← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ (١)، وقوله (٢): ﴿أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ (٣) (٤). وروي عن ابن كثير وأبي عبد الله المزني: (وكفِلها زكريا) بكسر الفاء. أي: ضمها، والاسم منه: كفيل، مثل: سميع وعليم، وكفَل -بفتح الفاء- فهو كافل، مثل: قتل، فهو قاتل (٥). وقرأ الباقون: بتشديد الفاء، وزكريا في محل النصب (٦) -أي: ضمها الله زكريا، وضمها إليه بالقرعة التي قرعها؛ فصار أحق الناس بها (٧).

стр. 3992

وفي مصحف أبيٍّ: (وأكْفَلَهَا زكريا) بالألف (١)، نظيره قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ (٢) (٣). ﴿زَكَرِيَّا﴾ بن أدرين (٤) بن (٥) مسلم بن صدوق بن كاني بن داود (٦) ابن سليمان بن مسلم بن صديقة (٧) بن برخيا (٨) بن ناحور بن شلوم بن يهفاشاط بن أيان بن رحبعم (٩) بن سليمان بن داود ﵉ (١٠).

стр. 3993

وفيه لغتان: ﴿زَكَرِيَّا﴾ مقصور (١)، وهي قراءة ابن مسعود والسلمي وحميد وابن وثاب (٢) والأعمش وحمزة والكسائي وخلف وحفص. (زكرياء) بالمد (٣)، وهي قراءة الباقين (٤). ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾. قال المفسرون: فلمّا ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها بيتًا واسترضع لها (٥). وقال محمد بن إسحاق: ضمَّها إلى خالتها أم يحيى ﵇، حتى إذا شبَّت وبلغت مبلغ النساء، بنى لها محرابًا في المسجد، وجعل بابه

стр. 3994

في وسطها (١) لا يرقى (٢) إليها إلَّا بسلم (٣) مثل باب الكعبة، ولا يصعد إليها (٤) غيره، وكان يأتيها (٥) بطعامها وشرابها في (٦) كل يوم (٧). والمحراب: أشرف المجالس، ومقدَّمها، وكذلك هو في المسجد. قال عدي بن زيد: (كدمى العاج في المحاريب، أو كالـ ... بيض في الروض، زهره مستنيرُ (٨) (٩) ويقال للمسجد -أيضًا: محراب، قال الله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ (١٠) (١١) أي: مساجد، وأراد بالمحراب- هاهنا:

стр. 3995

الغرفة (١). قال عمر بن أبي ربيعة (٢): ربَّة محراب إذا جئتها ... لم أن حتى أرتقي سُلَّما (٣) أي: ربَّة غرفة (٤)) (٥). قال الربيع بن أنس: كان زكريا (﵁) (٦) إذا خرج أغلق عليها السبعة أبواب، فإذا دخل عليها غرفتها. ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ أي:

стр. 3996

فاكهة في غير حينها: فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف (١). ﴿قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: من قطف الجنة (٢)، وقال الحسن: كان يجد عندها قوتها، ولم ترضع ثديًا قط، وكان يأتيها رزقها من الجنة فيقول لها زكريا: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ فتقول ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وقال الحسن: تكلَّمت وهي صغيرة (٣). قال محمد بن إسحاق بن يسار: ثم أصابت بني إسرائيل أزمة، وهي على ذلك من حالها حتى ضعف زكريا ﵇ عن حمْلها، فخرج علي بني إسرائيل فقال: يا بني إسرائيل تعلمون، والله، لقد كبرت وضعفت عن حمل بنت عمران، فأيكم يكفلها بعدي؟ قالوا: والله، لقد جهدنا وأصابنا من السنة (٤) ما ترى، فتدافعوها بينهم، ثم لم يجدوا مِنْ حَمْلِها بدًّا فتقارعوا عليها بالأقلام، فخرج السهم على رجل نجَّار من بني إسرائيل يقال له: يوسف بن يعقوب وكان ابن عم مريم، فحملها.

стр. 3997

قال: فعرفت مريم في وجهه شدة مؤنة ذلك عليه، فقالت له: يا يوسف (أحسن بالله الظن) (١)، فإن الله سيرزقنا (فجعل يوسف يرزق بمكانها منه فيأتيها كل يوم من) (٢) كسبه بما يصلحها، فإذا جاء به إليها وهي في الكنيسة أنماه (٣) الله وكثَّره (٤) فيدخل عليها زكريا فيرى عندها فضلًا من الرزق وليس بقدر ما يأتيها به (٥) يوسف، فيقول: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٦). [٧٧٦] أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان (٧) أخبرنا أبو محمد أحمد ابن عبد الله المزنيُّ (٨)، ثنا أبو (يعلى المَوْصليُّ) (٩) ثنا سهل بن زنجلة

стр. 3998

الرازي (١)، ثنا عبد الله بن صالح (٢)، ثنا ابن لهيعة (٣) (٤)، عن محمد بن المنكدر (٥)، عن جابر بن عبد الله (٦) ﵁ أن رسول الله ﷺ أقام أيامًا لم يطعم طعامًا (٧) حتى شق ذلك عليه، فطاف (٨) في منازل أزواجه، فلم يصب (٩) عند واحدة منهن شيئًا، فأتى فاطمة ﵂، فقال: "يا بنيَّة! هل (١٠)، عندك شيء آكله (١١)، فإني جائع؟ " فقالت: لا والله، بأبي أنت وأمي! (١٢) فلما خرج من عندها رسول الله ﷺ بعثت إليها جارة لها برغيفين (وبَضْعة لحم) (١٣)

стр. 3999

فأخذته منها، ووضعته في جَفْنة (١) لها، وغطَّت عليها، وقالت: والله، لأوثرن بها رسول الله ﷺ على نفسي، ومَنْ عندي، وكانوا جميعًا محتاجين إلى شبعة طعام. فبعثت إليه حسنًا وحسينًا فرجع إليها، فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! قد أتانا الله بشيء فخبأته لك. قال: "هلمِّ" فأتته (٢) فكشفت عن الجفنة، فإذا هي مملوءة خبزًا ولحمًا، فلما نظرت إليها بهتت، وعرفت أنها بركة من الله تعالى، فحمدت الله وصلَّت على نبيّه ﷺ . فقال النبي ﷺ : "من أين لك هذا يا بنيَّة؟ " فقالت: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٣) فحمد الله وقال: "الحمد لله الذي جعلك شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل؛ فإنها كانت إذا رزقها الله شيئًا فسئلت عنه قالت (٤): ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ". فبعث رسول الله ﷺ إلى علي ﵁، ثم أكل رسول الله ﷺ وفاطمة وعليّ والحسن والحسين، وجميع أزواج النبي ﷺ وأهل بيته جميعًا، حتى شبعوا. قالت فاطمة ﵂: وبقيت الجفنة كما هي، فأوسعت منها

стр. 4000

على جميع الجيران، وجعل الله فيها بركة (١) وخيرًا كثيرًا (٢). ٣٨ - قوله: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾. قال أهل التفسير: فلمَّا رأى زكريا ﵇ ذلك، قال: إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير حينها من غير سبب، ولا فعل أحد، لقادر على أن يصلح زوجتي، ويهب لي ولدًا على الكبر، فطمع في الولد؛ وذلك أن أهل بيته كانوا قد انقرضوا (٣)، وكان زكريا قد شاخ، وأيس من الولد. قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: عند ذلك، وهنا: اسم إشارة إلى

стр. 4001

الغائب، كما أن هذا: إشارة إلى الحاضر (١). والكاف: اسم للمخاطب، وكسرت اللام؛ لالتقاء الساكنين (٢). قال المفضل بن سلمة: أكثر ما يقال: هنالك، في الزمان، وهناك: في المكان، وقد يحمل هذا مكان هذا (٣). (قوله تعالى) (٤): ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ (٥): فدخل المحراب، وغلَّق الأبواب، وناجى ربَّه سبحانه تعالى ﴿قَالَ رَبِّ﴾ أي: يا رب، فحذف حرف النداء من أوله للنداء، والياء من آخره؛ استغناءً بكسرة الباء عن الياء (٦). ﴿هَبْ لِي﴾: أعطني (٧) ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾: من عندك. وفي لدن أربع لغات (٨):

стр. 4002

لَدُنْ: بفتح اللام وضم الدال، وجزم النون، وهي أفصحها (١). ولَدُ: بفتح اللام، وضم الدال، وحذف النون. ولدْنَ: بفتح اللام، وسكون الدال، وفتح النون. ولُدْنَ: بضم اللام، وجزم الدال، وفتح النون. قاله الفراء (٢). وهي يُخْفَضُ بها على الإضافة، وُيرْفَعُ بها على مذهب مذ. وأنشد قول أبي سفيان صخر بن حرب على الوجهين: وما زال مهري مزجرَ الكلبِ منهمُ ... لَدُن غُدوة حتى دنت لغروبِ (٣) قوله (٤): ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ أي: نسلًا مباركًا نقيًّا صالحًا ذكيّا. والذرية تكون واحدًا وجمعًا، ذكرًا وأنثى، وهو هاهنا واحد، يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ (٥) ولم يقل: أولياء (٦)، وإنما

стр. 4003

أنَّث ﴿طَيِّبَة﴾؛ لتأنيث لفظ: الذرية، كما قال الشاعر (١): أبوك خليفة، ولدته أخرى ... وأنت خليفة، ذاك الكمالُ (٢) فأنّث ولدته؛ لتأنيث لفظ الخليفة (٣). وقال آخر (٤): فما تزدري من حيَّةٍ جبليةٍ ... سُكَاتٍ، إذا ما عض ليس بأدردا (٥) فأنث الجبلية؛ لتأنيث لفظ: الحيَّة، ثم رجع إلى المعنى، فقال: عضَّ؛ لأنه أراد حيَّة ذكرًا؛ والحيَّة تكون للذكر والأنثى، وإنما يجوز هذا فيما لم يقع عليه فلان من الأسماء كالدابَّة والذرَّية والخليفة، فإذا سمّي رجل بشيء (من ذلك) (٦) وكان في معنى فلان، لم يجز تأنيث

стр. 4004

فعله ولا نعته (١)، فتقول من ذلك: حدثنا مغيرة الضبي، ولا يجوز: حدثنا مغيرة الضبيَّة (٢). (قوله تعالى) (٣): ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أي: سامعه (٤)، وقيل: مجيبه (٥)، كقوله تعالى: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾ (٦) أي: فأجيبون (٧)، وقولهم: سمع الله لمن حمده. أي: أجاب (٨). وأنشد (٩): دعوتُ الله، حتى خفتُ أنْ لا ... يكونَ اللهُ يسمعُ ما أقولُ (١٠)

стр. 4005

أي: يجيب (١). [٧٧٧] أخبرني ابن فنجويه (٢)، ثنا محمد بن الحسن بن بشر (٣)، ثنا أبو بكر بن أبي الخصيب (٤) المصِّيصيُّ (٥)، ثنا واقد بن موسى (٦)، ثنا روح بن عبد الواحد (٧)، حدثنا خليد بن دَعْلَج (٨)، عن قتادة (٩)، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أيما رجل مات، وترك ذريَّة طيبة، آجره الله تعالى مثل أجور عملهم، ولا ينقص من أجورهم شيئًا" (١٠).

стр. 4006

٣٩ - قوله : ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾. قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: (فناديه) (١)، بالياء (٢)، واختاره أبو عبيد (٣). وقرأ الباقون بالتاء (٤)، واختاره أبو حاتم (٥). فإذا تقدم الفعل فأنت فيه (٦) بالخيار: إن شئت أنثتَ، وإن شئت ذكَّرتَ، إلا أن من قرأ بالتاء؛ فلتأنيث الملائكة في اللفظ والجمع، مع أن الذكور إذا تقدم فعلهم، وهم جماعة، كان التأنيث فيها أحسن وأفصح، كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ (٧). ومن ذكَّر؛ فَلِما:

стр. 4007

[٧٧٨] أخبرناه محمد (١) بن حَمُّويه (٢)، أنا الحسين بن أيوب (٣)، أخبرنا علي بن عبد العزيز (٤)، ثنا القاسم بن سلام (٥)، ثنا جرير (٦)، عن مغيرة (٧)، عن إبراهيم (٨) قال: كان عبد الله ﵁ (٩) يُذكّر الملائكة في كل القرآن (١٠). قال أبو عبيد: إنما يرى عبد الله اختيار ذلك؛ خلافًا على المشركين في قولهم: الملائكة بنات الله (فأراد بالتذكير هاهنا إكذابهم، وتعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا (١١)) (١٢).

стр. 4008

وروى الشعبيُّ عن ابن مسعود ﵁ قال: إذا اختلفتم في الياء والتاء، فاجعلوها ياء، وذكِّروا القرآن (١). وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس ﵄ قال: إذا كان الحرف في القرآن ياءً أو تاءً، فاجعلوها ياء (٢) (٣). وأراد بالملائكة هاهنا جبريل وحده، وذلك أن زكريا كان الحبْر الكبير الذي يقرِّب القربانات، ويفتح باب المذبح، فلا يدخلون حتى يأذن لهم في الدخول، فبينما هو قائم (في المسجد عند المذبح) (٤)

стр. 4009

يصلي، والناس ينتظرونه أن يأذن لهم في الدخول، إذا هو برجل شاب عليه ثياب بيض، ففزع منه (١) فناداه (٢) -وهو جبريل-: يا زكريا ﴿إن الله يبشرك بيحيى﴾ فذلك قوله تعالى (٣): ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يعني: جبريل وحده. ونظيره في هذِه السورة: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ﴾ يعني: جبريل وحده، وقوله تعالى في سورة النحل: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ (٤) يعني: جبريل وحده، ﴿بِالرُّوحِ﴾: بالوحي؛ لأنه الرسول إلى جميع الأنبياء ﵈، يدل عليه قراءة ابن مسعود: (فناداه جبريل وهو قائم يصلي في المحراب) (٥) وهذا جائز في العربية، أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع، كقولهم: ركب فلان في السفن، وإنما ركب في سفينة واحدة، وخرج على بغال البريد، وإنما خرج على بغل واحد، وسمعت هذا الخبر من الناس، وإنما سمعه من واحد، ونظيره في القرآن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ

стр. 4010

إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (١) يعني: نعيم بن مسعود ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ يعني: أبا سفيان بن حرب، ونحوه كثير (٢). وقال المفضل بن سلمة: إذا كان القائل رئيسًا، فيجوز الإخبار عنه بالجمع؛ لاجتماع أصحابه معه، فلما كان جبريل ﵇ رئيس الملائكة، وقل ما يُبعث إلَّا ومعه جمع منهم؛ فجرى على هذا (٣) (٤). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ يعني: في (٥) المسجد،

стр. 4011

نظيره قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ (١) أي: من المسجد (٢)، وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ (٣) وهو: المسجد (٤). وهو مفعال (٥) من الحرب، قيل: سمي بذلك، لأنه يحارب فيه الشيطان، كما قيل: مضمار، للميدان الذي يضمر فيه الخيل (٦). وأمال ابن عامر اليحصبيُّ (٧): (المحراب، في جميع القرآن) (٨) وفخَّمها الآخرون (٩). ﴿أَنَّ اللهَ﴾: قرأ ابن عامر وعيسى بن عمر والأعمش وحمزة:

стр. 4012

بكسر الألف (١)، على إضمار القول، تقديره: فنادته الملائكة، فقالت: ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ لأن النداء قول (٢). وقرأ الباقون بالفتح (٣)، بإيقاع النداء عليه كأنه (٤) قال: فنادته الملائكة بأن الله يبشرك (٥). وقرأ عبد الله: (وهو قائم يصلي في المحراب يا زكريا إن الله يبشرك) (٦). اختلف القراء في مستقبل هذا الفعل، وجملتها في القرآن عشرة: موضعان هاهنا (٧)، وفي سورة التوبة ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ﴾ (٨)، وفي

стр. 4013

الحجر: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ (١) و ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ (٢)، وفي سبحان والكهف: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، وفي مريم موضعان: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ (٤) (و ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ (٥)، وفي عسق: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٦) فهذِه عشرة مواضع، اتفقوا على واحد منها أنه مشدد، وهو قوله تعالى في الحجر: ﴿فبَمَ تُبشَّرُونَ﴾ (٧)، واختلفوا في التسعة الباقية: فقرأها (٨) حمزة: بفتح الياء وجزم الباء وضم الشين وتخفيفها (٩)، وقرأ يحيى بن وثاب والكسائي: خمسة منها مخففة: موضعان هاهنا، وفي سبحان والكهف وعسق (١٠).

стр. 4014

وخفف ابن كثير وأبو عمرو منها (١) حرفًا واحدًا، وهو قوله في عسق: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ﴾ (٢) (وقرأها كلها) (٣) حميد بن قيس بفم الياء (وجزم الباء) (٤) وكسر الشين وتخفيفها (٥)، وقرأ الباقون: بضم الياء وفتح الباء وكسر الشين، وتشديده (٦). فمن خفف الشين، مع ضم الياء فهو من أبشر يُبْشرُ. قال الشاعر: يا أم عمرٍو: أبشري بالبشرى ... موت ذريع، وجراد عَظْلَي (٧)

стр. 4015

ومن قرأ بتخفيف الشين مع فتح الياء، فهو من بشر يبشر، وهي لغة تهامية (١)، وقراءة ابن مسعود (٢). قال الشاعر (٣): بَشَرْتُ عيالي؛ إذ رأيتُ صحيفةً ... أتتكَ من الحجاج، يُتلي كتابُها (٤) وأنشد الفراء: وإذا رأيتَ الباهشين إلى النَّدى ... غُبرًا اكُفُّهُم، بقاع مُمْحِلِ فأَعِنْهُمُ، وابشر؛ بما بَشُرُوا بهِ ... وإذا همُ نزلوا بضَنْكٍ، فانزلِ (٥)

стр. 4016

وروى عبد الرحمن بن أبي حماد (١)، عن معاذ الكوفيَّ (٢) قال: (من قرأ يَبشر، فمعناه: يبشرهم) (٣) (٤) وتصديق هذِه القراءة. [٧٧٩] ما أخبرنا محمد (٥) بن حمدويه (٦)، أنا ابن أبي أيوب (٧)، أنا علي بن عبد العزيز (٨)، ثنا أبو عبيد (٩)، ثنا نُعيم (١٠)، عن ضمرة (١١)، عن ابن زيد بن أسلم (١٢)، عن أبيه (١٣)، عن النبي ﷺ :

стр. 4017

أنه قال لرجل: "إن الله يبشرك بغلام" فولدت امرأته غلامًا (١). ومن قرأ بالتشديد، فهو من بَشَّر يُبشِّر تَبْشيرًا، وهو أعرب في اللغة وأفصحها. قال جرير: يا بشر، حُقَّ لوجهك التبشيُر ... هلا غضبتَ لنا، وأنت أميرُ (٢)؟ ! ودليل التشديد: أن كل ما في القرآن من هذا الباب من فعل ماض واحد، أو أمر، فهو بالتثقيل، كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ (٣) وقوله (٤): ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ (٥)، ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ (٦)، ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ (٧) (٨).

стр. 4018

(قوله تعالى) (١): ﴿بِيَحْيَى﴾ وهو اسم لا يجريح لمعرفته؛ وللزائد في أوله، مثل: يزيد ويعمر (٢) ويشكر، وأماله قوم؛ لأجل الياء، وفخَّمه الآخرون (٣). وجَمْعُه: يحيون، كما يقال: موسيون وعيسيون (٤). واختلفوا فيه، لِمَ سمّي بيحيى؟ فقال ابن عباس ﵄: لأن الله تعالى أحيا به عقر أمه (٥). وقال قتادة: لأن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان (٦).

стр. 4019

وقيل: لأن الله تعالى أحيا قلبه بالنبوة (١). وقال الحسين بن الفضل: لأن الله تعالى أحيا قلبه بالطاعة، حتى لم يعص، ولم يهم بمعصية (٢) [٧٨٠] بيانه: ما أخبرنا ابن فنجويه (٣)، ثنا الفضل بن الفضل (٤)، حدثنا علي بن إسحاق بن زاطيا (٥)، ثنا لُوَين (٦)، ثنا إسماعيل بن زكريا (٧)، عن محمد بن عون الخراسانيِّ (٨)، عن عكرمة (٩)، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أحد إلَّا يلقي الله تعالى قد همَّ بخطيئة أو عملها، إلَّا يحيى بن زكريا،

стр. 4020

فإنه لم يهم بها ولم يعملها" (١). وكان أبو القاسم ابن حبيب يقول: سمِّي بذلك؛ لأنه استشهد، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون (٢). قال النبي ﷺ : "من هوان الدنيا على الله أن يحيى بن زكريا قتلته امرأة" (٣).

стр. 4021

[٧٨١] سمعت أبا منصور الحمشاذي (١) يقول: قال عمر بن عبد الله المقدسي (٢): أوحى الله تعالى إلى الخليل إبراهيم ﵇: أن قل ليسارة، وكان اسمها كذلك: أني مخرج منكما عبدًا لا يهمُّ (٣) بمعصيتي اسمه حيي، فهبي له من اسمك حرفًا، فوهبت له أول حرف من اسمها فصار يحيى، وصارت امرأة إبراهيم ﵇ سارة (٤). (قوله تعالى) (٥): ﴿مُصَدِّقًا﴾ نصب؛ على الحال (٦) ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: عيسى ﵇ (٧)، سُمِّي كلمة؛ لأن الله تعالى قال له: كن فيكون من غير أب، فكان، فوقع عليه اسم الكلمة؛ لأنه كان بها. ويحيى ﵇ أول من آمن بعيسى ﵇ وصدَّقه، وكان يحيى أكبر من عيسى ﵉ بستة أشهر، وكانا ابني الخالة (٨) ثم قُتِل

стр. 4022

يحيى قبل رفع عيسى ﵉ (١). وقال أبو عبيدة وعبد العزيز بن يحيى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: (بكتاب من الله) (٢) وآياته؛ تقول العرب: أنشدني كلمة فلان. أي: قصيدته (٣). ﴿وَسَيِّدًا﴾: هو فعيل، من ساد يسود، وأصله: سود، وهو الرئيس الذي يُتْبَع، وينتهى إلى قوله (٤). قال المفضل: أراد: سيدًا في الدين (٥). [٧٨٢] أخبرني ابن فنجويه (٦)، حدثنا عمر بن أحمد بن القاسم (٧)، ثنا محمد بن عبد الغفار (٨)، ثنا أبو الربيع عبد الله بن

стр. 4023

محمد التستري (١)، ثنا أبو بكر الحنفيُّ (٢)، عن شريك (٣)، عن أبي روق (٤)، عن الضحاك (٥) قال: السيد: الحسن الخلق (٦). [٧٨٣] وبه عن شريك (٧)، عن سالم الأفطس (٨) عن سعيد بن جبير (٩) قال: السيد: الذي يطيع ربه (١٠). وقال سعيد بن المسيَّب: السيد: الفقيه العالم (١١). وقال قتادة: السيد (١٢): الذي هو سيد في العلم (١٣) والعبادة

стр. 4024

والورع (١). (وقيل: الحليم) (٢) (٣). وقال الضحاك: التقيُّ (٤). وقال عكرمة: الذي لا يغضب (٥). وقال مجاهد: الكريم على الله تعالى (٦)، وقال ابن زيد: الشريف الكبير (٧). وقال سفيان الثوري (٨): الذي لا يحسد (٩). [٧٨٤] أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي السجْزي الخطيب (١٠)،

стр. 4025

ثنا أبو الحسن البصري (١)، ثنا أبو علي الحافظ السقاء (٢)، ثنا فارس الدينوريُّ (٣) قال: سمعت يوسف بن الحسين الرازي (٤) يقول: سمعت ذا النون (٥) يقول: الحسود لا يسود (٦). وقال الخليل: مطاعًا (٧). وقال الزجاج: الذي يفوق في كل شيء من الخير أقرانه (٨). وقال أحمد بن عاصم (٩): السيد: القانع بما قسم له (١٠) الله (١١).

стр. 4026

وقال أبو بكر الورَّاق: الراضي بقضاء الله (١). وقال محمد بن علي الترمذي: المتوكل على الله (٢). وقال أبو يزيد البَسْطَاميّ (٣): هو الذي قد عظمت همته، ونبل قدره، ما يحدث نفسه بدار الدنيا. وقيل: هو السخيُّ (٤) (٥). [٧٨٥] أخبرنا أبو الحسن محمد بن القاسم بن أحمد (٦)، حدثنا أبو نصر أحمد بن محمد بن الحسين (٧)، ثنا أبو الخير أحمد بن محمد بن الجليل (٨)،

стр. 4027

حدثني محمد بن إسماعيل البخاري (١)، حدثنا عبد الله بن أبي الأسود (٢)، حدثنا حميد بن الأسود (٣)، عن الحجَّاج -يعني: الصوَّاف (٤)، عن أبي الزبير (٥)، عن جابر بن عبد الله ﵁ (٦) قال: قال رسول الله ﷺ : "من سيدكم يا بني سلمة؟ " قالوا: جدُّ بن قيس؛ على أنا نبخِّله. قال: "وأي داء أدوأ من البخل، بل سيدكم عمرو بن الجموح" (٧).

стр. 4028

وبلغني عن ابن عباس ﵄ أنه كان قاعدًا مع رسول الله ﷺ ، فجاءه بضعة عشر رجلًا عليهم ثياب السفر، فسلَّموا على رسول الله ﷺ وعلى القوم، ثم قالوا: من السيد فيكم؟ فقال رسول الله ﷺ : "ذلك يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم"، فعرفوا أنه رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، فما في أمتك سيِّد؟ قال: "بلى، رجل أعطي مالًا، ورُزِقَ سماحة، وأدنى الفقراء، وقلَّت شكايته في الناس" (١).

стр. 4029

[٧٨٦] وسمعت محمد بن القاسم (١) يقول: سمعت محمد بن أحمد بن عقيل (٢) يقول: سمعت أبا حامد الأعمشي (٣) يقول (٤): سمعت أحمد بن اليسع (٥) يقول: قال ابن عياش (٦) بلغنا أن أسد بن عبد الله (٧) قال لرجل من بني شيبان (٨): بلغني أن السؤدد فيكم رخيص. قال (٩): أما نحن فلا نسود إلَّا من يوطئنا رحله، ويفرش لنا

стр. 4030

عرضه، ويعطينا ماله، فقال: والله، إن السؤدد فيكم لغالٍ (١). (قوله تعالى) (٢): ﴿وَحَصُورًا﴾: أصله من الحصر، وهو الحبس (٣). يقال: حصرت الرجل عن حاجته، إذا حبسته، وحُصرت من كذا أُحْصَر (٤) حصرًا، إذا امتنعت (٥) منه، وحَصُر فلان في قراءته إذا امتنع عن القراءة، فلم يقدر عليها، ومثله: إحصار العدو، قال الله : ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ (٦) أي: محبسًا (٧)، ويقال للرجل الذي يكتم سرَّه، ويحبسه، ولا يظهره: حصر. قال جرير:
следующие страницы →