← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

مال، فإن لم يكن له مال أُجبرت (١) أمُّهُ على رَضَاعه، ولا يُجْبَرُ على نفقة الصبي إلا الوالدان، وهو قول مالك (٢)، والشافعي (٣). وقيل: هو الباقي من والدي المولود بعد وفاة الآخر منهما عليه (٤). ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾ يعني: مثل (ما كان على الأب) (٥) من أجر الرضاع، والنفقة، والكسوة، قاله أكثر العلماء (٦). وقال الشعبي، والزهري: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ يعني: أن لا يضار (٧).

стр. 2872

﴿فَإِنْ أَرَادَا﴾ يعني: الوالدين (١) ﴿فِصَالًا﴾: فطامًا قبل الحولين، وأصل الفصل: القطع ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا﴾ جميعًا به (٢) واتفاق عليه. ﴿وَتَشَاوُرٍ﴾ وهو استخراج الرأي، وأصله من شُرْتُ الدابة، وشَوَّرْتُهَا؛ إذا اختبرتُ ما عندها في العدو، ويقال لعلم ذلك: المشوار (٣). ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ﴾ أيها الآباء ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ (مراضع غير أمهاتهم (٤) إذا أبين (٥) أن يرضعن (٦)، أو لعلة بهن (٧)، أو لانقطاع لبنهن، أو أردن النِّكَاح، أو خفتم الضيعة على أولادكم) (٨). ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ﴾ إلى أمهاتهم أجرًا (٩) بقدر ما أرضعن لكم (١٠). وقيل: سلمتم أجور المراضع إليهن. وقيل: إذا (١١) سلمتم

стр. 2873

الاسترضاع عن تراض واتفاق دون الضرار (١). فذلك قوله تعالى: ﴿مَا آتَيْتُمْ﴾ قرأ (٢) ابن كثير: (أتيتم) بالقصر، وكذلك الَّذي في الروم: (ما أتيتم من ربا) (٣). الباقون بالمد) (٤). ﴿بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. ٢٣٤ - قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ أي: يقبضون ويموتون، (وأصل التوفي) (٥): أخذ الشيء وافيًا. وقرأ علي بن أبي طالب ﵁ -بفتح الياء (٦)، أي: يَتَوفَّون أعمارهم (٧) وأرزاقهم (٨). وتوفى واستوفى بمعنى واحد. ﴿وَيَذَرُونَ﴾ ويتركون ﴿أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾.

стр. 2874

فإن قيل: فأين خبر قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾؟ قيل: هو متروك؛ لأنه لم يقصد المخبر (١) عنهم، وذلك جائز في الاسم، يذكر ويكون تمام خبره في اسم آخر وهو (٢) أن يترك الأول، ويخبر عن الثاني، فيكون معناه: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا (عدتهن أن) (٣) يتربصن (٤) بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا، كقول الشاعر (٥): بني أسد إنَّ ابن قيس وقتلهُ ... بغير دم دارَ المَذَلَّةِ حَلَّتِ فألقى (٦) ابن قيس، وقد ابتدأ بذكره، وأخبر عن قتله أنَّه ذل (٧)، وأنشد (٨):

стр. 2875

لعلي إن مالت بي الريح ميلةً ... على ابن أبي ذبان (١) أن يتندما فقال: لعلي، ثم قال: أن يتندما؛ لأن المعنى فيه، هذا قول الفراء (٢). وقال الزجاج: معناه والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا، أزواجهم (٣) يتربصن بأنفسهن (٤). وقال الأخفش: خبره في قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ (يعني (٥): يتربصن بعدهم) (٦). وقال قطرب: معناه: ينبغي لهن أن يتربصن (٧)، أي (٨): ينتظرن،

стр. 2876

ويحتبسن (١) بأنفسهن (٢)، معتدات على أزواجهن، تاركات للطيب، والزينة، والأزواج، والنقلة عن المسكن الَّذي كن يسكن فيه (٣) في حياة أزواجهن أربعة أشهر وعشرًا إلا أن يكن حوامل، فيتربصن (٤) إلى أن يضعن حملهن؛ فإذا ولدن (٥) أنقضت عدتهن (٦). وروى الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ (أنها كانت تفتي) (٧) المتوفى عنها زوجها حتَّى تنقضي عدتها: أن لا تلبس مصبوغًا، وتلبس (٨) البياض، ولا تلبس السواد، ولا تتزين، (ولا تلبس) (٩) حليًّا، ولا تكتحل (١٠) بالإثمد، ولا بكحل فيه طيب، وإن وجعت عينها؛ ولكنها تكتحل بالصَّبِر، وما بدا لها من الأكحال سوى الإثمد مما ليس فيه طيب (١١).

стр. 2877

روى نافع (١) عن زينب بنت أم سلمة (عن أم سلمة) (٢) أن امرأة (٣) من قريش (٤) جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: إن ابنتي توفي زوجها عنها، وقد اشتكت عينها حتَّى خِفتُ على عينها، وهي تريد الكحل. فقال ﷺ : "قد كانت إحداكن تلبس أطمار ثيابها، وتجلس في

стр. 2878

أخس بيوتها، وتمكث حولًا (في بيتها) (١)، فإذا كان الحول خرجت، فمر كلبٌ رمته ببعرةٍ، أفلا أربعة أشهر وعشرا" (٢). وروى نافع عن صفية بنت (أبي عبيد) (٣) عن حفصة بنت عمر (٤) ﵁ أن النبي ﷺ قال:

стр. 2879

"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوجٍ، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرًا" (١). قال سعيد بن المسيب: الحكمة في هذِه المدة أن فيها ينفخ الله (٢) الروح في الولد (٣). وإنما قال: ﴿وَعَشْرًا﴾ بلفظ المؤنث؛ لأنه أراد به (٤) الليالي؛ لأن العرب إذا أبهمت العدد من (٥) الليالي والأيام غلبت عليها الليالي،

стр. 2880

(فيقولون: صمنا) (١) عشرًا، والصوم لا يكون إلا بالنهار (٢)، قال الشاعر (٣): فَطَافَتْ ثلاثًا بين يومٍ وليلةٍ ... وكان النَّكِيرُ أَنْ تُضِيفَ وتَجْأرَا أي: تخاف وتصيح (٤)، يدل عليه (٥) قراءة ابن عباس: (أربعة أشهر وعشر ليال) (٦). وقال المبرد: إنما أنث العشر، لأنه أراد به المدة (٧).

стр. 2881

﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ يعني: انقضاء العدة ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ يخاطب الأولياء ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ من التزويج أن يتولوه لهن ﴿بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١). ٢٣٥ - (قوله (٢): ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [١١٩/ ب] يا معشر الرجال ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ أي (٣): النساء (٤) المعتدات. وأصل التعريض: التلويح بالشيء، قال الشاعر (٥): كما خَطَّ عِبْرانِيَّة بيَمينه ... بتَيماءَ حِبْر (٦) ثم عَرَّضَ أسْطُرا (والتعريض في الكلام: ما كان من لحن (٧) الكلام الَّذي يفهم به السامع من غير تصريح) (٨). وأصله من عرض الشيء وهو جانبه، يقال:

стр. 2882

اضرب به عرض الحائط، كأنه يحوم به حوله، ولا يظهره. وتعريض الخطبة المذكور (١) في هذِه الآية على ما جاء في التفسير، وهو أن يقول لها وهي في العدة: إنك لجميلة، وإنك لصالحة، وإنك لنافقة، وإن من عزمي أن أتزوج (٢)، وإني فيك لراغب، وإني عليك لحريص، ولعل الله أن (٣) يسوق إليك خيرًا، وإن جمع (٤) الله بيننا بالحلال أعجبني، ولئن تزوجتك لأعطينك، ولأحسنن إليك، ونحوها من الكلام من غير أن يقول لها: انكحيني (٥). قال إبراهيم: لا بأس (٦) أن يهدي لها، ويقوم بشغلها في العدة إذا كانت من شأنه (٧).

стр. 2883

وروى ابن عون (١)، عن محمد (٢)، عن (٣) عبيدة (٤) في هذِه الآية قال: يقول لوليها: لا تسبقني بها (٥). قال مجاهد: قال رجل لامرأة في جنازة زوجها: لا تسبقيني بنفسك، قالت: قد سُبِقْتَ (٦). وروى ابن المبارك (٧) عن عبد الرحمن بن سليمان (٨)، عن خالته سُكَيْنة بنت

стр. 2884

حنظلة (١) قالت: دخل على أبو جعفر: محمد بن علي، وأنا في عدتي، فقال: يا بنت حنظلة أنا مَنْ (٢) قد علمتِ (٣) قرابتي من رسول الله ﷺ ، وحق جدي على، وقدمه في الإسلام. فقلت: غفر الله لك يا أبا جعفر

стр. 2885

أتخطبني وأنا (١) في عدتي، وأنت يؤخذ عنك؟ ! فقال: أو قد فعلت، إنما أخبرتك بقرابتي من (رسول الله) (٢) ﷺ ، وموضعي منه (٣)، قد دخل رسول الله ﷺ على أمِّ سلمة، وكانت عند ابن عمها أبي سلمة (٤)، وتوفي عنها زوجها، فلم يزل رسول الله ﷺ يذكر لها منزلته من الله، وهو متحامل على يده حتَّى أَثَّرَ الحصير في يده من شدة تحامله على يده فما كانت تلك خطبة (٥).

стр. 2886

وقال ابن زيد في هذِه الآية: كان أبي يقول: كل شيء كان دون أن يعزما عقدة (١) النِّكَاح فهو ما قال الله : ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (٢). والخِطبة: التماس النِّكَاح، وهو مصدر قولك: خَطَبَ الرجلُ المرأةَ يَخْطُبُهَا خِطْبَةً وخِطْبًا. وقال قوم: هي مثل الجِلسةِ، والقِعدةِ، والركبةِ، ومعنى (٣) قولهم (٤): خطب فلان فلانة: سألها خطبةً إليها في نفسها، أي: حاجَتَهُ (٥) وأَمْرَه، من قولهم (٦): ما خَطْبُكَ؟ أي (٧): حاجتُك وأمرُك، قال الله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾ (٨). وقال الأخفش: الخِطبة: الذِّكر، والخطبة: التشهد (٩). فيكون

стр. 2887

معناه: فيما عرضتم به من ذكر النساء عندهن. ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ﴾: أسررتم (١) وأضمرتم ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ من خطبتهن ونكاحهن، يقال: كَنَنْتُ الشيء وأكننتُه، لغتان. وقال ثعلب: أكننت الشيء: أخفيته في نفسي، وكننته: سترته (٢). قال السدي: هو أن يدخل فيسلم، ويهدي إن شاء، ولا يتكلم بشيء (٣). ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ أي: بقلوبكم. وقال الحسن: يعني: الخطبة (٤) ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ قال بعضهم: هو الزنا، وكان الرجل يدخل على (٥) المرأة من أجل (٦) الرِّيبة (٧)، وهو يُعَرِّض بالنِّكَاح، فيقول لها: دعيني، فإذا وفيت (٨) عدتك أظهرت نكاحك، فنهى الله عن (٩)،

стр. 2888

ذلك (١)، هذا (٢) قول الحسن (٣) وقتادة (٤) وإبراهيم (٥) وجابر بن زيد وأبي مجلز (٦) والضحاك (٧)،

стр. 2889

والربيع (١) وعطاء (٢)، وهي رواية عطية عن ابن عباس (٣). يدل عليه قول الأعشى (٤): ولا تَقْرَبَن (٥) جارة إنَّ سِرَّها ... عليك حرامْ فانكحنْ أو تأبَّدَا وقال الحطيئة (٦): ويَحْرُمُ سِرُّ جارتهِم عليهم ... ويأكُلُ جارُهُم أَنْفَ القِصَاعِ وقال مجاهد: هو قول الرجل للمرأة: لا تفوتيني بنفسك فإني ناكحك (٧).

стр. 2890

وقال الشعبي والسدي: لا يأخذ ميثاقها أن لا (١) تنكح غيره (٢). قال عكرمة: لا يخطبها في العدة (٣). وقال سعيد بن جبير: لا تقاضها (٤) على كذا وكذا من المال على لا تتزوج غيرك (٥). وهذِه التأويلات كُلُّها متقاربة، والسر على هذِه الأقوال النِّكَاح،

стр. 2891

قال امرؤ القيس (١): ألا زَعَمَتْ بَسْبَاسة (٢) اليوم (٣) أنَّني ... كَبِرْتُ وأن لا يُحْسِنُ (٤) السِّرَّ أمثالي وقال الأعشى (٥): فلم يطلبوا سِرَّها للغِنَى ... ولم يُسْلِموها لإزْهادِهَا أي: نكاحها. وقال الكلبي: ولا تواعدوهن سرًّا؛ أي: لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع، فيقول لها: آتيك (٦) الأربعة، والخمسة، وأشباه ذلك (٧). وعلى هذا القول السر: هو الجماع نفسه (٨).

стр. 2892

قال الفرزدق (١): موانعُ للأسرار إلا من اهلها ... ويُخْلِفْنَ ما ظن الغَيور المُشَفْشفُ (٢) يعني: أنهن عفائف يمنعن الجماع إلا من أزواجهن، وقال رؤبة (٣): فَعَفَّ عن أَسْرارِهَا بعد العَسَقْ ... ولم يُضِعْهَا بين فِرْكٍ وعَشَق يعني: عَفَّ عن غشيانها بعد ملازمته (٤) لذلك. وقال زيد بن أسلم: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ أي: لا تنكحوهن (٥) سرًّا، ثم تمسكها حتى إذا حلت أظهرت ذلك وأدخلتها (٦). وأصل

стр. 2893

السر: ما أخفيته في نفسك، وإنما قيل للنكاح، والزنا، والجماع: سر؛ لأنه (١) يكون بين الرجل والمرأة في خفاء. ويقال أيضًا للفرج: سر؛ لأنه لا يظهر، وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي (٢): لَمَّا رأَتْ سِرِّي تَغَيَّرَ وانْحَنَى ... من بعد نَهْمَةِ نشره (٣) حين انْثَنَى ثم استثنى سبحانه (٤) فقال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قيل: عدة جميلة. وقال مجاهد: هو التعريض (٥)، من غير أن يصرح ويبوح. و (أن) في محل النصب بدلًا من السر. قال عبد الرحمن بن زيد: هذا كله منسوخ بقوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (كله جائز) (٦) إلا النكاح فقط (٧).

стр. 2894

(قوله ) (١): ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ أي: لا تصححوا عقدة (٢) النكاح. وقال الزجاج: ولا تعزموا على (٣) عقدة النكاح، كما يقال: ضُرب زيدٌ الظهرَ والبطنَ، يراد (٤) على الظهر والبطن (٥). قال عنترة (٦): ولقد أبيتُ على الطَّوى (٧) وأظلُّهُ ... حتى أنالَ به كريمَ المطعمِ أي: وأظل عليه. ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ أي: حتى (٨) تنقضي العدة وإنما سماها كتابًا؛ لأنها فرض من الله كقوله سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ فخافوا الله

стр. 2895

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ لا يعجل بالعقوبة (١)، تقول العرب: ضع الهودج على أحلم الجمال. ٢٣٦ - (قوله ) (٢): ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية. نزلت في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة، ولم يسم لها مهرًا، ثم طلقها قبل أن يمسها؛ فأنزل الله هذِه الآية، فلما نزلت قال له (٣) رسول الله ﷺ : "متعها ولو بقلنسوتك" (٤). فذلك قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾: تجامعوهن (٥). قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (تماسوهن)

стр. 2896

بالألف (١) على المفاعلة (٢)، لأن بدن كل واحد منهما يلاقي بدن صاحبه ويتماسان جميعًا، دليله قوله : ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٣). وقرأ الباقون ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ بغير ألف؛ لأن الغشيان إنما هو من فعل الرجل، دليله قوله: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ (٤). ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أي: توجبوا لهن صداقًا، يقال: فرض السلطان لفلان؛ أي: أثبت له رزقه (في الديوان) (٥). فإن قيل: ما الوجه في نفي الجناح عن المطلِّق، وهل (٦) على الرجل جناح لو طَلَّقَ بعد (٧) المسيس فيوضع عنه قبل المسيس؟ قيل: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ما بال أقوام (٨) يلعبون بحدود الله يقولون: طلقتك،

стр. 2897

راجعتك" (١). وقال ﷺ : "لا تطلقوا نساءكم إلا عن ريبة، فإن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات" (٢).

стр. 2898

وقال ﷺ : "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" (١).

стр. 2899

وقال: "إن الله يبغض كل مطلاقٍ مذواق" (١). فلما قال (رسول الله ﷺ ) (٢) هذا ظنوا أنهم يأثمون في (٣) ذلك، فأخبر الله تعالى أنه لا جناح في تطليق النساء إذا كان على الوجه المندوب، وربما كان الفراق أروح من الإمساك.

стр. 2900

وقيل: معنى قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: لا سبيل عليكم للنساء إن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن (١)، ولم تكونوا فرضتم لهن فريضة في اتباعكم (٢) بصداق ولا نفقة. وقيل: معناه لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن (٣)، أي (٤): في أي وقت شئتم؛ لأنه لا سنة في طلاقهن، وللرجل أن يطلقهن إذا لم يكن مسهن (حائضات، أو طاهرات) (٥)، أو في (٦) كل وقت أحب، وليس كذلك في المدخول بها؛ لأنه ليس لزوجها طلاقها إن كانت من أهل الأقراء إلا للعدة (٧) طاهرًا في طهر لم تجامع فيه، فإن طلقها حائضًا أساء، ووقع الطلاق (٨). ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي: زَوِّدوهن، وأعطوهن من مالكم ما يتمتعن به. والمتعة، والمتاع: ما يُتَبَلَّغ (٩) به من الزاد.

стр. 2901

﴿عَلَى الْمُوسِعِ﴾ أي: على (١) الغني ﴿قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ﴾ أي (٢): الفقير ﴿قَدَرُهُ﴾ أي (٣): إمكانه، وطاقته. وقرأ أبو جعفر، وحفص، وحمزة، والكسائي، وخلف، وا بن ذكوان (٤) بفتح الدال فيهما (٥)، واختاره أبو عبيد قال: لما فيها (٦) من الفخامة. وقرأ الآخرون بجزم الدال فيهما، واختاره أبو حاتم. وهما لغتان،

стр. 2902

وقد نطق بهما القرآن، فتصديق الفتح قوله: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ (١) وتصديق الجزم قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٢). وتقول العرب: القضاء والقَدَر. وقال أبو زيد (٣) الأنصاري: ومنهم من يقول (٤): القضاء والقَدْر، بتسكين الدال (٥). قال الشاعر (٦): وما صَبَّ رِجْلِي في حديدِ (٧) مُجَاشعٍ ... مَعَ القَدْر إلا حاجَةٌ لي أُرِيدُهَا وقال بعضهم: (القدْر: المصدر) (٨)، والقدَر: الاسم (٩). ﴿مَتَاعًا﴾ نصب على المصدر؛ أي: متعوهن متاعًا. ويجوز أن

стр. 2903

يكون نصبًا على القطع؛ لأن المتاع (١) نكرة، والقدر معرفة (٢). ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي (٣): بما أمركم الله به (٤) من غير ظلم، ولا مطل ﴿حَقًّا﴾ نصب على المصدر، تقديره: أحقكم (٥) حقًّا. وقيل: على القطع (٦). ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (٧). القول في حكم الآية: قال المفسرون: هذا في الرجل يتزوج المرأة، ولا يُسَمي لها (٨) صَدَاقًا، فيطلقها (٩) قبل أن يَمَسَّها، فلها المتعة، ولا فريضة لها بإجماع العلماء (١٠).

стр. 2904

واختلفوا في متعة المطلقة مما (١) عدا ذلك. فقال قوم: لكل مطلقة متعةٌ كائنة من (٢) كانت، وعلى أي وجه وقع الطلاق، فالمتعة واجبة (٣) يُقْضَى بها من (٤) مال المطلق كما يقضى عليه بسائر الديون الواجبة عليه (٥)، سواء دخل بها (٦)، أو لم يدخل، فرض لها، أو لم يفرض إذا كان الطلاق من جهته (٧)، فإذا كان الفراق من قبلها (٨)، فلا متعة لها، ولا مهر، وهو قول: الحسن (٩)، وسعيد بن جبير (١٠)،

стр. 2905

وأبي العالية (١)، واختيار محمد بن جرير الطبري، قال: لقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٢) فأوجب المتعة لجميع المطلقات ولم يفرق (٣). ويكون معنى الآية على هذا القول: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن (٤)، وقد فرضتم لهن فريضة، أو لم تفرضوا لهن فريضة؛ لأن كل منكوحة إنما هي إحدى ثنتين، إما (٥) مُسَمَّى لها الصداق، أو غير مسمى لها، فعلمنا (٦) بالذي (نتلو من ذلك من قوله) (٧): ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أن المعنية بقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ المفروضات (٨) لهن من قبل أن تمسوهن، وغير المفروض لها (٩)، إذ لا معنى لقول القائل: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء (ما لم تمسوهن أو) (١٠) (ما لم

стр. 2906

تفرضوا (١) لهن فريضة) (٢)، ثم قال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ يعني: الجميع (٣). وقال آخرون: المتعة واجبةٌ لكل مطلقة سوى المطلقة المفروض لها إذا طلقت قبل الدخول بها (٤)، (فإنه لا متعة لها) (٥)، وإنما لها نصف الصداق المسمي. وهو قول: عبد الله بن عمر (٦)، ونافع (٧)، وعطاء (٨)، ومجاهد (٩)،

стр. 2907

ومذهب الشافعي (١)، ويكون وجه الآية على هذا القول: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة، الألف زائدة كقوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (٢) ونحوها. ثم أمر بالمتعة لهن، ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ راجعًا إلى المطلقات غير المفروضات لهن (٣) قبل المسيس دون المفروضات لهن (٤)، ويكون قوله في عقبه (٥): ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٦) مخصصًا له، فيجري في أول الآية على ظاهر العموم في المفروضات وغير المفروضات، وفي قوله (٧): ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ على التخصيص في غير المفروضات للآية التي بعدها.

стр. 2908

وقال الزهري: متعتان يقضي بإحداهما (١) السلطان، ولا يقضي بالأخرى؛ بل يلزمه فيما بينه وبين الله، فأما التي (٢) يقضي بها السلطان، فهو فيمن (٣) طلق امرأته (٤) قبل أن يفرض لها، ويدخل بها، فإنه يؤخذ بالمتعة، وهو قوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. والمتعة التي تلزمه فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يقضي بها السلطان، (هي (٥) فيمن طلق بعد ما يدخل) (٦) بها، ويفرض لها، وهي (٧) قوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٨). وقال بعضهم: ليس شيء من ذلك بواجب، وإنما المتعة إحسان، والأمر بها أمر ندب واستحباب، لا أمر فرض وإيجاب، وهو قول أبي حنيفة (٩). (روى ابن) (١٠) سيرين أن رجلًا طلق امراته، وقد دخل

стр. 2909

بها (١)، فخاصمته إلى شريح في المتعة، فقال شريح: لا تأبَ أن تكون من المحسنين، ولا تأبَ (٢) أن تكون من المتقين، ولم يجبره على ذلك (٣). واختلفوا في (قدر المتعة) (٤) ومبلغها، فقال ابن عباس (٥)، والشعبي (٦)، والزهري (٧)، والربيع بن أنس (٨): أعلاها خادم،

стр. 2910

وأوسطها ثلاثة أثواب: درع، وخمار، وإزار، ودون ذلك وقاية (١)، أو شيء من الورق، وهذا (٢) مذهب الشافعي، قال: أعلاها على (٣) الموسع خادم، وأوسطها ثوب، وأقلها أقل ما له ثمن (٤)، (قال: وحسن) (٥) ثلاثون درهمًا (٦). وكان شريح يُمَتِّعُ بخمسمائة درهم (٧). ومَتَّعَ (٨) عبد الرحمن بن عوف أمَّ أبي سلمة (٩) حين طلقها جاريةً
следующие страницы →