← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

وقال أبو بكر الورَّاق: الراضي بقضاء الله (١). وقال محمد بن علي الترمذي: المتوكل على الله (٢). وقال أبو يزيد البَسْطَاميّ (٣): هو الذي قد عظمت همته، ونبل قدره، ما يحدث نفسه بدار الدنيا. وقيل: هو السخيُّ (٤) (٥). [٧٨٥] أخبرنا أبو الحسن محمد بن القاسم بن أحمد (٦)، حدثنا أبو نصر أحمد بن محمد بن الحسين (٧)، ثنا أبو الخير أحمد بن محمد بن الجليل (٨)،

стр. 4027

حدثني محمد بن إسماعيل البخاري (١)، حدثنا عبد الله بن أبي الأسود (٢)، حدثنا حميد بن الأسود (٣)، عن الحجَّاج -يعني: الصوَّاف (٤)، عن أبي الزبير (٥)، عن جابر بن عبد الله ﵁ (٦) قال: قال رسول الله ﷺ : "من سيدكم يا بني سلمة؟ " قالوا: جدُّ بن قيس؛ على أنا نبخِّله. قال: "وأي داء أدوأ من البخل، بل سيدكم عمرو بن الجموح" (٧).

стр. 4028

وبلغني عن ابن عباس ﵄ أنه كان قاعدًا مع رسول الله ﷺ ، فجاءه بضعة عشر رجلًا عليهم ثياب السفر، فسلَّموا على رسول الله ﷺ وعلى القوم، ثم قالوا: من السيد فيكم؟ فقال رسول الله ﷺ : "ذلك يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم"، فعرفوا أنه رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، فما في أمتك سيِّد؟ قال: "بلى، رجل أعطي مالًا، ورُزِقَ سماحة، وأدنى الفقراء، وقلَّت شكايته في الناس" (١).

стр. 4029

[٧٨٦] وسمعت محمد بن القاسم (١) يقول: سمعت محمد بن أحمد بن عقيل (٢) يقول: سمعت أبا حامد الأعمشي (٣) يقول (٤): سمعت أحمد بن اليسع (٥) يقول: قال ابن عياش (٦) بلغنا أن أسد بن عبد الله (٧) قال لرجل من بني شيبان (٨): بلغني أن السؤدد فيكم رخيص. قال (٩): أما نحن فلا نسود إلَّا من يوطئنا رحله، ويفرش لنا

стр. 4030

عرضه، ويعطينا ماله، فقال: والله، إن السؤدد فيكم لغالٍ (١). (قوله تعالى) (٢): ﴿وَحَصُورًا﴾: أصله من الحصر، وهو الحبس (٣). يقال: حصرت الرجل عن حاجته، إذا حبسته، وحُصرت من كذا أُحْصَر (٤) حصرًا، إذا امتنعت (٥) منه، وحَصُر فلان في قراءته إذا امتنع عن القراءة، فلم يقدر عليها، ومثله: إحصار العدو، قال الله : ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ (٦) أي: محبسًا (٧)، ويقال للرجل الذي يكتم سرَّه، ويحبسه، ولا يظهره: حصر. قال جرير:

стр. 4031

ولقد تكنفني الوشاة، فصادفوا ... حَصِرًا، بسركِ، يا أميمَ، ضنينًا (١) والحصور، في قول ابن مسعود (٢)، وابن عباس (٣) وابن جبير (٤)، وقتادة (٥)، وعطاء (٦)، وأبي الشعثاء (٧)، والسدي (٨)، والحسن (٩)، وابن زيد (١٠): الذي لا يأتي النساء، ولا يقربهن. وهو -على هذا القول: فعول، بمعنى فاعل- يعني: أنه يحصر نفسه عن

стр. 4032

الشهوات (١). وقال سعيد بن المسيَّب (٢)، والضحاك (٣): هو العنين، الذي ما له ذكر قوي (٤). [٧٨٧] ودليل هذا التأويل ما أخبرني ابن فنجويه (٥): ثنا عبد الله ابن يوسف (٦)، ثنا محمد بن إبراهيم بن زياد (٧)، ثنا أبو الحارث محمد

стр. 4033

ابن سلمة المرادي (١)، ثنا الحجاج بن سليمان (وكان ثقة) (٢) (٣) عن ليث بن سعد (٤)، عن محمد بن عجلان (٥)، عن القعقاع بن حكيم (٦)، عن أبي صالح (٧)، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه، يعذبه الله عليه إن شاء، أو يرحمه، إلَّا يحيى بن زكريا، فإنه كان سيدًا وحصورًا، (ونبيًّا من الصالحين) (٨) "ثم أهوى النبي ﵁ بيده (٩) إلى قذاة (١٠) من الأرض فأخذها، وقال: "كان ذَكره مثل هذِه القذاة".

стр. 4034

وقال المبرد: الحصور: الذي لا يدخل في اللعب، والعبث، والأباطيل، وأصله من قول العرب للبرم (١)، الذي لا يدخل في الميسر: حصور (٢).

стр. 4035

قال الأخطل: وشاربٍ مربحٍ (١) بالكأس، نادمني ... لا بالحصورِ ولا فيها بسوَّارِ (٢) ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣): فلما نادت الملائكة زكريا، بالبشارة. ٤٠ - ﴿قَالَ رَبِّ﴾ أي: يا سيدي، قاله لجبريل، هذا قول الكلبيُّ وأكثر المفسرين (٤). وقال الحسين بن الفضل: إنما قاله زكريا لله ، لا لجبريل (٥).

стр. 4036

﴿أَنَّى يَكُونُ لِي﴾: من أين يكون لي ﴿غُلَامٌ﴾؟ ابن (١)، ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾: قال أبو عبيدة (٢) والفراء والمؤرج والمفضل: هذا من المقلوب. أي: وقد بلغت الكبر وشخت. كما يقال: بلغني الجهد. أي: أنا في الجهد. ويقال: هذا القميص لا يقطعني (٣): (لا يبلغ) (٤) ما أريد، وأنت تقطعه. وأنشد المفضل: كانت فريضة ما زعمتَ، كما ... كان الزناء فريضة الرجمِ (٥) وقيل معناه: وقد نالني الكبر، وأدركني، وأخذ مني، وأضعفني (٦). قال الكلبيّ: يوم بشر بالولد كان ابن أثنتين وتسعين سنة، وقيل: ابن (٧) تسع وتسعين سنة (٨) (٩).

стр. 4037

وقال جويبر (١)، عن الضحاك (٢) (عن ابن عباس ﵄) (٣): كان ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة (٤) (٥)، فذلك قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ أي: عقيم، لا تلد. يقال: رجل عاقر، وامرأة عاقر، وقد عقرت تعقر عقرًا، وعقارة، ويقال: تكلم (٦) فلان حتى عَقِر -بكسر القاف- يعقر عقرًا، إذا بقي فلم يقدر على الكلام (٧)، وأنشد الفراء: أرْذَامُ نَابٍ عَقُرَتْ أعْوَامَا ... فَعَلَّفَتْ بُنَيَّها تَسْمَامَا (٨)

стр. 4038

وقال عامر بن الطّفيل: لَبئس الفتي، إن كنتُ أعورَ، عاقِرًا ... جبَانًا، فَمَا عُذْري لدى كلِّ محضر؟ ! (١) وإنما حذف الهاء، من العاقر؛ لاختصاص الإناث بهذِه الصفة، قاله الخليل (٢). وقال سيبويه: للنسبة، أي: ذات عقر، كما يقال: امرأة مرضع. أي: ذات ولد رضيع (٣). وقيل: معناه: وامرأتي منيّ عاقر أو شخص عاقر. (قال عبيد: أعاقر مثلُ ذات رَحْم ... أوْ غانمٌ، مثلُ مَنْ يَخِيبُ) (٤) (قوله (٥): ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾. فإن قيل: لِمَ أنكر زكريا ﵇ (٦) ذلك؟ وسأل الآية بعدما بشرته

стр. 4039

الملائكة، أكان ذلك شكًّا في وحيه؟ أم إنكارًا لقدرته؟ وهذا (١) لا يجوز أن يوصف به أهل الإيمان، فكيف الأنبياء ﵈؟ ! قيل: الجواب عنه ما قال عكرمة والسدي: أن زكريا لما سمع نداء الملائكة، جاءه الشيطان، فقال: يا زكريا، إن هذا الصوت الذي سمعت ليس من الله تعالى، إنما هو من الشيطان؛ ليسخر بك، ولو كان من الله، لأوحاه إليك خفيًّا، كما ناديته خفيًّا، وكما يوحي إليك في سائر الأمور (٢). فقال ذلك؛ دفعًا (٣) للوسوسة (٤). والجواب الثاني: أنه لم يشك في الولد، وإنما شك في كيفيته، والوجه الذي يكون منه الولد، فقال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ أي (٥):

стр. 4040

كيف يكون لي ولد (١)؟ أتجعلني وامرأتي شابيَّن؟ أم ترزقنا ولدًا، على كبرنا؟ أم ترزقني من امرأتي العاقر؟ أم من غيرها من النساء؟ فقال ذلك؛ مستفهمًا، لا منكرًا، وهذا قول الحسن، وابن كيسان (٢). ٤١ - قوله : ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أي: علامة، أعلم بها وقت حمل امرأتي، فأزيد في العبادة؛ شكرًا لك (٣) ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾: تكفُّ عن الحديث ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾: وتقبل بكليتك على عبادتي، وطاعتي (لا أنَّه حُبِسَ) (٤) لسانه عن الكلام ثلاثة أيام، ولكنه (٥) نُهي عنه، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ قاله بعض أهل (٦) المعاني (٧).

стр. 4041

وقال أكثر المفسرين: عُقِلَ لسانه عن الكلام؛ عقوبة له؛ لسؤال الآية بعد مشافهة الملائكة إيَّاه، فلم يقدر على الكلام ثلاثة أيام (١). ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾: إشارة (٢). قال الفراء: ويكون الرمز باللسان، من غير أن يتبيَّن، وهو الصمت الخفيُّ، شبه الهمس (٣). وقرأ الأَعمش (٤): (رَمَزًا) بفتح الميم (٥) وهو (٦) مصدر، كالطلب (٧).

стр. 4042

وقال عطاء: أراد به (١): صوم ثلاثة أيام؛ لأنهم كانوا إذا صاموا، لم يتكلموا إلَّا رمزًا (٢). ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (٣). ٤٢ - قوله : ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ يعني: جبريل وحده ﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾: بولادة عيسى، من غير أب ﴿وَطَهَّرَكِ﴾: من مسيس الرجال (٤). وقال السدي: كانت مريم لا تحيض (٥). ﴿وَاصْطَفَاكِ﴾: بالتحرير في المسجد ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ عالمي زمانهم ولم (٦) تحرّر أنثى غيرها (٧).

стр. 4043

٤٣ - ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾: أطيعي وأطيلي القيام في الصلاة لربك، كلَّمتْها به (١) الملائكة شفاهًا (٢). قال الأوزاعيُّ: لما قالت لها (٣) الملائكة ذلك، قامت في الصلاة، حتَّى ورمت قدماها، وسالتا دمًا وقيحًا (٤) ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٥). ٤٤ - قوله : ﴿ذَلِكَ﴾: الذي ذكرت من حديث زكريا ويحيى ومريم وعيسى ﵈ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾: ردَّ الكناية إلى ذلك؛ فلذلك ذكر (٦).

стр. 4044

﴿وَمَا كُنْتَ﴾: يَا محمَّد ﴿لَدَيْهِمْ﴾: عندهم ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾: سهامهم وقداحهم (١) في الماء، واحدها: قلم ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾: (يحضنها ويربيها) (٢)، (وقيل: كانوا يكتبون التوراة؛ فألقوا أقلامهم التي كانت بأيديهم في الماء) (٣) ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: في كفالتها (٤). ٤٥ - قوله : ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾: قرأ أبو السمال العدوي: (بِكِلْمة) مكسورة الكاف مجزومة اللام في جميع القرآن (٥)، وهي لغة فصيحة صحيحة مثل: فَخِذ وفخْذ، وكَتِف وكتْف (٦). ﴿اسْمُهُ﴾: ردَّ الكناية إلى عيسى؛ فلذلك ذكَّر، وقيل: ردَّه إلى

стр. 4045

الكلام؛ لأن الكلمة والكلام واحد (١). ﴿الْمَسِيحُ﴾: قال بعضهم: هو فعيل بمعنى: المفعول -يعني: أنَّه مُسِحَ من الأقذار، وطهر من الذنوب، (وقيل: مسح بالبركة، وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بالدهن) (٢)، وقيل: لأنه كان مسيح القدمين، لا أخمص له (٣). وقيل: مسحه جبريل ﵇ بجناحه (حرزًا من الشيطان) (٤) حتَّى لم يكن للشيطان عليه سبيل في وقت ولادته (٥). وقال بعضهم: هو بمعنى الفاعل. مثل عليم، بمعنى عالم، سمي بذلك؛ لأنه كان يمسح المرضى فيبرؤون بإذن الله تعالى (٦) (٧).

стр. 4046

وقال الكلبيُّ: سمِّي بذلك؛ لأنه كان (١) يمسح عين الأعمى، فيبصر (٢). وقيل: سمِّي بذلك؛ لأنه كان يسيح في الأرض ويجوبها ولا يقيم في مكان (٣). وعلى هذا القول تكون (٤) الميم فيه زائدة (٥). قال أبو عمرو بن العلاء: المسيح: الملك (٦)، وقال النخعيُّ: الصّديق، فأما الدَّجال فهو: المِسِّيح، بكسر الميم وتشديد السين (٧). وقال غيره: هذا قول لا وجه له، بل الدَّجال مسيح أَيضًا، كأنه: فعيل بمعنى: مفعول؛ لأنه ممسوح إحدى العينين، كأنها عنبة طافية (٨).

стр. 4047

وكان بمعنى: الفاعل, لأنه يسيح في الأرض، فيطوفها كلها، إلَّا مكة، والمدينة، وبيت المقدس (١). قال الشَّاعر: إن المسيح يقتل المسيحا (٢) (ثم بيَّن فقال) (٣): ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا﴾: حال (٤) ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: شريفًا ذا جاء وقدر. ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ عند الله.

стр. 4048

٤٦ - ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾: صغيرًا قبل إتيان الكلام (١). [٧٨٨] أخبرنا ابن فنجويه (٢) ثنا (أَحْمد بن جعفر بن حمدان) (٣)، ثنا محمَّد بن عمران بن هارون (٤)، ثنا محمَّد (٥) بن إسماعيل بن سالم (٦)، ثنا يحيى بن أبي بكير (٧)، عن شبل (٨)، عن عمر بن أبي سليمان (٩)، عن ابن أبي نجيح (١٠)، عن مجاهد (١١) قال: قالت مريم: كنت إذا خلوت أنا وعيسى، حَدَّثني وحدَّثته، فإذا شغلني عنه

стр. 4049

إنسان، سبَّح في بطني وأنا أسمع (١). قوله (٢) ﴿وَكَهْلًا﴾: قال مقاتل (٣) يعني: إذا اجتمع قبل أن يرفع إلى السماء (٤). وقال الحسين بن الفضل: ﴿وَكَهْلًا﴾: بعد نزوله من السماء (٥). وقال ابن كيسان: أخبرها (٦) أنَّه يبقى حتَّى يكتهل. قيل: يكلِّم النَّاس في المهد صبيًّا، وكهلًا نبيًّا، فبشرها (٧) بنبوة عيسى، فكلامه في المهد معجزة، وفي الكهولة دعوة (٨). وقال مجاهد: ﴿وَكَهْلًا﴾ أي: حليمًا (٩)، والعرب تمدح

стр. 4050

بالكهولة؛ لأنها الحالة الوسطي في احتناك (١) السنِّ، واستحكام العقل، وجودة الرأي والتجربة (٢). ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: أي (٣): وهو من العباد الصالحين. ٤٧ - (قوله (٤): ﴿قَالَتْ رَبِّ﴾ أي: يَا سيدي، تقول لجبريل: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾: ولم يصبني رجل ﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ﴾ أي: كما تقولين يَا مريم، ولكن الله ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾: إذا كوَّن شيئًا ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: كما يريد. قال بعض أهل المعاني: ذكر القول ها هنا، بيان وزيادة، وإنما ذكره؛ ليتعارف النَّاس به سرعة كون الشيء فيما بينهم (٥). وقال آخرون: هذا واقع على الموجود في علمه، وإرادته، وقدرته وإن كان معدومًا في ذاته (٦). ونصب بعض القراء النُّون من ﴿فَيَكُونُ﴾

стр. 4051

على جواب الأمر (١) بالفاء (٢)، ورفعه الباقون؛ على إضمار هو. أي: فهو يكون (٣). وقيل: على تكرير الكلام تقديره: فإنما يقول له: كن فإنما (٤) يكون (٥). ٤٨ - قوله : ﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾: قرأ أهل المدينة، ومجاهد وحميد والحسن وعاصم ويعقوب: بالياء (٦)، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لقوله تعالى: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ

стр. 4052

يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾: لما قد جرى ذكره (١). وقال المبرِّد: ردُّوه على قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾: ويعلمه (٢). وقرأ الباقون بالنُّون؛ على التعظيم (٣)، واحتج أبو عمرو في ذلك بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ (٤). ﴿الْكِتَابَ﴾ أي: الكتابة، والخط، والنبوة ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: والعلم (٥) ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ ٤٩ - ﴿وَرَسُولًا﴾ أي (٦): ويجعله رسولًا ﴿إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فترك ذكره (٧)، لدلالة

стр. 4053

الكلام عليه، كقول الشَّاعر (١): ورأيتُ بعلكِ في الوغى ... متقلدًا سيفًا ورمحا (٢) أي: وحاملًا رمحًا (٣). وأنشد الفراء لرجل من عبد القيس (٤): فعلفتها تبنًا وماءً باردًا ... حتَّى شتت همَّالةً عيناها (٥) يعني: وسقيتها ماءً باردًا (٦).

стр. 4054

قال الأخفش: وإن شئت، جعلت الواو في قوله: ﴿وَرَسُولًا﴾ مقحمةً، ونصبت: الرسول؛ حالًا لها، وتقديره: ويعلمه الكتاب، ورسولًا (١). وكان أول أنبياء بني إسرائيل يوسف، وآخرهم عيسى ﵉ (٢). [٧٨٩] حَدَّثَنَا أبو منصور محمَّد بن عبد الله الحمشاذي (٣)، نا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله القصَّار (٤)، ثنا يعقوب بن يوسف بن الفضل البُخَارِيّ (٥)، ثنا إبراهيم بن عبد الرَّحِيم (٦)، ثنا زكريا بن عدي (٧)، ثنا مسلم بن خالد (٨)، عن زياد (٩)، عن محمَّد بن المنكدر (١٠)، عن صفوان بن سليم (١١)، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله

стр. 4055

- ﷺ : "بُعثت على إثر ثمانية آلاف نبيٍّ: أربعة آلاف من بني إسرائيل" (١) فلما بعث قال لهم: ﴿أَنِّي﴾. قال الكسائي: إنما فتح ﴿أَنِّي﴾ لأنه أوقع الرسالة عليه (٢)، وقيل: بأني، ولأني (٣). ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾: علامة ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: تصدق قولي، وتحقق رسالتي. قال الفراء، والخليل (٤): أصلها: أيَّة، بتشديد الياء، فثقل عليهم التشديد، فأبدلوا منه ألفًا؛ لانفتاح ما قبل التشديد، وتقديرها: فَعْلَة. وقال الكسائي: هي في الأصل: آيية مثل: فاطمة، فحذفت إحدى اليائين (٥).

стр. 4056

فلما قال عيسى ذلك لبني إسرائيل، قالوا: وما هي؟ قال: ﴿أَنِّى﴾ قرأ نافع بكسر الألف؛ على الاستئناف، أو إضمار القول (١)، وقرأ الباقون بالفتح (٢)، على معنى بأني (٣). ﴿أَخْلُقُ﴾ أي (٤): أصور، وأقدّر (٥) ﴿لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾: قرأ الزُّهْرِيّ، وأبو جعفر: (كهيَّة) (بتشديد الياء) (٦) (٧)، والآخرون بالهمز (٨).

стр. 4057

والهيئة: الصورة المهيأة، وهي من قولهم: هيَّأت (١) الشيء، إذا قدَّرته وأصلحته (٢). وقرأ أبو جعفر: (كهيئة الطائر) بالألف (٣)، والباقون بغير الألف (٤). ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ أي: في الطِّين ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قرأ العامة: بالجمع (٥)، لأنه خلق طيرًا كثيرًا (٦)، وقرأ أهل المدينة: (طائرًا)، على الواحد (٧)، ذهبوا إلى نوع واحد من الطير؛ لأنه لم يخلق غير (٨) الخفاش (٩)، وإنما خص الخفاش؛ لأنه أكمل الطير خلقًا؛ ليكون

стр. 4058

أبلغ في القدرة؛ ولأن لها ثديًا، وأسنانًا، وهي تحيض، وتطهر (١). قال وهب: كان يطير، ما دام النَّاس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم، سقط ميتًا؛ ليتميز فعل الخلق من فعل الله تعالى؛ وليُعلَم أن الكمال في الصنعة لله تعالى (٢). قوله (٣): ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ أي (٤): أشفيهما، وأُصِحُّهما. يقال: أبرأ الله المريض، يُبْرئ، إبراءً، فبرئ هو، يبْرأ، وبرأ يبرأ ويجوز (٥): بروء (٦)، فيهما جميعًا (٧). واختلفوا في الأكمه: فقال عكرمة: هو الأَعمش (٨). وقال مجاهد والضَّحَاك: هو الذي يبصر بالنهار، ولا يبصر بالليل (٩).

стр. 4059

وقال ابن عباس (١) وقتادة: هو الذي ولد أعمى، ولم يبصر ضوءًا قط (٢). وقال الحسن (٣) والسدي: هو الأعمى (٤)، وهذا هو المعروف من كلام العرب، يقال: كمهت عينه، تكمه، كمهًا، وكمهتها أنا إذا (٥) أعميتها.

стр. 4060

قال سويد بن أبي كاهل (١): كمهت عيناه حتَّى ابيضّتا ... فهو يَلْحى نفسه لما نزعْ (٢) وقال رؤبة: وكيد مطال وخصم منده ... هرّجت فارتد ارتداد الأكمه (٣) ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾: الذي فيه وَضَح (٤)، وإنما خص هذين؛ لأنهما

стр. 4061

عيبان أعييا كل طبيب، وكان الغالب على زمان عيسى ﵇ الطب؛ فأراهم (١) الله تعالى المعجزة، من جنس ذلك. وقال وهب: ربما اجتمع على عيسى ﵇ من المرضى في اليوم الواحد خمسون ألفًا، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق أتاه عيسى ﵇ (٢) يمشي إليه (٣)، وإنما كان يداويهم بالدعاء، على شرط الإيمان. (قوله تعالى) (٤): ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: فأحيا أربعة أنفس: العازر: وكان صديقًا له، فأرسلت أخته إلى عيسى ﵇: إن أخاك العازر يموت، فأته. فأتاه، وكان بينه وبينه مسيرة ثلاثة أيام، فأتاه هو وأصحابه، فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيام، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره (فانطلقت معهم إلى قبره) (٥)، فأتى إلى قبره، وهو في

стр. 4062

صخرة مُطْبَقة، فقال عيسى ﵇: اللهم رب السموات السبع والأرضين السبع، إنك أرسلتني إلى بني إسرائيل؛ أدعوهم إلى دينك، وأخبرهم أني أحيي الموتى، بإذنك، فأحي العازر، قال: فقام عازر وودكه (١) يقطر، فخرج من قبره وبقي مدة، وولد له (٢). وابن العجوز: مُرَّ به ميتًا، على عيسى ﵇، على سرير يحمل، فدعا الله عيسى ﵇، فجلس على سريره، ونزل عن أعناق الرجال، ولبس ثيابه، وحمل السرير على عنقه، ورجع إلى أهله، وبقي مدة، وَوُلدَ لَهُ (٣). (وابنة العاشر (٤): قيل له: أتحييها) (٥) وقد ماتت أمس؟ فدعا الله

стр. 4063

عز وجلّ فعاشت، وبقيت مدَّة وولد لها (١). وسام بن نوح ﵉: جاء إلى قبره، فدعا عيسى ﵇ باسم الله الأعظم، فخرج من قبره، وقد شاب نصف رأسه، فقال له: قد قامت القيامة؟ قال: لا, ولكنِّي دعوتك باسم الله الأعظم. قال (٢): ولم يكونوا يشيبون (٣) في ذلك الزمان حتَّى (٤) كان سام بن نوح قد عاش خمسمائة سنة، وهو شاب، ثم قال له: مُت، قال: بشرط أن يعيذني الله من سكرات الموت، فدعا الله سبحانه، ففعل (٥).

стр. 4064

قال الكلبيّ: كان عيسى ﵇ يحيي الأموات بـ: يَا حيُّ، يَا قيُّوم (١) (٢). ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ﴾: أخبركم ﴿بِمَا تَأْكُلُونَ﴾: مما لم (٣) أعاينه ﴿وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾: وما ترفعون ﴿فِي بُيُوتِكُمْ﴾: حتَّى تأكلوه. وهو تفتعلون (٤)، من دخرت (٥). وقرأ مجاهد وأيوب السختيانيُّ:

стр. 4065

(تذخرون) بالذال معجمة ساكنة وفتح الخاء، من ذَخَرَ يذخر ذُخرًا (١). قال الكلبيُّ: لمَّا أبرأ عيسى ﵇ الأكمه، والأبرص (وأحيا الموتى) (٢) قالوا: هذا سحر، ولكن أخبرنا بما نأكل وما ندخر. فكان يخبر الرَّجل بما أكل، في غدائه (وبما يأكل، في عشائه) (٣) (٤). وقال السدي: كان عيسى ﵇ إذا كان في الكتَّاب، يحدِّث الغلمان (٥) بما يصنع بهم آباؤهم، ويقول للغلام: انطلق، فقد أكل أهلك كذا (وكذا، ورفعوا لك كذا وكذا فينطلق الصبي) (٦) إلى أهله ويبكي عليهم، ويطلب منهم، حتَّى يعطوه ذلك الشيء، فيقولون له (٧): من أخبرك بهذا؟ فيقول (٨): عيسى. فحبسوا صبيانهم عنه،
следующие страницы →