← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

واختيار الكسائي، والفراء (١)، والمفضل بن سلمة، ومحمد بن جرير (٢)، قالوا: إن الراسخين لا يعلمون تأويله، ولكنهم يؤمنون به، والآية راجعة على هذا التأويل (إلى العلم) (٣) بمدة أجل هذِه الأمة، ووقت قيام الساعة، وفناء الدنيا، ووقت طلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى (ابن مريم) (٤) ﵇، وخروج الدجّال، ويأجوج ومأجوج، وعلم الروح، ونحوها، مما استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه. وقال بعضهم: يجوز أن يكون للقرآن تأويل، استأثر الله تعالى

стр. 3782

بعلمه، دون ما (نفسّره نحن) (١) لأنا (٢) لا نعلم مراد الله تعالى في قوله (٣) ولم نتعبد بذلك، بل ألزمنا العمل بأوامره، واجتناب نواهيه، ومما يصدق هذا القول (٤) قراءة عبد الله: (إن تأويله إلا عند الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به) (٥)، وفي حرف أبيٍّ، وابن عباس، ﵄: (ويقول الراسخون في العلم آمنا به) (٦). ودليله أيضًا ما روي عن عمر بن عبد العزيز: أنه قرأ هذِه الآية (ثم قال) (٧): انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى (٨) أن قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (٩).

стр. 3783

وقال أبو نهيك الأسدي (١): إنكم تصلون هذِه الآية، وإنها مقطوعة (٢) وهذا القول أقيس في العربية، وأشبه بظاهر الآية (والقصة. والله أعلم) (٣) (بالصواب) (٤) (٥).

стр. 3784

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3785

قوله : ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾: الدَّاخلون في العلم، الذين أتقنوا علمهم، وضبطوه؛ فلا يدخلهم في معرفتهم شك. وأصله: من رسوخ الشيء في الشيء، وهو ثبوته وولوجه فيه. يقال: رسخ الإيمان في قلب فلان، فهو يرسخ رسوخًا ورسْخًا، وكذلك في كل شيء، ورسخ ورصخ واحد، كما يقال مسلوخ ومصلوخ (١). قال الشاعر (٢): لأصبح العِيْن ركودًا على الـ ... أوشاز أن يرسخن في المَوْحَلِ (٣)

стр. 3786

أي: يدخلن في الوحل. وقال آخر (١): لقد رسخت، في الصدر، مني، مودة ... لليلى، أبت آياتها أن تغيّرا (٢) قال المفسّرون: الراسخون: علماء مؤمني أهل الكتاب، مثل: عبد الله بن سلام وأصحابه (٣). دليله قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ (٤) يعني: الدارسين علم التوراة (٥).

стр. 3787

[٧٠٨] أخبرنا عبد الله بن حامد (١)، ثنا أبو الحسين أحمد بن جعفر ابن المنادى (٢)، ثنا أبو محمَّد عبد الله بن عمرو بن أبي سعيد الوراق (٣)، ثنا سفيان بن زياد أبو محمَّد المخرمي (٤)، ثنا الفياض (٥) محمَّد الرقيُّ (٦)، ح (٧). [٧٠٩] وأخبرنا أبو القاسم ابن حبيب (٨)، ثنا أبو عبد الله محمَّد بن

стр. 3788

يوسف الهروي (١)، ثنا عثمان بن سعيد (٢)، ثنا نعيم بن حمَّاد (٣)، ثنا الفيَّاض بن محمَّد الرقِّي. [٧١٠] وأخبرنا ابن فنجويه (٤)، ثنا عبد الله بن محمَّد (بن شنبة) (٥) (٦)، ثنا أبو الفضل العباس بن يوسف الشكليُّ (٧) (٨)، ثنا إبراهيم بن المهلب (٩)، عن الزهريِّ (١٠)، ثنا نعيم بن حمَّاد، ثنا فياض الرقيّ، حدثنا عبد الله بن يزيد بن آدم (١١) (١٢)، عن أنس بن

стр. 3789

مالك، وأبي الدرداء، وأبي أمامة (١)، ﵃، أن رسول الله ﷺ سُئل: من الراسخون في العلم؟ فقال: "من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، وعف بطنه وفرجه، فذلك الراسخ في العلم" (٢). [٧١١] وأخبرني ابن فنجويه (٣)، ثنا أبو بكر (بن مالك) (٤) القطيعيُّ (٥)، ثنا أحمد بن علي الأبار (٦)، ثنا أبو طاهر أحمد بن

стр. 3790

السَّرح (١) (٢)، ثنا ابن وهب (٣) قال: سمعت مالك بن أنس (٤) وسئل عن تفسير الراسخين في العلم، من هم؟ ، فقال: العالم، العامل بما علم، المتبع له (٥). وقال نافع بن زيد (٦): كان يقال: الراسخون في العلم: المتواضعون لله، المتذللون في طلب مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم، ولا يحتقرون من دونهم (٧). وقال بعضهم: الراسخ في العلم: من وجد في علمه أربعة أشياء:

стр. 3791

التقوى بينه وبين الله، والتواضع بينه وبين الحق، والزهد بينه وبين الدنيا، والمجاهدة بينه وبين نفسه (١). وقال ابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، والسدي (٤): ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾: سمَّاهم الله تعالى الراسخين في العلم، فرسوخهم في العلم قولهم (٥): ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ أي: المتشابه ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾: المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، وما علمناه وما لم نعلمه (٦).

стр. 3792

قال المبرد: زعم بعض النَّاس أن (عند) ها هنا صلة، ومعناه: كل من ربنا (١) ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ﴾: يتعظ، (بما في القرآن) (٢) ﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: ذوو العقول، ولبُّ كل شيء: خالصه، وخيره (٣). ٨ - (قوله (٤): ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ الآية. أي: ويقول الراسخون في العلم، كقوله تعالى في آخر السورة: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٥). ﴿رَبَّنَا﴾ أي: ويقولون: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ أي: لا تملها عن الحق والهدى، كما أزغت قلوب اليهود والنصارى، والذين في قلوبهم زيغ (٦). يقال: أزاغ يزيغ إزاغة: إذا أمال، وزاغ يزيغ زيغًا وزيغانًا: إذا

стр. 3793

مال (١). ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾: وفقتنا لدينك، والإيمان بالمحكم والمتشابه من كتابك، ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ﴾: وأعطنا من عندك ﴿رَحْمَةً﴾ توفيقًا وتثبيتًا للذي نحن عليه من الإيمان والهدى. وقال الضحاك: تجاوزًا، ومغفرة (٢). وقال الصادق: لزومًا لخدمتك على شرط السنَّة (٣). ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ وفي هذِه الآية ردٌّ على القدرية (٤).

стр. 3794

[٧١٢] أخبرني ابن فنجويه (١)، ثنا أَحْمد بن جعفر بن حمدان (٢)، ثنا مسيح بن مُحَمَّد بن مسيح (٣)، حَدَّثَنَا عمرو بن حميد (٤)، ثنا عبد الحميد بن بهرام (٥)، عن شهر بن حوشب (٦) قال: سمعت أم سلمة (٧) ﵁ تحدِّث أن رسول الله ﷺ كان يكثر في دعائه: "اللهُمَّ مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، قالت: قلت: يَا رسول الله وإن القلب ليقلب؟ قال: "نعم، ما خلق الله سبحانه من بني آدم من بشر إلَّا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله تعالى، فإن شاء أزاغه، وإن شاء أقامه، فنسأل الله سبحانه ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يَهَب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهَّاب".

стр. 3795

قالت: قلت يَا رسول الله، ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: "بلى قولي: اللهم رب النَّبِيّ محمَّد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مُضلَّات الفتن ما أحييتني" (١).

стр. 3796

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3797

[٧١٣] وأخبرنا أبو سعيد محمَّد بن (موسى بن الفضل) (١) الصَّيرفي (٢)، ثنا أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله الصفَّار (٣)، ثنا أبو بكر بن أبي الدنيا (٤)، ثنا علي بن الجعد (٥)، ثنا شعبة (٦)، عن سعيد الجريري (٧) قال: سمعت غنيم بن قيس (٨) يحدِّث عن أبي موسى (٩) ﵁ قال: إنما سُمِّي القلب قلبًا؛ لتقلُّبه، وإنما مثل القلب مثل ريشة بفلاة من الأرض (١٠).

стр. 3798

[٧١٤] وبإسناده عن ابن أبي الدنيا قال: حَدَّثني سويد (بن سعيد) (١) (٢)، ثنا بقية بن الوليد (٣)، عن بحير بن سعد (٤) عن خالد ابن معدان (٥)، عن أبي عبيدة بن الجراح (٦) ﵁ أن رسول الله ﷺ

стр. 3799

قال: "إن قلب ابن آدم مثل العصفور، يتقلب في اليوم سبع مرات" (١). ٩ - قوله : ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ﴾ أي (٢): لقضاء يوم (٣)، وقيل: اللام بمعنى (في)، أي: في (٤) يوم (٥) ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٦) أي: لا شك فيه, وهو يوم القيامة. وتم الكلام عند قوله (٧): ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، فلذلك انصرف عن الخطاب إلى الخبر، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ وهو

стр. 3800

مفعال: من الوعيد (١). ١٠ - قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾. قرأ السلميُّ: (يغني) بالياء، لتقدم الفعل، ودخول الحائل بين الاسم والفعل (٢). وقرأ الحسن: (لن تغني) بالتاء وسكون الياء الأخيرة؛ إيثارًا للتخفيف (٣)، كقول الشَّاعر (٤):

стр. 3801

كفى باليأس، من أسماء، كافِ وليس لسقمها، إذ طال، شافِ (١) وكان حقه أن يقول: كافيًا، فأرسل الياء (٢). وأنشد الفراء: كأنَّ أيديهن بالقاع القرِقْ أيدي جوارٍ يتعاطين الورِقْ (٣) ومعنى قوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾ هو: لن تنفع، وإنما سُمي المال غنى؛ لأنه يدفع عن صاحبه الفقر والنوائب، وينفعه (٤). ﴿عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. قال الكلبيُّ: من

стр. 3802

عذاب الله (١). وقال (أبو عبيدة) (٢): معناه: عند الله شيئًا، (من) بمعنى: (عند) (٣) ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾. ١١ - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ , ونظم الآية: إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم، عند حلول النقمة والعقوبة، مثل آل فرعون، وكفَّار الأمم الخالية، أخذناهم وعاقبناهم، فلم تغن عنهم أموالهم، ولا أولادهم (٤). وأما معنى الدأب: فقال ابن عباس (٥)، وعكرمة، ومجاهد (٦)،

стр. 3803

والضَّحَاك (١)، وأبو روق (٢)، والسدي (٣)، وابن زيد (٤): كفعل آل فرعون، وصنيعهم، في الكفر والتكذيب. تقول (٥): كفرت اليهود بمحمد ﷺ ، ككفر آل فرعون ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. وقال الرَّبيع (٦)، والكسائي (٧)، وأبو عبيدة (٨): كشبه آل فرعون وشأنهم (٩). وقال مقاتل (١٠): كأشباه آل فرعون. وقال الأخفش: كأمر آل فرعون وشأنهم.

стр. 3804

وقال قطرب: كحال آل فرعون. وقال النضر بن شميل، والمبرد: كعادة آل فرعون. وقال امرؤ القيس: كدأبك من أم الحويرث قبلها ... وجارتها، أمِّ الرباب، بمأسلِ (١) وقال الزجاج: كاجتهاد آل فرعون في كفرهم، وتظاهرهم على الباطل (٢). وهذا أصل الحرف، يقال: دأبت في الأمر أدأب دأبًا إذا أدمت العمل، وبقيت فيه، وأدأب السير إدآبًا، ثم نقل معناه إلى الشأن، والحال والعادة (٣). قال زهير:

стр. 3805

لأرتحلنْ بالفجر، ثم لأدأبنْ ... إلى الليل، إلَّا أنْ يعرِّجني طِفْلُ (١) وقال (٢) سيبويه: موضع الكاف: رفيع بخبر الابتداء؛ لأن كاف التشبيه تقوم مقام الاسم، وتقديره: دأبهم كدأب آل فرعون (٣).

стр. 3806

﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: كفَّار الأمم الماضية (١) ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ فعاقبهم الله بذنوبهم، نظيره قوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ (٢) (٣) ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. ١٢ - قوله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾: قرأ يحيى بن وثاب، والأعمش، وحمزة، والكسائي، وخلف: بالياء فيهما (٤)، والباقون بالتاء (٥). فمن قرأها بالياء: فعلى الإخبار عنهم أنَّهم يغلبون ويحشرون، ومن قرأ بالتاء: فعلى الخطاب. أي: قل لهم: إنكم تغلبون وتحشرون. وكلا الوجهين جائز؛ لأنه لم يودع إليهم، وإنما كان المخاطب بالشيء غير حاضر، ولو كانت مخاطبته برسالة، جاز ردُّ

стр. 3807

الكلام بالتاء على الخطاب، وبالياء على الإخبار والإعلام، كما تقول: قل لعبد الله: ليُضربنَّ، ولتُضَربنَّ (١). واختلف المفسرون في المعنى بهاتين الآيتين، من هم؟ : فقال مقاتل (٢): هم مشركو مكة. ومعنى الآية: قل لكفار مكة: ستغلبون يوم بدر وتحشرون إلى جهنم في الآخرة (٣)، فلما نزلت هذِه الآية قال النَّبِيّ ﷺ للكفار، يوم بدر: إن الله تعالى غالبكم، وحاشركم إلى جهنَّم. ودليل هذا التأويل قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ (٤) (٥). وقال بعضهم: المراد بهذِه الآية: اليهود.

стр. 3808

قال الكلبيُّ (١) عن أبي صالح (٢) عن ابن عباس (٣) ﵄ مما إن يهود أهل المدينة قالوا - لمَّا هزم رسول الله ﷺ المشركين يوم بدر- هذا، والله، النَّبِيّ الأميُّ، الذي بشرنا به موسى، ونجده في كتابنا، بنعته وصفته، وإنه لا ترد له راية، وأرادوا تصديقه واتباعه. ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا؛ حتَّى ننظر إلى وقعة له أخرى، فلمَّا كان يوم أحد، ونكب أصحاب رسول الله ﷺ شكُّوا، وقالوا: والله! ما هو به؛ فغلب عليهم الشقاء، فلم يسلموا، وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد إلى مدة، لم ينقض، فنقضوا ذلك العهد قبل أجله، وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكبًا إلى أهل مكة -إلى أبي سفيان وأصحابه- فوافقوهم، وجمعوا أمرهم على رسول الله ﷺ لتكوننَّ كلمتنا واحدة، ثم رجعوا إلى المدينة، فأنزل الله تعالى فيهم هذِه الآية (٤).

стр. 3809

وقال محمَّد بن إسحاق، عن رجاله: لما أصاب رسول الله ﷺ قريشًا ببدر، وقدم المدينة، جمع اليهود في سوق قينقاع (١)، فقال: يَا معشر اليهود، احذروا من الله تعالى مثل ما نزل بقريش يوم بدر، أسلموا (٢) قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، وقد عرفتم أني نبي مرسل؛ تجدون ذلك في كتابكم، وعهد الله إليكم. فقالوا: يَا محمَّد، لا يغرَّنك أنك لقيت قومًا أغمارًا (٣)، لا علم لهم بالحرب (فأصبت فيهم) (٤) فرصة، إنَّا، والله، لو قاتلناك، لعرفت أنَّا نحن النَّاس. فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (يعني: اليهود) (٥) ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ تهزمون ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾: في الآخرة (٦).

стр. 3810

وهذِه رواية عكرمة، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ (١) (٢). قال أهل اللغة: اشتقاق: جهنم، من: الجهنام، وهي: البئر البعيدة القعر. ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: الفراش (٣).

стр. 3811

١٣ - قوله : ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ ولم يقل: كانت، والآية مؤنثة؛ لأنه ردها إلى البيان -أي: قد كان لكم بيان- فذهب إلى المعنى، وترك اللفظ، كقول الشَّاعر: بَرَهْرَهة (رؤدةٌ رخصةٌ) (١) ... كخُرْعُوبة البانةِ المنفطرْ (٢) ولم يقل: المنفطرة؛ لأنه ذهب إلى القضيب (٣). وقال الفراء: (ذكَّره؛ لأنه فرِّق بينهما بالصفة، فلمَّا حالت الصفة بين الفعل والاسم المؤنث، ذكَّر الفعل. وأنشد: إنَّ امرأ غرَّه منكنَّ واحدةٌ ... بعدي، وبعدَكِ، في الدنيا، لمغروُر (٤)

стр. 3812

فكل ما جاء في القرآن من هذا النحو، فهذا وجهه (١)، فمعنى الآية: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ أي: عبرة، ودلالة، على صدق ما أقول لكم، أنكم ستغلبون ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ فرقتين وجماعتين، وأصلها في الحرب؛ لأن بعضهم يفيء إلى بعض (٢)، ﴿الْتَقَتَا﴾: يوم بدر (٣) ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾) (٤): (طاعة الله، وهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، على عدة أصحاب طالوت (٥)، الذين جاوزوا معه النهر، وما جاوز معه إلَّا مؤمن،

стр. 3813

سبعة وسبعون رجلًا من المهاجرين، ومائتان وستة وثلاثون من الْأَنصار (١)، وكان صاحب راية رسول الله ﷺ والمهاجرين علي بن أبي طالب ﵁، وصاحب راية الْأَنصار سعد بن عبادة (٢)، وكانت

стр. 3814

الإبل في جيش رسول الله ﷺ سبعين بعيرًا، والخيل فرسين: فرس للمقداد بن عمرو، وفرس لمرثد بن أبي مرثد (١)) (٢). (وكان معهم من السلاح: ستة أدرع، وثمانية سيوف، وجميع من استشهد من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلًا: من المهاجرين ستة (٣)، وثمانية من الْأَنصار (٤).

стр. 3815

وقوله (١): ﴿وَأُخْرَى﴾ أي (٢): وفرقة أخرى ﴿كَافِرَةٌ﴾: وهم مشركو مكة، ورأسهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكانوا تسعمائة وخمسين رجلًا مقاتلًا، وكانت خيلهم مائة فرس (٣)، وكانت حرب بدر أول مشهد شهده رسول الله ﷺ ، وكان سبب ذلك عير أبي سفيان (٤)) (٥). (واختلف القراء في هذِه الآية: فقرأ عامتهم: ﴿فِئَةٌ﴾ بالرفع؛ على معنى: منهما فئة، أو: إحداهما فئة (٦). وقرأ الزهريُّ: بالخفض (٧)، على البدل من الفئتين (٨). وقال ابن

стр. 3816

السَّميفع: نصبًا، على المدح (١). وقرأ مجاهد: (يقاتل) بالياء (٢)، ردَّه إلى القوم وجرى على لفظه (٣). وقرأ الباقون بالتاء (٤)) (٥). (قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾: قرأ أبو رجاء والحسن وأبو جعفر وشيبة ونافع ويعقوب وأيوب (٦): بالتاء (٧)، واختاره أبو حاتم.

стр. 3817

والباقون: بالياء، واختاره أبو عُبيد) (١) (٢). (فمن قرأ بالتاء: فمعناه: ترون، يَا معشر اليهود، أهل مكة مثلي المسلمين) (٣) (٤). ومن قرأ: بالياء، فاختلف في وجهه: فجعل بعضهم الرؤية للمسلمين، ثم له تأويلان: أحدهما: يرى المسلمون المشركين مثليهم في العدد، ثم ظهر العدد القليل على العدد الكثير بإذن الله- فتلك الآية (٥). فإن قيل: كيف جاز أن يقول: ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ وهم كانوا ثلاثة أمثالهم؟ فالجواب أن تقول هذا كما تقول -وعندك عبد تحتاج إلى مثليه-

стр. 3818

أحتاج (١) إلى مِثْلَي عبدي، فأنت تحتاج إلى ثلاثة، وكذلك (٢) تقول: معي أَلْف، وأحتاج إلى مثليه. فأنت تحتاج إلى ثلاثة آلاف، فلما نويت أن يكون الألف داخلًا في المثل، كان المثل اثنين، والاثنان ثلاثة. قاله الفراء (٣) (٤) (٥). (والتأويل الآخر: أن معناه: يرى المسلمون المشركين مثلي عدد أنفسهم؛ قللهم الله تعالى في أعينهم حتَّى رأتها ستمائة وستة وعشرين، وكانوا ثلاثة أمثالهم: تسعمائة وخمسين، ثم قللهم الله في حالة أخرى حتَّى رأوهم مثل عدد أنفسهم. قال ابن مسعود، في هذِه الآية: قد نظرنا إلى المشركين، فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا، فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدًا (٦).

стр. 3819

ثمَّ قلِّلهم الله أَيضًا في أعينهم حتَّى رأوهم عددًا يسيرًا أقل من أنفسهم؛ قال ابن مسعود أَيضًا: لقد قلَّلوا في أعيننا، يوم بدر، حتَّى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة. قال: فأسرنا رجلًا (١) منهم، فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفًا (٢). وقال بعضهم: الرؤية راجعة إلى المشركين -يعني: يرى المشركون المُؤْمنين مثليهم- قلَّلهم الله تعالى قبل القتال في أعين المشركين؛ ليجترئوا عليهم، ولا ينصرفوا. فلما أخذوا في القتال كثَّرهم الله تعالى ذكره في أعينهم؛ ليجبنوا، وقلَّلهم في أعين المُؤْمنين؛ ليجترئوا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي

стр. 3820

أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ الآية (١)) (٢). [٧١٥] (أخبرنا عبد الله بن حامد (٣)، أخبرنا أَحْمد بن محمَّد بن يوسف (٤)، حَدَّثَنَا أبو عبد الرَّحْمَن عبيد الله بن (محمَّد بن) (٥) يحيى (٦)، حَدَّثَنَا يعقوب بن سفيان (٧)، عن مسلم بن إبراهيم (٨): عن (محمَّد بن أبي الفرات) (٩)، عن (سعد بن أوس) (١٠) (١١): ﴿يَرَوْنَهُم
следующие страницы →