← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

ثم استثنى فقال ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ قرأ ابن عباس، وابن أبي إسحاق، وسليمان التيمي، وأبو الجوزاء، وأبو جعفر (١)، وشيبة، ونافع، وابن كثير (٢)، وأبو بَحْريَّهَ (٣)، وأبو عمرو وأيوب (غَرفة) بفتح الغين. وقرأ الباقون بضمة (٤)، وهي قراءة عثمان (٥). وهما لغتان (٦).

стр. 3117

وقال الكسائي وأبو عبيد (١): الغُرفة بالضم (٢) الذي يحصل (٣) في الكَفِّ من الماء إذا غرف، والغَرفة: الاغتَراف (٤)، فالضم اسم، والفتح مصدر. وقال أبو حاتم (٥): الغُرفة بالضم ملء الكف؛ أو ملء المغرفة (٦)، والغَرفة (٧): المرة الواحدة في القليل والكثير (٨). قوله تعالى (٩): ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ نصب على الاستثناء. وقرأ ابن مسعود (قليل) (١٠) بالرفع (١١)، كقول الشاعر:

стр. 3118

وكل أخ مُفَارقُهُ أخوهُ ... لعمرُ (١) أبيك إلّا الفرقدانِ وكل قرينةٍ قُرِنتْ بأخرى ... وإن ضَنَّت بها يتفرقانِ (٢) واختلفوا في القليل الذين لم يشربوا. فقال السدي: كانوا أربعة آلاف (٣). وقال غيره: ثلاثمائة وبضعة عشر. وهو الصحيح، يدل عليه قول البراء بن عازب: قال لنا رسول الله ﷺ يوم بدر: "أنتم اليوم على عدة (٤) أصحاب طالوت حين عبروا النهر، وما جاز (٥) معه إلا مؤمن" قال: وكنا يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا (٦).

стр. 3119

قالوا: فمن اغترف غرفة كما أمره الله تعالى قوي قلبه، وصح إيمانه، وعبر النهر سالمًا، وكفته تلك الغرفة الواحدة لشربه، وحمله، ودوابه، والذين شربوا وخالفوا أمر الله اسودّت شفاههم، وغلبهم العطش فلم يرووا، وبقوا على شط النهر، وجبنوا عن لقاء العدو (١)، ولم يشهدوا الفتح. ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ﴾ يعني: النهر. ﴿هُوَ﴾ يعني: طالوت. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ يعني: القليل ﴿قَالُوا﴾ يعني: الذين شربوا، وخالفوا أمر الله، وكانوا أهل شك، ونفاق: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ وانصرفوا عن طالوت (٢)، ولم يشهدوا قتال (٣) جالوت. ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ يوقنون، ويعلمون ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ وهم القليل الذين

стр. 3120

ثبتوا (١) مع طالوت: ﴿كَمْ﴾. وقرأ أبي: (كأيّن) (٢). ﴿مِنْ فِئَةٍ﴾ جماعة، وهي جمع لا واحد له من لفظه، وجمعها: فئات، وفئون في الرفع، وفئين بالنصب والخفض (٣). ﴿قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ معينهم وناصرهم. قال الزجاج: إنما قيل للفرقة: فئة من (٤) فَأَوْتُ رأسَه بالعصا، وفأيْتُهُ؛ إذا شققته؛ كأنها قطعة (٥). ٢٥٠ - ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا﴾ (يعني: طالوت وجنوده المؤمنين) (٦) ﴿لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ المشركين، ومعنى ﴿بَرَزُوا﴾: صاروا بالبَرَاز من الأرض، وهو ما ظهر واستوى (٧). ﴿قَالُوا﴾ وهم أهل البصيرة (٨) والطاعة. ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ﴾ أي: أنزل، واصبب ﴿عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ كما تفرغ الدلو. ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ قوِّ قلوبنا. ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ وفي الآية إضمار؛ تقديرها: فأنزل الله عليهم صبرًا ونصرًا. * * *

стр. 3121

الكشف والبيان عن تفسير القرآن تأليف أبي إسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبي المتوفى سنة ٤٢٧ هـ أشرف على إخراجه د/ صلاح باعثمان - د/ حسن الغزالي - أ. د/ زيد مهارش - أ. د/ أمين باشه [المجلد السابع] [سورة البقرة ٢٥١ - ٢٨٦] تحقيق أ. د/ ناصر بن محمد المنيع

стр. 3122

السيرة الذاتية للمحقق أ. د/ ناصِر بن محمَّد المنيع أستاذ بجامعة الملك سعود -كلية التربية- قسم الثقافة الإسلامية. حصل على درجة الدكتوراه في تخصص التفسير وعلوم القرآن من جامعة أم القرى - كلية الدعوة وأصول الدين. بعض من المناصب الإدارية التي شغلها: رئيس تحرير مجلة تطوير الدراسات القرآنية بمركز تفسير. عضوية الهيئات العلمية منها: عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه. عضو هيئة التحرير في مجلة الدراسات الإسلامية بكلية التربية جامعة الملك سعود. له مؤلفات منشورة أهمها: ١ - قتلى القرآن - دراسة تحقيق. كتاب مطبوع. ٢ - هارون بن موسى الأعور منزلته وآثاره في علم القراءات. كتاب مطبوع. ٣ - معالم في أصول التفسير كتاب مطبوع. ٤ - أبو صالح باذام مولى أم هانئ وتفسيره من رواية إسماعيل بن أبي خالد عنه. بحث منشور مركز إحياء التراث الإسلامي - جامعة أم القرى. ٥ - الدرر الحسان في حل مشكلات قوله تعالى الآن للرميلي دراسة وتحقيق. بحث منشور مجلة الجمعية العلمية للقرآن وعلومه. الرياض. ٦ - التفسير الموضوعي في الرسائل العلمية دراسة ونقد. بحث منشور في كتاب مؤتمر التفسير الموضوعي واقع وآفاق كلية الشريعة جامعة الشارقة. ٧ - المستشرق الألماني بيرجشتراسر وآثاره في الدراسات القرآنية ومنهجه فيها. بحث منشور في مجلة جامعة الملك سعود - العلوم الإسلامية والتربوية. ٨ - حديث أبي بن كعب في فضائل السور وموقف المفسرين منه. بحث منشور في مجلة معهد الإمام الشاطبي- جدة * * *

стр. 3123

الْكَشْفُ وَالْبَيَانُ عَن تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ [٧]

стр. 3124

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة رَقم الْإِيدَاع بدَارِ الْكتب ١٥١٥٤/ ٢٠١٣ الطَّبعَةُ الأولى ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م دَار التَّفْسِير جدة - المملكة الْعَرَبيَّة السَعوديَّة شَارِع مَحْمُود نصيف - حَيّ الأندلس ص. ب: ١٢٢٤٩٧ - جدة: ٢١٣٣٢ تلفاكس: ٦٦٨٨٨٢٣ - ٠١٢

стр. 3125

سُورَة الْبَقَرَة ٢٥١ - ٢٨٦

стр. 3126

٢٥١ - (قوله: (١): ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ صفة قتل داود جالوت. قال المفسرون بألفاظ مختلفة، ومعان متفقة: عُبر النهر مع (٢) طالوت، وفيمن عبر إيشا أبو داود في ثلاثة عشر ابنا له، وكان داود أصغرهم، فأتاه ذات يوم، فقال (٣): يا أبتاه ما أرمي بقَذَّافتي (٤) شيئًا إلا صرعته (٥) فقال: أبشر يا بني؛ فإن الله جعل رزقك في قذّافتك، ثم أتاه مرة أخرى، فقال: يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال، فوجدت (٦) أسدًا رابضًا، فركبته، وأخذت بأذنه (٧) فلم يَهِجْني (٨)؟ ! فقال (٩): أبشر يا بني؛ فإن هذا خير يريده الله بك، ثم أتاه يومًا آخر، وقال: يا أبتاه (١٠) إني لأمشي

стр. 3127

بين الجبال، فأُسبِّح (١) فما يبقى جبل إلا سبّح (٢) معي، فقال: أبشر يا بني؛ فإن (٣) هذا خير أعطاكه الله . قالوا (٤): فأرسل جالوت إلى طالوت أن ابْرُز إليّ، أو أَبرِز إليّ من يقاتلني، فإن قتلني فلكم ملكي، وإن قتلته فلي ملككم، فشق ذلك على طالوت، فنادى في عسكره: مَن قتل جالوت زوّجته بنتي (٥)، وناصفته ملكي، فهاب الناس جالوت، فلم يجبه أحد (٦). فسأل طالوت نبيهم ﵇ (٧) أن يدعو؟ فدعا الله في ذلك (٨)، فأتي بقرن فيه دهن القدس، وتَنُّور من حديد، وقيل (٩) له (١٠): إن صاحبكم الذي يقتل جالوت هو الذي يوضع هذا القرن على رأسه، فيغلي الدهن، (ثم يدهن به) (١١) رأسه، ولا يسيل على وجهه؛ يكون على رأسه كهيئة الإكليل (١٢)، ويدخل في هذا التنور

стр. 3128

فيملؤه (١) ولا (٢) يتقلقل (٣) فيه (٤)، فدعا طالوت بني إسرائيل، فجربهم، فلم يوافقه (٥) منهم أحد (٦). فأوحى الله إلى نبيهم: أنَّ في ولد إيشا من يقتل الله به جالوت، فدعا طالوت إيشا، وقال له: أعرض عليّ (٧) بنيك (٨)، فأخرج له اثني (٩) عشر رجلًا أمثال السواري، وفيهم رجل بارع عليم (١٠)، فجعل يعرضهم على القرن، فلا يرى (١١) شيئًا، فيقول لذلك الجسيم (١٢): ارجع، فيرده (١٣) عليه، فأوحى الله إليه: أنا لا نأخذ الرجال على صورهم؛ ولكنا نأخذهم على صلاح (١٤)

стр. 3129

قلوبهم (١)، فقال (٢) لإيشا: هل بقي لك (٣) ولد غيرهم؟ فقال (٤): لا. فقال النبي: رب (٥) زعم أن (٦) لا ولد له غيرهم. فقال: كذب. فقال النبي ﷺ : إن ربي (٧) كذّبك. قال: صدق الله يا نبي الله، إن لي ابنا صغيرًا، يقال له: داود استحييت أن يراه الناس؛ لقصر قامته، وحقارته، فخلفته (٨) في الغنم يرعاها، وهو في شعب كذا (٩)، وكان داود ﵇ رجلًا (١٠) قصيرًا، مِسْقامًا، مصفارًا، أزرق (١١)، أثغر (١٢)، فدعاه طالوت، ويقال: بل خرج طالوت إليه، فوجد

стр. 3130

الوادي قد سال بينه وبين الزريبة التي كان يريح إليها (١)، فوجده يحمل شاتين شاتين يجيزهما (٢) السيل، ولا يخوض بهما الماء، فلما رآه (٣) قال (٤): هذا هو (٥) لا شك فيه، هذا (٦) يرحم البهائم، فهو بالناس أرحم، فدعاه، ووضع القرن على رأسه، ففاض، فقال له طالوت: هل لك أن تقتل جالوت، وأزوجك ابنتي، وأجري خاتمك في ملكي (٧)؟ قال: نعم. قال: وهل آنَسْتَ من (٨) نفسك شيئًا تتقوى به على قتله؟ قال: نعم أنا أرعى (٩)، فيجيء الأسد، أو النمر، أو الذئب (١٠) فيأخذ شاة، فأقوم له (١١)، فأفتح لحييه عنها، وأخرقهما

стр. 3131

إلى قفاه. فرده (١) إلى عسكره (٢)، فمر داود ﵇ في الطريق (٣) بحجر، فناداه: يا داود احملني؛ فإني (٤) حجر هارون الذي قتل به (٥) ملك كذا، فحمله في مخلاته، ثم مر بحجر آخر، فناداه: يا داود احملني؛ فإني (٦) حجر موسى الذي قتل به (٧) ملك كذا، فحمله في مخلاته، (ثم مر) (٨) بحجر آخر، فقال له (٩): احملني؛ فإني حجرك الذي تقتل به (١٠) جالوت، وقد خبأني الله تعالى لك، فوضعه (١١) في مخلاته. فلما تَصَافّوا للقتال، وبرز جالوت وسأل المبارزة انتدب له (١٢) داود، فأعطاه طالوت فرسًا، ودرعًا، وسلاحًا، فلبس السلاح،

стр. 3132

وركب الفرس، فسار (١) قريبًا، ثم انصرف، فرجع إلى الملك، فقال من حوله: جبن الغلام. فجاء فوقف على الملك، فقال: ما شأنك؟ قال (٢): إن الله تعالى إن (٣) (لم ينصرني لم يغن عني (٤) هذا السلاح شيئًا) (٥)، فدعني أقاتل كما أريد. قال: نعم، فأخذ داود (٦) مخلاته، فتقلدها، وأخذ المقلاع، ومضى نحو جالوت. وكان جالوت من أشدهم (٧)، وأقواهم، وكان يهزم (٨) الجيوش وحده، وكان له بيضة (٩) فيها (١٠) ثلاثمائة مَنٍّ (١١) حديد، فلما نظر إلى داود أُلْقِيَ في

стр. 3133

قلبه الرعب، فقال له: أنت تبرز إلى (١)؟ ! قال: نعم. وكان جالوت على فرس أبلق عليه السلاح التام. قال: فأتيتني (٢) بالمقلاع، والحجر كما يؤتى الكلب؟ ! قال: نعم، لأنت (٣) شر من الكلب. قال (٤): لا جرم لأقسمن لحمك بين سباع الأرض، وطير السماء. فقال (٥) داود: أو يقسم الله لحمك (٦). فقال داود: باسم إله إبراهيم، وأخرج (٧) حجرًا، (ثم وضعه (٨) في مقلاعه) (٩)، ثم أخرج الآخر (١٠)، وقال: باسم إله إسحاق، ووضعه (١١) في مقلاعه، ثم أخرج الثالث، وقال: باسم إله يعقوب، ووضعه في (١٢) مقلاعه، فصارت (١٣) كلها حجرًا واحدًا، ودوّر المقلاع، ورماه (١٤) به، فسخر الله له (١٥) الريح

стр. 3134

حتى أصاب الحجر أنف البيضة، وخالط دماغه (١)، وخرج (٢) من قفاه، وقتل من ورائه ثلاثين رجلًا، وهزم الله تعالى الجيش، وخر جالوت قتيلًا، فأخذه يجره حتى ألقاه بين يدي طالوت (ففرح المسلمون فرحًا شديدًا، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، والناس يذكرون (٣) داود. ثم جاء (٤) داود ﵇ طالوت (٥)) (٦) فقال له: أنجزني (٧) ما وعدتني، وأعطني امرأتي. فقال له (٨): أتريد ابنة (٩) الملك بغير صداق؟ ! قال داود: ما شرطت عليّ صَداقًا، وليس لي شيء. قال: لا أكلفك إلا ما تطيق، أنت رجل حربي (١٠)، وفي جبالنا أعداء لنا (١١) غُلْف (١٢)، فإذا قتلت

стр. 3135

منهم مائتي رجل، وجئتني (١) بغُلَفِهِم؛ زوجتك ابنتي (٢). فأتاهم، فجعل كلما قتل منهم رجلًا نظم غلْفته في خيط، حتى نظم غلفهم، فجاء بها إلى طالوت، وألقاها (٣) إليه (٤)، وقال: ادفع لي (٥) امرأتي. فزوجه ابنته، وأجرى خاتمه في ملكه. فمال الناس إلى داود، وأحبوه، وأكثروا ذكره، فوجد طالوت من ذلك، وحسده، وأراد قتله، فأخبر بذلك بنت طالوت رجل يقال له: ذو (٦) العينين. فقالت لداود: إنك مقتول الليلة. قال: ومن يقتلني؟ ! قالت: أبي. قال: وهل أجرمت جرمًا؟ قالت: حدثني من لا يكذب (٧)، ولا عليك أن تغيب الليلة حتى تنظر مصداق ذلك. فقال: لئن كان أراد ذلك لا (٨) أستطيع خروجًا، ولكن ائتيني بزق

стр. 3136

من خمر، فأتته (١) به، فوضعته (٢) في مضجعه (على السرير) (٣)، وسجاه، ودخل تحت السرير. فدخل طالوت نصف الليل وأراد أن يغتال (٤) داود، فقال لها: أين بعلك؟ قالت: هو نائم على السرير، فضربه ضربة بالسيف (٥)، فسال الخمر، فلما وجد ريح الشراب قال (٦): يرحم (٧) الله داود ما أكثر (٨) شربه للخمر! وخرج. فلما أصبح علم أنه لم يفعل شيئًا، فقال: إنَّ رجلًا طلبت منه ما طلبت لخليق أن لا يدعني حتى يدرك مني ثأره (٩)، فاشتد حجابه، وحراسه، وأغلق دونه أبوابه. ثم إن داود أتاه ليلة، وقد هدأت العيون، فأعمى (١٠) الله تعالى الحجبة عنه (١١)، وفتح (١٢) الأبواب، فدخل عليه، وهو نائم

стр. 3137

على (١) فراشه، فوضع سهمًا عند رأسه، وسهمًا عند رجليه (٢)، وسهمًا عن يمينه، وسهمًا عن شماله، ثم خرج. فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها، فقال: يرحم الله داود هو (٣) خير مني، ظفرت به، فقصدت قتله، وظفر بي، فكف عني، ولو شاء لوضع هذا السهم في حلقي، وما أنا بالذي آمنه. فلما كانت (٤) القابلة أتاه ثانيًا، وأعمى الله الحجاب (٥)، فدخل عليه وهو نائم، فأخذ إبريق طالوت الذي كان يتوضأ منه، وكوزه الذي كان يشرب منه، وقطع شعرات من لحيته، وشيئًا من هدب ثيابه، ثم خرج وهرب، وتوارى. فلما أصبح طالوت، ورأى ذلك؛ سلّط (على داود) (٦) العيون، وطلبه أشد الطلب، فلم يقدر عليه. ثم إن طالوت ركب يومًا فوجد داود يمشي في البرية، فقال طالوت (٧): اليوم أقتل داود أنا (٨) راكب وهو ماش، وكان داود إذا

стр. 3138

فزع لم يُدْرَك، فركض طالوت (١) على إثره (٢) فاشتد داود، فدخل غارًا، فأوحى الله تعالى إلى العنكبوت، فنسجت عليه بيتًا، فلما انتهى طالوت إلى الغار، ونظر إلى بناء العنكبوت، فقال (٣): لو كان دخل (٤) هاهنا لخرق (٥) بناء العنكبوت، فتركه، ومضى. وانطلق داود، وأتى الجبل مع المتعبدين، فتعبد فيه. وطعن العلماء، والعباد على طالوت في شأن داود، فجعل طالوت لا ينهاه أحد عن قتل داود إلا قتله، وأَغْرى بقتل العلماء، فلم يكن يقدر على عالم في بني إسرائيل (٦) يطيق (٧) قتله إلا قتله، ولم يكن (٨) يحارب جيشًا إلا هُزِم (٩). حتى أُتي بامرأة تعلم اسم الله الأعظم، فأمر جباره (١٠) بقتلها، فرحمها الجبار (١١)، وقال: لعلنا نحتاج إلى عالم، فتركها.

стр. 3139

فوقع في قلب طالوت التوبة (١)، وندم على ما فعل (٢)، وأقبل على البكاء حتى رحمه الناس، وكان كل ليلة يخرج إلى القبور، فيبكي، وينادي: أنشد الله عبدًا يعلم أن لي توبة إلا أخبرني بها. فلما أكثر عليهم ناداه مناد من القبور: يا طالوت أما (٣) ترضى أن قتلتنا (٤) حتى تؤذينا أمواتًا. فازداد بكاءً، وحزنًا، فرحمه الجبار، فكلمه فقال: ما لك أيها الملك؟ ! فقال: هل (٥) تعلم لي (٦) في الأرض عالمًا أسأله هل لي من توبة؟ فقال له (٧) الجبار: هل تدري ما مثلك؟ (إنما مثلك) (٨) مثل ملك نزل قريةً عِشاءً، فصاح الديك، فتطير منه (٩)، فقال: لا تتركوا في القرية ديكًا إلا ذبحتموه، فلما (١٠) أراد أن ينام، قال لأصحابه: إذا صاح الديك، فأيقظونا حتى ندلج، فقالوا له: وهل تركت (١١) ديكًا يُسمع صوته؟ ! ولكن (١٢) هل

стр. 3140

تركت عالمًا في الأرض؟ ! فازداد (١) حزنًا، وبكاء. فلما رأى الجبار ذلك (٢) قال: أرأيت (٣) إن دللتك على عالم لعلك أن (٤) تقتله. قال: لا (٥). فتوثق عليه الجبار، وأخبره (٦) أن المرأة العالمة عنده. قال: انطلق بي إليها؛ أسألها: هل (٧) لي من توبة (٨)؟ وكان إنما يعلم ذلك الاسم (٩) أهل بيت (١٠)، إذا فنيت (١١) رجالهم علمت نساؤهم. فلما بلغ طالوت الباب، قال الجبار: أيها الملك (١٢) إنها (١٣) إن رأتك فزعت، فخلّفه خلفه، ثم دخل عليهم، فقال لها (١٤): ألست أعظم الناس عليك منةً أنجيتك من القتل، وآويتك عندي؟

стр. 3141

قالت: بلى. قال: فإن لي إليك حاجة، هذا طالوت يسأل: هل له (١) من توبة؟ فغشي عليها من الفَرَق. فقال لها: إنه لا يريد قتلك، ولكن (٢) يسألك؛ هل له من (٣) توبة؟ فقالت: لا والله؛ لا أعلم لطالوت توبة، ولكن هل تعلمون مكان قبر نبي. فانطلق بها إلى قبر أشمويل، فصلت، ودعت، ثم نادت صاحب القبر، فخرج أشمويل من القبر ينفض رأسه من (٤) التراب، فلم انظر إليهم ثلاثتهم: المرأة، وطالوت، والجبار، قال: ما لكم أقامت القيامة؟ قالت: لا (٥)، ولكن طالوت يسألك: هل له من (٦) توبة؟ قال أشمويل: يا طالوت ما فعلت بعدي؟ قال: لم أدع من الشر شيئًا (٧) إلا فعلته، وجئت أطلب التوبة. قال: كم لك من الولد؟ قال: عشرة (٨) رجال. قال: ما أعلم لك توبة (٩)، إلا أن تتخلى (١٠) من

стр. 3142

ملكك، وتخرج أنت وولدك في سبيل الله، ثم تقدم ولدك حتَّى يقتلوا بين يديك (١)، ثم تقاتل أنت حتَّى تقتل في (٢) آخرهم، ثم رجع أشمويل إلى القبر وسقط ميتًا. ورجع طالوت أحزن ما (٣) كان رهبةً (٤) أن لا يتابعه ولده، وقد بكى حتَّى سقطت أشفار عينيه، ونحل جسمه، فدخل عليه أولاده فقال لهم: أرأيتم لو دُفِعتُ إلى النار هل كنتم تفدونني؟ قالوا: بلى (٥) نفديك بما قدرنا (٦) عليه. قال: فإنها النار إن لم تفعلوا ما أقول لكم. قالوا: فاعرض علينا، فذكر لهم القصة، قالوا: وإنك لمقتول. قال: نعم. قالوا: فلا خير لنا في الحياة بعدك، طابت (٧) أنفسنا بالذي سألت، فتجهز بماله وولده، فقدم ولده، وكانوا عشرة، فقاتلوا (٨) حتَّى قتلوا بين يديه (٩)، ثم شد هو بعدهم حتَّى قتل. فجاء قاتله إلى داود ﵇ ليبشره (١٠)، فقال له (١١): قد قتلت عدوك.

стр. 3143

فقال داود: ما أنت بالذي تحيا بعده، فضرب عنقه. وأتى بنو إسرائيل بداود (١)، فأعطوه خزائن طالوت، وملكوه على (٢) أنفسهم (٣).

стр. 3144

وكان ملك طالوت من أوله إلى أن قُتِل في الغزو مع ولده أربعين سنة (١). قال الضحاك والكلبي: مَلَكَ داود بعد قتل جالوت (٢) بسبع (٣) سنين (٤)، فلم يجتمع بنو إسرائيل على ملك واحد إلا على (٥) داود ﵇ (٦).

стр. 3145

قوله (١) تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ وهو داود ﵇ بن إيشا بن عويد بن ياعر (٢) بن سلمون (٣) بن يخشون بن عمى بن يارب (٤) بن رام (٥) بن خصرون (٦) بن فارض (٧) بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم (٨). وقوله (٩): ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني النبوة ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ قال الكلبي وغيره: يعني صنعة الدروع، والتقدير في السرد، وكان يصنعها، ويبيعها حتَّى اعتقد (١٠) من ذلك مالًا (١١)،

стр. 3146

وكان لا يأكل إلا من عمل يديه (١). ودليله قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ (٢). وقيل: منطق الطير (٣)، وكلام الحُكْل (٤) أي: النمل (٥). وقيل: هو الزبور (٦). وقيل: هو (٧) الصوت الطَيِّب والألحان، ولم يعط الله أحدًا من

стр. 3147

خلقه مثل صوته، كان (١) إذا قرأ الزبور تدنو الوحش حتَّى تُؤخذ بأعناقها، وتُظِلُّه الطير مصيخة له ويركد الماء الجاري، وتسكن الريح، وما صنعت (٢) المزامير (٣)، والبرابط (٤)، والصُّنُوج (٥) إلا على صوته (٦). وروى الضحاك عن ابن عباس قال: هو أن الله تعالى أعطاه سلسلة موصولة بالمجرة والفلك، ورأسها عند صومعة داود ﵇، وكانت قوتها قوة الحديد، ولونها لون النار، وحلقها مستديرة، مفصلة بالجوهر (٧)، مدسرة بقضبان اللؤلؤ الرطب، فلا يحدث في الهواء حدث إلا صلصلت السلسلة، فعلم داود ذلك الحديث، ولا يمسها

стр. 3148

ذو عاهة إلا برئ، وكان (١) علامة دخول قومه في الدين أن يمسوها بأيديهم، ثم (٢) يمسحون (٣) أكفهم على صدورهم، وكانوا يتحاكمون إليها بعد داود ﵇ إلى أن رفعت، فكانوا يأتونها، فمن تعدى على صاحبه، أو أنكر له حقًّا أتى (٤) السلسلة، فمن كان صادقًا محقًّا (٥) مد يده إلى السلسلة، فنالها (٦)، ومن كان كاذبًا ظالمًا (٧) لم ينلها (٨). فكانت كذلك إلى أن ظهر فيهم المكر والخديعة، فبلغنا أن بعض ملوكهم (٩) أودع رجلًا جوهرة ثمينة، فلما استردها (١٠) منه (١١) أنكر، فتحاكما إلى السلسلة، فعلم الَّذي كانت (١٢) عنده الجوهرة أن يده لا تنالها (١٣)، فعمد (١٤) إلى عكازه (١٥)، فنقرها، ثم ضمّنها

стр. 3149

الجوهرة، واعتمد عليها حتَّى حضروا السلسلة، فقال صاحب الجوهرة: رد على الوديعة. فقال (١): ما أعرف لك عندي وديعة (٢)، فإن (٣) كنت صادقًا (٤) فتناول (٥) السلسلة، فتناولها بيده. فقيل للمنكر: قم أنت أيضًا، فتناولها (٦)، فقال لصاحب الجوهرة: خذ عكازتي (٧) هذِه فاحفظها (٨) حتَّى أتناول السلسلة (٩)، فأخذها، فقال الرجل: اللهم إن كنت تعلم أن هذِه الوديعة التي يدّعيها عليَّ قد وصلت إليه، فقرِّب مني السلسلة، فمد يده فتناولها، فتعجب القوم، وشكوا فيها، فأصبحوا، وقد رفع الله السلسلة (من بين أظهرهم) (١٠).

стр. 3150

قوله : ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية (١). قرأ أبو جعفر، وشيبة (٢)، ونافع، ويعقوب، وأيوب: (دفاع الله) بالألف هاهنا، وفي سورة الحج (٣)، واختاره أبو حاتم. وقرأ الآخرون (٤) بغير ألف فيهما، واختاره أبو عبيد قال (٥): لأن الله لا يغالبه أحد، وهو (٦) الدافع وحده (٧). وقال أبو حاتم: وقد يكون الفعل (٨) من واحد، مثل قول (٩) العرب: أحسن (١٠) الله عنك الدفاع، وعافاك الله، وعاقَبَهُ (١١) الله، وناول (١٢) شيئًا (١٣).

стр. 3151

قال ابن عباس ومجاهد: لولا دفع الله بجنود (١) المسلمين، وسراياهم، ومرابطيهم (٢)، لغلب المشركون على الأرض، فقتلوا المؤمنين، وخربوا البلاد والمساجد (٣). وقال سائر المفسرين: لولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار. ﴿لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ لهلكت بمن (٤) فيها. قال رسول الله ﷺ : "يدفع الله بمن يصلي من أمتي عمن لا يصلي، وبمن يزكي عمن لا يزكي، وبمن يصوم عمن لا يصوم، وبمن يحج عمن لا يحج، وبمن يجاهد عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذِه الأشياء ما (٥) أنظرهم (٦) الله طرفة عين" ثم تلا رسول الله ﷺ هذِه الآية (٧).

стр. 3152

[٥٧٢] وحدثني (١) أبو الحسن (٢) بارع بن محمد بن القاسم (٣) الجرجاني (٤)، قال: أنا (٥) أبو أحمد عبد الله بن عدي القطان (٦) الحافظ (٧)، قال: نا عبدان (٨) الأهوازي (٩)، قال: نا هشام بن عمار (١٠)،

стр. 3153

قال: نا عبد الرحمن بن سعد (١) بن (٢) عمار بن سعد (٣)، قال: حدثني مالك بن عَبيدة (٤)، عن أبيه (٥)، عن جده (٦) أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 3154

"لولا عبادٌ لله (١) ركع، وصبية رضع، وبهائم رتع (٢)؛ لصب عليكم العذاب صبًّا (٣)، ثم (٤) يَرُضُّ (٥) رَضُا" (٦).

стр. 3155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →