← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

وقال الغنوي: فإن تكن الأيام أحْسَنَّ مَرَّةً ... إلى فقد عادت لهن ذُنُوب (١) ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ٢٥٨ - قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ أي: خاصم وجادل، وأصلها من الحجة، وهو نمروذ بن كنعان ابن سنجاريب (٢) بن كوش (٣) بن سام بن نوح ﵇ (٤)، وهو أول من وضع التاج على رأسه، وتجبر في الأرض، وادعى الربوبية. ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ أي: لأن آتاه الله الملك، فطغى. وموضع أن نصب بنزع حرف الصفة.

стр. 3257

[٥٩٤] أخبرنا عبد الله بن حامد (١)، قال: أنا محمد بن يعقوب (٢)، قال: نا الحسن بن علي بن عفان (٣)، قال: نا أبو أسامة (٤)، عن العلاء بن عبد الكريم الأيامي (٥)، عن مجاهد (٦)، قال: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران، فأما المؤمنان؛ فسليمان بن داود ﵉، وذو القرنين ﵇، وأما الكافران؛ فنمروذ (٧)، وبُخْتُنَصّر (٨).

стр. 3258

واختلفوا في وقت هذِه المناظرة، فقال مقاتل: لما كسر إبراهيم ﵇ الأصنام سجنه نمروذ، ثم أخرجه؛ ليحرقه بالنار، فقال له (١): من ربك الذي تدعونا إليه (٢)؟ فقال: ربي الذي يحيى ويميت (٣). وقال آخرون (٤): كان (٥) هذا بعد إلقائه في النار (٦). [٥٩٥] أخبرنا عبد الله بن حامد (٧)، (قال: أنا (٨) أحمد) (٩) بن محمد بن يوسف (١٠)، قال: نا عبيد الله بن يحيى (١١)، قال: نا

стр. 3259

يعقوب بن سفيان (١)، قال: نا (٢) عيسى (٣) وسلمة (٤)، قالا (٥): نا عبد الرزاق (٦)، عن معمر (٧)، عن زيد بن أسلم (٨): أن (٩) أول جبار كان في الأرض (١٠) نمروذ بن كنعان، وكان الناس (١١) يخرجون، فيمتارون من عنده الطعام (١٢). فخرج إبراهيم ﵇ يَمتَار مع من يمتار، فإذا مر به أناس، قال: من ربكم؟ قالوا: أنت. حتى مر به إبراهيم ﵇ قال (١٣): من ربك؟ قال (١٤): الذي يحيي ويميت -كما

стр. 3260

ذكر (١) الله قال (٢): فرده بغير طعام، فرجع إبراهيم ﵇ إلى أهله، فمر (على كثيب) (٣) من رمل أعْفَر، فقال (٤): ألا آخذ من هذا، فآتي به أهلي (٥)، فتطيب أنفسهم (٦) حين (٧) أدخل عليهم، فأخذ منه، فأتى أهله. قال (٨): فوضع متاعه، ثم نام، فقامت امرأته إلى متاعه، ففتحته، فإذا هو أجود طعام رآه (٩) أحد (١٠)، فصنعت له (١١) منه، فقربت إليه (١٢)، وكان عهده (١٣) بأهله ليس عندهم طعام، فقال لأهله (١٤): من أين هذا؟ قالت: من الطعام الذي جئت به. فعرف أن الله رزقه، فحمد الله.

стр. 3261

قال (١): ثم بعث الله تعالى مَلَكًا إلى الجبار أن آمن بي، فأتركك على ملكك. فقال نمروذ: وهل (٢) رب غيري؟ فجاءه الثانية، فقال له مثل ذلك، فأبى عليه، ثم أتاه الثالثة، فأبى عليه، وقال: لا أعرف الذي تقول، ألربك جنود؟ قال: نعم. قال: فليقاتلني إن (٣) كان مَلِكًا، (فإن الملوك) (٤) يقاتل بعضهم بعضًا. قال (له المَلَك) (٥): نعم إن شئت. قال: قد شئت. قال: فاجمع جنودك (٦) إلى ثلاثة أيام حتى تأتيك جنود ربي. قال: فجمع الجبار جنوده (٧)، فأوحى الله إلى خزنة البعوض أن افتحوا منها بابًا، (ففتحوا بابًا) (٨) من البعوض، فلما أصبح في اليوم الثالث نظر نمروذ إلى الشمس وقال: ما بالها لا تطلع؟ ! فظن أنها أبطأت. فقال الملك: حال دونها جنود ربي. قال: فأحاطت (٩) بهم البعوض، فأكلت لحومهم، وشربت دماءهم فلم يبق من الناس، والدواب إلا العظام، ونمروذ كما هو لم يصبه شيء، فقال له

стр. 3262

المَلَك: أتؤمن. قال: لا. فأمر الله تعالى بعوضة، فقرصت شفته السفلى، فَحَكَّها، وشريت، وعظمت، ثم قرصت (١) شفته العليا (٢)، فشريت (٣)، وعظمت، ثم دخلت منخريه، وصارت في دماغه، وأكلت من دماغه حتى صارت مثل الفأرة، فمكث (٤) أربعمائة (٥) سنة يُضْرب رأسُهُ بالمطارق، فأرحم الناس به من يجمع يده (٦)، ثم يضرب (٧) بها رأسه (٨). فعذبه الله أربعمائة سنة (كما ملك أربعمائة سنة) (٩).

стр. 3263

﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ وهو جواب سؤالٍ سابقٍ غير (١) مذكور، وتقديره (٢) قال له: من ربك؟ قال (٣): ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. قرأ الأعمش، وحمزة (٤)، وعيسى (٥): (ربي الذي) (٦) بإسكان الياء. وقرأ الباقون بفتحِهِ لمكان الألف واللام (٧). فقال (٨) له نمروذ (٩) ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ قرأ أهل المدينة: (أنآ أحيي) بالمد (١٠)

стр. 3264

في جميع القرآن (١)، وهي (٢) لغة قوم يجعلون (٣) الوصل فيه (٤) كالأصل (٥). وأنشد الكسائي: أَنا سيف العَشيرة فاعرفوني ... حُميدٌ (٦) قد تَذَرَّيت (٧) السَّنَاما (٨) وقال آخر:

стр. 3265

أنا عبيد الله ينميني (١) عُمَرْ ... خيرُ قريش من مضى ومن غبر (٢) والأصل في (أنا) أنَّ بفتح النون، فابْتُغِيَ (٣) لها الوقف، فكتبت ألفًا على نية الوقف، فصار (٤): أنا، وأكثر العرب يقولون في الوقف: أنَهْ. قال أكثر المفسرين: دعا نمروذ برجلين (٥) فقتل أحدهما، واستحيا الآخر، فَسَمَّى ترك القتل إحياءً (٦) كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٧) أي: لم يقتلها. وقال السدي في قوله: ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ قال (٨): أخذ أربعة نفر (٩)، فأدخلهم بيتًا، فلا يُطْعَمُون، ولا يُسْقَون، حتى إذا أشرفوا على الهلاك أطعم اثنين، وسقاهما، فعاشا، وترك (١٠) اثنين فماتا (١١).

стр. 3266

فانتقل إبراهيم ﵇ إلى (١) حجة أخرى لا عجزًا؛ لأن له أن يقول: فَأَحْيِ من أَمَتَّ إن كنت صادقًا؛ بل إيضاحًا للحجة. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ﴾ كل (٢) يوم (٣) ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ أي: تحير، ودهش، وانقطعت حجته (٤)، يقال: رجل مبهوت. قال الشاعر: وما هي إلَّا أن أراها فُجاءةً ... فأَبْهَتُ حتى ما أكادُ أشيرُ (٥) وقرأ محمد بن السميفع (٦): (فَبَهَت الذي كفر) بفتح الباء

стр. 3267

والهاء (١)؛ أي: بَهَتَهُ إبراهيم (٢)، تصديقه (٣) قوله: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ (٤) أي: تدهشهم ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ إلى الحجة. ٢٥٩ - (قوله (٥): ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ وهذا منسوق على معنى الآية الأولى، تقديره (٦): هل رأيت كالذي حاج إبراهيم (٧) في ربه، أو هل رأيت كالذي مَرَّ على قرية (٨). وقال بعض نحاة البصرة: الكاف صلة؛ كأنه قال: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه، أو الذي (٩) مر على قرية (١٠).

стр. 3268

واختلفوا في ذلك المار من هو؟ فقال قتادة (١)، والربيع، وعكرمة (٢)، وناجية بن كعب (٣)، وسليمان بن بُرَيدة (٤)، والضحاك (٥)، والسدي (٦)،

стр. 3269

وسلم (١) الخَوَّاص (٢): هو عزير بن سَرْحَيَا. وقال وهب بن مُنَبِّه، وعبد الله بن عبيد بن عمير (٣): هو أرميا بن حَلْقِيا (٤)، وكان من سبط هارون بن عمران وهو الخَضِر ﵇. وقال

стр. 3270

مجاهد: هو رجلٌ كافرٌ شك في البعث (١). واختلفوا في القرية التي مر عليها، فقال وهب، وعكرمة، وقتادة، والربيع: هي بيت المقدس (٢). وقال الضحاك: هي الأرض المقدسة (٣). وقال ابن زيد: هي الأرض التي أهلك الله فيها الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت (٤). وقال الكلبي: هي دير ساير أباذ. وقال السدي: سلماباد (٥). وقيل: هي (٦) دير هرقل (٧).

стр. 3271

وقيل: هي قرية العنب (١) على فرسخين من بيت المقدس (٢). ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ساقطة، يقال: خَويَ البيت بكسر الواو يَخْوِي (٣) خَوى (٤) مقصور؛ إذا سقط، وخَوى البيت بالفتح خواءً ممدود (٥)، إذا خلا (٦). ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ سقوفها، وأبنيتها، واحدها عَرش (٧)، وجمعه (٨) القليل أَعْرُش، وكل بناءٍ عَرْشٌ، يقال: عَرَش فلان (إذا بنى) (٩)، فهو يَعْرُشُ وَيعْرِش (١٠) عَرْشًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (١١) أي: يبنون. ومعنى الآية: أن السقوف سقطت، ثم وقعت الحيطان عليها (١٢).

стр. 3272

وقيل ﴿عَلَى﴾ بمعنى مع، أي: خاوية مع عروشها (١)، قال الشاعر: كَأَنَّ (٢) مُصفَّحاتٍ في ذُرَاهُ ... وأنْوَاحًا (٣) عليهِنَّ المآلي (٤) أي: معهن، نظيرها في سورة الحج (٥) والكهف (٦). * * *

стр. 3273

﴿قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وكان السبب في ذلك على (١) ما رواه (٢) محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: أن الله تعالى قال (٣) لأرميا ﵇ حين (٤) بعثه نبيًّا إلى بني إسرائيل: يا أرميا من قبل أن خلقتك (٥) اخترتك، ومن قبل أن صورتك (٦) في رحم أمك قَدَّستُكَ، ومن قبل أن تبلغَ السَّعْيَ نبيتُكَ (٧)، ولأمرٍ عظيم اجتبيتك. فبعث الله تعالى (أرميا ﵇ (٨) إلى ناشئة بن أموص ملك بني إسرائيل؛ ليُسَدِّدهُ (٩)، ويأتيه بالخبر من الله . فعظُمت الأحداث في بني إسرائيل، ورَكِبوا المعاصي، واستحلوا المحارم، فأوحى الله إلى أرميا ﵇ أن ذَكِّرْ قومك نعمي (١٠)، وعَرِّفهم أحداثهم، وادعهم إلى، فقال أرميا: إني ضعيف إن لم تقوني، عاجز إن لم تنصرني. فقال الله : أنا ألهمك.

стр. 3274

فقام (١) أرميا فيهم، ولم يدر ما يقول، فألهمه الله في الوقت خطبةً بليغةً طويلةً، بين (٢)، لهم فيها ثواب الطاعة، وعقاب المعصية، وقال في آخرها: وإني لأحلف (٣) بعزتي لأقيضن لهم (٤) فتنة يتحير فيها الحليم (٥)، ولأسلطن عليهم (٦) جبارًا قاسيًا قلبه (٧)، ألبسه الهيبة، وأنزع من صدره الرحمة، يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم. ثم أوحى الله إلى أرميا: إني مهلك بني إسرائيل بيافث، ويافث (٨) أهل بابل، فهم من ولد يافث بن نوح ﵇. فلما سمع ذلك أرميا (٩) صاح وبكى وشق ثيابه، ونبذ الرماد على رأسه (١٠). فلما سمع الله تضرُّع أرميا -وهو الخضر- وبكاءه؛ ناداه: يا أرميا أشَقَّ عليك ما أوحيت إليك؟ قال: نعم، يا رب أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أُسَرُّ به. فقال الله : وعزتي لا

стр. 3275

أُهْلِك بني إسرائيل حتى يكون الأمر في ذلك من قِبَلك. ففرح بذلك أرميا، وطابت نفسه، وقال: لا والذي بعث موسى بالحق لا أرضى بهلاك بني إسرائيل. ثم أتى الملك، فأخبره بذلك، وكان ملكًا صالحًا، فاستبشر، وفرح، وقال: إن يعذبنا ربنا (١)، فبذنوب كثيرة (٢)، وإن عفا عنا (٣)، فبرحمته. ثم إنهم لبثوا بعد الوحي ثلاث (٤) سنين لم (٥) يزدادوا إلا معصيةً، وتماديًا في الشر، وذلك حين قرب (٦) هلاكهم، فَقَلَّ (٧) الوحي، ودعاهم المَلِك إلى التوبة، فلم يفعلوا، فسلط الله عليهم بُخْتُنَصَّر، فخرج في ست مئة ألف راية يريد أهل بيت المقدس، فلما فصل سائرًا جاء (٨) الخبرُ الملكَ (٩)، فقال لأرميا: أين ما زعمت أن الله أوحى إليك؟ ! فقال أرميا: إن الله لا يخلف الميعاد،

стр. 3276

وأنا به واثق. فلما قرُب الأجل، وعزم الله على هلاكهم بعث الله تعالى إلى أرميا مَلَكًا، فتمثل (١) له رجلًا من بني إسرائيل، فقال له (٢): يا نبي الله أسْتَفتيك في أهلِ رَحِمي، وصلت أرحامَهُم، ولم آت إليهم إلا حسنًا (٣)، ولا يزيدهم (٤) إكرامي إياهم إلَّا إسْخَاطًا لي فافتني فيهم؟ فقال له: أحسن فيما بينك وبين الله، وصلهم، وأبشر بخير. فانصرف المَلَك، فمكث (٥) أيامًا، ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل، وقعد بين يديه، فقال له أرميا: أوما طهُرت أخلاقهم لك بعدُ؟ فقال: يا نبي الله؛ والذي بعثك بالحق (٦) ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى أهل رَحِمه إلا قَدَّمتُها إليهم وأفضل. فقال (٧) أرميا (٨) النبي (٩): ارجع إلى أهلك، وأحسن إليهم، اسأل الله تعالى الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلحهم. فقام المَلَك، فمكث

стр. 3277

أيامًا، وقد نزل بُخْتنَصَّر وجنوده حول بيت المقدس بأكثر من الجراد، ففزع (١) بنو إسرائيل، وشق عليهم، فقال مَلِكهم لأرميا إنبي الله ﵇ (٢): (يا نبي الله) (٣) أين ما وعدك الله؟ ! (٤) قال: إني بربي واثق. ثم أقبل المَلَك إلى (٥) أرميا، وهو قاعد على جدار بيت المقدس، يضحك، ويستبشر بنصر ربه الذي وعده، فقعد بين يديه، وقال له: أنا الذي أتيتك في شأن أهلي مرتين. فقال النبي (٦): ألم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه؟ ! فقال المَلَك: يا نبي الله كل شيء (٧) يصيبني منهم (٨) قبل اليوم كنت أصبر عليه (٩)، فاليوم رأيتهم في عمل لا يُرضي الله (١٠). فقال (١١) النبي: على أي عمل رأيتهم؟ قال: على عمل عظيم من سخط الله تعالى، فغضبت له (١٢) ولك، وأتيتك لأخبرك، وإني أسألك بالله الذي بعثك بالحق

стр. 3278

إلا ما دعوت الله عليهم؛ ليُهْلكَهُم. فقال أرميا: يا ملك السموات والأرض إن كانوا على حق، وصواب، فأَبْقِهِم (١)، وإن كانوا على سخطٍ، وعمل لا ترضاه فأَهْلِكْهُم. فلما (٢) خرجت الكلمة من في (٣) أرميا ﵇ (٤) أرسل الله صاعقةً من السماء في بيت المقدس، فالتهب مكان القربان، وخُسِفَ بسبعة أبواب من أبوابها، فلما رأى ذلك (٥) أرميا صاح، وشق ثيابه، ونبذ الرماد على رأسه، وقال: يا مالك السموات (٦) أين ميعادك الذي وعدتني؟ فنودي أنه لم يصبهم الذي أصابهم إلا بفتياك ودعائك فاستيقن النبي أنها (٧) فتياه، وأنَّ ذلك المسائل كان رسول ربه. فطار أرميا حتى خالط الوحش (٨)، ودخل بخت نصر وجنوده بيت المقدس، ووطئ الشام، وقتل بني إسرائيل (حتى أفناهم) (٩)، وخرَّب بيت المقدس. ثم أمر جنوده أن يملأَ كُلُّ رجل منهم ترسَهُ ترابًا، ثم (١٠)

стр. 3279

يقذفه في بيت المقدس (١)، فقذفوا فيه التراب حتى ملأوه، ثم أمرهم أن يجمعوا من كان في بلدان بيت المقدس كلهم، فاجتمع عنده كل صغير وكبير من بني إسرائيل، فاختار منهم مئة ألف صبي، فقسمهم بين الملوك الذين (٢) كانوا معه، فأصاب كل رجل (٣) منهم أربعة غِلمة، وفرَّق بختنصر من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق، فُثُلثًا أقر بالشام، وثُلُثًا سبى، وثُلُثًا قتل. فكانت هذِه الوقعة الأولى التي أنزلها الله تعالى ببني (٤) إسرائيل بظلمهم، فلما ولَّى بختنصر عنهم راجعًا إلى بابل، ومعه سَبْي (٥) بني إسرائيل أقبل أرميا على حمار له، معه عصير عنب في زُكْرَةٍ (٦)، وسلة تين حتى غَشِي إيليا (٧)، فلما وقف عليها، ورأى خرابها قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ الآية. وقال الذين قالوا أن هذا المار كان عُزَيرًا (٨): أن بخت نصر لما

стр. 3280

أخرب (١) بيت المقدس، وأقدم سبي بني إسرائيل (٢)، وكان فيهم عُزير -وكان من علماء بني إسرائيل- ودانيال، وسبعة آلاف من أهل بيت داود. فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حمار له (٣) حتى نزل (٤) دير هرقل على شط دجلة، فطاف في القرية (٥)، فلم ير فيها أحدًا، وعامة شجرها حامل، فأكل من الفاكهة، واعتصر من العنب، فشرب منه، وجعل فضل الفاكهة في سلة، وفضل العصير في زِقٍّ، فلما رأى خراب القرية، وهلاك أهلها، قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ لم يشك في البعث (٦)، ولكن قالها تعجبًا (٧). -رجعنا إلى حديث وهب- قال (٨): ربط (٩) أرميا حماره بحبل جديد، فألقى الله تعالى عليه النوم، فلما نام نزع منه (١٠) الروح مئة

стр. 3281

عام، وأمات حماره، وعصيره وتينه عنده، وأعمى الله تعالى عنه العيون فلم يَرَه أحد (١)، وذلك ضُحى، ومنع (٢) الله تعالى السباع، والطير لحمَه. فلما مضى من موته سبعون سنة أرسل الله تعالى مَلَكًا إلى مَلِك من ملوك فارس عظيم، يقال له يوسك (٣)، فقال: إن الله يأمرك أن تنفر بقومك، فتعمر بيت المقدس وإيليا، وأرضها حتى تعود (٤) أعْمَر ما كانت (٥)، فانتدب الملِك ألف (٦) قهرمان (٧) مع كل قهرمان ثلاث مئة ألف (٨) عامل وجعلوا يعمرونها. فأهلك الله تعالى بختنصر ببعوضة دخلت دماغه، ونجى الله من

стр. 3282

بقي من بني إسرائيل، ولم يمت (١) ببابل (٢)، وردهم (٣) إلى بيت المقدس ونواحيه، فعمروها ثلاثين سنة، وكثروا حتى كانوا كأحسن (٤) ما كانوا عليه. فلما مضت المئة (سنة وكثروا) (٥) أحيا الله منه عينيه، وسائر جسده ميّت، ثم أحيا جسده، وهو ينظر، ثم نظر إلى حماره، فإذا عظامه متفرقة بيض تلوح، فسمع (٦) صوتًا من السماء: أيتها العظام البالية، إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع بعضها إلى بعض، (واتصل بعضها ببعض) (٧)، ثم نودي: إن الله يأمرك أن تكتسي لحمًا وجلدًا، فكان كذلك، ثم نودي: إن الله يأمُرُكَ أن تحيا، فقام بإذن الله، ونهق (٨). وعمَّر الله أرميا فهو الذي (٩) يُرى بالفلوات. (فذلك قوله: (١٠) ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ أي: أحياه (١١).

стр. 3283

﴿قَالَ كَمْ﴾ استفهام عن مبلغ العدد (١) ﴿لَبِثْتَ﴾ قرأ ابن محيصن، والأعمش، وأبو عمرو (وابن عامر) (٢)، والكسائي، وحمزة (٣): (لبتَّ) و (لبتُّم) (٤) بالإدغام في جميع القرآن. (و) (٥) الباقون بالإظهار (٦). فمن أدغم فللمجاورة في المخرج (٧)، والمشاكلة في الهمس، ومن أظهر فلزيادة الثاء بالتفشي (٨)، وكلاهما عربيان صحيحان (٩). ومعناه: كم مكثت وأقمت (١٠) هاهنا، يقال (١١): لبِث يَلْبَث (١٢) لَبْثًا ولبَاثًا. ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا﴾ وذلك أن الله تعالى أماته ضحًى في أول النهار،

стр. 3284

وأحياه بعد مئة عام في آخر النهار قبل (١) غيبوبة الشمس، فقال: لبثت يومًا، وهو يرى أن (٢) الشمس قد غَرَبَت، ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ (٣) بمعنى (٤) بل بعض يوم؛ لأن قوله: ﴿بَعْضَ يَوْمٍ﴾ رجوع (٥) عن قوله: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾ وهو كقوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (٦). ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ﴾ (يعني: التين) (٧) ﴿وَشَرَابِكَ﴾ يعني: العصير ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ قرأ حمزة، والكسائي (وخلف ويعقوب) (٨) بحذف الهاء وصلًا، وكذلك قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٩). وقرأ الباقون بالهاء فيهما وصلًا ووقفًا (١٠). وذكر أبو حاتم عن طلحة (لم يَسَّنَّه) بإدغام التاء في السين (١١)، وزعم أنه في

стр. 3285

حرف أُبي كذلك (١). ومعناه (٢) لم يُغَيره السنون، فمن أسقط الهاء في الوصل جعل الهاء (٣) صلَةً زائدةً، وقال: أصله: يتسنى (٤)، فحذف الياء للجزم، وأبدل منه (٥) هاء في الوقف، وهذا (٦) على قول من جعل الهاء في السنة زائدة (٧)، وقال: أصلها سَنَوَة، وجمعها سَنَوَات، والفعل منه (٨) سانَيْتُ مُسَاناةً، وتَسَنَّيْتُ تَسَنِّيًا، وتصغيرها سُنَيَّة، إلا أن الواو ترد إلى الياء في التفعل والتفاعل، كقولهم (٩): التداعي والتنادي؛ لأن الياء أخف من الواو. وقال أبو عمرو: هو من التسنن، بنونين، وهو التغير (١٠)، كقوله

стр. 3286

تعالى: ﴿حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (١) أي: متغير (٢)، ثم عوضت من إحدى النونين ياء، كقول الشاعر: فهلَّا إذ سمعت بحثتَ عنه ... ولم تُمْضِ الحُكُومةَ بالتَّظَنِّي (٣) أراد بالتَّظَنن. وقال العجاج: تَقَضِّيَ البازِي إذا (٤) البازِي كَسَرْ (٥) أراد تَقَضُّضَ، وتقول العرب (٦): خرجنا نتَلَعى، إذا خرجوا في (٧)

стр. 3287

اجتناء نبت ناعم يقال له: اللعاع (١). قال (٢) الله : ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٣) أي: دسسها. ومن أثبت الهاء في الحالين جعل الهاء أصليةً (٤) لام الفعل، وعلى هذا (٥) قول من جعل أصل السَّنة: سَنَهَة، وتصغيرها سُنَيْهَةٌ، والفعل منه (٦) المُسَانَهَةُ، قال الشاعر: وليست بسَنْهَاءٍ ولا رُجَّبِيَّةٍ ... ولكن عَرَايا في السِّنين الجوائِحِ (٧) (٨) والسنهاء: الشجرة القديمة (٩).

стр. 3288

فإن قيل: أخْبَر عن (١) شيئين اثنين ثم قال: لم يَتَسنَّ ولم يُثنّه؟ قيل: لأنَّ التغير راجع إلى أقرب اللفظين به، وهو الشراب، فاكتفى بذكر أحد المذكورين عن الآخر؛ لأنه في معنى (٢) الثاني، كقول الشاعر: عُقابٌ عَقَنْباة (٣) كَأَنَّ وظيفها (٤) ... وخُرْطُومَها (٥) الأعْلى بنارٍ (٦) مُلَوَّحُ (٧) ولم يقل مُلَوَّحَان (٨). ودليل هذا التأويل قراءة ابن مسعود: (فانظر

стр. 3289

إلى طعامك وهذا شرابك لم يَتَسَنَّ) (١). ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ قال (٢) أكثر العلماء: في الآية تقديم وتأخير؛ تقديرها: فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه، وانظر إلى حمارك، وانظر إلى العظام كيف ننشرها (٣) ثم نكسوها لحمًا، ولنجعلك آية للناس. فأما تفسير الآية فقرأ خارجة، والأعرج، وعيسى بن عمر (٤)، وأبو عمرو، وابن عامر (٥)، وحمزة، والكسائي: (حمارك) و (الحمار) (٦) بالإمالة. (و) (٧) الباقون بالتفخيم (٨).

стр. 3290

وقوله : ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ قرأ أبي بن كعب (١)، وعبد الله بن عامر، والأعمش (وعاصم) (٢)، وحمزة، والكسائي، وخلف: ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي (٣)، وضم النون، وكسر الشين. وروى أبو العالية أن زيد بن ثابت قال: إنما هي (٤) زاي؛ فَزَوِّها (٥). وكذلك روى

стр. 3291

معاوية بن قُرّة عن ابن عباس قال: زَوِّ الزاي (١)، واختاره أبو عبيد. وإنشاز الشيء رفعُه، ونقله وإزعاجه، يقال: أنشزته فنشز، أي: رفعته فارتفع، ومنه نشوز (٢) المرأة على زوجها، ونشز الغلام، أي: (٣) ارتفع، فمعنى الآية: كيف نرفعها (٤)، فنردها إلى مواضعها (٥) من الجسد (٦)، ونركب بعضها على بعض (٧).

стр. 3292

قال ابن عباس والسدي: نخرجها (١). وقال الكسائي: (نُلَيِّنُهَا ونُعَظِّمُهَا) (٢). وقرأ قتادة، وعطاء، وأبو جعفر، وشيبة، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وأيوب: (ننشرها) بالراء (٣)، وضم النون، وكسر الشين (٤). واختاره أبو حاتم، ومعناه: نحييها، يقال: أَنْشَرَ الله الميت إنشارًا، ونَشَر (٥) نشورًا، قال الله ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ

стр. 3293

(٢٢)﴾ (١)، وقال: ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ (٢) وقال (في اللازم) (٣): ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ (٥)، ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (٦). (وقال حارثة) (٧) بن بدر (٨) في المُتَعَدِّي (٩): فَأَنْشَرَ مَوْتاها وأقْسَطَ بينها ... فبانَ وقد ثابتْ إليها عُقُولُها (١٠)

стр. 3294

وقال الأعشى (في اللازم) (١): حتى يقولَ الناس مما رأوا (٢) ... يا عجبًا للميت النّاشِرِ (٣) وقرأ الحسن والمفضل: (نَنْشُرها) بالراء، وفتح النون، وضم الشين (٤). قال الفراء: كأنه ذهب إلى النَّشْر والطي (٥). وقال بعضهم: هو من الإحياء أيضًا يقال: أنشر الله الميت، ونَشَرَه (٦)، إذا أحياه (٧). قال أبو حاتم: وليس بالمعروف (٨). وقرأ النخعي:

стр. 3295

(نَنشُزها) بالزاي (١)، وفتح النون، وضم الشين (٢)، قال أبو حاتم: ذلك غلط لا مذهب له. وقال غيره: هو بمعنى نُشخِصها فعل وأفعل بمعنى واحد (٣). ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ أي: نلبسها، ونواريها به كما يُوارى الجسد بالثوب. واختلفوا في معنى الآية، فقال بعضهم: أراد به عظام حماره، وذلك أن الله تعالى أمات حماره معه، ثم أحياه خلقًا سويًّا، وهو ينظر. قال (٤) السدي: إن الله أحيا عزيرًا، ثم قال له: انظر إلى حمارك قد (٥) هلك، وبليت عظامه، فبعث الله ريحًا، فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل ذهبت بها الطير (٦) والسباع، فاجتمعت، فرُكِّب بعضها في بعض، وهو ينظر، فصار حمارًا من عظام ليس فيه لحم ولا دم، ثم كسا العظم (٧) لحمًا ودمًا، فصار
следующие страницы →