← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

قال عكرمة: لمَّا نزلت: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ قالت اليهود: فنحن مسلمون، فأمروا أن يحجوا إن كانوا مسلمين (١). واللاَّم في قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ لام الإيجاب والإلزام، أي: ولله فرض واجب على الناس ﴿حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ـ: قرأ أبو جعفر والأعمش وحمزة والكسائي وحفص ﴿حِجُّ الْبَيْتِ﴾ بكسر الحاء في (٢) هذا الحرف خاصة (٣)، وقرأ ابن أبي إسحاق جميع ما في القرآن بالكسر (٤)، وهي لغة أهل نجد (٥)، وقرأ الباقون: بالفتح في كل القرآن (٦)،

стр. 4272

وهي لغة أهل الحجاز (١)، واختيار أبي عبيد، وأبي حاتم، وهما لغتان فصيحتان بمعنى واحد (٢). وقال الحسين الجُعفيُّ: بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم للعمل (٣)، ثم قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٤). اعلم أن شروط وجوب الحج تسعة: البلوغ، والعقل، والإسلام، والحرية، لقوله ﷺ : "رفع القلم عن

стр. 4273

ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يتنبه" (١). ولقوله ﷺ : "أيما صبيٌّ حج ثم بلغ الحنث (٢) فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق (٣) فعليه حجة أخرى، وأيما أعرابيّ حج ثم هاجر، فعليه حجة أخرى (٤) "،

стр. 4274

وأراد بالهجرة هاهنا: الإسلام (١). وتخلية الطريق: وهي أن يكون الطريق آمنًا مسلوكًا، لا مانع فيه من عدو ونحوه، فإن كان غير مسلوك لم يجب عليه (٢) الحج. والدليل عليه: أن لو كان محرمًا فحصره العدو فله أن يحل منه، فإذا جاز له الخروج منه بالحصر، فأن يسقط الدخول فيه والقصد إليه مع وجود الضرر أولى وأحرى (٣).

стр. 4275

وإمكان السير: وهو أن يكون في الوقت سعة يمكنه فيه الحج، فإذا وجد شرائط الحج وهو ببغداد (١) وقد بلغ الحاج إلى الكوفة (٢) مثلا، فلا يجب عليه، لأنه وجد شرائط في وقت تعذّر عليه فعله فيه، فهو كالصبي يبلغ في (أثناء نهار رمضان) (٣) فلا يجب عليه صوم ذلك اليوم (٤). وزاد كاف، وراحلة مبلِّغة، وقوة مؤدية: اختلفت أقوال الفقهاء في تفصيل هذِه الشرائط: فقال الشافعيُّ ﵀: الاستطاعة وجهان: أحدهما: أن يكون مستطيعا ببدنه، واجدًا من ماله ما يبلّغه الحج. والثاني: أن يكون معضوبًا (٥) في بدنه لا يثبت على مركبه، وهو

стр. 4276

قادر على من يطيعه إذا أمره أن يحج عنه بأجرة أو بغير أجرة. فأما المستطيع ببدنه فإنه يلزمه فرض الحج بالكتاب لقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وأما المستطيع بالمال، فقد لزمه فرض الحج بالسُّنَّة لحديث الخثعمية (١)، وأما المستطيع بنفسه، وهو القوي الذي لا تلحقه مشقة غير محتملة في الكون (٢) على الراحلة، فإن هذا إذا ملك الزاد والراحلة لزمه فرض الحج بنفسه، فإن عدم الزاد والراحلة (أو أحدهما) (٣) سقط عنه فرض الحج. فإن كان قادرًا على المشي مطلقًا، ووجد الزاد، أو قدر على كسب الزاد في طريقه لصنعة، مثل الخرز والحجامة ونحوها، فالمستحب له أن يحج ماشيًا رجلًا كان أو امرأة. قال الشافعيُّ: والرجل أقل (٤) عذرًا من المرأة، لأنه أقوى، وهذا على طريق الاستحباب (لا على طريق الإيجاب) (٥)، فأما إن قدر على

стр. 4277

الزاد بمسألة الناس (في الطريق) (١) كرهت له أن يحج؛ لأنه يصير كلَّا (٢) على الناس (٣). وهذا الذي ذكرت من أن وجود الزاد والراحلة شرط في وجوب الحج قول عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وعبد الله بن عباس ﵃ (٤). ومن التابعين: الحسن البصري وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء، وإليه ذهب؛ الشافعيُّ والثوريُّ وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد، وإسحاق، ﵏ (٥). [٨٣٢] ودليلهم: ما أخبرنا ابن فنجويه (٦)، ثنا هارون بن محمد بن

стр. 4278

هارون (١)، ثنا محمد بن عبد العزيز (٢) ثنا (يحيى (٣) عن قيس بن عبيد الله بن عمرو بن شعيب) (٤) عن عمرو بن شعيب (٥) عن أبيه (٦) عن جدّه (٧) قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: ما السبيل إلى الحج؟ قال: "الزاد والراحلة" (٨).

стр. 4279

ومثله روى ابن مسعود (١) وابن عباس (٢) وعائشة (٣)

стр. 4280

وجابر بن عبد الله (١) وأنس بن مالك (٢) ﵃ (٣). [٨٣٣] وأخبرني ابن فنجويه (٤)، ثنا عبد الله بن إبراهيم بن أيوب المدنيّ (٥)، ثنا مسلم بن إبراهيم (٦)، ثنا هلال بن عبد الله (٧) عن أبي

стр. 4281

إسحاق (١)، عن الحارث (٢)، عن علي (٣) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ملك زادًا وراحلة يبلّغانه إلى بيت الله فلم يحج فلا عليه أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ " (٤). وقال ابن عمر ﵄: قام رجل فقال: يا رسول الله، ما

стр. 4282

يوجب الحج؟ ، قال: "الزاد والراحلة" قال: فمن الحاج؟ قال: "الشعث الغبر التفل (١) "، قال: فما أفضل الحج؟ قال: "العج والثج (٢) " (٣). وقال مالك (بن أنس) (٤) ﵀: إذا قدر على المشي والزاد والراحلة فعليه فرض الحج بكل حال، كان لم يجد راحلة وقدر

стр. 4283

على المشي، نظر: فإن كان مالكًا للزاد والراحلة فعليه فرض الحج بلا خلاف، وإن لم يكن مالكًا للزاد ولكنه يقدر (١) على كسب حاجته في الطريق، اختلف هذا (٢) باختلاف الرجل: فإن كان من أهل المروّات (٣)، (وممن لا يكتسب) (٤) بنفسه لم يجب عليه الحج، وإن كان ممن يكتسب كفايته بصناعة أو تجارة وهكذا إن كانت عادته مسألة الناس لزمه فرض الحج، فأوجب مالك على المطيق المشي للحج إذا لم يكن زاد وراحلة (٥). وهذا قول عبد الله بن الزبير والشعبيّ وعكرمة (٦). وقال الضحاك: إن كان شابًّا قويًّا صحيحًا، وليس له مال فعليه أن يؤجر نفسه بأكله أو غُفَّتِه (٧) حتى يقضي حجه به، فقال له قائل: أكلّف

стр. 4284

الله الناس أن يمشوا إلى البيت؟ فقال: لو أن لبعضهم ميراثًا بمكة أكان تاركه؟ ! بل كان (١) ينطلق إليه ولو حَبْوًا، كذلك يجب عليه الحج (٢). واحتج هؤلاء بقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ (٣) أي: مشاة (٤)، قالوا: ولأن الحج من عبادات الأبدان، ومن فرائض الإيمان، فوجب ألاّ يكون من شرط وجوبه الزاد والراحلة كالصلاة والصيام، فإذا تقرر أن وجود الزاد والراحلة شرط في وجوب الحج على قول أكثر أهل العلم، فيجب أن يبيَّن كيفية اعتبار الزاد والراحلة والنفقة (٥)، وذلك مختلف باختلاف أحوال (٦) الناس (٧). فأما الراحلة: فهي ما لا يلحقه مشقة شديدة في الكون عليها، وأما النفقة (٨): فإن

стр. 4285

كان إذا أهل وعيال) (١) يجب عليه نفقتهم، فلا يلزمه الحج حتى يكون واجدًا نفقتهم مدة غيبته لذهابه ورجوعه؛ لأن هذا الإنفاق فرض على الفور، والحج فرض على التراخي، فكان تقديم الإنفاف على العيال أولى وأهم، وقد قال النبيّ (٢) ﷺ : "كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت" (٣). فأما إذا لم يكن له أهل وعيال (فلا بد من) (٤) نفقته لذهابه، وهل يعتبر (٥)، نفقته في رجوعه أم لا؟ ، فيه قولان للفقهاء: قال بعضهم: لا يعتبر، لأنه ليس عليه كثير مشقة في ترك القيام ببلده؛ لأنه لا أهل فيه ولا عيال، وكل البلاد له وطن. وقال الآخرون: يعتبر، وهو الظاهر من مذهب الشافعيّ؛ لأنه قال

стр. 4286

في "الأم" (١): لا يجب عليه الحج حتى تكون له نفقة ذاهبًا وجائيًا. فأطلق ولم يفرّق، وهذا القول أولى بالصواب؛ لأن الإنسان يستوحش لفراق (وطنه كما يستوحش لفراق سكنه) (٢) ألا ترى أن البكر إذا زنا جُلد وغُرّب عن بلده سواء أكان له أهل أو لم يكن (٣)؟ ! فإن كان له عقار (٤) يشغله أو ثياب أو أثاث ونحوها لزمه فرض الحج وبيع العقار ورقاب الأموال وصرفها في الحج. فأما المسكن والخادم: فقال الشافعيّ في "الأم" (٥): إذا كان له مسكن وخادم وله نفقة أهله بقدر غيبته لزمه الحج، وظاهر هذا أنه اعتبر أن يكون مال الحج فاضلا عن الخادم والمسكن؛ لأنه قدّمه على نفقة أهله فكأنه (٦) قال: بعد هذا كله (٧).

стр. 4287

وقال بعض (١) أصحابنا: يلزمه أن يبيع المسكن والخادم ويكتري مسكنًا وخادمًا لأهله، فأما إذا كان له بضاعة يتّجر بها، وربحها قدر كفايته وكفاية عياله على الدوام ومتى أنفق من أصل (٢) البضاعة اختل عليه ربحها، ولم يكن ربحها قدر كفايته، فهل يلزمه الحج من أصل البضاعة أم لا؟ قال (أبو العباس) (٣) بن سريج (٤): لا يلزمه ذلك، وتبقى البضاعة على ما هي، ولا يحج من أصلها؛ لأن الحج إنما يجب عليه في الفاضل من كفايته (٥). وقال آخرون: بل عليه أن يحج من أصل البضاعة، وهو الصحيح المشهور والذي عليه الجمهور؛ لأنه لا خلاف أنه لو كان عقار تكفيه غلّته لزمه بيع أصل العقار في الحج، فكذلك البضاعة، وجملته أن فرض الحج يتعلق بما يتعلق به فرض زكاة الفطر، فما وجب بيعه في زكاة الفطر وجب بيعه في الحج، فهذا القول في أحد (٦) وجهي

стр. 4288

الاستطاعة (١). فأما الوجه الآخر: فهو أن يكون معضوبًا في بدنه لا يقدر أن يثبت على مركب بحال (أو يكون نضو الخلقة (٢) ابتدأ أو يكون) (٣) مريضًا مرضًا (٤) شديدًا مزمنًا ووهنًا (٥) لا يرجى برؤه، أو يكون شيخًا كبيرًا (٦) ضعيفًا، ولكن يكون قادرًا على من يطيعه إذا أمره بالحج عنه، فهذا أيضًا مستطيع استطاعة تامّة وهو (٧) على وجهين: أحدهما: أن يكون قادرًا على مال يستأجر به من يحج عنه، فإنه يلزمه فرض الحج وهذا قول علي بن أبي طالب ﵁، يروى عنه أنه قال لشيخ كبير لم يحج جهّز (٨) رجلًا يحج عنك (٩).

стр. 4289

وذهب إليه الشافعيّ والثوريّ، وأبو حنيفة وأصحابه، وعبد الله بن المبارك وأحمد وإسحاق (١). والثاني: أن يكون قادرًا على من يبذل له الطاعة والنيابة فيحج عنه، فهذا أيضًا يلزمه الحج عند الشافعيّ وأحمد بن حنبل، وابن راهويه. وقال (٢) أبو حنيفة: لا يجب عليه الحج ببذل الطاعة بحال (٣). * * *

стр. 4290

وقال مالك بن أنس: إذا كان معضوبًا سقط عنه فرض الحج أصلا، سواء كان قادرًا على من يحج عنه بالمال أو بغير المال، أو كان عاجزًا، ولا يلزمه فرض الحج، ولو وجب عليه فرض (١) الحج ثم عضب وزمن سقط عنه فرض الحج (٢). ولا يجوز أن يحج عنه في حال جنونه بحال، فإن (٣) أوصى أن يحج عنه حج (٤) بعد موته من الثلث وكان تطوعًا، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ (٥)، فأخبر أنه ليس له إلّا ما سعى، فمن قال: له ما سعى غيره، فقد خالف ظاهر الآية، وبقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وهذا غير مستطيع؛ لأن الحج هو قصد البيت بنفسه. ومن طريق الاعتبار: هو غير متمكن من الحج بنفسه، فوجب ألَّا يلزمه الحج عن نفسه، كما لو كان معضوبًا لا مال له، ولأن هذِه عبادة لا تدخلها النيابة مع القدرة عليها، فوجب أن لا تدخلها النيابة مع العجز عنها كالصلاة، وعكسها الزكاة (٦).

стр. 4291

ودليل الشافعيّ وأصحابه ما روي عن الزهريّ، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس ﵄ أن امرأة من خثعم سألت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يتمسك على الراحلة، فهل يجزئ أن أحج عنه؟ قال: "نعم" قالت: هل ينفعه ذلك؟ ، فقال النبي ﷺ : "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان يجزئ"؟ ، قالت: نعم، قال: "فدين الله أحق" (١). فأوجب النبيّ ﷺ الحج بطاعة ابنته إياه وبذلها نفسها له بأن تحجّ عنه، فإذا وجب ذلك بطاعة البنت له كان بأن تجب عليه بقدرته على المال الذي يستأجر به أولي. فأما إن بذل له المال دون الاستطاعة، فالصحيح أن لا يلزمه قبوله والحج به عن نفسه، ولا يصير ببذل المال له مستطيعًا (٢). فأما من به مرض يرجى زواله: كالبرسام (٣) والحمى الشديدة

стр. 4292

ونحوهما، فلا يجوز له أن يُحِج عن نفسه، لأنه لم ييأس عن الحج بنفسه، فلم يجز له أن يأمر بالحج عنه كالصحيح، وعكسه المعضوب، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجوز له أن يُحج عن نفسه، ولو حج عنه وبرئ سقط عنه فرض الحج، والله أعلم بالصواب (١) (٢). قوله : ﴿وَمَن كَفَرَ﴾. قال ابن عباس (٣)، والحسن (٤)، وعطاء (٥)، والضحاك (٦): جحد فرض الحج، وقال مجاهد (٧): هو: من إن حج لم يره برًّا، وإن قعد لم

стр. 4293

يره مأثمًا، وروى سفيان عن منصور عنه: ومن كفر بالله واليوم الآخر (١). [٨٣٤] يدل عليه ما أخبرني (أبو عبد الله) (٢) ابن فنجويه (٣)، ثنا طغران بن الحسن (٤)، ثنا أبو محمد بن أبي حاتم (٥)، ثنا محمد بن داود السمنانيّ (٦)، (حدثنا أبو حذيفة (٧)، عن الثوريّ (٨)، عن إبراهيم بن محمد الخوزيّ (٩)) (١٠)، عن محمد بن عبّاد بن جعفر

стр. 4294

المخزوميّ (١)، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ قال: "من كفر بالله واليوم الآخر" (٢). وقال سعيد بن المسيّب: نزلت في اليهود حيث قالوا: الحج إلى مكة غير واجب (٣)، وقال الضحاك: لمّا نزلت آية الحج جمع رسول الله ﷺ أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال: "إن الله كتب عليكم الحج فحجوا". فآمنت به ملّة واحدة، وهم المسلمون، وكفرت به خمس ملل قالوا: لا نؤمن به، ولا نصلي إليه، ولا نحجه، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٤).

стр. 4295

وقال عطاء بن أبي رباح (١): ومن كفر بالبيت. وقال ابن زيد: ومن كفر بهذِه الآيات التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ (٢). وقال السدي (٣): أما من كفر، فهو من وجد ما يحج به ولم يحج حتى مات، فهو كفره به (٤). فصل في إيجاب الحج قال النبي ﷺ : "صلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدّوا زكاة أموالكم، وحجّوا بيت ربكم، تدخلوا جنّة ربكم" (٥).

стр. 4296

وقال ﷺ : "حجوا قبل أن لا (١) تحجوا، فإنه قد هدم البيت مرتين، ويرفع في الثالثة" (٢). وقال ابن مسعود ﵁: حجّوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابّة إلّا نفقت (٣). [٨٣٥] وأخبرنا أبو الحسين الحجاجيّ (٤)، أنا أبو بكر محمد بن

стр. 4297

عمر (١)، ثنا سهل بن عمّار (٢)، ثنا يزيد بن هارون (٣)، عن شريك (٤)، عن ليث (٥)، عن عبد الرحمن بن سابط (٦)، عن أبي أمامة (٧) ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من لم تحبسه حاجة ظاهرة، أو مرض حابس، أو سلطان جائر، ولم يحج، فليمت إن شاء يهوديًّا، وإن شاء نصرانيًّا" (٨).

стр. 4298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4299

[٨٣٦] وأخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد الديباجيّ (١) (حدثنا عيسى بن نصر بن خالد القصريّ (٢)، حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد الديباجيّ (٣)) (٤) ثنا محمد بن خلف بن عبد السلام المروزيّ (٥)

стр. 4300

ثنا موسى بن جعفر (١)، عن أبيه (٢)، عن جده (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات ولم يحج لم يقبل الله له يوم القيامة عملا" (٤). [٨٣٧] وأخبرنا أبو الحسن القُهُنْدزيّ (٥)، أنا أبو طاهر

стр. 4301

المُحَمدأباذي (١)، أخبرنا محمد بن عبيد الله بن يزيد المنادي (٢)، ثنا وهب بن جرير (٣)، عن شعبة (٤)، عن قتادة (٥)، عن الحسن (٦) قال: قال عمر (٧) ﵁: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى الأمصار فينظرون إلى من كان له مال ولم يحج، فيضربون عليه الجزية (٨). * * *

стр. 4302

٩٩ - قوله ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: تصرفون عن دين الله، ﴿مَنْ آمَنَ﴾. قرأ الحسن: (تُصِدّون): بضم التاء وكسر الصاد (١)، وهما لغتان: صدَّ وأصدَّ، مثل: صلّ اللحم (٢) وأصلَّ، وخمّ وأخمّ (٣). ودليل قراءة العامة قوله تعالى: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٥)، ونظائرهما (٦). ﴿تَبْغُونَهَا﴾: تطلبونها، ﴿عِوَجًا﴾ زيغًا وميلا، والكلام حال من الفعل، مجازه: لم تصدون عن سبيل الله باغين لها عوجًا (٧).

стр. 4303

قال أبو عبيدة: العِوج- بالكسر- في الدين والقول والعمل، والعَوج -بالفتح- في الجدار والحائط، وكل شمخص قائم (١). ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾: أن في التوراة مكتوبًا: إن دين الله الذي لا يقبل غيره هو (٢) الإسلام، وأن فيها نعت محمد ﷺ ، ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٣). ١٠٠ - قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية قال زيد بن أسلم: مرشاس بن قيس اليهوديّ، وكان شيخًا قد عسا (٤) (٥) في الجاهلية، عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، مر (٦) على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج في مجلس (قد جمعهم) (٧) يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح (٨) ذات بينهم في

стр. 4304

الإسلام بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة (١) بهذِه البلاد، لا (٢) والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا بها من قرار. فأمر شابًّا من اليهود كان معه فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم ثم ذكّرهم يوم بعاث (٣)، (وما كان قبله) (٤)، وأنشدهم بعض ما كانوا يتقاولون فيه من الأشعار، وكان بعاث يومًا اقتتلت فيه الأوس مع الخزرج، وكان الظفر للأوس على الخزرج، ففعل. فتكلّم القوم عند ذلك، فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحييّن على الركب: أوس بن قيظي أحد بني حارثة من الأوس (٥)، وجبّار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج (٦) فتقاولا، ثم قال أحدهما

стр. 4305

لصاحبه: إن شئتم والله رددتها الآن (١) جذعة (٢)، وغضب الفريقان جميعًا وقالا؛ قد فعلنا، السلاح السلاح، وموعدكم الظاهرة وهي حرّة، فخرجوا إليها، وانضمت الأوس والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين، حتى جاءهم خفية، فقال: "يا معشر المسلمين" أتدعون بدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام، وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألّف بينكم، فترجعون إلى ما كنتم عليه كفّارًا؟ الله الله" فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا، وعانق بعضهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين، فأنزل الله في شاس بن قيس وأصحابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣). يعني: الأوس والخزرج، ﴿إِنْ تُطِيعُوا

стр. 4306

فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني: شاس وأصحابه، ﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾. قال جابر بن عبد الله ﵄: ما كان من طالع أكره إلينا (١) من رسول الله ﷺ ، فأومأ إلينا بيده فكففنا، وأصلح الله ما بيننا، فما كان من (٢) شخص أحب إلينا من رسول الله ﷺ ، فما رأيت يومًا قط (أقبح أولا) (٣)، وأحسن آخرًا من ذلك اليوم (٤). * * *

стр. 4307

ثم قال تعالى على وجه التعجبّ: ١٠١ - ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ يعني: ولم تكفرون؟ ! ﴿وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ يعني: القرآن، ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ محمد ﷺ . قال قتادة: في هذِه الآية علمان بيّنان: كتاب الله ونبيّ الله، فأما نبي الله فقد مضى، وأما كتاب الله فأبقاه الله تعالى بين أظهركم؛ رحمة منه ونعمة، فيه حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته (١). ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ أي: يمتنع بالله، ويتمسك بدينه وطاعته، ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ طريق واحد. قال ابن جريج: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ أي: يؤمن بالله (٢)، وأصل العصم والعصمة: المنع، فكل مانع شيئًا فهو عاصم، قال الفرزدق: أنا ابن العاصمين بني تميم ... إذا ما (أعظم الحدثان نابا) (٣) (٤)

стр. 4308

والممتنع: معتصم، يقال: اعتصمت الشيء، واعتصمت به، وهو الأفصح (١). قال الشاعر (٢): يظلُّ (٣) من خوفه الملاحّ معتصمًا ... بالخيْزُرانة بعد الأيْن والنّجدِ (٤) وقال آخر: إذا أنت جازيت الإخاء بمثله ... وآسيتني ثم أعتصمت حباليا (٥) وقال حميد بن ثور (٦) يصف جملا حمل امرأة بدينة:

стр. 4309

وما كان لمّا أن علته بثقلها (١) ... بنهضته حتى اكلأز وأعصما (٢) ١٠٢ - قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ الآية. قال مقاتل بن حيَّان: كان بين الأوس والخزرج عداوة في الجاهلية وقتال، حتى هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، فأصلح بينهم، فافتخر بعد ذلك منهم (٣) رجلان: ثعلبة بن غنم من الأوس (٤)، وأسعد بن زرارة من الخزرج (٥). فقال الأوسيُّ: منا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، ومنا حنظلة غسيل الملائكة، ومنا عاصم بن ثابت بن أفلح حميُّ الدَّبْر (٦)، ومنا: سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمن

стр. 4310

لموته (١) ورضي الله تعالى حكمه في بني قريظة. وقال الخزرجيُّ: منا أربعة أحكموا القرآن: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد (٢)، ومنا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم. فجرى الحديث بينهما فغضبا، فقال الخزرجيُّ: أما والله لو تأخر الإسلام قليلا وقدوم النبي ﷺ لقتلنا ساداتكم، واستعبدنا أبناءكم، ونكحنا نساءكم بغير مهر. فقال الأوسيُّ: قد كان الإسلام متأخرًا زمانًا طويلًا، فهلَّا فعلتم ذلك، فقد ضربناكم حتى أدخلناكم الدَّار. وأنشدا الأشعار وتفاخرا وتناديا، فجاء (٣) الأوسيُّ إلى الأوسيِّ والخزرجيُّ إلى الخزرجيِّ ومعهم السلاح. فبلغ ذلك النبي ﷺ فركب حمارًا وأتاهم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ الآيات، فقرأها (٤) عليهم رسول
следующие страницы →