ذكر لكلمة الرب عددًا من المعاني، واستشهد على كل معنى ببيت من الشعر. فقال: والرب يكون بمعنى السيد. قال الله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: سيدك. قال الأعشى:
وأهلكن يومًا رب كندة وابنه. . . ورب معد بين خبت وعرعر
ويكون بمعنى المالك. قال النبي ﷺ لرجل: "أرَبُّ إبلٍ أنتَ أم ربُّ غنم؟ ". فقال: من كلِّ قد آتاني الله فأكثر وأطيب.
وقال طرفة:
كقنطرةِ الرُّومي أقسمَ ربّها. . . لتُكتَنَفَنْ حتى تُشادَ بِقَرْمدِ
وقال النابغة:
فإنْ تكُ ربَّ أذْوادٍ بحِزْوى. . . أصابُوا من لِقاحِكَ ما أصابُوا
ويكون بمعنى الصاحب. قال أبو ذُؤيب:
قد نالَهُ ربُّ الكِلابِ بِكَفّهِ. . . بيضٌ رهابٌ ريشُهُنَّ مُقَزَّعُ
ويكون بمعنى المربّي. تقول العرب: ربَّ يربُّ ربابةً وربوبًا فهو ربٌّ، مثل: بَرَّ وطَبَّ. قال الشاعر:
يَرُبُّ الذي يأتي من الخير أَنَّهُ. . . إذا فعَلَ المعروفَ زادَ وتمّما
وقد يكون بمعنى المصلح للشيء. قال الشاعر:
стр. 282
كانوا كسالِئَةٍ حمقاءَ إذْ حقَنتْ. . . سِلاءَها في أديمٍ غيْرِ مرْبوبِ
أي: غير مصلح.
وهكذا نجد أن الثعلبي قد استشهد بستة أبيات في موضع واحد، مما يدل على كثرة استشهاده بالشعر في تفسيره.
الاستشهاد بالشعر على أصل الكلمة:
ومن أمثلته:
- عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩].
بين المصنف أن أصل اللعن الطرد. واستشهد عليه. فقال: أصل اللعن في اللغة: الطَّرد. ولعن الله إبليس: طرده إياه حين قال: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾. قال الشَّمّاخ وذكر ماءً ورده:
ذعرتُ به القَطا ونفَيتُ عنهُ. . . مقامَ الذئبِ كالرَّجلِ اللعينِ
وقال النابغة:
فبتُّ كأنَّني حَرِجٌ لعينٌ. . . نفاهُ النّاسُ أو دَنِفٌ طَعِينُ
فمعنى قولنا: لعنه الله، أي: طرده وأبعده، وأصل اللعنة: ما ذكرنا، ثم كثر ذلك حتى صار قولًا.
- عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣]
стр. 283
قال: ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾: إفعيل من النخيل، وهو الخروج، ومنه سمي الوتد نجلًا لخروجه قال الأعشى:
أنجب أزمان والداه به. . . إذ نجلاه فنعم ما نجلا
- وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، قال: ﴿أَمَدًا بَعِيدًا﴾ أي: مكانًا بعيدًا، والأمد: الأجل والغاية التي ينتهى إليها، قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾، وقال : ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾.
وقال النابغة:
إلا لمثلك أو من أنت سابقه. . . سبق الجواد إذا استولى على الأمد
الاستشهاد بالشعر على قول في تفسير الآية:
مثاله: عند تفسير قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]. قال: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾: فلا يسمعون الحق ولا ينتفعون به. وإنَّما وحَّده لأنه مصدر، والمصادر لا تُثنَّى ولا تجمع. وقيل: أراد سمع كل واحد منهم. كما يقال: أتاني برأس كبشين، أراد برأس كل منهما. قال الشاعر:
كُلوا في بعض بطنِكُمُ تَعِيشوا. . . فإنَّ زمانكم زمنٌ خميصُ
- عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨] قال: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أي: سامعه، وقيل: مجيبه، كقوله تعالى:
стр. 284
﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾ أي: فأجيبون. . .، وأنشد:
دعوت الله حتى خفت ألَّا. . . يكون الله يسمع ما أقول
أي: يجيب.
- وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ [آل عمران: ٦١] قال الكسائي وأبو عبيدة: نلتعن فنقول: لعن الله الكاذبين منا يقال: بهله الله وبهلته أي: لعنته قال لبيد:
من قرون سادة في قومهم. . . نظر الدهر إليهم فابتهل
الاستشهاد بالشعر على بعض المسائل النحويَّة:
مثاله: عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤]. نقل عن النضر بن شميل أنَّ (إلى) هنا بمعنى مع واستشهد على ذلك ببعض الآيات القرآنية ثم استشهد ببيتين من الشعر، فقال: قال النابغة:
فلا تَتْركنّي بالوعيدِ كأنَّني. . . إلى الناس مطليّ به القارُ أجربُ
أي: مع الناس. وقال آخر:
وَلوح ذراعين في بَرْكه. . . إلى جُؤجُؤٍ رَهِلِ المنكبِ
أي: مع جؤجؤ.
- عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ [آل عمران: ٤] قال: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ رفع على الغاية، كقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾
стр. 285
قال زهير:
وما يك من خير أتوه فإنما. . . توارثه آباء آبائهم قبل
- وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٠] قال: وفي رفعه وجهان: أحدهما: أنه أراد الجزم، وأصله يضرركم، فَأُدغمت الراء في الراء، ونقلت ضمة الراء الأولى إلى الضاد.
والوجه الثاني: أن تكون (لا) بمعنى: ليس، وتضمر الفاء فيه، تقديره: وإن تصبروا فليس يضركم قال الفراء، وأنشد:
فإن كان لا يرضيك حتى تردّني. . . إلى قطريّ لا إخالك راضيا
الاستشهاد بالشعر على بعض القراءات:
مثاله: عند قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]. قال: وقرأ محمد بن السُميفع: (نِدًّا) على الواحد، كقول جرير:
أتيْمًا تجعلون إليَّ نِدًّا. . . وما تيم لِذِي حسبٍ نديدُ
- عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠]، قال: وقرأ الحسن: (لن تغني) بالتاء وسكون الياء الأخيرة إيثارًا للتخفيف كقول الشاعر:
كفى باليأس من أسماء كاف
стр. 286
وليس لسقمها إذ طال شاف وكان حقه أن يقول: كافيًا، فأرسل الياء.
وأنشد الفراء:
كأن أيديهن بالقاع القرق. . . أيدي جوار يتعاطين الورق
- وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠] قال: وأثبت بعضهم الياء في قوله: (اتبعني) على الأصل، وحذفه الآخرون لأنها في المصحف بغير ياء، قال الشاعر:
كفّاك كف ما تليق درهما. . . جودًا وأخرى تعط بالسيف دمًا
وقال آخر:
ليس تخفى يسارتي في قدر يوم. . . ولقد تخفي شيمتي إعساري
الاستشهاد على بعض النكات والفوائد في تفسير الآية:
مثاله: عند قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ قال: وإنَّما كرَّر إياك ليكون أدل على الإخلاص والاختصاص والتأكيد، كقول الله حكايةً عن موسى ﵇: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤)﴾ ولم يقل: كي نسبِّحك ونذكرك كثيرًا. قال الشاعر:
وجاعل الشَّمس مِصرًا لا خَفاءَ بهِ. . . بين النَّهار وبين الليل قد فصلا
стр. 287
ولم يقل: بين النهار والليل. وقال آخر:
بين الأشجِّ وبين قيسٍ باذِخٌ ... بخْ بخْ لوالدهِ وللمولودِ
٩ - نقله لكلام العرب:
كما نقل الثعلبي كلام العرب شعرًا، فإنَّه نقله نثرًا، وإن كان ما نقله نثرًا أقل بكثير مما نقله شعرًا.
ومن الأمثلة على ذلك:
عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَفُومِهَا﴾ [البقرة: ٦١]: قال: والعرب تُعاقب بين الفاء والثاء، فتقول لصمغ العرفط: مغاثير ومغافير، وللقبر: جدث وجدف.
١٠ - نقله لأمثال العرب:
مثاله: عند قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦]: قال: قال أهل المعاني: الإنذار الإعلام مع تحذير. يُقال: أنذرتهم فنذروا، أي: أعلمتهم فعلموا. وفي المثل: قد أعذر من أنذر.
وقال عند قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩]: ويقال
في المثل: من عزَّ بزَّ. أي: من غلب سلب.
стр. 288
سابعًا: الجانب التاريخي
اهتم الثعلبي ﵀ بالأخبار والسير، وظهرت عنايته بها في ثنايا تفسيره، فهو لا يدع فرصة للحديث عن الأخبار والسير إلا ويقتنصها، بل ويطيل في ذلك أحيانًا حتى يكاد يخرج عن مقصود التفسير، كما في ذكر الغزوات التي كانت على عهد النبي ﷺ كلما تكلَّم على آية لها تعلّق بهذا الفن.
فعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨] نجده يروي بسنده قصة هجرة جعفر بن أبي طالب ﵁ وأصحابه إلى الحبشة، ويروي بتفصيل الحوار الذي دار بين الوفد القرشيّ ونجاشيّ الحبشة إضافة إلى مهاجرة الحبشة.
وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٣] نجده يستطرد في ذكر الخلاف بين الأوس والخزرج ثم إسلام إياس بن معاذ ثم يذكر بيعة العقبة الأولى ومن شهدها وعودتهم إلى المدينة ومعهم: مصعب بن عمير يعلمهم القرآن ويستمر في سرد الرواية والحوار الذي دار بين سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، ثم يروى قصة بيعة العقبة في موسم الحج ومبايعتهم للنبي ﷺ .
ثم سرد بداية هجرة الصحابة إلى المدينة المنورة إلى نهاية القصة.
وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٢]، يذكر ما ورد في قصة أحد، ثم يذكر مغازي رسول الله ﷺ : يذكر عددها وأسماءها ونتفًا من سيرها، ثم يذكر سرايا رسول الله
стр. 289
- ﷺ : يذكر عددها وأسماءها ونتفًا من سيرها.
كما وقع له عند حديثه عن آية النسيء، فقد تكلم على معنى الآية وسبب نزولها، ثم عقد فصلًا لبيان (معنى النسيء وبدء أمره)، ثم أعقبه بفصل في (الاختلاف في أول من نسأ) ويسوق الروايات المختلفة في ذلك.
كما نراه يعرض عند قول الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ. . . . . .﴾ [التوبة: ٤٠] لكثير من الروايات مسندة وغير مسندة في بيان بعض أحداث الهجرة.
وصنع نحو ذلك عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. . .﴾ [التوبة: ١٠٠] حيث ذكر اختلاف المفسرين في المراد بالسابقين، ثم استطرد بذكر الاختلاف في أول من آمن برسول الله ﷺ بعد امرأته خديجة ﵂، هل هو علي بن أبي طالب ﵁ أم أبو بكر الصديق ﵁، وأطال في ذلك إطالة حقّها كتاب في التراجم لا في التفسير، ثم ذكر السابقين من الأنصار وأنهم أهل بيعة العقبة الأولى والثانية والذين آمنوا حين قدم عليهم مصعب ﵁، ثم شرع في ذكر مناقب مصعب ﵁ وأخباره.
ولم يلتزم ﵀ في عرضه لمرويات السيرة طريقة معينة، بل كان في غالب صنيعه يلفق القصص من روايات عدة يسوقها مساقًا واحدًا، كما صرح بهذا المنهج في غير ما موضع، فقد قال في ذكره لأحداث غزوة حنين: وكانت قصة حنين على ما ذكره المفسرون
стр. 290
بروايات كثيرة لفقتها ونسقتها لتكون أقرب إلى الأفهام وأحسن للنظام أن رسول الله ﷺ . . . .
بل حتى في الروايات التي يسوقها المؤلف بإسناده نجده يتصرف فيها بالتنسيق والتأليف، دون الاقتصار على سياقة من يروي من طريقه؛ كما فعل في حديث كعب بن مالك في خبر تخلفه وصاحبيه على ما هو مبين في موضعه من الجزء المحقق.
وقد عاب الحافظ ابن حجر على الثعلبي صنيعه هذا حيث قال بعد أن ذكر مثالًا لذلك: (وهذا من عيوب كتابه، ومن تبعه عليه يجمعون الأقوال عن الثقات وغيرهم، ويسوقون القصة مساقًا واحدًا على لفظ من يرمى بالكذب، أو الضعف الشديد، ويكون أصل القصة صحيحًا، والنكارة في ألفاظ زائدة) (١).
стр. 291
المبحث الرابع أهمية الكتاب وقيمته العلميَّة
ويشتمل على أربعة مطالب:
المطلب الأول: ثناء العلماء على الكتاب.
المطلب الثاني: مميزات هذا التفسير.
المطلب الثالث: عناية العلماء به واستفادتهم منه.
المطلب الرابع: المآخذ على تفسير "الكشف والبيان" ومناقشتها.
* * *
أهمية الكتاب وقيمته العلميَّة
كتاب "الكشف والبيان عن تفسير القرآن" للإمام الثعلبي، له أهميةٌ عظيمة، وقيمة كبيرة، فهو يتبوأ مكانًا رفعيًا، ومنزلة عالية بين كتب التفاسير.
وسنحاول في هذا المبحث أن نكشف عن أهمية "الكشف والبيان" ونجلِّي المكانة المرموقة لهذا السِّفر المبارك، من خلال ذكر أقوال العلماء في الثناء عليه، وتعداد مزاياه وخصائصه، وبيان أثره على من جاء بعده، ومدى استفادتهم منه. والله المستعان، وعليه التُّكلان.
стр. 292
* المطلب الأول: ثناء العلماء على هذا التفسير
إنَّ ثناءَ العلماء على كتابٍ ما ومدحهم له، يُعدُّ دليلًا واضحًا ومعلمًا ظاهرًا على أهمية هذا الكتاب وقيمته العلمية؛ لأنَّ أولئك الأعلام لم يكونوا يجاملون في ثنائهم ومدحهم، ولم يكونوا يجاوزون الحدَّ في ذلك الثناء. فهم إذا أثنوا على شيء، إنما يثنون عليه، ويمدحونه مدح العارف به، فيكون ثناؤهم ومدحهم مؤشراً قويًّا على قيمة ومكانة الممدوح.
ومن هذا القبيل الثناء الذي أثنى به الإمام أبو الحسن الواحدي التلميذ المشهور للإمام الثعلبي، على تفسير "الكشف والبيان".
فقد لازم الواحدي شيخه، ودرس عليه تفسيره، وعكف على هذا التفسير، حتى إذا عرف هذا التفسير حق المعرفة، أثنى عليه ثناء العارف به فقال في معرض كلامه عن شيخه الثعلبي:
وله التفسير المُلقَّب بـ "الكشف والبيان عن تفسير القرآن" الذي رُفعت به المطايا في السهل والأوعار، وسارت به الفلك في البحار، وهبت هبوب الريح في القطار:
وسارَ مَسيرَ الشِّمس في كلِّ بلْدَةٍ. . . وهَبَّ هُبوبَ الرِّيح في البرِّ والبحرِ
وأصفقت عليه كافة الأمة على اختلاف نحلهم، وأقرُّوا له بالفضيلة في تصنيفه ما لم يسبق إلى مثله (١).
стр. 293
ويقول عبد الغافر الفارسي في "السياق لتاريخ نيسابور" -وهو بلديُّ المؤلف- عن الثعلبي:
صاحب التصانيف الجليلة، من التفسير الحاوي أنواع الفرائد، من المعاني والإشارات، وكلمات أرباب الحقائق، ووجوه الإعراب والقراءات، ثم كتاب "العرائس" و "القصص"، وغير ذلك، مما لا يحقال إلى ذكره لشهرته (١).
ويقول أبو العباس بن خلِّكان عن الثعلبي: وصنَّف التفسير الكبير، الذي فاق غيره من التفاسير (٢).
وهكذا دلت العبارات السابقة على ما لهذا التفسير من مكانة عالية عند العلماء.
* * *
* المطلب الثاني: مميزات تفسير "الكشف والبيان "
تميز هذا التفسير بمزايا عظيمة، واتَّسم بسمات جليلة، جعلت العلماء يثنون عليه، ويستفيدون منه.
ومن أهم مزايا هذا التفسير ما يأتي (٣):
١ - اعتماده على تفسير القرآن بالقرآن ، وذلك أحسن الطرق لتفسير كتاب الله تعالى.
стр. 294
٢ - اعتماده على تفسير القرآن بالسنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وهي مبيِّنةٌ للقرآن وموضِّحةٌ له.
وقد حوى هذا التفسير عددًا كبيرًا من أحاديث التفسير.
٣ - احتواء هذا التفسير على جملة كبيرة من أقوال الصحابة رضوان الله عليهم الذين هم أدرى الأمة بتفسير كتابها بعد رسول الله ﷺ والذين أخذوا التفسير من في رسول الله ﷺ .
٤ - احتواء هذا التفسير على عددٍ وافر جدًا من أقوال التابعين ﵏ الذين تلقوا التفسير عن الصحابة ﵃.
حيث روى الثعلبي تفاسير هؤلاء التابعين بإسناده إلى أصحابها في مقدمة كتابه، وفي ثنايا تفسيره أيضًا.
٥ - احتواؤه على أقوال أتباع التابعين ومن بعدهم من أئمة التفسير . وهذا الكم الهائل من مأثور أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم، يُعتبر من أبرز ما تميَّز به هذا التفسير عن غيره من التفاسير، حيث جمع فأوعى، حتى غدا موسوعة في مأثور التفسير، قلما تجد كل ما فيه من الأقوال عند غيره. ولذا أكثر ما اعتمد عليه من جاء بعده في هذا الباب.
٦ - احتواء هذا التفسير على عدد كبير جدًّا من القراءات القرآنية ، التي قلَّما توجد بهذا الكم في تفسيرٍ آخر. حتى اعتمد عليه كثير من المفسِّرين الذين جاءوا بعده.
٧ - ومن أعظم ما يميِّز تفسير "الكشف والبيان ": أنه من كتب
стр. 295
الرواية بالإسناد. حيث يروي مؤلفه الثعلبي المرويات بإسناده الخاص به عن شيوخه إلى منتهاه. ولا يقتصر في روايته على الأحاديث، بل يروي أقوال الصحابة، وأقوال التابعين، ومَن بعدهم، حتى إنه يروي أقوال بعض المفسرين، بل يروي أيضًا بإسناده بعض الشواهد الشعرية.
وهذِه ميزةٌ لم يشاركه فيها إلا قليل من المفسرين، وأكثر هؤلاء لا تجد الرواية عنده بمثل سعتها في "الكشف والبيان".
٨ - يعد "الكشف والبيان" مرجعًا مهمًّا لمرويات أسباب النزول حيث ضم عددًا كبيرًا جدًّا من هذِه المرويات، مما جعل المؤلفين في هذا الفن يعتمدون عليه في ذلك. وأولهم تلميذه الواحدي، ومِن بعده الحافظ ابن حجر، وغيرهما.
٩ - احتواء هذا الكتاب على عدد كبير من علوم القرآن .
١٠ - اعتماده على اللغة العربية في التفسير بكافة علومها ، من نحو، وصرف، وبلاغةٍ، وأدب، وشعر. ونقل أقوال علماء اللغة، والمسائل اللغوية، وأكثر من الاستشهاد بالشعر حتى ضم عددًا كبيرًا من الشواهد الشعرية.
١١ - عرضه للمسائل الفقهية، ونقله لمذاهب الفقهاء وأقوالهم، وأدلتهم .
١٢ - ومن المزايا المهمة لهذا التفسير حفظه لكثير من الكتب المفقودة ، وإثبات نسبتها، وروايتها بالإسناد إلى مؤلفيها. حتى أصبح هذا التفسير من مصادر توثيق هذِه الكتب.
стр. 296
١٣ - جمعه بين الرواية والدراية في التفسير ، وجمعه بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي.
١٤ - حسن أسلوب المصنف وطريقته في تفسير الآية ، وعرضه المنظَّم لما يتعلق بتفسير الآية من مسائل، وأقوال، وقراءات، وغيرها.
١٥ - كثرة مصادر الكتاب، وأصالتها وتنوعها ، مما كان له أكبر الأثر في إثراء المادة العلمية للكتاب.
١٦ - تقدمه على كثير من كتب التفاسير، واعتماد كثير ممن جاء بعده عليه ، حيث استفاد منه علماء عصره كالواحدي، وامتد أثره على غالب التفاسير التي جاءت بعده بقرون، مما يؤكد أصالة هذا الكتاب وتميُّزه.
* * *
* المطلب الثالث: عناية العلماء واهتمامهم به، واستفادتهم منه
لقد كان لتفسير "الكشف والبيان" مكانة عظيمة، ومنزلة كبيرة، وكان شأنه عظيمًا عند العلماء، ولذلك اعتنوا به عناية فائقة، واهتموا به أيما اهتمام.
فمنهم من رواه بإسناده إلى المؤلف، ومنهم من نقل منه، ومنهم من اختصره، ومنهم من وضع عليه حاشية، ومنهم من جمع بينه وبين غيره، ومنهم من نسخه، ومنهم من رحل لسماعه، بل إن منهم من حفظه.
وهذا يدل على أهمية هذا الكتاب، ويدل أيضًا على أنَّ هذا التفسير كان له أثر كبير على من جاء بعده، وقد تمثَّل هذا الأثر في
стр. 297
عناية العلماء به، واستفادتهم منه.
ولو لم يدرك هؤلاء العلماء مكانة هذا التفسير ومنزلته الرفيعة، لما كان هذا الاهتمام وتلك العناية التي تمثلَّت فيما يأتي:
١ - روايته:
لقد روى العلماء تفسير "الكشف والبيان" بالإسناد المتصل إلى مؤلفه أبي إسحاق الثعلبي.
ومن هؤلاء: تلميذه الواحدي، والبغوي، وابن خير الإشبيلي، وابن الأثير، والحافظ ابن حجر العسقلاني، وغيرهم.
وقد سبق تفصيل ذلك عند إثبات نسبة الكتاب لمؤلفه.
وهذِه الرواية للتفسير تدل على عناية العلماء واهتمامهم به، وهذِه العناية وذلك الاهتمام نابعان من إدراك أهمية الكتاب، وعلو مكانته.
٢ - اهتمام العلماء وعنايتهم به بالرواية عنه، والنقل والاقتباس منه: لقد كان لهذا التفسير أثر عظيم على من جاء بعده، ذلك أنَّ قيمة تفسير "الكشف والبيان" العلمية، ومنزلته العليَّة، ومكانته الرفعية، وما حواه من معارف مختلفة، وعلوم متنوعة، إضافةً إلى تقدم زمنه جعل هذا التفسير منهلًا عذبًا، وموردًا غنيًا، يردُه من جاء بعده من العلماء والمؤلفين، وينهلون من معينه.
تارةً عن طريق الرواية عن مؤلفه، وأحيانًا كثيرةً بالنقل والاقتباس منه، حتى أصبح هذا التفسير مصدرًا رئيسًا لكثير من المؤلفات التي جاءت بعده.
стр. 298
ولم تكن الاستفادة من هذا السِّفر المبارك قاصرة على المفسرين، بل استفاد منه غيرهم من أصحاب العلوم الأخرى، وهذا دليل على شمول هذا التفسير وكثرة علومه ومعارفه.
ولا يسعنا في هذا المقام أن نحصيَ كلَّ من نقل عن هذا التفسير، أو اقتبس أو استفاد منه، إذ إنَّ هذا باب واسع جدًا، ولكن حسبنا أنْ نذكر أمثلة من ذلك مما تيسر الوقوف عليه:
فمن العلماء الذين نقلوا من تفسير "الكشف والبيان" واستفادوا منه.
أ- الإمام أبو الحسن الواحدي (ت ٤٦٨) تلميذ المؤلف:
اعتمد الواحدي على تفسير شيخه "الكشف والبيان" اعتمادًا كبيرًا، واستفاد منه في مصنَّفاته الثلاثة في التفسير "البسيط" و "الوسيط" و "الوجيز" (١)، وفي أسباب النزول.
وتتمثَّل هذِه الاستفادة في جانبين:
- الرواية بالإسناد عن الثعلبي.
стр. 299
- النقل من تفسيره.
أما الرواية فنجد أنَّ الواحدي يروي عددًا كبيرًا من المرويات عن شيخه الثعلبي بسنده. وذلك في "البسيط" و "الوسيط" و "أسباب النزول" (١) وتشمل نقول الواحدي عن الثعلبي: أقوال السلف في التفسير، كأقوال ابن عباس ﵁ (٢)، ومجاهد (٣)، وقتادة (٤)، والحسن البصري (٥)، ومحمد بن كعب القرظي، والربيع بن أنس، والضحاك، وأبي روق، ومقاتل، والكلبي، وغيرهم رحمهم الله تعالى.
ولم تقتصر نقول الواحدي عن شيخه على ما سبق من مرويات، بل كان ينقل عنه تفسيره للآيات، وقوله في ذلك، حتى في المسائل اللغوية والنحوية.
وعلى الرغم من كثرة هذِه النقول، إلا أنَّ الواحدي نادرًا ما ينسبها لشيخه، رغم أنَّها بنصِّها في "الكشف والبيان" (٦).
стр. 300
وأما جانب النقل من "الكشف والبيان" والاقتباس منه، فكثير جدًا في كتب الواحدي.
ب- الإِمام البغوي (ت ٥١٦) في تفسيره "معالم التنزيل ":
وهو اختصار لـ "الكشف والبيان" كما سيأتي.
وقد روى البغوي معظم مرويات الثعلبي في "الكشف والبيان" عن طريق تلميذه أبي سعيد الشُّرَيحي الخوارزمي، كما نصَّ البغوي على ذلك في مقدمة تفسيره، وروى في هذِه المقدمة تلك الأسانيد (١). وقد سبق بيان ذلك عند الكلام حول إثبات الكتاب لمؤلفه.
جـ - أبو حيَّان في "البحر المحيط ":
يُعد كتاب "الكشف والبيان" من أوسع كتب التفسير إن لم يكن أوسعها في نقل أقوال المفسرين من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم.
ولقد عرف أبو حيان الأندلسي هذِه الميزة للكتاب، فقام بالاعتماد على "الكشف والبيان" في ذكر أقوال المفسرين في الآية، في كتابه "البحر المحيط".
وهذا الاستيعاب من أبي حيان لتلك النقول لا يوجد بهذِه الصورة في تفسير آخر.
ومن الأمثلة على ذلك:
أقوال أئمة السلف من المفسِّرين في المراد بـ (العالمين) في قوله
стр. 301
تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ (١).
الأقوال في قوله تعالى: ﴿الم﴾ (٢).
الأقوال في قوله تعالى: ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ (٣) في قوله : ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾.
وفي المراد بـ ﴿وَالسَّلْوَى﴾ (٤).
والأقوال في ﴿الْقَرْيَةَ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ (٥).
وفي ﴿الْحَجَرَ﴾ في قوله ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ (٦).
وفي ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ (٧).
وفي قوله تعالى ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ (٨).
وفي (الكلمات) في قوله سبحانه ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ (٩).
وفي قوله تعالى ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (١٠).
стр. 302
وفي قوله جل وعلا ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ (١).
وفي قوله سبحانه ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (٢).
وفي معنى الحنيف في قوله تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (٣).
والأقوال في معنى الإخلاص (٤).
وفي ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (٥).
والإمام أبو حيان لا يصرح بنسبة هذِه المنقولات إلى الثعلبي إلا في أحيان قليلةٍ.
ومنها قوله عند تفسير قوله سبحانه: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ (٦)، قال: وذكر الثعلبي أنَّ ارتفاع الجبل فوق رؤوسهم كان مقدار قامة الرجل (٧).
ولم يقتصر أبو حيان في نقله على أقوال المفسرين، بل كان ينقل عنه أيضًا القراءات، وغيرها، مما يوجد منثورًا في تحقيق هذا الجزء من الكشف والبيان.
стр. 303
د- الإمام أبو عبد الله القرطبي (ت ٦٧١) في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن ":
وهو من المكثرين أَيضًا في النقل عن الثعلبي. ويعد "الكشف والبيان" من أكثر المصادر التي اعتمد عليها القرطبي في تفسيره (١).
هـ - جلال الدين السيوطي (ت ٩١١) في كتابيه: "الدر المنثور في التفسير بالمأثور" (٢)، و"لباب النُّقول في أسباب النزول" (٣).
إذ يعد الكشف والبيان من المصادر الأساسية التي بُني عليها هذان الكتابان. ويصرِّح السيوطي بنسبة ما يذكره من المرويات عن الثعلبي إليه.
و- جمال الدين الزيلعي (ت ٧٦٢) في كتابه "تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف" للزمخشري (٤):
فقد اعتمد الزيلعي في مواضع كثيرة من كتابه على الثعلبي في تخريج الأحاديث والآثار التي ذكرها الزمخشري في "تفسيره" وبعض هذِه الأحاديث والآثار لم يعزها إلا إلى الثعلبي. وهذا فيه دليل أَيضًا على أن الزمخشري في "كشافه" قد اعتمد على تفسير "الكشف والبيان".
стр. 304
ز- الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٧٧٣) في كتابه "العُجاب في بيان الأسباب " (١).
وقد اعتمد ابن حجر في كتابه هذا على الواحدي في "أسباب النزول"، ثم ظهر له أنَّ الواحدي اعتمد على شيخه الثعلبي، وبما أن تفسير الثعلبي تحت يده فقد بدأ يرجع إليه مباشرة، وكذلك في مصادره الأخرى. وذلك بدءًا من الآية (٢١٥) من سورة البقرة.
وقد نقل ابن حجر من تفسير "الكشف والبيان" (١٢٩) مرَّة، منها (٥٥) مرَّة في البقرة، و (٥٣) في آل عمران، و (٢١) في النساء (٢).
ح- ابن جزي الكلبي (ت ٧٤١ هـ) في تفسيره "التسهيل لعلوم التنزيل " (٣).
ي- عبد الرؤوف المناوي (ت ١٠٣١) في كتابه "الفتح السماوي بتخريج أحاديث تفسير القاضي البيضاوي " (٤).
ط- الشوكاني (ت ١١٢٥ هـ) في تفسيره "فتح القدير " (٥).
وثمة مفسرون آخرون لم يصرِّحوا بنقلهم عن الثعلبي، ولكن
стр. 305
المتأمل في كتبهم والمطلِّع على الكشف والبيان يدرك أنَّهم استفادوا من تفسير الثعلبي، سواء فيما يتعلق بالمأثور من أحاديث، وآثار، أو في مسائل أخرى، من تفسير الثعلبي، للآيات، وطرحه للمسائل اللغوية، ونحوها. ولكن المقام لا يتسع لذكر كل من نقل عن الثعلبي واستفاد منه، وحسبنا ما ذكرناه برهانًا واضحًا على أهمية هذا الكتاب. لم تكن الاستفادة من "الكشف والبيان" مقتصرةً على المؤلفين في التفسير وعلوم القرآن. بل إنَّ هذا التفسير نهل منه، واستفاد من علومه ومعارفه الذين ألَّفوا في غير التفسير وعلوم القرآن، حتَّى كان مصدرًا مهمًا لكتب الأحاديث وشروحها، وكتب التخريج، وكتب التراجم، وكتب التعريف بالأماكن والبلدان، وكتب الزهد والوعظ، وغيرها.
ومن هذِه المؤلفات:
١ - "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" لابن الملقِّن (١).
٢ - "فتح الباري شرح صحيح البخاري" لابن حجر (٢).
٣ - "عمدة القارئ شرح صحيح البخاري" لبدر الدين العيني (٣).
٤ - "تنوير الحوالك شرح موطأ مالك" للسيوطي (٤).
стр. 306
٥ - "نصب الراية لأحاديث الهداية" للزيلعي (١).
٦ - "التلخيص الحبير" لابن حجر (٢).
٧ - "الإصابة في أسماء الصحابة" لابن حجر (٣).
٨ - "لسان الميزان" لابن حجر أَيضًا (٤).
٩ - "الأنساب" للسمعاني (٥).
١٠ - "معجم البلدان" لياقوت الحموي (٦).
١١ - "التوَّابين" لابن قدامة (٧).
١٢ - "شرح شواهد المغني" للسيوطي (٨).
٣ - العناية به باختصاره:
من الدلائل الظاهرة على اهتمام العلماء بتفسير "الكشف والبيان" عنايتهم به عن طريق اختصاره وتهذيبه.
وقد قام بذلك جماعة من العلماء، منهم:
أ- الإِمام أبو محمَّد الحسين بن مسعود البغوي (ت ٥١٦) في تفسيره المسمَّى "معالم التنزيل".
стр. 307
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: والبغوي تفسيره مختصر من الثعلبي (١).
وقد ذكر البغوي في مقدمة تفسيره أن ما نقل فيه من التفسير عن ابن عباس، وأئمة السلف فأكثره مما رواه عن أبي سعيد الشُّريحي تلميذ الثعلبي عن شيخه الثعلبي (٢).
ومن يقارن بين التفسيرين ولو في بعض النصوص يدرك تمامًا أن تفسير البغوي مختصر للكشف والبيان للثعلبي. ويجد عبارة الثعلبي بنصها موجودة في تفسير البغوي. وليس ذلك مقتصرًا على أقوال ابن عباس ﵄ وأئمة السلف كما ذكر البغوي في مقدمته. بل يشمل أَيضًا تفسير الثعلبي نفسه لمفردات الآية، ومعانيها، وغير ذلك.
ورغم ذلك نجد بعض الفروق بين التفسيرين، نوجزها فيما يأتي:
١ - حذف البغوي بعض المصادر التي ذكرها الثعلبي في مقدمة تفسيره.
٢ - اختار البغوي طرقًا وأسانيد في تلقِّي القراءات، غير التي ذكرها الثعلبي في مقدمته.
٣ - أورد البغوي في فضائل القرآن أحاديث أخرى مما لم يوردها الثعلبي.
стр. 308
٤ - ذكر شيخ الإِسلام ابن تيمية أنَّ البغوي صان تفسيره من الموضوعات، والبدع.
فقد سئل ابن تيمية عن أي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة، الزمخشري، أم القرطبي، أم البغوي، أم غير هؤلاء؟ فأجاب قدَّس الله روحه: وأمَّا التفاسير المسئول عنها، فأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة البغوي، لكنه مختصر من تفسير الثعلبي، وحذف الأحاديث الموضوعة، والبدع التي فيه، وحذف أشياء غير ذلك (١).
ويقول كذلك: والبغوي مختصر من تفسير الثعلبي، لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة (٢).
ولكنَّ السؤال الذي يرد في هذا المقام هو: هل صان البغوي فعلًا كتابه عن كل حديث موضوع، ورأي مبتدع؟
والجواب: أنَّ البغوي حاول في مواطن كثيرة نبذ الأحاديث الموضوعة والمنكرة في تفسيره. ومن أهمها ما كان يرويه الثعلبي من فضائل السور في مقدمة كل سورة.
كما حذف أَيضًا كثيرًا من الأحاديث التي وردت في تفسير الثعلبي من أخبار الشيعة، عند آية ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ (٣) وآية ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ
стр. 309
لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (١) وهذا عمل ممدوح مشكور.
أما جانب الإسرائيليات فالثعلبي والبغوي يتفقان في سردها بين مقل ومستكثر (٢).
فقد اشتمل تفسير البغوي على نقولٍ كثيرة من الإسرائيليات (٣)، مثل الإسرائيليات الواردة في قصة هاروت وماروت (٤).
والأخبار التي تتحدث عن قصة أصحاب الكهف (٥).
ومن الأخبار الموضوعة ما ورد في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (٦). قال البغوي: أراد به علي بن أبي طالب ﵁ مرَّ به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه (٧).
وقد قرَّر ابن تيمية أن الحديث موضوع باتفاق أهل العلم (٨).
ولذلك قال الدكتور: محمَّد أبو شهبة ﵀ معلقًا على قول ابن تيمية أن البغوي صان تفسيره من الموضوعات والبدع: أما صيانته عن الآراء المبتدعة فمسلَّم، أما أنَّه صانه عن الأحاديث الموضوعة فإن أراد
стр. 310
الحديث الطَّويل الموضوع في فضائل سورة فمُسلّمَ، وإن أراد غير ذلك فلستُ موافقًا لشيخ الإِسلام؛ لأنه ذكر في كتابه الموضوعات والإسرائيليات بكثرة، اللهم إلا أن يُقال: إنَّه أقلّ من تفسير الثعلبي في الموضوعات والإسرائيليات (١).
والإمام البغوي كان في تفسيره مع ركب المفسرين في إيراد الإسرائيليات، والأحاديث غير الصحيحة، ولم يسلك مسلك المحدثين في هذا، رغم أنَّه كان من علماء الحديث البارزين. وهو في هذا يتبع أصل كتابه تفسير "الكشف والبيان" الذي اعتمده أصلًا له، وتناوله بالاختصار والتهذيب، وبالزيادة والإضافة.
والحاصل أنَّ البغوي باختصاره لتفسير الثعلبي قد أَبان عن أهمية هذا التفسير الذي اتخذه أصلًا له. وهو -أعني البغوي- وإن حاول التعديل نوعًا ما في "الكشف والبيان" إلا أنَّه مع ذلك تبقى معظم مادة تفسير البغوي إنما هي من تفسير الثعلبي "الكشف والبيان"، وهو برهان واضح على أهمية "الكشف والبيان" وقيمته العلمية العالية.
ب- ولم يكن الإِمام البغوي هو الوحيد الذي قام باختصار "الكشف والبيان" بل قام غيره أَيضًا بهذا العمل، حيث اختصره: ابن أبي رندقة محمَّد بن الوليد بن محمَّد القُرشيّ الطرطوشي (ت ٥٢٠ هـ) بعنوان "مختصر الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي".
стр. 311
وقد رواه ابن خير الإشبيلي في "فهرست ما رواه عن شيوخه" حيث رواه عن شيخه ابن العربي (١).
وهذا المختصر يوجد مخطوطًا (٢).
ج- واختصره كذلك أبو محمَّد بهزاد بن عليّ، بعنوان "مختصر تفسير الثعلبي". وهو مخطوط أَيضًا (٣).
د- وله أَيضًا مختصر بعنوان "مختصر الكشف والبيان في تفسير القرآن" وهو مخطوط. ومؤلفه مجهول (٤).
٤ - العناية والاهتمام به بوضع الحواشي عليه:
حيث وضع عبد القادر بن أبي القاسم بن عبد الله الحسيني العراقي (ت ١٢٨٨ هـ) حاشيةً عليه بعنوان "حاشية على الكشف والبيان للثعلبي".
وهذِه الحاشية موجودة مخطوطة (٥).
٥ - الاعتناء به بالجمع بينه وبين غيره:
لم تقف جهود العلماء في الاهتمام بهذا الكتاب عند روايته أو النقل عنه، أو اختصاره، أو نحو ذلك، بل تعدى اهتمامهم به إلى الجمع بينه وبين غيره من الكتب كما فعل أبو السعادات ابن الأثير
стр. 312
في كتابه "الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف"، أخذه من تفسيري الثعلبي والزمخشري، كما قال ابن خِلِّكان (١).
٦ - الرحلة لسماع هذا التفسير:
أهمية كتاب "الكشف والبيان" وقيمته العلمية، دعت العلماء إلى أن يرحلوا إليه لسماعه. ومن هؤلاء الإِمام أبو سعد السمعاني، ورفيقه أبو الحسن المرادي اللذان رحلا لسماع هذا التفسير. حيث يقول السمعاني في "أنسابه" عند ترجمة صاحبه وصديقه أبي الحسن المرادي: وخرجنا صُحبةً واحدة إلى نوقان طوس، لسماع كتاب التفسير لأبي إسحاق الثعالبي (٢).
٧ - العناية به بحفظه:
بلغت عناية العلماء بهذا التفسير إلى حدِّ حفظه. كما حصل من أبي محمَّد محمَّد بن عباس الخُوارزمي العباسي فقد ذكره السبكي في "طبقات الشافعية" وذكر أن ولده ذكر في كتابه "تاريخ خوارزم" أنَّ أباه كان يحفظ "تفسير الثعلبي" حيث قال: وحفظ تفسير الثعلبي جميعه، فكان إذا سُئل في مجلسه عن عشر آيات، في مواضع متفاوتة، ذكر تفسيرها باختلاف أقوال المفسرين، من غير غلَط ولا خطأ.
وكان الخوارزمي حافظًا، يحفظ كتبًا أخرى ويستحضرها
стр. 313
ويس تظهرها، كما ذكر ذلك ابنه عنه (١).
٨ - كثرة نسخ الكتاب:
من الدلالات الواضحة على أهمية هذا التفسير، والاهتمام الكبير به من قبل العلماء وطلاب العلم: كثرة النُّسخ الخطية لهذا الكتاب. فقلما تجد مكتبة من المكتبات، أو خزانةً من خزائن المخطوطات تخلو من نسخة خطية لهذا التفسير، أو لجزءٍ منه.
يدرك ذلك كل من نظر في فهارس المخطوطات، واطلع على ذلك الكم الهائل من مخطوطات الكتاب (٢).
الأمر الذي يدل على أهمية هذا الكتاب، واهتمام أهل العلم به.
* * *
* المطلب الرابع: المآخذ على تفسير "الكشف والبيان" ومناقشتها
وبعد أن بيَّنا أهمية تفسير "الكشف والبيان" ومكانته وقيمته العلميَّة، وذكر ما قاله عنه العلماء من ميزات، نعرض هنا أهم ما عابوا به الكتاب على بساط البحث؛ لنتبيَّن بعد ذلك ما قيل فيه من حقٍّ فيُقبل، وما قيل فيه من خطأ فنردُّه، ونبرئ ساحة الثعلبي منه.
١ - روايته للأحاديث الموضوعة والواهية
стр. 314
وقد سجَّل العلماء هذا المأخذ على الثعلبي ونقدوه فيه ومن هؤلاء ابن الجوزي حيث يقول ﵀ عنى"الكشف والبيان": ليس فيه ما يُعاب به إلا ما ضمَّنه من الأحاديث الواهية التي هي في الضعف متناهية، خصوصًا في أوائل السور (١).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو من أوسع من تكلَّم في الثعلبي وتفسيره: لقد أجمع أهل العلم بالحديث أنَّه -أي: الثعلبي- روى طائفة من الأحاديث الموضوعة، كالحديث الذي يرويه في أول كل سورة، وأمثال ذلك، ولهذا يقال: هو كحاطب ليل (٢).
ويقول ﵀: والثعلبي هو في نفسه كان فيه خير ودين، وكان حاطب ليل، ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع (٣).
ويقول الكتَّاني في "الرسالة المستطرفة" عند الكلام عن الواحدي تلميذ الثعلبي: ولم يكن له ولا لشيخه الثعلبي كبير بضاعة في الحديث، بل في تفسيرهما وخصوصًا الثعلبي أحاديث موضوعة وقصص باطلة (٤).
ولا شكَّ أن الثعلبي ﵀ عليه قد أخطأ في رواية هذِه
стр. 315
الموضوعات التي ذكرها في فضائل السور وفي غيرها من الروايات الأخرى.
ولقد أساء بروايتها إلى تفسيره. لا سيما تلك الموضوعات التي رواها من الأحاديث التي وضعها الشيعة في علي ﵁.
ولذلك فإن شيخ الإِسلام ابن تيمية أكثر من ذكر الثعلبي وتفسيره في كتابه العظيم "منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرّيَة"، والذي كان ردًّا على الرافضي يوسف بن مطهر الحِلِّي في كتابه "منهاج الكرامة"، وذلك لأنَّ الرافضي كان يعتمد في كتابه على ما يذكره ويرويه الثعلبي في "الكشف والبيان"، ممَّا جعل شيخ الإِسلام ينبِّه على ذلك، منوِّهًا بتفسير الثعلبي، مبينًا ماله وما يؤخذ عليه حتَّى لا يغترَّ غِرٌّ بما يقوله ذلك الرافضي.
ومما قاله شيخ الإِسلام في هذا: وقد أجمع أهل العلم بالحديث على أنَّه لا يجوز الاستدلال بمجرَّد خبر يرويه الواحد من جنس الثعلبي، والنقَّاش، والواحدي، وأمثال هؤلاء المفسرين، لكثرة ما يروونه من الحديث، ويكون ضعيفًا، بل موضوعًا (١).
يقول الدكتور محمَّد حسين الذهبي عن الثعلبي: اغترَّ بكثير من الأحاديث الموضوعة على ألسنة الشيعة فسوَّد بها كتابه دون أن يشير إلى وضعها واختلاقها، وفي هذا ما يدل على أنَّ الثعلبي لم يكن له
стр. 316
باع في معرفة صحيح الأخبار من سقيمها (١).
ويمكن الاعتذار للثعلبي وتخفيف التَّبعة عليه في ذلك بأن يقال: إنَّ المسلك الذي سلكه قد سلكه غيره من المفسرين، بل والمحدثين أَيضًا، وهم يعتقدون أنَّهم عندما يروون المرويات بما فيها الموضوعات بالسند تكون عهدتهم قد برئت من باب: أنَّ من أسند لك فقد أحالَك، ومن حَمل إليك فقد حمَّلك مؤنة البحث عنه، والحكم عليه.
فها هو الإِمام الحافظ الجليل أبو القاسم الطبراني صاحب "المعاجم" وغيرها يُعاب بنحو ما عيب به أبو إسحاق الثعلبي، فينبري الحافظ ابن حجر للدفاع عنه، مبيِّنًا هذا الأمر حيث يقول في معرض كلامه عن الطبراني: وقد عاب عليه إسماعيل بن محمَّد بن الفضل التيمي جمعه لأحاديث بالأفراد مع ما فيها من النكارة الشديدة، والموضوعات، وفي بعضها القدح في كثير من القدماء من الصحابة وغيرهم، وهذا أمر لا يختص به الطبراني، فلا معنى لإفراده اليوم، بل أكثر المحدثين في الأعصار الماضية من سنة مئتين وهلُمَّ جرَّا إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برؤوا من عهدته، والله أعلم (٢).
وإذا كان هذا بالمحدثين الذين يفتِّشون في الأسانيد، ويميزون بين
стр. 317
الثقات والضعفاء، والصحيح والسقيم، فكيف بالمفسرين الذين هم أقل منهم في هذا الشأن؟ ! ويتكلَّم الحافظ العراقي عن حديث أُبيّ الموضوع في "فضائل السور" وهو من أكثر وأشهر ما عيب على الثعلبي اعتمادهُ فيقول: وكلُّ من أودع حديث أُبي المذكور تفسيرَه كالواحدي والثعلبي والزمخشري مخطئ في ذلك، لكن من أبرز إسناده منهم كالثعلبي والواحدي فهو أبسط لعذره إذ أحال ناظره على الكشف عن سنده، وإن كان لا يجوز له السكوت عليه من غير بيانه (١).
وقفة:
نسب بعض العلماء رواية الثعلبي للموضوعات والأحاديث الواهيات إلى عدم تمييزه بين الصحيح والسقيم. ومن هؤلاء أبو الفرج بن الجوزي حيث قال عند كلامه على حديث أُبي الموضوع في فضائل القرآن: وقد فرَّق هذا الحديث أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره. . وتبعه أبو الحسن الواحدي في ذلك، ولا أعجب منهما لأنهما ليسا من أصحاب الحديث (٢).
والحقيقة أنَّ الثعلبي ﵀ كان حافظًا راويًا للأسانيد، وكان يروي بإسناده الأحاديث والآثار والأقوال، حتَّى الأشعار. ولكن يصعب القول بأنَّ أَبا إسحاق كان من الذين يكثرون من نقد
стр. 318
الأسانيد، والتفتيش عن حال رواتها، وكان له قدم راسخة في هذا الشأن، لكنَّ ذلك لا يعني جهل الثعلبي بهذا الفن، ولا يعني ذلك عدم تمييزه بين الصحيح والسقيم، إذ إنَّ ذلك لا يمكن أنْ يتأتى مع ما نراه في تفسيره في بعض المواضع من نقده لبعض الرواة، وتضعيفه لبعض الأحاديث.
مثل نقده لحديث عبد الله بن شداد بن الهاد عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: من صلى خلف إمام كانت قراءة الإِمام له قراءة.
وحديث جابر الجعفي عن أبي الزُّبير عن جابر مرفوعًا قال: من كان له إمام فقراءته له قراءة.
قال أبو إسحاق: فأمَّا حديث عبد الله بن شداد: فهو مرسل رواه شعبة والثوري وزائدة وابن عيينة وأبو عوانة وإسرائيل وقيس وجرير وأبو الأحوص مرسلًا، والمرسل لا تقوم به حجة، والوليد بن حماد وأبو الحسن (من رواة الحديث) لا يُدرى من هما.
وأما خبر جابر الجعفي فإنَّه ساقط، قال زائدة: جابر كذَّاب. وقال أبو حنيفة ما رأيتُ أكذب من جابر. وقال ابن عيينة: كان جابر يؤمن بالرجعة.
وقال شعبة: قال لي جابر: دخلت على محمد بن على فسقاني شربة وحفظتُ عشرين أَلْف حديث.
ولا خلاف بين أهل النقل في سقوط الاحتجاج بحديثه.
وهكذا نرى أنَّ الثعلبي له مشاركة في نقد المرويات. ولذلك يصعب
стр. 319
علينا القول بأنه لا يميِّز بين الصحيح والسقيم. ويرجِّح القول بأنَّ ذكره للموضوعات ونحوها إنما هو اعتماد على روايته لها بالإسناد، وقد حصل هذا لمحدّثين أمثال الطبراني كما سبق والله أعلم.
٢ - توسُّعه في ذكر الإسرائيليات:
من المشهور عن الثعلبي أنَّه يُكثر في تفسيره "الكشف والبيان" من الإسرائيليات (١)، وهي من سمات هذا التفسير.
يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية: الثعلبي والواحدي وأمثالهما، هؤلاء من عادتهم يروون ما رواه غيرهم، وكثير من ذلك لا يعرفون: هل هو صحيح، أم ضعيف؟ ويروون من الأحاديث الإسرائيليات ما يعلم غيرهم أنَّه باطل في نفس الأمر، لأن وظيفتهم النَّقل لِما نُقل، أو حكايته أقوال النَّاس، وإن كان كثير من هذا وهذا باطلًا، وربَّما تكلَّموا على صحة بعض المنقولات وضعفها، ولكن لا يطردون هذا ولا يلتزمون (٢).
والثعلبي بالفعل أكثر من الإسرائيليات في تفسيره، وتوسَّع في هذا الباب، ولعل مردَّ ذلك إلى أن الثعلبي بالإضافة إلى أنَّه مفسِّر كان أخباريًا مؤرِّخًا، يدل على ذلك كتابه في قصص الأنبياء المسمَّى "عرائس المجالس"، فقد حوى هذا الكتاب الكثير من الإسرائيليات
стр. 320
في قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأحوال الأمم السابقة.
يقول الدكتور الذهبي: ثم إنَّ هناك ناحية أخرى يمتاز بها هذا التفسير، هي التوسع إلى حد كبير في ذكر الإسرائيليات، بدون أن يتعقَّب شيئًا من ذلك أو ينبِّه على ما فيه رغم استبعاده وغرابته، وقد قرأت فيه قصصًا إسرائيلياً نهاية في الغرابة (١).
والحقيقة أنَّ الثعلبي بصنيعه هذا لم ينفرد أو يشذ عن ركب المفسرين، إذ لم يخل كتاب من كتب التفسير من الإسرائيليات كما سبق عند الكلام عن ذلك في منهج المصنف وعلى رأس هؤلاء الإمامان أبو جعفر الطبري، وابن أبي حاتم، وهما الإمامان الناقدان البصيران بالصحيح والسقيم.
وكثير من الإسرائيليات التي ذكرها الثعلبي قد ذكرها قبله ابن جرير الطبري وغيرهُ (٢).
فقصة هاروت وماروت، وقصة آدم وحواء وخروجهما من الجنَّة وإهباطهما إلى الأرض، وغير ذلك، معظم رواياتها الموجودة في "الكشف والبيان" نقلها المفسرون قبله وبعده.
حتَّى البغوي الذي اختصر "الكشف والبيان" وذكر عنه بعض العلماء أنَّه صان كتابه مما وقع فيه الثعلبي هو الآخر قد وقع في