← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

وقال يحيى البكَّاء (١): قلت لسعيد بن جبير في أيام الحجاج: (إن الحسن) (٢) كان (٣) يقول لكم (٤): التقية باللسان، والقلب مطمئن بالإيمان؟ فقال سعيد: ليس في الإسلام تقية، إنما التقية من أهل الحرب (٥) (٦). (قوله تعالى) (٧): ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي: يخوفكم الله (٨) على موالاة الكفار، وارتكاب النهي، ومخالفة المأمور في نفسه. قال المفسرون: من عذاب نفسه وعقوبته وبطشه؛ لأن قول العرب: احذر فلانًا -أي: احذر ضرره، فالحذر من الضرر والعقاب، لا من الفاعل.

стр. 3957

وقال أهل المعاني: ويحذركم الله إياه؛ لأن الشيء والنفس والذات والاسم عبارة عن الوجود، ونفس الشيء هو الشيء بعينه، كقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) أي: ليقتل بعضكم بعضًا (٢). قال الأعشى: يومًا بأجودَ نائلًا منه إذا ... نفسُ البخيلِ تجهَّمتْ سُوَّالهَا (٣) أراد: إذا البخيل تجهّم بسؤَّاله (٤). ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾.

стр. 3958

٢٩ - قوله : ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ يعني: قلوبكم، من مودة الكفار ﴿أَوْ تُبْدُوهُ﴾: من موالاتهم قولًا وفعلًا ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾. قال الكلبي: إن تُسرّوا ما في قلوبكم، من أمر رسول الله ﷺ ، من التكذيب، أو تظهروه، بحربه وقتاله ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ويحفظه عليكم؛ حتَّى يجازيكم به (١) ويعاقبكم عليه ﴿وَيَعْلَمُ﴾: بالرفع، على الاستئناف (٢)، كقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ الآية، إلى أن قال: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) بالرفع، وقوله تعالى (٤): ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ ثم قال (٥): ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾ (٦) على الابتداء (٧). ومعنى الآية: إذا كان لا يخفى عليه شيء ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ولا (٨)

стр. 3959

﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فكيف يخفى عليه موالاتكم الكفَّار، وميلكم إليهم؛ مودة بالقلب، أو معونة بالقول والفعل (١). ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ٣٠ - قوله : ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ نصب ﴿يَوْمَ﴾ (٢) بنزع حرف الصفة. أي: في يوم، وقيل: نصب؛ بإضمار فعل. أي: اذكروا، واتقوا يومًا (٣) (٤). ﴿مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ أي: موفّرًا، لم يُبْخَس منه شيء. وليس يعني نفس الطاعة والمعصية؛ لأنهما عدمتا، ولا يجوز عليهما الإعادة، وإنما يعني: بيان ما عملت من خير أو شر، حاضرًا مكتوبًا، أو يعني: ثواب ما عملت من خير، وعقاب ما عملت من شر (٥).

стр. 3960

قراءة العامة: بفتح الضاد، على المفعول (١)، وتصديقها قوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ (٢). وقرأ عبيد بن عمير؛ (محضِرًا) بكسر الضاد (٣)، يريد أن عمله يحضره الجنّة، أو يسرع به، من: الحضور أو الحُضْر (٤). ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾: جعله بعضهم خبرًا، في موضع النصب، وأعمل فيه الوجود، وجعل ﴿عَمِلَتْ﴾ صلة لها -أي: وتجد عملها (٥). وجعله بعضهم خبرًا مستأنفًا، وحينئذ (٦) يجوز في: ﴿يَوَدُّ﴾ الرفع، والجزم (٧)، ودليل هذا التأويل قراءة عبد الله بن مسعود: (وما عملت

стр. 3961

من سوء ودَّت) (١). ﴿لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا﴾: بين النفس ﴿وَبَيْنَهُ﴾ يعني: وبين السوء ﴿أَمَدًا بَعِيدًا﴾ أي: مكانًا بعيدًا. والأمد: الأجل، والغاية التي يُنْتَهى إليها (٢). قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ (٣). وقال (٤) ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ (٥). قال النابغة: إلا لمثلك، أو من أنت سابقهُ ... سبقَ الجواد، إذا استولى على الأمَدِ (٦)

стр. 3962

وقال السدي: أمدًا بعيدًا -أي: مكانًا بعيدًا (١). وقال مقاتل (٢): كما بين المشرق والمغرب (٣). وقال الحسن: يود أحدهم أن لا يلقى عمله أبدًا. وقيل: يود لو (٤) أنَّه لم يعمله (٥). ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي: رحيم بالمؤمنين منهم. ٣١ - قوله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية (٦). قال الحسن، وابن جريج: زعم أقوام على عهد رسول الله ﷺ أنهم يحبون الله، فقالوا: يا محمد، إنا نحب ربنا. فأنزل الله تعالى هذِه الآية، وجعل الله تعالى اتباع نبيِّه ﷺ عَلمًا لمحبته (٧). وروى جويبر (٨)، عن الضحاك (٩)، عن ابن عباس ﵁ قال: وقف النبي ﷺ على قريش، وهم في المسجد الحرام، وقد نصبوا أصنامهم،

стр. 3963

وعلَّقوا عليها (١) بيض النعام، وجعلوا في آذانها الشنوف (٢)، وهم يسجدون لها، فقال لهم: "يا معشر قريش، والله، لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل، ولقد كانا على الإسلام". فقالت له قريش: يا محمد، إنما نعبد هذِه؛ حبًّا لله؛ ليقربونا إلى الله زلفى. فقال الله تعالى (٣): قل لهم، يا محمد: إن كنتم تحبون الله وتعبدون الأصنام؛ لتقربكم إليه (٤)، فاتبعوني يحببكم الله؛ فأنا رسوله إليكم، وحجته عليكم، وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم (٥). وروى الكلبي (٦)، عن أبي صالح (٧)، عن ابن عباس ﵁ قال: إن

стр. 3964

اليهود لمَّا قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. أنزل الله تعالى هذِه الآية. فلمَّا نزلت، عرضها رسول الله ﷺ على اليهود، فأبوا أن يقبلوها (١). وروى محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: نزلت في نصارى نجران، وذلك؛ أنهم قالوا: إنما نعظِّم المسيح ونعبده؛ حبًّا لله؛ وتعظيمًا له. فقال الله تعالى: قل لهم، يا محمد: إن كنتم تحبون الله، وكان عظيم قولكم في عيسى؛ حبًّا لله، وتعظيمًا له، فاتبعوني (يحببكم الله) (٢) أي: أتبعوا شريعتي في سنتي، يحببكم الله (٣).

стр. 3965

وحب المؤمنين لله : اتباعهم أمره، وقصدهم طاعته ورضاه، وحب الله المؤمنين: ثناؤه عليهم، وثوابه لهم، وعفوه عنهم، فذلك قوله تعالى: ميووَيَغفِ ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) [٧٦٧] أنشدنا (٢) أبو القاسم الحبيبي (٣)، أنشدنا أبو أحمد محمد ابن إبراهيم الصريميُّ (٤)، أنشدنا عبدان بن محمد بن عيسى (٥)، أنشدنا إبراهيم بن عبد الله الخلال (٦) لعبد الله بن المبارك (٧): تعصي الإله وأنت تظهر حبهُ ... هذا محال في الفعال بديعُ

стр. 3966

لو كان حبك صادقًا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيعُ (١) [٧٦٨] حدثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المَخْلَديُّ (٢)، أنا أبو حاتم مكي بن عبدان التميمي (٣)، ثنا أحمد بن يوسف السلمي (٤)، ثنا عبيد الله بن موسى (٥). [٧٦٩] وأخبرنا ابن فنجويه (٦)، ثنا عمر بن الخطاب (٧)، ثنا عبد الله ابن الفضل (٨)، أخبرنا علي بن محمد (٩)، ثنا عبيد الله (١٠)، عن عبد الأعلى بن أعين (١١)، عن يحيى بن أبي كثير (١٢)، عن عروة (١٣)

стр. 3967

عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الشرك أخفى من دبيب النمل، على الصفا، في الليلة الظلماء، وأدناه أن يحب المرء، على الشيء من الجَوْر، ويبغض المرء على الشيء من العدل، وهل الدين إلَّا الحب في الله، والبغض في الله؟ ! " (١).

стр. 3968

قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية. فلمَّا نزلت هذِه الآية قال عبد الله بن أبيٍّ لأصحابه: إن محمدًا يجعل طاعته كطاعة (١) الله، ويأمرنا أن نحبه، كما أحب النصارى عيسى ابن مريم، فنزل قوله : ٣٢ - ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ (٢) أي: أعرضوا عن طاعتهما ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾: لا يرضى فعلهم، ولا يثني عليهم، ولا يغفر لهم. [٧٧٠] أخبرنا أبو عمرو الفراتيُّ (٣)، أنا الهيثم بن كليب (٤)، حدثنا إبراهيم بن عبد الله العبسي (٥)، أخبرنا وكيع (٦)، عن الأعمش (٧)، عن

стр. 3969

أبي صالح (١)، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى الإمام فقد عصاني" (٢).

стр. 3970

٣٣ - قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ الآية (١). قال ابن عباس ﵁: قالت اليهود: نحن من أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ونحن على دينهم ومنهاجهم. فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٢) (٣). يعني: أن الله اصطفى آدم، وهؤلاء الذين قلتم بالإسلام، وأنتم على غير دين الإسلام. واصطفى: افتعل، من الصفوة: وهي الخالص من كل شيء (٤). يعني: اختار، واستخلص آدم أبا البشر كلهم، ونوحًا شيخ المرسلين، ﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾. قال قوم: أراد بآل إبراهيم وآل عمران: إبراهيم وعمران أنفسهما، كقوله تعالى: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ (٥) يعني: موسى وهارون ﵉. وقال الشاعر (٦):

стр. 3971

ولا تنسَ مَيْتًا، بعد مَيْتٍ، أجنَّهُ ... عليٌّ، وعبّاسٌ، وآلُ أبي بكرِ (١) يعني: أبا بكر (٢). وقال الباقون: آل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق ويعقوب سباط، وإن محمدًا ﷺ من آل إبراهيم (٣). ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾ قال مقاتل (٤): هو عمران بن يصهر (بن فاهت) (٥) ابن لاوي بن يعقوب، وآله: موسى وهارون (٦). وقال الحسن ووهب: هو عمران بن أشهم بن ماثان، من ولد

стр. 3972

سليمان بن داود بن إيشا، وآله: مريم وعيسى ﵈ (١). وقيل: هو عمران بن ماثان (٢). وإنما خص هؤلاء بالذكر، من بين الأنبياء والرسل، لأن الأنبياء والرسل بقَضِّهم وقضيضهم (٣) من نسلهم (٤) ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. ٣٤ - ﴿ذُرِّيَّةً﴾ نصب؛ على الحال، قاله الأخفش (٥). وقال الفراء: على القطع؛ لأن الذرية نكرة، وآل إبراهيم وآل عمران معرفان (٦). وقال الزجاج: نصب على البدل (٧)، وقيل: على

стр. 3973

التكرير أي (١): واصطفى ذرية (٢). ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: بعضها من ولد بعض. وقال أبو رَوْقَ: على دين بعض (٣). ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. [٧٧١] أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد القاري (٤)، ثنا أبو الحسين محمد بن عثمان بن الحسن النصيبي (٥)، ثنا أبو بكر محمد ابن الحسن بن صالح السبيعييُّ (٦)، أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد (٧)، ثنا أحمد بن هيثم (٨) بن أبي نعيم (٩)، حدثنا أبو جنادة السَّلوليُّ (١٠)، (عن الأعمش) (١١)، عن أبي وائل (١٢) قال: قرأت في

стр. 3974

مصحف. عبد الله بن مسعود ﵁: (إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران وآل محمد على العالمين) (١). قال الجريري: لما مات الحسن البصري ﵀ -وكان مات عشيَّة الجمعة (٢) - فلمَّا صلَّى الناس الجمعة حملوه، فلم تترك الناس الصلاة في مسجد الجماعة بالبصرة، منذ كان الإسلام، إلَّا يوم مات الحسن، وإنَّ الناس تبعوا جنازته، فلم يحضر أحد يصلي في المسجد صلاة العصر. قال الجريري: فسمعت مناديًا ينادي: إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، واصطفى الحسن على أهل زمانه. ٣٥ - قوله : ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ وهي: حنَّة بنت فاقوذ بن حبيل، أم مريم، جدة عيسى ﵇ (٣). وأما عمران: فقال ابن عباس ومقاتل: هو عمران بن ماثان، وليس

стр. 3975

بعمران أبي موسى ﵇، وبينهما ألف وثماثمائة سنة، وكان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل، وأحبارهم، وملوكهم (١). وقال محمد (٢) بن إسحاق: (هو عمران بن ياشم بن أمون بن متشا ابن حزقيا بن إحريق بن يوثام بن عزاريا بن أمصيا بن ياوش بن أحزيهو ابن يارم بن يهفاشاط بن أسا بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود ﵉ (٣). قوله (٤): ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: نذرًا (مني لك) (٥) والنذر: ما أوجبه الإنسان على نفسه، بشريطة كان ذلك أو بغير شريطة (٦). قال الله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمً﴾ (٧) أي: أوجبت. وقال النبي ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي

стр. 3976

الله فلا يعصه" (١). وقال الأعشى: (غشيتُ لليلى بليلٍ خدورا ... وطالبتُها) (٢)، ونذرتُ النذورا (٣) ومن هذا قولهم: نذر فلان دم فلان -أي: أوجب على نفسه قتله. قال جميل: فليتَ رجالًا، فيكِ قد نذروا دمي ... وهمّوا بقتلي، يا بثينَ، لقوني! (٤) ﴿مُحَرَّرًا﴾ أي: عتيقًا خالصًا لله تعالى، خادمًا للكنيسة، حبيسًا عليها، مفرغًا لعبادة الله ولخدمة الكنيسة، لا أشغله بشيء من الدنيا. وكل ما أُخْلِص، فهو محرر، يقال: حرَّرْتُ العبد، إذا أعتقتُه،

стр. 3977

وحرَّرْتُ الكتاب، إذا أصلحتهُ، وأخلصته، فلم يبق فيه ما يحتاج إلى إصلاحه. ورجل حرُّ إذا كان خالصًا لنفسه، ليس لأحد عليه متعلق. والطين الحر: الَّذي خلص من الرمل (١) والحماة والعيوب (٢). و﴿مُحَرَّرًا﴾ نصب على الحال (٣). قال الكلبي وابن إسحاق وغيرهما: كان المحرر إذا حرر، جعل في الكنيسة؛ يقوم عليها ويكنسها ويخدمها، ولا يبرحها، حتَّى يبلغ الحلم، ثم يخيَّر: فإن أحب أن يقيم فيها (٤) أقام (٥)، وإن أحب أن يذهب، ذهب حيث شاء، فإن أراد أن يخرج بعد التخيير (٦) لم يكن له ذلك (٧).

стр. 3978

ولم يكن (أحد من) (١) الأنبياء والعلماء إلا ومن نسله محرر لبيت المقدس، ولم يكن يحرر إلا الغلمان، وكانت الجارية لا تكلف ذلك، ولا تصلح له؛ لما يصيبها من الحيض والأذى (٢)، فحررت أم مريم ما في بطنها، وكانت القصة في ذلك: أن زكريا وعمران تزوجا أختين (٣)، فكانت أشياع بنت فاقوذ أم يحيى عند زكريا ﵇، وحنَّة بنت فاقوذ أم مريم عند عمران، وكان الله تعالى أمسك عن حنَّة الولد، حتَّى أسنَّت وعجزت، وكانوا أهل بيت من الله تعالى (٤) بمكان. فبينما هي في ظل شجرة إذ أبصرت بطائر يُطعِم فرخًا، فتحركت لذلك نفسها للولد، فدعت الله تعالى أن يهب لها ولدًا، وقالت: اللهم! لك عليَّ -إن رزقتني ولدًا- أن أتصدق به على بيت

стр. 3979

المقدس (١)، فيكون من سدنته (٢) وخدمه؛ نذرًا وشكرًا، فحملت بمريم، فحررت ما في بطنها ولم تعلم ما هو. فقال لها زوجها: ويحك! ما صنعتِ؟ ! أرأيتِ إن كان ما في بطنِكِ أنثى، وعورة (٣) لا تصلح لذلك؟ ! فوقعا جميعًا في هم؛ من ذلك، فهلك عمران، وحنَّة حامل بمريم (٤). ٣٦ - ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ أي: ولدتها -إذا هي جارية، والهاء في قوله تعالى: ﴿وَضَعَتْهَا﴾ راجعة إلى النذيرة، لا إلى ما ولد (٥)، ولذلك أنّث (٦).

стр. 3980

﴿قَالَتْ﴾: حنّة، وكانت ترجو (١) أن يكون غلامًا؛ فلذلك حررت ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ اعتذارًا إلى الله (٢). ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾: إخبارًا عن الله تعالى. وهي قراءة العامَّة (٣). وقرأ على وإبراهيم النخعيّ وابن عامر وأبو بكر ويعقوب: (وضعت) برفع التاء (٤)، جعلوها من كلام أم مريم. ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾: في خدمة الكنيسة، والعبَّاد الذين فيها؛ لعورتها، وضعفها، وما يعتريها من الحيض، والنفاس، والأذى. قول أم مريم: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ وهي بلغتهم: العابدة والخادمة، وكانت مريم أجمل النساء في وقتها، وأفضلهن. [٧٧٢] أخبرني ابن فنجويه (٥)، أنا أحمد بن محمد بن إسحاق السنيُّ (٦)، حدثني عبد الملك بن محمود بن سميع (٧)، ثنا محمد بن

стр. 3981

يعقوب الفرجيُّ (١) (٢)، ثنا زكريا بن يحيى بن زحمويه (٣)، ثنا داود بن الزبرقان (٤)، عن محمد بن جُحادة (٥)، عن أبي زرعة (٦)، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "حسبك من نساء العالمين أربع: مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد" ﷺ ورضي عنهن (٧).

стр. 3982

﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا﴾: أمنعها وأجيرها (١) وأصرفها (٢) ﴿بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا﴾ أولادها (٣) ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أي (٤): الطريد، اللعين، المرمي بالشهب (٥). [٧٧٣] أخبرنا عبد الله بن حامد (٦) (أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن) (٧) (٨) ثنا محمد بن يحيى (٩)، ثنا عبد الرزاق (١٠).

стр. 3983

[٧٧٤] وحدثنا أبو سهل أحمد بن محمد بن أحمد بن هارون (١)، ثنا أبو بكر محمد بن الحسين (٢)، ثنا أحمد بن يوسف (٣)، ثنا عبد الرزاق (٤)، حدثنا معمر (٥)، عن الزهري (٦)، عن ابن المسيّب (٧)، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما من مولود إلَّا والشيطان يمسُّه حين يولد، فيستهل صارخًا، من مس الشيطان إياه (٨) إلَّا مريم وابنها" ثم يقول أبو هريرة ﵁: اقرؤوا -إن شئتم-: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٩).

стр. 3984

[٧٧٥] وأخبرنا شعيب بن محمد (١)، ثنا مكي بن عبدان (٢)، أخبرنا أحمد بن الأزهر (٣)، حدثنا روح بن عبادة (٤)، عن سعيد (٥)، عن قتادة (٦)، قال: كل آدمي يطعن الشيطان في جنبه حين يولد غير عيسى ﵇ (٧) وأمه؛ جعل بينهما حجاب، فأصابت الطعنة الحجاب، ولم ينفذ إليهما منه شيء (٨). قال: وذكر لنا: أنهما كانا لا يصيبان من الذنوب، كما يصيبه سائر بني آدم (٩).

стр. 3985

وقال وهب بن منبه: لمَّا ولد عيسى ﵇ أتت الشياطين إبليس، فقالوا: أصبحت الأصنام منكَّسة، فقال: هذا لحادث حدث، وقال: مكانَكم، وطار، حتَّى جاء خافقي (١) الأرض فلم يجد شيئًا، ثم جاء البحار، فلم يجد شيئًا (٢)، ثم طار، فمرَّ على بيت المقدس، فوجد عيسى ﵇ قد ولد، وإذا الملائكة قد حَفَّت حوله، فلم يصل إليه إبليس. فرجع إليهم، فقال: إن نبيًّا قد ولد البارحة، وما حملت أنثى قط، ولا وضعت، إلَّا وأنا بحضرتها، إلَّا هذِه، فأيسوا أن تعبد الأصنام بعد هذِه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفة (٣) والعجلة (٤). ٣٧ - (قوله (٥): ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ أي (٦): فتقبَّل الله تعالى مريم من أمها حنَّة، ورضيها، وأخذها

стр. 3986

مكان المحرر. يقال: قبل فلان الشيء: إذا رضيه (١)، يقبله قَبَولًا -بالفتح، وهو مصدر، مثل: الوَلوع والوَزوع، ولم يأت غير هذِه الثلاثة (٢)، والقياس بالضم، مثل: الدخول والخروج، قاله أبو عمرو والكسائي والأئمة (٣). وقال بعضهم: معنى التقبُّل: التكفُّل في التربية، والقيام لشأنها (٤). وقال الحسن: قبوله إياها: أنَّه ما عذبها ساعة من ليل ولا (٥) نهار (٦) ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ ولم يقل: بتقبُّل: وهذا النوع يقال له: المصدر على غير المصدر. قال الفراء: هو مثل قولك: تكلَّمْت كلامًا (٧).

стр. 3987

وقال القطاميُّ: وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تَتَبعه، اتِّباعًا (١) وقال آخر (٢): وإنْ شِئْتم تَعَاوْدنا عِوَادا (٣) ولم يقل تعاودًا (٤). ومثله (٥): ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ (٦)، ولم يقل إنباتًا.

стр. 3988

قال المفضل معناها: وأنبتها فنبتت نباتًا حسنًا، ومثله قوله : ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾ (١) أي: فنبتم (٢) نباتًا (٣). روى جويبر (٤)، عن الضحاك (٥)، عن ابن عباس ﵄: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ يقول: سلك بها طريق السعداء ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ يعني: سوى خَلْقها، من غير زيادة ولا نقصان، فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام واحد (٦). وقال ابن جريج: ﴿وَأَنْبَتَهَا﴾ أي: غذاها في غذائه ورزقه ﴿نَبَاتًا حَسَنًا﴾: حتَّى تمَّت امرأة بالغة تامَّة (٧).

стр. 3989

قوله (١): ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾. قال المفسرون: أخذت حنّة مريم حين ولدتها فلفَّتها في خِرْقة وحملتها إلى المسجد، فوضعتها عند الأحبار: أبناء هارون ﵇، وهم يومئذ يلون من (٢) بيت المقدس كما يلي الحَجَبة من الكعبة. فقالت لهم: دونكم هذِه النذيرة. فتنافس فيها الأحبار، إذ كانت بنت إمامهم، وصاحب قربانهم، فقال لهم زكريا: أنا أحقكم بها؛ عندي خالتها، فقالت له الأحبار: لا تفعل ذلك؛ فإنها لو تركت لأحق الناس بها لتركت لأمها (التي ولدتها) (٣)، ولكنا نقترع عليها، فتكون عند من خرج سهمه. فانطلقوا -وكانوا تسعة وعشرين رجلًا- إلى نهر جار قال السدي: هو نهر الأردن (٤) -فألقوا أقلامهم في الماء، فارتد قلم زكريا، وقام فوق الماء كأنه في طين، وجرت أقلامهم مع الماء، فذهب بها الماء، فسهمهم وقرعهم زكريا، وكان رئيس الأحبار ونبيهم، فذلك قوله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ (٥).

стр. 3990

قرأ الحسن ومجاهد وحميد وابن كثير وأبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم برواية (أبي بكر) (١) وحفص وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب وأيوب (٢): مخففة الفاء (٣). واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، وحينئذ (٤) يكون زكريا في محل الرفع (٥) أي: ضمَّها إلى نفسه وقام بأمرها. تقول العرب للرجل: ما لك (تكفل كل ضالة) (٦) أي: تضمها إليك (٧)، وتأخذها إليك. قال الشاعر: فهو لضلّال الهوام كافلُ (٨) وتصديق هذِه القراءة قوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (٩)، وقوله

стр. 3991

تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ (١)، وقوله (٢): ﴿أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ (٣) (٤). وروي عن ابن كثير وأبي عبد الله المزني: (وكفِلها زكريا) بكسر الفاء. أي: ضمها، والاسم منه: كفيل، مثل: سميع وعليم، وكفَل -بفتح الفاء- فهو كافل، مثل: قتل، فهو قاتل (٥). وقرأ الباقون: بتشديد الفاء، وزكريا في محل النصب (٦) -أي: ضمها الله زكريا، وضمها إليه بالقرعة التي قرعها؛ فصار أحق الناس بها (٧).

стр. 3992

وفي مصحف أبيٍّ: (وأكْفَلَهَا زكريا) بالألف (١)، نظيره قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ (٢) (٣). ﴿زَكَرِيَّا﴾ بن أدرين (٤) بن (٥) مسلم بن صدوق بن كاني بن داود (٦) ابن سليمان بن مسلم بن صديقة (٧) بن برخيا (٨) بن ناحور بن شلوم بن يهفاشاط بن أيان بن رحبعم (٩) بن سليمان بن داود ﵉ (١٠).

стр. 3993

وفيه لغتان: ﴿زَكَرِيَّا﴾ مقصور (١)، وهي قراءة ابن مسعود والسلمي وحميد وابن وثاب (٢) والأعمش وحمزة والكسائي وخلف وحفص. (زكرياء) بالمد (٣)، وهي قراءة الباقين (٤). ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾. قال المفسرون: فلمّا ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها بيتًا واسترضع لها (٥). وقال محمد بن إسحاق: ضمَّها إلى خالتها أم يحيى ﵇، حتى إذا شبَّت وبلغت مبلغ النساء، بنى لها محرابًا في المسجد، وجعل بابه

стр. 3994

في وسطها (١) لا يرقى (٢) إليها إلَّا بسلم (٣) مثل باب الكعبة، ولا يصعد إليها (٤) غيره، وكان يأتيها (٥) بطعامها وشرابها في (٦) كل يوم (٧). والمحراب: أشرف المجالس، ومقدَّمها، وكذلك هو في المسجد. قال عدي بن زيد: (كدمى العاج في المحاريب، أو كالـ ... بيض في الروض، زهره مستنيرُ (٨) (٩) ويقال للمسجد -أيضًا: محراب، قال الله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ (١٠) (١١) أي: مساجد، وأراد بالمحراب- هاهنا:

стр. 3995

الغرفة (١). قال عمر بن أبي ربيعة (٢): ربَّة محراب إذا جئتها ... لم أن حتى أرتقي سُلَّما (٣) أي: ربَّة غرفة (٤)) (٥). قال الربيع بن أنس: كان زكريا (﵁) (٦) إذا خرج أغلق عليها السبعة أبواب، فإذا دخل عليها غرفتها. ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ أي:
следующие страницы →