← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

والعلماء أعلام الإسلام، والسابقون إلى دار السلام، وسرج الأمكنة، وحجج الأزمنة (١). [٧٥٢] وقد أخبرنا أبو بكر محمد بن موسى بن أبان الأصبهانيّ (٢)، حدثنا أبو محمد بن عفّان السمنانيّ (٣)، حدثنا أبو علي الوصي الدامغانيّ (٤)، حدثنا محمد بن سعيد (٥)، حدثنا محمد بن عبد الله المزنيّ (٦)، حدثنا أبو إدريس (٧)، عن صفوان بن سليم (٨)، عن جابر ابن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "ساعة من عالم يتكئ على فراشه ينظر في علمه، خير من عبادة العابد سبعين عامًا" (٩).

стр. 3887

[٧٥٣] وأخبرنا أبو نصر النعمان بن محمد بن النعمان الجرجانيُّ (١)، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد اليزيديُّ (٢)، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن أبي رافع (٣)، حدثنا أحمد بن يوسف الرسيُّ (٤)، حدثنا صاحب لنا يقال له: أبو يوسف عبد الوهاب القُومسِيّ (٥)، عن محمد بن صالح الكوفيّ (٦)، عن المسيب بن شريك (٧)، عن حميد الطويل (٨)، عن أنس بن مالك قال: قال

стр. 3888

رسول الله ﷺ : "تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وتذكره لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبيل الجنة والنار. هو (١) الأنيس (٢) في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، وسلاح على الأعداء، والقرب عند الغرباء، يرفع الله به أقوامًا؛ ليجعلهم في الخير قادة يقتدى بهم، وتقتفى آثارهم، وترمق أعمالهم ويقتدى بأفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلاتهم تستغفر لهم، وكل رطب ويابس يستغفر لهم، حتى حيتان البحر وهوامها، وسباع الأرض وأنعامها، والسماء ونجومها. ألا وإن العلم حياة القلب على العمى، ونور الأبصار من الظلم، وقوة الأبدان من الضعف يبلغ بالعبد منازل الأحرار، ومجلس الملوك، والفكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، وبه يعرف الحلال والحرام، وبه توصل الأرحام، هو إمام العمل، والعقل تابعه، يُلهمه السعداءُ، ويُحرمه الأشقياء" (٣) (٤).

стр. 3889

(قوله تعالى) (١): ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل. ونظم الآية: شهد الله أنه قائم بالقسط، وهو نصب على الحال (٢). وقال الفراء (٣): هو نصب على القطع، كأن أصله: القائم، وكذلك هو في حرف عبد الله (٤)، فلما قطعت الألف واللام نصبت، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ (٥) (٦).

стр. 3890

وقال أهل المعاني: معنى قوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ أي: مدبر رزَّاق مُجَازٍ (بالأعمال (١)، كما يقال: فلان قائم بامر فلان، أي: مدبِّر له، ومتعهد لأسبابه، وقائم بحق فلان، أي: مجاز له (٢). ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هو كرر الشهادة؛ لأن الأولى حلّت محل الدعوى، والشهادة الثانية حلَّت محل الحكم (٣). وقال جعفر الصادق ﵀: الأولى: وصف وتوحيد، والثانية: رسم وتعليم. يعني: قولوا: لا إله إلا هو العزيز الحكيم (٤). * * *

стр. 3891

١٩ - ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ يعني: المرتضى الصحيح، نظيره قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١). وفتح الكسائي ومحمد بن عيسى الأصبهانيُّ ألف (إن)؛ ردًّا على ألف (أن) الأولى في قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ﴾ وشهد (أن الدين عند الله الإسلام) (٢) وكسره الباقون؛ على الابتداء (٣) (٤). والإسلام: الدخول في السلم، وهو الانقياد والطاعة، يقال: أسلم الرجل، أي: دخل في السلم واستسلم، كقولهم: أشتى وأربع وأقحط وأخصب، أي: دخل فيها (٥).

стр. 3892

[٧٥٤] أخبرنا عبد الله بن حامد (١)، ثنا حامد بن محمد (٢)، ثنا إسحاق بن الحسن (٣)، ثنا حسين بن محمد (٤)، ثنا شيبان (٥)، عن قتادة (٦) في قوله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه، ولا يقبل غيره، ولا يجزي إلَّا به (٧). (قوله ) (٨): ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾. قال الربيع: إن موسى ﵇ لمَّا حضره الموت دعا سبعين حَبْرًا، من أحبار بني إسرائيل، واستودعهم التوراة، وجعلهم أمناء عليها،

стр. 3893

واستخلف يوشع بن نون، فلما مضى القرن الأول والثاني والثالث، وقعت الفرقة بينهم، وهم الذين أوتوا الكتاب، من أبناء أولئك السبعين، حتى أهرقوا (١) (٢) الدماء، ووقع الشر والاختلاف، وذلك، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ يعني: بيان ما في التوراة (٣). ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي: طلبًا للملك والرياسة والتحاسد والمنافسة، فسلط الله عليهم الجبابرة. وقال بعضهم: أراد: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب -في نبوة محمد ﷺ إلا من بعد ما جاءهم العلم يعني: بيان صفته ونعته، في كتبهم (٤). وقال محمد بن جعفر بن الزبير: نزلت هذِه الآية في نصارى نجران، ومعناها: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني: الإنجيل، في أمر عيسى ﵇، وفرَّقوا القول فيه، إلا من بعد ما

стр. 3894

جاءهم العلم بأن الله واحد، وأن عيسى عبده ورسوله، ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي: المعاداة والمخالفة (١). ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: لا يحتاج إلى عقد، ولا قبض يد. وقال الكلبيّ: نزلت في اليهود والنصارى، حين تركوا اسم الإسلام، وتسموا باليهودية والنصرانية، فقال : ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ بأن دين الله هو (٢) الإسلام ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾: ظلمًا وحسدًا، نظيرها قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾ (٣). فقالت اليهود والنصارى: لسنا على ما سمَّيتنا به يا محمد، إنما اليهودية والنصرانية نسب، والدين هو الإسلام، ونحن عليه، فأنزل الله تعالى: ٢٠ - ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي (٤): خاصموك، يا محمد، في الدين ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾

стр. 3895

أي: انقدت لله وحده، بقلبي ولساني، وجميع جوارحي (١). وإنما خص الوجه، لأنه أكرم جوارح الإنسان، وفيه بهاؤه وتعظيمه، فإذا خضع وجهه لشيء، فقد خضع له سائر جوارحه، التي هي (٢) دون الوجه (٣). وقال الفراء: معناه: أخلصت عملي لله تعالى. يقال: أسلمت الشيء لفلان وسلمت (٤) له، أي (٥): دفعته إليه (٦)، وأخلصته له، ومن هذا: أسلمت الغلام إلى الكتَّاب، وفي صناعة كذا. أي: أخلصته لها (٧). والوجه: العمل، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ (٨) أي: قصده

стр. 3896

وعمله، وقولهِ تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ (١) وأنشد (٢): أستغفر الله ذنبًا لست محصيه ... ربَّ العباد إليه الوجه والعمل فنسق بالعمل على الوجه، وهما واحد؛ لاختلاف اللفظين (٣). وقوله (٤) ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ ﴿وَمَنِ﴾: في محل الرفع؛ عطفًا على التاء في قوله: ﴿أَسْلَمْتُ﴾ أي: ومن اتبعني أسلم، أيضًا، كما أسلمت (٥). وأثبت (٦) بعضهم الياء في قوله: (اتبعني) على الأصل، وحذفه الآخرون؛ لأنها في المصحف بغير ياء (٧).

стр. 3897

قال الشاعر (١): كفَّاكَ: (٢) كَفٌّ ما تُليقُ دِرْهمًا؛ ... جُوْدًا، وأخرى تُعْطِ بالسيف دمًا (٣) وقال آخر (٤): ليس تَخْفى يسارتي قدرَ يومٍ ... ولقد تُخْفِ شيمتي إعساري (٥) (قوله تعالى) (٦): ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ يعني: العرب ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾: لفظه استفهام، ومعناه أمر. أي: أسلِموا، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٧) أي: انتهوا (٨). ﴿أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾: فقرأ رسول الله ﷺ عليهم هذِه الآية،

стр. 3898

فقال أهل الكتاب: أسلمنا، فقال لليهود: "أتشهدون أن عيسى ﵇ كلمة الله وعبده ورسوله؟ " فقالوا (١): معاذ الله. وقال للنصارى: "أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله؟ " فقالوا: معاذ الله أن يكون عيسى عبدًا، فذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ (٢): تبليغ الرسالة ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ عالم بمن يؤمن، وبمن لا يؤمن، وبأهل الثواب، وبأهل العقاب. ٢١ - قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ أي (٣): يجحدون ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: حججه وأعلامه، وقيل: هي (٤) القرآن، وهم اليهود والنصارى (٥). ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ قرأ الحسن: (ويقتّلون): بالتشديد فيهما؛ على التكثير (٦)، وقرأ حمزة: (ويقاتلون الذين يأمرون) (٧)؛ اعتبارًا بقراءة ابن

стр. 3899

مسعود: (وقاتلوا الذين يأمرون): ووجه هذِه القراءة: يقتلون النبيين بغير حق، وقد قاتلوا الذين يأمرون به؛ لأنه غير جائز عطف الماضي على المستقبل (١). وفي حرف أبيٍّ: (وتقتلون النبيين بغير حق) (٢). و﴿الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾: قال مقاتل: أراد به ملوك بني إسرائيل (٣). وقال معقل بن أبي مسكين (٤) وابن جريج: كان الوحي يأتي إلى (٥) أنبياء بني إسرائيل، ولم يكن يأتيهم كتاب، فيذكِّرون قومهم، فيقتلون،

стр. 3900

فيقوم رجال ممن تبعهم وصدَّقهم، فيذكِّرون قومهم، فيقتلون أيضًا، فهم الذين يأمرون بالقسط من الناس (١). [٧٥٥] أخبرنا ابن فنجويه الحسين بن محمد بن الحسين الدينوري (٢)، حدثنا أبو نصر منصور بن جعفر النَّهَاوَنْديُّ (٣)، ثنا أحمد بن يحيى بن الجارود (٤)، ثنا محمد بن عمرو بن حَنَان (٥)، ثنا محمد بن حمير (٦)، ثنا أبو الحسن مولى بني أسد (٧)، عن مكحول (٨)، عن قبيصة بن ذؤيب الخزاعيّ (٩)، عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ (١٠) قال: قلت لرسول الله ﷺ : أي الناس أشد عذابًا

стр. 3901

يوم القيامة؟ قال: "رجل قتل: نبيًّا، أو رجلًا أمر بمعروف ونهى عن منكر" ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ إلى أن انتهى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: ثم قال رسول الله ﷺ (١): "يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيًّا، من أول النهار، في ساعة واحدة، فقام مائة واثنا عشر رجلًا من عبّاد بني إسرائيل، فأمروا من قتلهم بالمعروف، ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعًا من آخر النهار، في ذلك اليوم، فهم الذين ذكرهم الله في كتابه، فأنزل الآية فيهم" (٢).

стр. 3902

[٧٥٦] وأخبرني الحسين بن محمد الدينوري (١)، ثنا أحمد بن محمد بن إسحاق (٢)، حدثني العباس بن علي النسائي (٣)، ثنا محمد ابن يوسف بن أبي معمر (٤)، ثنا عبد الله بن محمد بن المغيرة (٥)، ثنا مالك بن مغول (٦)، عن عمرو بن مرة (٧)، عن عبيدة السَّلمانيِّ (٨)، عن عبد الله بن مسعود ﵁ (٩) قال: قال رسول الله ﷺ : "بئس القوم قومًا (١٠) يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس،

стр. 3903

بئس القوم قوما لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، بئس القوم قومًا يمشي المؤمن بينهم بالتقية والكتمان" (١). ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ أي (٢): أخبرهم ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وإنما أدخل الفاء؛ لأنه وضع قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ في (٣) موضع الجزاء؛ لأنه لا يقال: إن زيدًا فقائم (٤). وقيل: أدخل الفاء، على إلغاء (إن)، وتقديره: الذين يكفرون

стр. 3904

ويقتلون، فبشرهم بعذاب أليم. أي (١): وجيع (٢). ٢٢ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي (٣): ذَهَبَتْ، وبَطَلَتْ (٤)، وقرأ أبو واقد (٥)، وأبو الجراح (٦): (حَبَطَتْ) بفتح الباء، فيكون مغايرة، بكسر الباء، يحبط (٧)، وأصله من الحَبَط، وهو: أن ترعى الماشية نبتًا رديئًا، فينتفخ لذلك بطونها، وربما ماتت منه (٨).

стр. 3905

ثم جعل كل شيء يهلك حَبَطًا، ومنه قول النبي ﷺ : "وإنَّ مما ينبت الربيع ما يقتل حَبَطًا أو يُلمّ" (١) (٢). ﴿أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ٢٣ - قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني: اليهود (٣) ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾. اختلفوا في هذا الكتاب الذي أخبر الله تعالى أنهم يدعون إليه، فيعرضون عنه: فقال قوم: هو القرآن (٤).

стр. 3906

وروى جويبر (١) عن الضحاك (٢)، عن ابن عباس ﵄ في هذِه الآية قال: إن الله تعالى جعل القرآن حكمًا، فيما بينهم وبين رسول الله ﷺ ، فحكم القرآن على اليهود والنصارى بأنهم على غير الهدى، فأعرضوا عنه (٣). وقال قتادة: هم أعداء الله -اليهود- دعوا إلى حكم القرآن، واتباع محمد ﷺ ، فأعرضوا عنه، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في كتبهم (٤). وقال السدي: دعا النبي ﷺ اليهود إلى الإسلام، فقال له النعمان ابن أبي أوفى: هلمَّ يا محمدُ، نخاصمك إلى الأحبار، فقال له رسول الله ﷺ : "بل إلى كتاب الله". فقال: بل إلى الأحبار، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٥).

стр. 3907

وقال آخرون: الكتاب: هو التوراة (١). روى سعيد بن جبير، وعكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: دخل رسول الله ﷺ بيت المدْراس على جماعة من اليهود، فدعاهم إلى الله ، فقال له نعيم بن عمرو، والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ قال: "على ملة إبراهيم"، قالا: إن إبراهيم كان يهوديًّا، فقال لهم (٢) رسول الله ﷺ : "فهلمُّوا إلى التوراة فهي (٣) بيننا وبينكم حَكَم"، فأبيا عليه، فأنزل الله هذِه الآية (٤) (٥).

стр. 3908

وروى الكلبيّ (١) عن أبي صالح (٢)، عن ابن عباس ﵄ أن رجلًا وامرأةً من أهل خيبر زنيا (٣)، وكانا في شرف فيهم، وكان في كتابهم الرجم، فكرهوا رجمهما؛ لحالهما، وشرفهما، ورجوا أن يكون عند رسول الله ﷺ رخصة في أمرهما، فرفعوا أمرهما جميعًا إلى رسول الله ﷺ ، فحكم عليهما بالرجم، فقال له النعمان بن أبي أوفى وبَحْري (٤) ابن عمرو: لقد (٥) جُرْتَ علينا يا محمدُ، ليس عليهما الرجم، فقال لهم (٦) رسول الله ﷺ : "بيني وبينكم التوراة؛ فإن فيها الرجمَ" قالوا: قد أنصفتنا، قال: "فمن أعلمكم بالتوراة؟ "، قالوا: رجل أعور يسكن، فدك (٧) يقال له: ابن صوريا، فأرسلوا إليه، فقدم المدينة، وكان جبريل ﵇ قد وصفه لرسول الله ﷺ . فقال له النبي ﷺ : "أنت ابن صوريا؟ " قال: نعم، قال: "أنت

стр. 3909

أعلم اليهود بالتوراة؟ " قال: كذلك يزعمون، قال: فدعا النبي ﷺ بشيء من التوراة، فيها الرجم مكتوب، فقال له: "اقرأ" فلما أتى على آية الرجم، وضع كفَّه عليها، وقرأ ما بعدها، فقال ابن سلام: يا رسول الله (قد جاوزها، ووضع كفَّه عليها، وقام إلى ابن صوريا فرفع كفه عنها) (١)، ثم قرأ على رسول الله ﷺ وعلى اليهود بأن على المحصن والمحصنة إذا زنيا، وقامت عليهما البيّنة، رجمًا، وإن كانت المرأة حبلئ، تُربِّص بها، حتى تضع ما في بطنها، فأمر رسول الله ﷺ باليهوديين فرجما، فغضب اليهود لذلك غضبًا شديدًا، وانصرفوا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ (٢)

стр. 3910

أي (١): حظًّا ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: التوراة. ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ (٢) ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾: بعد علمهم أنها في التوراة ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. ٢٤ - قوله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾. ٢٥ - قوله: ﴿فَكَيْفَ﴾: يصنعون ﴿إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وهو يوم القيامة ﴿وَوُفِّيَتْ﴾: ووفرت ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾: برّةً كانت (٣) أو فاجرةً ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ أي: جزاء ما عملت من خير أو شر ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لا ينقص من حسناتهم، ولا يزاد على سيئاتهم (٤).

стр. 3911

قال الضحاك عن ابن عباس ﵄: فأول راية ترفع لأهل الموقف - ذلك اليوم من رايات الكفار- رايةُ اليهودِ، فيفضحهم الله على رؤوس الأشهاد، ثم يأمر الله بهم إلى النار (١). ٢٦ - قوله : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ الآية (٢). [٧٥٧] أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد الزعفراني (٣)، ثنا أبو الحسين الحجاجيُّ (٤)، ثنا محمد بن المسيَّب (٥). [٧٥٨] وأخبرني محمد بن القاسم الفارسيُّ (٦)، ثنا أبو بكر محمد ابن بزدويه الطَّرسُوسيُّ (٧)، ثنا محمد بن سمعان (٨)، ثنا محمد بن المسَّيب (٩)، ثنا محمد بن إسحاق الصينيُّ (١٠)، ثنا عبد الله بن

стр. 3912

نافع (١)، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد (٢)، عن أبيه (٣)، عن الأعرج (٤)، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ . [٧٥٩] وأخبرني أبو عمرو الفراتيُّ (٥)، حدثنا أبو موسى (٦)، ثنا مسدد (٧)، ثنا أبو تميلة المروزيُّ (٨)، ثنا محمد بن فضيل بن غزوان (٩)، عن أبان (١٠) يرفعه. ح. [٧٦٠] وأخبرني أبو الحسن الفارسيُّ (١١)، ثنا أبو الحسين: إسحاق بن أحمد بن إبراهيم القُهُسْتَانيُّ (١٢) (١٣)، ثنا أبو قريش محمد بن

стр. 3913

جمعة (١)، ثنا محمد بن زنبور المكيُّ (٢)، ثنا الحارث بن عمير (٣)، عن جعفر بن محمد (٤)، عن أبيه (٥)، عن جده- علي بن أبي طالب ﵁ (٦) قال: قال رسول الله ﷺ : "لمَّا أراد الله تعالى أن ينزل فاتحة الكتاب وآية الكرسيِّ و ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ و ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ .. إلى قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ تعلقن بالعرش، وليس بينهن وبين الله حجاب، وقلن: (يا رب) (٧) تهبطنا إلى (٨) أرض الذنوب وإلى من يعصيك، ونحن معلقات بالطهور والعرش؟ ! فقال تعالى: وعزتي وجلالي ما من عبد قرأكن، في دُبُر كلِّ صلاة مكتوبة، إلاَّ أسكنته حظيرة القدس، على ما كان منه، وإلاَّ نظرت إليه بعيني المكنونة، في كل يوم، سبعين نظرة، وإلا قضيت له في كل يوم سبعين حاجة، أدناها المغفرة، وإلاَّ أعذته من كل عدو، ونصرته عليه، فلا يمنعه من دخول الجنّة

стр. 3914

إلاَّ أن يموت" (١). وقال معاذ بن جبل ﵁: احتبست عن رسول الله ﷺ يومًا، لم أُصِلِّ معه الجمعة، فقال: "يا معاذ ما منعك من صلاة الجمعة؟ "

стр. 3915

قلت: يا رسول الله، كان ليوحنا اليهودي عليَّ أوقية من تبر (١)، وكان على بابي يرصدني، فأشفقت أن يحبسني دونك. قال: "أتحب يا معاذ أن يقضي الله دينك؟ " قال: قلت: نعم، (يا رسول الله قال) (٢): "قل: ﴿اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ ... إلى قوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطي منهما ما تشاء، وتمنع منهما ما تشاء، اقض عني ديني. فلو كان عليك ملء الأرض ذهبًا، لأداه الله عنك" (٣).

стр. 3916

التفسير: قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ سأل ربَّه أن يجعل مُلْكَ الروم وفارس في أمته، فأنزل الله هذِه الآية (١). وقال ابن عباس، وأنس بن مالك ﵄: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة، ووعد أمته مُلْك فارس والروم، قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات! من أين لمحمد ملْك فارس والروم؛ وهم أعز وأمنع من ذلك؟ ! ألم يكف محمدًّا مكة والمدينة حتى طمَّع نفسه في ملك فارس والروم؟ ! فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٢). [٧٦١] حدثنا عبد الله بن حامد الأصفهانيّ (٣)، ثنا محمد بن جعفر

стр. 3917

المطيريُّ (١)، ثنا حمَّاد بن الحسن (٢)، ثنا محمد بن خالد ابن عثمة (٣)، ثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف (٤)، حدثني (٥) أبي (٦)، عن أبيه (٧) قال: خط رسول الله ﷺ الخندق عام الأحزاب، ثم قطع لكل عشرة أربعين ذراعًا. قال: فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسيّ، وكان رجلًا قويًّا. فقال المهاجرون: سلمان (٨) منا، وقال الأنصار: سلمان منا، فقال النبيُّ ﷺ : "سلمان منا آلَ البيت".

стр. 3918

قال عمرو بن عوف: كنت أنا وسلمان وحذيفة (١) والنعمان بن مقرن المزني، وستة نفر (٢) من الأنصار في أربعين ذراعًا، فحفرنا حتى إذا كنا تحت ذوباب (٣) أخرج الله تعالى من بطن الخندق صخرة مروة (٤)، كسرت حديدنا، وشقَّت علينا، فقلنا: يا سلمان إرقَ إلى رسول الله ﷺ ، وأخبره خبر هذِه (٥) الصخرة، فإما أن نعدل عنها، فإن المعدِل قريب، وإما أن يأمرنا فيها بأمر، فإنا لا نحب أن نجاوز خطَّه. قال: فرقي سلمان إلى رسول الله ﷺ ، وهو ضارب عليه قبَّة تركية، فقال: يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء (٦) مَرْوة من بطن الخندق فكسرت حديدنا وشقَّت علينا، حتى (ما نحيك فيها) (٧) قليلًا ولا كثيرًا (فمرنا فيها بأمرك) (٨)، فإنا لا نحب أن نجاوز

стр. 3919

خطك (١) قال (٢): فهبط رسول الله ﷺ مع سلمان إلى الخندق والتسعة (٣) على شفير الخندق، فأخذ رسول الله المِعْول (٤) من سلمان فضربها ضربة صدعها، وبرق منها برق، أضاء ما بين لابتيها (٥) -يعني المدينة- حتى لكأن مصباحًا في جوف بيت مظلم، فكبّر رسول الله ﷺ تكبيرةَ فتحٍ، وكبّر المسلمون، ثم ضربها رسول الله ﷺ الثانية، وبرق منها برق، أضاء ما بين لابتيها، حتى لكأن مصباحًا في جوف بيت مظلم، فكبّر رسول الله ﷺ تكبيرة فتحٍ، وكبّر المسلمون، ثم ضربها رسول الله ﷺ ، فكسرها، وبرق منها برق، أضاء ما بين لابتيها، حتى لكأن مصباحًا في جوف (٦) بيت مظلم، فكبّر رسول الله ﷺ تكبيرة فتح، فكبّر المسلمون.

стр. 3920

فأخذ بيد سلمان، ورقي، فقال سلمان: بأبي أنت وأمي، يا رسول الله، لقد رأيت شيئًا، ما رأيت مثله قط! ! فالتفت رسول الله ﷺ إلى القوم فقال: "أرأيتم ما يقول سلمان؟ "، قالوا: نعم، يا رسول الله. قال: "ضربت ضربتي الأولى، فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحيرة (١) ومدائن كسرى (٢)، كأنها أنياب الكلاب (٣)، فأخبرني جبريل (﵇) (٤) أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثانية، فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل ﵇ أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها (٥) قصور صنعاء (٦)، كانها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل

стр. 3921

(﵇) (١) أن أمتي ظاهرة عليها، فأبشروا". فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمد لله، موعد صدق، ووعدنا بالنصر بعد الحصر، فقال المنافقون: ألا تعجبون (٢)! يمنيكم ويعدكم (٣) الباطل (ويخبركم أنه أبصر من يثرب (٤)) (٥) قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم، وأنتم إنما (٦) تحفرون الخندق من (الفَرَق (٧) لا تستطيعون) (٨) أن تبرزوا؟ ! قال: فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ (٩) وأنزل الله تعالى في هذِه القصة قوله (١٠) ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ الآية (١١).

стр. 3922

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3923

واختلف النحاة في وجه دخول الميم في (١) هذا الاسم، وأصله: الله، وفي نصبه: فقال بعضهم: إنما أدخل الميم في آخره (بدلا من) (٢) حرف النداء المحذوف من أوله؛ لأن أصله: يا ألله. فحذف حرف النداء، وأدخلت الميم؛ عوضًا عنه (كما قالوا: فم، ودم، وزرقم للأزرق، وستهم، للأسته، وأنتم وهم) (٣) ونحوها، من الأسماء والنعوت التي يحذف منها الحرف، ثم يبدل مكانه الميم. ولما كان المحذوف من هذا الاسم حرفين، كان المبدل ميمين، فأدغمت إحداهما في الأخرى، فجاء التشديد لذلك؛ وفي سائر أخواتها، لأن المحذوف حرف واحد؛ ثم نصبت، لحِق التضعيف (٤) (٥).

стр. 3924

وأنكر الآخرون هذا القول (١)، وقالوا: قد سمعنا العرب تقول قولًا تدخل الميم فيه مع ياء النداء، وأنشد الفراء: وما عليك أن تقولي، كلما سبَّحت، أو هلَّلت يا (الله ما) (٢) اردد، علينا، شيخنا مسلَّمًا (٣) قالوا: ونرى أن أصله: الله في الدعاء، بمعنى: يا الله. ضم إليها: أُمَّ، وحذف حرف النداء، يراد: يا الله! أُمَّنا بخير -أي: اقصدنا به- ثم كثرت في الكلام حتى اختلطت به، فحذفت الهمزة؛ استخفافًا، كقولهم: هلمَّ إلينا؛ أصله: هل أُمَّ إلينا؟ أي: اقصدنا، وأسرع. ثم

стр. 3925

كثرت هذِه اللفظة؛ حتى قالوا: لاهم، بمعنى: اللهم، وربما خففوا ميمها أيضًا (١). والله أعلم (٢). قال أبو رجاء العطارديُّ: هذِه الميم التي في قوله: اللهم. تجمع سبعين اسمًا من أسمائه (٣). (قوله تعالى) (٤): ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ (٥). قال الله تعالى في بعض الكتب: أنا الله، ملك الملوك، ومالك قلوب الملوك، ونواصيهم بيدي، فإنَّ العباد إذا أطاعوني جعلتهم عليهم رحمةً، وإن عصوني جعلتهم عليهم عقوبةً، فلا تشتغلوا بسبّ الملوك، ولكن توبوا إليَّ، أُعَطِّفهم عليكم (٦).
следующие страницы →