما أفاد من كتبٍ أخرى في هذا الباب.
ومن الأمثلة في هذا الجانب:
عند قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ ذكر الثعلبي أحد أنواع علم المعاني ويسمِّيه علماء البلاغة بـ "الالتفات"، حيث قال عقب الآية: رجع من الخبر إلى الخطاب على التلوين (١).
- وعند قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١]: ذكر الثعلبي في تفسيره لهذِه الآية جانبين بلاغييَّن هما:
أ- حذف المضاف: وهو ما يسميه علماء البلاغة "مجازًا عقليًّا". حيث قال: اختلف أهل المعاني في وجه هذا القول وتقدير الآية، فقال بعضهم: معنى الآية: ومثلك يا محمد، ومثل الذين كفروا في وعظهم ودعائهم إلى الله . قاله الأخفش والزجاج. وقال الباقون: مثل واعظ الذين كفروا وداعيهم ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ فترك ذلك وأضاف المثل إلى الذين كفروا لدلالة الكلام عليه. ويُسمَّى هذا النوع من الخطاب: المضمر، ومثله في القرآن كثير، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾. ثم استشهد على ذلك بالشعر.
ب- التشبيه: ثم قال الثعلبي: فشبَّه الله تعالى واعظ الكفار بالداعي الذي ينعق بالغنم، أي: يصيح ويصوِّت لها. يقال: نَعَق ينعق نعيقًا
стр. 273
ونُعاقًا ونَعْقًا: إذا صاح وزجر.
- وعند قوله تعالى ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ [البقرة: ١٩، ٢٠].
قال الثعلبي: القول في معنى الآيتين ونظمهما وحكمهما، وبالله التوفيق: قوله ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: كأصحاب صيِّب، كقوله تعالى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ شبههم الله تعالى في كفرهم ونفاقهم وترددهم وتحيرهم بقومٍ كانوا في مفازة، في ليلة مظلمة، فأصابهم مطر فيه ﴿ظُلُمَاتٍ﴾، من صفتها أنَّ الساري لا يمكنه المشي من ظلمته، فذلك قوله: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ و ﴿وَرَعْدٌ﴾ من صفته أن يُصِمَّ السامعون آذانهم من الهول والفرق، مخافة الموت والصعق، وذلك قوله ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ ﴿وَبَرْقٌ﴾ من صفته أن يقرب من أن يخطف أبصارهم، ويذهب بضوئها ويعميها، من كثرته وشدة توقده، وذلك قوله : ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ وهذا مثل ضربه الله للقرآن وصُنع المنافقين والكافرين معه، فالمطر هو القرآن لأنه حياة الجنان، كما أن المطر حياة الأبدان ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ وهي ما في القرآن من ذكر الكفر والشرك والشك وبيان الفتن والمحن، ﴿وَرَعْدٌ﴾ وهو ما خوّفوا به من الوعيد، وذكر النار والزواجر والنواهي، ﴿وَبَرْقٌ﴾ وهو ما في القرآن من الشفاء والهدى والبيان والنور والوعد وذكر الجنّة. فكما أن
стр. 274
أصحاب الرعد والبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم حذر الموت، كذلك المنافقون واليهود والكافرون يسدُّون آذانهم عند قراءة القرآن، ولا يُصغون إليه مخافة ميل القلب إلى القرآن، فيؤدي ذلك إلى الإيمان بمحمد، لأن الإيمان بمحمد ﷺ عندهم كفر، والكفر موت.
- ومن تنوع أسلوب الخطاب القرآني وانتقاله من أسلوب إلى آخر أيضًا: قوله في قول الله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾: رجع من الخبر إلى الخطاب.
وقال في قول الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾: على وجه التعجب ومعناه جحد؛ أي لا يكون لهم عهد.
ويقول في قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾: ظاهر الآية أمر، ومعناه خبر وجزاء. ونحو ذلك.
٦ - بيان أصل الكلمة واشتقاقها اللغوي:
اعتنى الثعلبي في تفسيره عنايةً فائقة ببيان أصل الكلمة الواردة في الآية، واشتقاقها اللغوي، والاستشهاد على ذلك بالقرآن الكريم، والحديث الشريف، وشعر العرب.
ومن الأمثلة على ذلك:
- عقد الثعلبي في مقدمة كتابه بابًا في معنى التفسير والتأويل والفرق بينهما. وبين في هذا الباب أصل كلمة "تفسير" و "تأويل" حيث روى بسنده عن ابن دريد أنَّه قال: أصله من "التَّفْسِرة" وهي
стр. 275
الدليل من الماء الذي ينظر فيه الأطباء.
ثم روى بسنده أيضًا عن ابن الأنباري، عن ثعلب أنه قال: هو من قول العرب: فسرت الفرس، إذا ركضتها محصورة لينطلق حصرها.
ثم روى بسنده أيضًا عن أبي حامد الخارزَنجي قوله: هو مقلوب من (سَفَر) مثل جذب وجبذ، وضبَّ وبضَّ.
ثم بين أصل كلمة "تأويل" فقال: وأصله من (الأوْل) وهو الرجوع. تقول العرب: آل الملك إلى فلان، يؤول أوْلًا ومآلًا، أي: عاد إليه. وإِلْتُ وإبْتُ بمعنًى واحد. والعرب تقول: أُلْته فآل، أي: صرفته فانصرف. قال الشاعر:
فألنا بخيرِ في رخاءٍ ونعمةٍ. . . وآل بنو مروان شرَّ مآلِ
وللأعشى:
وأُؤوِّل الأمر على وجهه. . . ليس قضائي بالهوى الجائرِ
ثمَّ روى بإسناده عن النضر بن شميل أنه قال: أصله من (الإيالة) وهي السياسة. تقول العرب: قد إلنا وإيل علينا، أي: سسنا وساسنا غيرنا، فكأنَّ المتأوِّل للكلام سايسه والقادر عليه وواضعه موضعه.
- وقال في أصل كلمة "الكُفْر" عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [البقرة: ٦] قال: والكفر: هو الجحود والإنكار، وأصله من (الكَفْر) وهو التغطية والستر، ومنه
стр. 276
قيل للحراث: كافر، لأنه يستر البذر في الأرض. قال الله تعالى: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ يعني الزراع، وقيل: للبحر: كافر. ولليل: كافر. وقال لبيد:
حتى إذا ألقَتْ يدًا في كافرٍ. . . وأجَنَّ عوراتِ الثغورِ ظلامُها
وقال أيضًا:
في ليلةٍ كفرَ النجومَ غمامُها
ومنه المتكفّر بالسلاح، وهو الشاك الذي غطى السلاح جميع بدنه. فسُمِّي الكافر كافرًا، لأنه ساتر للحق ولتوحيد الله ونعمه، ولنبوة أنبيائه.
- وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [آل عمران: ١١] يذكر اختلاف أهل العلم في معنى الدأب، وينقل أكثر من ستة عشر قولًا عنهم، ثم يذكر أصل الكلمة في لغة العرب فقال: وهذا أصل الحرف يقال: دأبت في الأمر أدأب دأبًا، إذا أدمت العمل، وبقيت فيه، وأدأب السير إداباً، ثم نقل معناه إلى الشأن، والحال والعادة، واستشهد على ذلك بقول زهير بن أبي سلمى الشاعر.
- وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] نجده يذكر عن أكثر من أحد عشر عالمًا الاختلاف في معنى المسومة، ومن ذلك قول الحسن قال: هي المسرحة، يقال: سامت الخيل تسوم سومًا فهي سائمة وأسمتها أنا إسامة فهي مسامة وسوّمتها تسويمًا،
стр. 277
فهي: مسومة ثم دلّل على ما ذهب إليه من أشعار العرب، وختم بقوله: وكلها متقاربة.
- وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ [آل عمران: ٤٩]، قال: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ أي: أشفيهما وأصححهما، يقال: أبرأ الله المريض يبرئ إبراء فبرئ هو يبرأ، وبرئ يبرأ، ويجوز: بروء، فيهما جميعًا، ثم ذكر الاختلاف في الأكمه فذكر عن عكرمة أنه الأعمش وعن مجاهد وغيره: هو الذي يبصر بالنهار، ولا يبصر بالليل، وروي عن ابن عباس ﵄ وقتادة أنه الذي ولد أعمى ولم يبصر ضوء قط وعن الحسن والسدي: هو الأعمى، ثم قال: وهذا هو المعروف من كلام العرب يقال: كمهت عينه تكمه كمهًا وكمهتها أنا، إذا أعميتها ثمَّ دلّل على ذلك ببيتين من أشعار العرب لسويد بن أبي كأهل ورؤبة.
- وعند قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ. . .﴾ قال: أصل الكنز في كلام العرب: كل شيء مجموع بعضه إلى بعض على ظهر الأرض كان أو في بطنها. . . ثم ذكر شواهده من الشعر.
- ومن ذلك أيضًا قوله: وأصل الخلال من الخلل وهو الفرجة بين الشيئين). وقوله في قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ (وأصله من غني بالمكان إذا أقام به. ونحو ذلك.
٧ - العناية بتصريف الأفعال وبيان أوزانها:
ومن الأمثلة على ذلك:
стр. 278
عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١] قال في تصريف (قيل): (قيل): فعل ماضٍ مجهول، وكان في الأصل (قُوِلَ) مثل (فُعِل) فاستثقلت الكسرة على الواو، فنُقلت كسرتها إلى فاء الفعل، فانقلبت الواو ياءً لكسرة ما قبلها.
وعند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ١٦٨].
قال عند قوله (خطوات): وكلُّ ما كان من الأسماء على وزن (فُعْلة) فجُمع على التاء، فإنَّ الأغلب والأكثر في جمعه التثقيل وتحريك عين الفعل بالحركة التي على فاء الفعل في الواحد. مثل: ظُلْمة وظُلُمات، وقُرْبة وقُرُبات، وحُجْرة وحُجُرات، وقد يُخفَّف أيضًا.
٨ - الشواهد الشعرية والعناية الفائقة من الثعلبي بها:
للشعر أهمية كبرى في معرفة الألفاظ العربية، وأصولها، ودلالاتها، ومعانيها. ولذا فقد اهتم به العلماء منذ عصر الصحابة والتابعين.
فقد روى عكرمة عن ابن عباس قال: إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإنَّ الشعر ديوان العرب (١).
وروى أبو عبيد بإسناده عن ابن عباس: أنَّه كان يُسأل عن القرآن فيُنشد فيه الشعر.
стр. 279
قال أبو عبيد: يعني كان يستشهد به على التفسير (١).
والثعلبي ﵀ النحوي الأديب أكثَر من الاستشهاد بالشعر العربي في تفسيره، وكأنَّه كان يغترف من بحرٍ خضم، حتى أضحى تفسيره ديوانًا شعريًا يرجع إليه المفسرون والباحثون عن معاني ألفاظ القرآن الكريم، وغيرهم. بل إنه أصبح مرجعًا لتوثيق بعض الأبيات الشعرية، كما فعل السيوطي في كتابه "شرح شواهد المغني" (٢).
طريقة الثعلبي في المراد الأبيات الشعرية:
يتنوع أسلوب الثعلبي في ذكره لأبيات الشعر في تفسيره. ويمكن تحديد هذا الأسلوب في النقاط الآتية:
١ - يذكر البيت منسوبًا إلى قائله، مصرِّحًا باسم الشاعر.
ومن أمثلته:
أنشدنا أبو القاسم الحبيبي، قال: أنشدنا أبو الحسن العقيلي، قال: أنشدنا بشر بن موسى الأسدي، قال: أنشدنا الأصمعي لجعفر الصادق ﵁:
أثامن بالنفس النفيسة ربها. . . فليس لها في الخلق كلهم ثمن
بها نشتري الجنات إن أنا بعتها. . . بشيء سواها إن ذلكم غبن
стр. 280
إذا ذهبت نفسي بدنيا أصبتها. . . فقد ذهب الدنيا وقد ذهب الثمن
- وأنشدنا أبو القاسم الحبيبي، قال: أنشدنا القاضي أبو الربيع محمد بن على، قال: أنشدنا أبو على الحسن بن على بن عاصم الكوفي:
من يشتري قبة في العدن عالية. . . دلّالُها المصطفى والله بائعها
في ظل طوبى رفيعات مبانيها. . . ممن أراد وجبريل مناديها
٢ - يذكر البيت دون التصريح بنسبته إلى قائله. بل يكتفي بقوله: قال الشاعر، أو كقول القائل، ونحو ذلك.
٣ - ينسب البيت لمن نقله عنه، أو لمن أنشده، كالفراء، والأخفش، وأبي عبيدة، وغيرهم، ويكتفي بذلك عن نسبته لقائله.
٤ - يروي بعض الأبيات بسنده إلى قائله، أو منشده.
٥ - يكرِّر البيت في أكثر من موضع، إذا كان يصلح للاحتجاج به في ذلك.
٦ - يقتصر أحيانًا على ذكر شطر البيت الذي فيه الشاهد.
٧ - يبيِّن الشاهد عقب إيراد البيت أحيانًا ويُغْفلُه أحيانًا خاصة إذا كان واضحًا.
الاستشهاد بالشعر على معاني الكلمة ودلالاتها:
مثال ذلك: عند تفسير قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾
стр. 281
ذكر لكلمة الرب عددًا من المعاني، واستشهد على كل معنى ببيت من الشعر. فقال: والرب يكون بمعنى السيد. قال الله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: سيدك. قال الأعشى:
وأهلكن يومًا رب كندة وابنه. . . ورب معد بين خبت وعرعر
ويكون بمعنى المالك. قال النبي ﷺ لرجل: "أرَبُّ إبلٍ أنتَ أم ربُّ غنم؟ ". فقال: من كلِّ قد آتاني الله فأكثر وأطيب.
وقال طرفة:
كقنطرةِ الرُّومي أقسمَ ربّها. . . لتُكتَنَفَنْ حتى تُشادَ بِقَرْمدِ
وقال النابغة:
فإنْ تكُ ربَّ أذْوادٍ بحِزْوى. . . أصابُوا من لِقاحِكَ ما أصابُوا
ويكون بمعنى الصاحب. قال أبو ذُؤيب:
قد نالَهُ ربُّ الكِلابِ بِكَفّهِ. . . بيضٌ رهابٌ ريشُهُنَّ مُقَزَّعُ
ويكون بمعنى المربّي. تقول العرب: ربَّ يربُّ ربابةً وربوبًا فهو ربٌّ، مثل: بَرَّ وطَبَّ. قال الشاعر:
يَرُبُّ الذي يأتي من الخير أَنَّهُ. . . إذا فعَلَ المعروفَ زادَ وتمّما
وقد يكون بمعنى المصلح للشيء. قال الشاعر:
стр. 282
كانوا كسالِئَةٍ حمقاءَ إذْ حقَنتْ. . . سِلاءَها في أديمٍ غيْرِ مرْبوبِ
أي: غير مصلح.
وهكذا نجد أن الثعلبي قد استشهد بستة أبيات في موضع واحد، مما يدل على كثرة استشهاده بالشعر في تفسيره.
الاستشهاد بالشعر على أصل الكلمة:
ومن أمثلته:
- عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩].
بين المصنف أن أصل اللعن الطرد. واستشهد عليه. فقال: أصل اللعن في اللغة: الطَّرد. ولعن الله إبليس: طرده إياه حين قال: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾. قال الشَّمّاخ وذكر ماءً ورده:
ذعرتُ به القَطا ونفَيتُ عنهُ. . . مقامَ الذئبِ كالرَّجلِ اللعينِ
وقال النابغة:
فبتُّ كأنَّني حَرِجٌ لعينٌ. . . نفاهُ النّاسُ أو دَنِفٌ طَعِينُ
فمعنى قولنا: لعنه الله، أي: طرده وأبعده، وأصل اللعنة: ما ذكرنا، ثم كثر ذلك حتى صار قولًا.
- عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣]
стр. 283
قال: ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾: إفعيل من النخيل، وهو الخروج، ومنه سمي الوتد نجلًا لخروجه قال الأعشى:
أنجب أزمان والداه به. . . إذ نجلاه فنعم ما نجلا
- وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، قال: ﴿أَمَدًا بَعِيدًا﴾ أي: مكانًا بعيدًا، والأمد: الأجل والغاية التي ينتهى إليها، قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾، وقال : ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾.
وقال النابغة:
إلا لمثلك أو من أنت سابقه. . . سبق الجواد إذا استولى على الأمد
الاستشهاد بالشعر على قول في تفسير الآية:
مثاله: عند تفسير قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]. قال: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾: فلا يسمعون الحق ولا ينتفعون به. وإنَّما وحَّده لأنه مصدر، والمصادر لا تُثنَّى ولا تجمع. وقيل: أراد سمع كل واحد منهم. كما يقال: أتاني برأس كبشين، أراد برأس كل منهما. قال الشاعر:
كُلوا في بعض بطنِكُمُ تَعِيشوا. . . فإنَّ زمانكم زمنٌ خميصُ
- عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨] قال: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أي: سامعه، وقيل: مجيبه، كقوله تعالى:
стр. 284
﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾ أي: فأجيبون. . .، وأنشد:
دعوت الله حتى خفت ألَّا. . . يكون الله يسمع ما أقول
أي: يجيب.
- وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ [آل عمران: ٦١] قال الكسائي وأبو عبيدة: نلتعن فنقول: لعن الله الكاذبين منا يقال: بهله الله وبهلته أي: لعنته قال لبيد:
من قرون سادة في قومهم. . . نظر الدهر إليهم فابتهل
الاستشهاد بالشعر على بعض المسائل النحويَّة:
مثاله: عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤]. نقل عن النضر بن شميل أنَّ (إلى) هنا بمعنى مع واستشهد على ذلك ببعض الآيات القرآنية ثم استشهد ببيتين من الشعر، فقال: قال النابغة:
فلا تَتْركنّي بالوعيدِ كأنَّني. . . إلى الناس مطليّ به القارُ أجربُ
أي: مع الناس. وقال آخر:
وَلوح ذراعين في بَرْكه. . . إلى جُؤجُؤٍ رَهِلِ المنكبِ
أي: مع جؤجؤ.
- عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ [آل عمران: ٤] قال: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ رفع على الغاية، كقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾
стр. 285
قال زهير:
وما يك من خير أتوه فإنما. . . توارثه آباء آبائهم قبل
- وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٠] قال: وفي رفعه وجهان: أحدهما: أنه أراد الجزم، وأصله يضرركم، فَأُدغمت الراء في الراء، ونقلت ضمة الراء الأولى إلى الضاد.
والوجه الثاني: أن تكون (لا) بمعنى: ليس، وتضمر الفاء فيه، تقديره: وإن تصبروا فليس يضركم قال الفراء، وأنشد:
فإن كان لا يرضيك حتى تردّني. . . إلى قطريّ لا إخالك راضيا
الاستشهاد بالشعر على بعض القراءات:
مثاله: عند قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]. قال: وقرأ محمد بن السُميفع: (نِدًّا) على الواحد، كقول جرير:
أتيْمًا تجعلون إليَّ نِدًّا. . . وما تيم لِذِي حسبٍ نديدُ
- عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠]، قال: وقرأ الحسن: (لن تغني) بالتاء وسكون الياء الأخيرة إيثارًا للتخفيف كقول الشاعر:
كفى باليأس من أسماء كاف