← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

٢٨٢ - قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ الآية (١). قال ابن عباس: لما حرم الله الربا أباح السَّلَم (٢) فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ (٣) أي: داين بعضكم (٤) بعضًا. والدَّين: ما كان مؤجلًا، والعين: ما كان حاضرًا، يقال: دَانَ فلانٌ فلانًا يَدِينه إذا أعطاهُ الدَّين، فهو دائن. المُعْطَى مَدِينٌ ومَدْيُون (٥)، فقوله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ يدخل فيه الدَّين، والنسيئة، والسَّلَم، وكل (٦) ما كان مؤجلًا من الحقوق. إنما قال: ﴿بِدَيْنٍ﴾ والمداينة لا تكون إلا بدين؛ لأنَّ المداينة قد تكون مجازاةً، وتكون معاطاةً، فأبان ذلك وقيده بقوله: ﴿بِدَيْنٍ﴾.

стр. 3607

وقيل: هو بمعنى التأكيد (١) كقوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ (٢)، وقوله ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ (٣). ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي (٤) وقت معلوم ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ هو أي: اكتبوا الدين (٥) الذي تداينتم به بيعًا كان أو قرضًا؛ لئلا يقع فيه جحود ولا نسيان ولا تدافع. واختلفوا في هذِه الكتابة هل هي واجبة أم لا؟ فقال بعضهم: هي فرض واجب. قال ابن جريج: من أدان فليكتب، ومن باع فليشهد (٦). وهذا القول اختيار محمد (٧) بن جرير الطبري (٨). يدل عليه: [٦٧١] ما أخبرنا ابن فنجويه (٩)، قال: نا أحمد بن إبراهيم بن

стр. 3608

شاذان (١)، قال: نا محمد بن علي المقرئ (٢)، قال: نا معاذ بن المثنى (٣)، (قال: نا) (٤) أبي (٥)، عن شعبة (٦)، عن فِراس (٧)،

стр. 3609

عن الشعبي (١)، عن أبي بردة بن (٢) أبي موسى (٣)، عن أبيه (٤)، عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل كان له دين فلم يُشْهِد، ورجل أعطى سفيهًا مالًا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (٥) ورجل كانت عنده امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها" (٦).

стр. 3610

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3611

وقال قوم (١): هو أمر استحباب وتخيير، فإن كَتَبَ فحسن، وإن ترك فلا بأس، كقوله : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٢)، (وقوله تعالى) (٣): ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ (٤)، وهو اختيار الفراء (٥). وقال آخرون: كان كتاب (٦) الدين والإشهاد والرهن فرضًا، ثم نسخ ذلك كله بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ وهو قول (٧) الشعبي (٨).

стр. 3612

ثم بين كيفية الكتابة فقال تعالى (١): ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ قرأ الحسن: (وليَكتب) بكسر اللام (٢)، وهذِه اللام (٣) لام الأمر، ولا يؤمر بها غير الغائب، وهي إذا كانت مفردة (٤) فليس فيها (٥) إلا الحركة، فإذا (٦) كان قبلها واو أو فاء أو (ثم)، فأكثر العرب على تسكينها طلبًا للخفة، ومنهم من يكسرها على الأصل (٧). ومعنى الآية: وليكتب كتاب (٨) الدين بين البائع والمشتري

стр. 3613

والطالب والمطلوب كاتب ﴿بِالْعَدْلِ﴾ أي: بالحق والإنصاف، فلا يزيد فيه ولا ينقص منه، ولا يُقَدِّم الأجل ولا يُؤَخِّرُهُ، ولا يكتب فيه شيئًا (يبطل به حقًّا لا يعلمه) (١) هو ﴿وَلَا يَأْبَ﴾ يمتنع (٢) ﴿كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ وذلك أن الكُتَّاب كانوا قليلًا على عهد رسول الله ﷺ . واختلف العلماء في وجوب الكتابة على الكاتب والشهادة على الشاهد؛ فقال مجاهد والربيع: واجب على الكاتب إذا أُمِرَ أن يكتب (٣). وقال الحسن: ذلك في الموضع الذي لا يُقْدَرُ فيه على كاتب غيره فَيُضِرُّ بصاحب الدين إن (٤) امتنع، فإذا (٥) كان كذلك فهو فريضة، وإن قَدَرَ على كاتب غيره فهو في سَعَةٍ إذا قام به غيره (٦).

стр. 3614

وقال الضحاك: كانت هذِه عزيمة واجبة على الشاهد والكاتب، فنسخه قوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (١). وقال السدي: هو واجب عليه في حال فراغه (٢). ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ يعني: المديون المطلوب يقر على نفسه بلسانه؛ ليُعلم ما عليه. والإملال والإملاء (٣) لغتان فصيحتان جاء بهما القرآن (٤)، قال الله تعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٥). وأصل الإملال: إعادة الشيء مرة بعد مرة والإلحاح عليه، قال الشاعر: ألا يا ديِارَ الحَيِّ بالسَّبُعانِ ... أَمَلَّ (٦) عليها بالبِلَى المَلَوانِ (٧)

стр. 3615

ثم خوفه (فقال تعالى) (١): ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ أي: لا ينقص من الحق الذي عليه شيئًا، يقال: بخسه حقه، وبخصه، إذا نقصه. ونظائرها في القرآن كثيرة. ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ يعني فإن كان المطلوب الذي عليه المال ﴿سَفِيهًا﴾ جاهلًا بالإملاء. قاله مجاهد (٢). وقال الضحاك والسدي: طفلًا صغيرًا (٣). ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ أو (٤) شيخًا كبيرًا. وقال السدي وابن زيد: يعني عاجزًا أحمق (٥). ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ لخرس، أو عي، أو غيبة، أو عجمة، أو زَمَانة، أو حبس لا يمكنه حضور (الكتاب، أو جهل بما له عليه) (٦).

стр. 3616

﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ أي: قيمه أو وارثه. وقال ابن عباس، والربيع، ومقاتل: يعني: فليملل ولي الحق وصاحب الدين؛ لأنه أعلم بدينه (١). ﴿بِالْعَدْلِ﴾ بالصدق والحق والإنصاف. ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ هذا السين للسؤال والطلب ﴿شَهِيدَيْنِ﴾ شاهدين ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ يعني: الأحرار البالغين، دون العبيد والصبيان، ودون أحرار الكفار. وهذا مذهب مالك (٢)، والشافعي (٣)، وأبي حنيفة (٤)، وسفيان (٥)، وأكثر الفقهاء (٦). وأجاز شريح، وابن سيرين شهادة العبيد (٧)، وهو قول أنس بن

стр. 3617

مالك (١). وأجاز بعضهم شهادتهم في الشيء التافه (٢). (قوله (٣): ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ يعني (٤): فإن لم يكن الشاهدان رجلين (﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ أي) (٥) فليكن (٦) رجل

стр. 3618

وامرأتان، (أي (١) فليشهد رجل وامرأتان) (٢). وأجمع الفقهاء على أن شهادة النساء جائزة مع الرجال في الأموال (٣). واختلفوا في غير الأموال؛ فكان (٤) مالك (٥)، والأوزاعي (٦)، والشافعي (٧)، وأبو عبيد، وأبو ثور (٨)، وأحمد بن حنبل (٩) لا يجيزونها إلا في الأموال. وكان أبو حنيفة (١٠)،

стр. 3619

وسفيان (١)، وأصحابهما (٢) يجيزون شهادتهن مع الرجال في كل شيء ما خلا الحدود والقصاص. ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ يعني من كان مرضيًّا في ديانته (٣) وأمانته وكفايته، قال عمر بن الخطاب: من أظهر لنا خيرًا ظننا به خيرًا وأحببناه عليه، ومن أظهر لنا شرًّا (ظننا به) (٤) شرًّا وأبغضناه عليه، وإذا حَمِد الرجل جاره وقرابته ورفيقه فلا تَشُكُّوا في صلاحه (٥). وقال إبراهيم (٦) النخعي: العدل من لم تظهر منه ريبة (٧). وقال الشعبي: العدل من لم يُطْعَن عليه في بطن ولا فرج (٨).

стр. 3620

وقال الحسن: هو من لم تعْلَم له خزية (١). وقال النبي ﷺ : "لا تجوز شهادة خائن، ولا خائنة، ولا مجلود، ولا ذي حقد على أخيه، ولا مجرب عليه شهادة زور، ولا القانع مع أهل البيت" يعني (٢) الخادم لهم (٣).

стр. 3621

وجملة هذا (١) القول فيمن تقبل شهادته أن يجتمع فيه عشر خصال: (يكون حرًّا، بالغًا، مسلمًا) (٢)، عدلًا، عالمًا بما يشهد به (٣)، (ولا تَجْرُّ شهادته منفعةً إلى نفسه) (٤)، ولا تدفع عن نفسه (٥) مضرةً، ولا يكون معروفًا بكثرة الغَلَط، ولا بترك المروءة، ولا يكون بينه وبين من يشهد عليه عصبية، فإذا اجتمعت فيه (٦) هذِه الخلال (٧) كان مقبول القول جائز الشهادة (٨). وتقبل شهادة النساء على الانفراد لا رجل معهن في أربعة مواضع:

стр. 3622

في (١) عيوب النساء، وهو (٢) ما يكون عيبًا في موضع هو (٣) عورة منها؛ في الحرة في جميع بدنها إلا وجهها وكفيها، ومن الأمة (ما بين) (٤) سرتها إلى ركبتها، وفي الرضاع، وفي (٥) الولادة، وفي الاستهلال (٦). ولا خلاف في ذلك كله إلا في الرضاع، فإن أبا حنيفة ذهب إلى أن شهادة النساء على الانفراد لا تقبل فيه حتى يشهد رجلان، أو رجل وامرأتان (٧). وأما صفة الشهادة: [٦٧٠] (فأخبرني أبو عبد الله الثقفي (٨)) (٩)، قال: نا الفضل بن

стр. 3623

الفضل الكندي (١)، قال: نا أبو بكر بن أبي داود السجستاني (٢)، قال: نا أبو الأزهر أحمد بن الأزهر (٣) ومحمد بن المؤمل (٤)، قالا: نا إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي (٥)، قال: نا محمد بن سليمان المخزومي (٦)، قال:

стр. 3624

نا عبيد (١) الله بن سلمة بن وهرام (٢)، قال: نا أبو (٣) المؤمل عبد الرحمن بن سلمة (٤)، عن أبيه (٥)، عن طاوس (٦)، عن ابن عباس (٧) (قال: سئل رسول الله ﷺ عن الشهادة؟ فقال: "ترى الشمس (٨)؟ " قال: نعم) (٩). قال: "على مثلها؛ فاشهد، أو دع" (١٠).

стр. 3625

[٦٧٣] (وأخبرني ابن فنجويه (١)) (٢)، قال: نا (٣) ابن شنبة (٤)،

стр. 3626

قال: نا محمد بن عمر بن حمدويه (١) وسفيان بن هارون (٢)، قالا (٣): نا عبد الله بن أحمد بن أبي مَسَرَّة المكي (٤)، قال: نا عبد الصمد (٥) بن موسى العباسي (٦)، قال: نا (٧)

стр. 3627

عمي إبراهيم بن محمد بن إبراهيم (١)، عن (٢) عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس (٣)، عن أبيه (٤)، عن جده (٥) أن رسول الله ﷺ قال: "أكرموا الشهود، فإن الله يستخرج بهم الحقوق، ويدفع بهم الظلم" (٦).

стр. 3628

[٦٧٤] (وأخبرني ابن فنجويه (١) (٢)) قال: نا محمد بن علي بن الفأفاء القاضي (٣)، قال: نا أبو الحسين بن معاوية (٤)، قال: نا

стр. 3629

أحمد بن منصور المروزي (١)، قال: نا علي بن الحسن (٢)، قال: نا خارجة (٣)، عن ثور (٤)، عن عبد الرحمن بن عائذ (٥) قال: قال رسول الله ﷺ : "من حبَس ذِكرَ حقٍّ بعدما يُقْبَضُ ما فيه (٦) فعليه قيراط من الاثم" (٧).

стр. 3630

(قوله تعالى) (١): ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾. قرأ الأعمش، وحمزة: (إن تضل) بكسر الألف (فتُذكرُ) رفعًا (٢)، ومعناه الجزاء والابتداء، وموضع: ﴿تَضِلَّ﴾ جزم بالجزاء إلا أنه لا يتبين في (٣) التضعيف، (فتُذكِّرُ) رفعًا (٤)، لأن ما بعد فاء الجزاء مبتدأ (٥). وقراءة العامة بنصب الألف والراء على الاتصال بالكلام الأول. وموضع: ﴿أَنْ﴾ نصب بنزع حرف الصفة بمعنى (٦) لأن، و ﴿تَضِلَّ﴾ محله نصب بـ ﴿أَنْ﴾، و ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ منسوق عليه. ومعنى الآية: فرجل وامرأتان؛ كي تذكر إحداهما الأخرى إن ضلّت، وهذا من المقدم والمؤخر، كقولك (٧) في

стр. 3631

الكلام: إنه ليعجبني أن يسأل المسائل فيُعطي، بمعنى (١): يعجبني أن يعطى المسائل إذا سأل؛ لأن العطاء يعجب (٢) لا السؤال (٣). قال الله : ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ (٤) (الآية، ومعناه: لولا أن يقولوا إذا أصابتهم مصيبة: هلا (٥) أرسلت إلينا رسولا) (٦). ومعنى قوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ أي: تنسى؛ كقوله تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ (٧) وقوله: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)﴾ (٨) وأصل (٩) الضلال: هلاك الشيء وذهابه، تقول العرب: ضَلَّ الماء في اللبن. قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ (١٠) (١١). قرأ عاصم

стр. 3632

الجحدري: (أن تُضَلَّ) بضم التاء، وفتح الضاد على المجهول (١). وقرأ زيد بن أسلم: (فَتُذَاكر) من المذاكرة (٢) بالألف. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وأبو حاتم وقتيبة: (فَتُذْكِر) خفيفة. وقرأ الباقون مشددًا (٣). وذَكَّرَ وأَذْكَرَ بمعنى واحد (٤)، كما يقال: نَزَّل وأنزل (٥)، وكَرَّم وأكرم، وهما (متعديا الذكر) (٦) الذي هو ضد النسيان، قال الشاعر: تُذَكرُنِيهِ الشمسُ عند طلوعها ... وَيعْرِضُ ذِكْرَاهُ إذا غَرْبُهَا أَفَلْ (٧) وقال أبو عبيد: حُدِّثْتُ عن سفيان بن عيينة أنه قال: هو من الذَّكَر يعني أنها إذا شهدت (٨) مع أخرى صارت شهادتهما كشهادة الذَّكَر (٩).

стр. 3633

قلت (١): وهذا القول لا يعجبني؛ لأنه معطوف على النسيان، والله أعلم. ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ الآية (٢) قال بعضهم: هذا في تحمل (٣) الشهادة وهو أمر إيجاب. قال قتادة والربيع: كان الرجل يطوف في الحي (٤) العظيم فيه القوم، فيدعوهم إلى الشهادة، فلا يتبعه أحد منهم، فأنزل الله هذِه الآية (٥). وقال الشعبي: هو مخير في تحمل الشهادة إذا وُجِد غيره فإن شاء شهد، وإن شاء لم يشهد (٦). فإذا (٧) لم يوجد غيره فَتَرْكُ الإباء فَرْضٌ عليه. وقال بعضهم: هذا أمر ندب، وهو مخير في جميع الأحوال، فإن

стр. 3634

شاء شهد، وإن شاء لم يشهد، وهو قول عطاء (١)، وعطية (٢)، وقال أبو حرة (٣): قلت للحسن: أُدْعى (٤) إلى الشهادة، وأنا كاره قال: فلا تجب، ولا تشهد إن شئت (٥).

стр. 3635

وقال مغيرة: قلت (١) لإبراهيم: إني أُدْعى إلى الشهادة، وإني (٢) أخاف أن أنسى قال: فلا تشهد إن شئت (٣). وقال بعضهم: هذا في إقامة الشهادة وأدائها. ومعنى الآية: ولا يأب الشهداء إذا ما دُعوا لإقامة الشهادة إذا كانوا قد شهدوا (٤) قبل ذلك. وهو قول مجاهد (٥)، وعطاء (٦)، وعكرمة (٧)، وسعيد بن جبير (٨)،

стр. 3636

والضحاك، والسدي (١). وَرَوى سفيان (عن جابر) (٢)، عن عامر قال: الشاهد بالخيار ما لم يشهد (٣). وقال الحسن والسدي: هذِه الآية في الأمرين جميعًا، في التحمل والإقامة إذا (٤) كان فارغًا (٥). وقوله (٦): ﴿وَلَا تَسْأَمُوا﴾ ولا تَمَلَّوا، تقول: سَئِمتُ أسأم سَآمًا وسَآمةً، قال زهير: سَئِمْتُ تَكَاليفَ الحياةِ (ومن يَعِشْ ... ثمانين حولًا -لا أبا لك- يَسْأَمِ (٧) وقال لبيد:

стр. 3637

ولقد (١) سَئِمْتُ من الحَيَاةِ) (٢) وطولِهَا ... وَسُوَالِ هذا النَّاسَ كيْفَ لَبِيدُ (٣) ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾ (٤) و (أن) في محل النصب من وجهين، إن شئت جعلته من الفعل مصدرًا وأوقعت السآمة عليه، وتقديره: ولا تَسْأَمُوا كتابته. وإن شئت نصبته بنزع حرف الصفة، تقديره: ولا تسأموا من أن تكتبوه (٥). والهاء راجع (٦) إلى الحق (٧). وقرأ السلمي: (ولا يسأموا) بالياء (٨). ﴿صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا﴾ يعني) (٩): صغيرًا كان الحق أو كبيرًا، قليلًا كان المال أو كثيرًا. وانتصاب الصغير والكبير من وجهين: أحدهما: على الحال والقطع من الهاء، والثاني: أن تجعله خبرًا لكان

стр. 3638

وأُضمرت، يعني ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا﴾ -كان الحق- ﴿أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ (١) إلى محل الحق. ﴿ذَلِكُمْ﴾ الكتاب ﴿أَقْسَطُ﴾ أعدل ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ لأنه أَمَرَ به. واتباع أمره أعدل من تركه. ﴿وَأَقْوَمُ﴾ وأصوب ﴿لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى﴾ -وأحرى وأقرب إلى ﴿أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ تشكُّوا في الشهادة ومبلغ الحق والأجل إذا (٢) كان مكتوبًا، نظيره قوله : ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ (٣). وهو أفعل، من الدنو. ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ قرأها عاصم بالنصب (٤) على خبر كان وأضمر الاسم، مجازُهُ: إلا أن تكون التجارة تجارةً (٥)، أو المبايعة تجارةً، وأنشد الفراء (٦):

стр. 3639

للهِ قَومِي أيُّ قَومٍ لِحُرَّةٍ (١) ... إذا كانَ يومًا ذَا كَوَاكب أَشْنَعَا (٢) أي إذا كان اليوم يومًا (٣). وأنشد أيضًا: أعَيْنَيَّ هَلَّا تبكيانِ عِفَاقا ... إذا كان طَعْنًا بينهم وعِناقا (٤) أراد إذا (٥) كان الأمر يعني: يومًا شديدًا في الحرب من الضياء كأن في السماء نجومًا (٦). وقرأ الباقون بالرفع على وجهين: أحدهما (٧): أراد أن يكون بمعنى الكون والوقوع؛ أراد أن تقع تجارةٌ، وحينئذ لا خبر له. والثاني: أن تجعل الاسم في التجارة والخبر في الفعل، وهو قوله تعالى: ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾

стр. 3640

تقديره: إلا أن تكون تجارةٌ حاضرةٌ دائرةً بينكم (١). ومعنى الآية: أن تكون تجارة حاضرة يدًا بيد تديرونها بينكم، ليس (٢) فيها أجل نسيئة. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ يعني: التجارة. (قوله (٣): ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ قال الضحاك: هو عزم (٤) الله ، والإشهاد واجب في صغير الحق وكبيره ونقده ونَسَائه، ولو كان على (٥) باقة بقل (٦). وهو اختيار محمد بن جرير الطبري (٧). وقال أبو سعيد الخدري: الأمر فيه إلى (٨) الأمانة؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (٩).

стр. 3641

وقال آخرون (١): هو أمر ندب، إن شاء أشهد وإن شاء لم يُشْهِد. ثم قال الله: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ هو نهي على (٢) الغائب، وأصله: يضارر؛ فأدغمت الراء في الراء، ونصبت بحق التضعيف؛ لاجتماع الساكنين، والفتح أخف الحركات فحركت إليه (٣). فأما تفسير الآية: فأجراها بعضهم على الفعل المعروف. وقال: أصله يضارِرُ بكسر الراء، وجعل الفاعل الكاتب والشهيد، ومعناه: ولا يضارّ كاتب؛ فيكتب ما لم يملل عليه يزيد أو ينقص أو يحرف، ولا شهيد؛ فيشهد بما لم (٤) يستشهد عليه، أو يمتنع من إقامة الشهادة، وهذا قول طاوس (٥)، والحسن (٦)،

стр. 3642

وقتادة (١)، وابن زيد (٢). وأجراه آخرون على الفعل المجهول، وجعلوا الكاتب والشهيد مفعولين، وقالوا: أصله لا يُضارَرُ، ومعنى الآية: هو أن الرجل يدعو الكاتب أو الشهيد (٣)، وهما على حاجةٍ مهمة؛ فيقولان: إنا مشغولان، أو لنا (٤) حاجة مهمة؛ فاطلبْ غيرنا. فيقول الذي يدعوهما: إن الله أمركما (٥) أن تجيبا في الكتابة والشهادة. ويلح عليهما، ويشغلهما عن حاجتهما. فنهى الله تعالى عن ذلك، وأمر أن يطلب غيرهما (٦). وقال الربيع بن أنس: لما نزلت هذِه الآية: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ كان أحدهم يجيء إلى

стр. 3643

الكاتب، فيقول له: أكتب لي. فيقول: إني مشغول، أو لي حاجة، فانطلق إلى غيري. فيلْزمه ويقول: إنك قد أمرت بالكتابة فلا يدعه ويضارُّهُ بذلك، وهو يجد غيره، وكذلك يفعل مع الشاهد، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (١). (ودليل هذا التأويل قراءة عمر، وأُبي، وابن مسعود، ومجاهد: (ولا يضارر كاتب ولا شهيد) (٢) بإظهار التضعيف (٣) على وجه ما

стр. 3644

لم يسم فاعله. وقرأ أبو جعفر: (ولا يُضارْ) مجزومًا مخففًا. أبقى راءً واحدةً أصلًا. وقرأ الحسن: (ولا يُضَارِّ) بكسر الراء مشددة (١). ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا﴾ ما نهيتكم عنه (٢) من الضرار ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ خروج عن (٣) الأمر ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.

стр. 3645

٢٨٣ - (قوله ) (١): ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ قرأ ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد: (كِتَابًا). (وقالوا: ربما يوجد) (٢) الكاتب ولم يوجد (٣) المداد ولا الصحيفة. قالوا: ولم يكن حِواء (٤) من العرب إلا كان فيهم (٥) كاتب، ولكن كانوا لا يقدرون على القلم والدواة (٦).
следующие страницы →