← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

اكتفاء بذكر أحد (١) الفريقين يقول أبي ذؤيب (٢): عصيت إليها القلب إني لأمرها ... مطيع فما أدري أرشد طلابها (٣) أراد: أرشد أم غيّ، فحذف لدلالة الكلام عليه، قالوا: وهذا فعل مجموع مقدم كقولهم: أكلوني البراغيث، وذهبوا أصحابك (٤) (٥). وقال آخرون: تمام الكلام عند قوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ وهو وقف؛ لأن ذكر الفريقين من أهل الكتاب قد جرى في قوله: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ثم قال: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ يعني: المؤمنين والفاسقين، ثم وصف الفاسقين فقال: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ ووصف المؤمنين ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ فهو مردود على أول الكلام، وهذا

стр. 4412

اختيار محمَّد بن جرير الطبري (١) (٢) والزجاج (٣) (٤). وإن شئت جعلت قوله ﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ ابتداء الكلام أخر, لأن ذكر الفريقين قد جرى، ثم قال: ليس هذان (٥) الفريقان سواء وتمّ (٦) ثم ابتدأ فقال: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ (٧). قال ابن مسعود: لا يستوي اليهود وأمة محمَّد ﷺ (٨) القائمة بأمر الله، يعني: الثابتة على الحق مستقيمة. وقال ابن عباس: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ مهتدية، قائمة على أمر الله، لن تتراجع عنه، ولم تتركه كما تركه الآخرون وضيعوه (٩).

стр. 4413

وقال مجاهد (١): عادلة. وقال السدّي (٢): مطيعة، قائمة على كتاب الله وفرائضه وحدوده، وقيل: قائمة في الصلاة (٣). وقال الأخفش (٤): أمة قائمة أي: ذو أمة قائمة، والأمة (٥): الطريقة، من قولهم: أممت الشيء: أي: قصدته (٦). قال النابغة (٧): وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع (٨) أي: ذو طريقة، ومعنى الآية: ذو طريقة مستقيمة (٩).

стр. 4414

قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: يقرءون كتاب الله، قال مجاهد (١): يُتبعون. قال الشاعر (٢): قد جعلت دلوي تستتليني (٣) ... ولا أريد تبع القرين (٤) أي: تستتبعني (٥). ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ أي (٦): ساعاته. واحدها: إنى، مثل: نحى وأنحاء، وإنى وأنى مثل: معى (٧)، قال الشاعر (٨):

стр. 4415

حلو ومر كعطف القدح شيمته (١) ... في كل إنًى قضاه (٢) الليل ينتعل (٣) أي: في كل ساعة أتاه الليل (٤) بأمر مضى فيه ولا يتأخر (٥). وقال الراجز في اللغة الأخرى: لله در جعفر أي فتى مشمر عن ساقه كل إنى (٦) قال السدي: (٧) ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ جوفه. [٨٧٤] أخبرنا أحمد بن أبيّ (٨) ثنا (أحمد بن (٩) محمَّد بن عمران) (١٠)

стр. 4416

أخبرنا الحسن بن سفيان (١)، عن حيان بن عبد الله (٢)، عن الأوزاعي (٣) قال: حدثني حسان بن عطية (٤) قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "ركعتان يركعهما العبد في جوف الليل الأخير خير له (٥) من الدنيا وما فيها, لولا أن أشق على أمتي لفرضتهما عليهم" (٦). قوله تعالى (٧) ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ أي: يصلون؛ لأن التلاوة لا تكون

стр. 4417

في الركوع والسجود، نظيره قوله : ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (١)، أي: يصلون. وفي الفرقان: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ الآية (٢)، أي: صلوا. وفي النجم: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ (٣) (٤)، واختلفوا في نزول الآية ومعناها: فقال قوم: هي في قيام الليل. [٨٧٥] أخبرنا (أبو عبد الله) (٥) ابن فنجويه (٦)، ثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك (٧)، ثنا عمر بن سهل (٨)، ثنا زيد بن إسماعيل الصائغ (٩)، ثنا يعلي بن عبيد (١٠)، ثنا مجمّع -يعني: ابن

стр. 4418

يحيى الأنصاري (١) - عن رجل من بني شيبة (٢) كان يدرس الكتب قال: إنا نجد كلامًا من كلام الربّ: أيحسب راعي إبل أو غنم إذا جنّه الليل انخذل، كمن هو قائم وساجد آناء الليل (٣). وقال ابن مسعود ﵁: هي في صلاة العتمة، يصلونها، ومن سواهم من أهل الكتاب لا يصليها (٤). [٨٧٦] أخبرني الحسين بن محمَّد الدينوري (٥)، ثنا أبو بكر بن مالك القطيعي (٦) حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل (٧)، حدثني أبي (٨)، ثنا أبو

стр. 4419

النضر (١)، وحسن بن موسى (٢)، قالا (٣) ثنا شيبان (٤)، عن عاصم (٥) عن زر (٦) عن (عبد الله) (٧) بن مسعود ﵁ قال: أخَّر رسول الله صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: "إنه ليس من هذِه الأديان من يذكر الله تعالى هذِه الساعة غيركم"، فأنزلت هذِه الآية ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾، حتى بلغ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (٨) ..

стр. 4420

وروى الثوري، عن منصور قال: بلغني أنها نزلت في قوم كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء (١). وقال عطاء: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ الآية. يريد أربعين رجلا من أهل نجران من العرب، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى ﵇، وصدقوا بمحمد ﷺ . وكان من الأنصار فيهم عدة قبل قدوم النبي ﷺ منهم: أسعد بن زرارة، والبراء بن معرور ومحمد بن مسلمة، وأبو قيس صرمة بن أنس، كانوا موحدين يغتسلون من الجنابة، ويقومون بما عرفوا من شرائع الحنيفية، حتى جاءهم الله تعالى بالنبي ﷺ ، فصدقوه ونصروه (٢).

стр. 4421

١١٤ - قوله- ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)﴾. ١١٥ - قوله : ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾. قرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وحفص وخلف: بالياء فيهما (١) إخبارًا عن الأمة القائمة، وهي قراءة ابن عباس (٢)، واختيار أبي عبيد (٣). وقرأ الباقون: بالتاء فيهما (٤)، على الخطاب لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وهي اختيار أبي حاتم (٥) (٦)، وكان أبو

стр. 4422

عمرو (١) يروي القراءتين جميعًا: الياء والتاء (٢)، ومعنى الآية: وما تفعلوا من خير فلن تعدموا ثوابه، ولن تجحدوا جزاءه، بل يشكركم وتجازون عليه. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾: المؤمنين. ١١٦ - قوله- ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ (أي من عذاب الله) (٣)، وإنما خص الأولاد؛ لأنهم أقرب أنسبائه إليه (٤). ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ إنما جعلهم من (٥) أصحابها؛ لأنهم من (٦) أهلها الذين لا يخرجون منها ولا يفارقونها، كصاحب الرجل الذي لا يفارقه، وقرينه الذي لا يزايله، يدل عليه قوله : ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٧).

стр. 4423

١١٧ - قوله : ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال يمان: يعني: نفقات أبي سفيان وأصحابه ببدر واحد على عداوة النبي ﷺ (١). وقال مقاتل (٢): يعني: نفقة سفلة اليهود على علمائهم ورؤسائهم كعب وأصحابه. وقال مجاهد: يعني (٣): جميع نفقات الكفار في الدنيا وصدقاتهم، ضرب الله تعالى لها مثلا (٤) فقال: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ قال ابن عباس ﵄: يعني السموم الحادة التي تقتل، ومنها خلق الجان (٥). وقال ابن كيسان: الصرّ: ريح فيها صوت ونار (٦)، وقال سائر المفسرين: برد شديد (٧) ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ﴾ زرع ﴿قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾:

стр. 4424

بالكفر والمعصية، ومنع حق الله تعالى، ﴿فَأَهْلَكَتْهُ﴾، ومعنى الآية: مثل نفقات الكفار في بطلانها وذهابها وعدم منفعتها، وقدر حاجتهم إليها، بعد ما كانوا يرجون من عائدة نفعها، كمثل زرع أصابته ريح باردة (أو نار) (١) فأحرقته وأهلكته، فلم ينتفع أصحابه منه بشيء، بعد ما كانوا يرجون من عائدة نفعه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بذلك، ﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالكفر والمعصية ومنع حق الله. ١١٨ - قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ الآية. [٨٧٧] أخبرني الحسين بن محمَّد بن الحسين بن عبد الله (٢)، ثنا موسى بن محمَّد بن علي بن عبد الله (٣)، ثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث (٤)، ثنا المنذر بن الوليد بن عبد الرحمن بن الجارودي (٥)، حدثني أبي (٦)،

стр. 4425

عن حميد بن مهران المالكي (١)، (عن أبي غالب) (٢) عن أبي أمامة ﵁ (٣)، عن رسول الله في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ قال: "هم الخوارج" (٤). وقال ابن عباس ﵄: (كان رجال من المسلمين يواصلون رجالا من اليهود) (٥) لما كان بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار،

стр. 4426

فأنزل الله تعالى فيهم (١) هذِه الآية ينهاهم عن مباطنتهم، خوف الفتنة منهم عليهم (٢). وقال مجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصادقون المنافقين ويخالطونهم، فنهاهم الله عن ذلك (٣) فقال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾: أي: أولياء، وأصفياء من غير أهل ملتكم (٤). والبطانة: مصدر يوضع في موضع الاسم فيسمى بها الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث، قال الشاعر: أولئك خلصائي نعم وبطانتي ... وهم عيبتي من دون كل قريب (٥) وإنما قيل لخليل الرجل: بطانة تشبيهًا بما يلي بطنه من ثيابه، وخلوّه منه في اطلاّعه على أسراره، وما يطويه عن أباعده وكثير من أقاربه محل ما يلي جسده من ثيابه (٦) ثم ذكر العلة في النهي عن

стр. 4427

مباطنتهم، وعرّفهم ما هم (عليه مبطنون) (١) من الغش والخيانة وبغي الغوائل (٢) فقال عز من قائل: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ أي: لا يقصرون، ولا يتركون جهدهم وطاقتهم فيما يورثكم الشر والفساد، يقال: ما ألوته خيرًا أو شرًّا. أي: ما قصّرت في فعل ذلك (٣). ومنه قول ابن مسعود في عثمان ﵁: ولم يأل عن خير (نادى فوق) (٤). قال امرؤٌ القيس (٥): وما المرء ما دامت حُشاشة نفسه ... بمدرك أطراف الخطوب ولا آلي (٦)

стр. 4428

أي: مقصّر في الطلب (١)، والخبال: الشر والفساد (٢)، قال الله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ (٣)، وأنشد الفراء (٤): نظر ابن سعد نظرة يألونها ... كانت لصحبك والمطيّ خبالا (٥) (ونصب ﴿خَبَالًا﴾) (٦) على المفعول الثاني, لأن (ألا) لا يتعدى إلى مفعولين، وإن شئت على المصدر: أي: يخبلونكم خبالا، وإن شئت بنزع الخافض. أي: بالخبال، كما يقال: أوجعته ضربًا (٧). ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: تمنوا ضركم وشركم وإثمكم وهلاككم (٨) ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾.

стр. 4429

قراءة العامة بالتاء لتأنيث البغضاء، وقرأ عبد الله (١) وزيد (٢): (قد بدا البغضاء) لتقدم الفعل، ولأن معنى البغضاء البغض (٣) (٤). ومعنى الآية: قد ظهرت أمارة العداوة (٥) من أفواههم بالشتيمة والوقيعة في المسلمين، وقيل: باطلاع المشركين على أسرار المؤمنين، وقيل: هو مثل قوله تعالى (٦) هو ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (٧) (٨). ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر﴾ من العداوة والخيانة ﴿أَكْبَرُ﴾: أعظم، ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. [٨٧٨] أخبرني الحسين بن محمَّد ابن فنجويه (٩)، حدثني محمَّد بن عبد الله بن برزة (١٠)،

стр. 4430

ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي (١)، ثنا مسدد (٢)، ثنا هشيم (٣) عن العوام بن حوشب (٤) عن الأزهر بن راشد (٥) قال: كان أنس بن مالك ﵁ يحدّث أصحابه، فإذا حدثهم بحديث لا يدرون ما هو أتوا الحسن (٦) يفسره لهم. فحدثهم ذات يوم فقال: قال رسول الله: "لا تستضيئوا بنار المشركين، ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيًّا" (فأتوا الحسن فأخبروه بذلك فقال: أما قوله: "لا تنقشوا في خواتيمكم عربيًا" (٧) فإنه يقول: لا تنقشوا في خواتيمكم محمدًا، وأما قوله: "لا تستضيئوا بنار المشركين"، فإنه يقول: لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم، وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ الآية (٨)، وقال عياض

стр. 4431

الأشعري (١): وقد أبو موسى الأشعري ﵁ على عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إن عندنا كاتبًا حافظًا نصرانيًّا من حاله كيت وكيت. فقال: ما لك قاتلك الله؟ ! أما سمعت قول الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ الآية، وقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ هلا اتخذت حنيفًا (٢). قلت: له دينه ولي كتابته، قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله (٣).

стр. 4432

١١٩ - قوله : ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ﴾ (ها) (١): تنبيه (٢) ﴿أَنْتُمْ﴾ كناية للمخاطبين من المذكور و ﴿أُولَاءِ﴾: اسم الجمع المشار إليه، ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ خبر عنهم، ومعنى الآية: هآنتم أيها المؤمنون تحبون هؤلاء اليهود الذين نهيتكم عن مباطنتهم للأسباب التي بينكم من المصاهرة والمحالفة والرضاع والقرابة والجوار (٣)، ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ لما بينكم من مخالفة الدين، هذا قول أكثر المفسرين (٤). وقال المفضل (٥): معنى ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ تريدون لهم الإِسلام، وهو خير الأشياء، ولا يبخلون عليهم (٦) بدعائهم إلى الجنة، ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ هم لأنهم يريدونكم على الكفر وهو الهلاك (٧).

стр. 4433

وقال أبو العالية، ومقاتل (١): هم المنافقون يحبهم المؤمنون بما أظهروا من الإيمان ولا (يعلمون ما) (٢) في قلوبهم (٣). وقال قتادة في هذِه الآية: والله إن المؤمن ليحب المنافق ويأوي إليه ويرحمه، ولو أن المنافق يقدر على ما يقدر عليه المؤمن لأباد خضراءه (٤) (٥). (قوله) (٦): ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ يعني: بالكتب كلها, ولا يؤمنون هم بكتابكم (٧) ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا﴾ فكان بعضهم مع بعض، ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ﴾ يعني: أطراف الأصابع، واحدتها (٨): أنمَلة وأنمُلة. بفتح الميم وضمها (٩).

стр. 4434

﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ والحنق لما يرون من ائتلاف المؤمنين، واجتماع كلمتهم، وصلاح ذات بينهم، وهذا من مجاز الأمثال، وإن لم يكن عضّ (١). قال الشاعر (٢): إذا رأوني أطال الله غيظهم ... عضّوا من الغيظ أطراف الأباهيم (٣) (٤) وقال أبو طالب (٥): وقد صالحوا قومًا علينا (٦) ... أشحة (٧) يعضون غيظًا خلفنا بالأنامل (٨)

стр. 4435

قال تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ إن قيل: كيف لم يموتوا والله تعالى إذا قال لشيء: كن، فيكون؟ . فالجواب: أن المراد: ابقوا بغيظكم إلى الممات، فإن مناكم عن الإسعاف محجوبة. وقال محمَّد بن جرير الطبري (١): خرج هذا الكلام مخرج الأمر، وهو دعاء، أمر الله تعالى نبيه ﷺ بأن يدعو عليهم بالهلاك كمدًا مما بهم من الغيظ. يعني: قل يا محمَّد: أهلكوا بغيظكم (٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بما في القلوب: من خير (أو شر). [٨٧٩] أخبرني الحسين ابن فنجويه (٣) ﵀، ثنا عبيد الله بن محمَّد بن شنبة (٤)، ثنا جعفر (٥) بن محمَّد الفريابي، حدثني أبو علي الحسن بن عمر بن شقيق (٦)، ثنا حماد بن زيد (٧)، عن عمرو بن مالك (٨)،

стр. 4436

عن أبي الجوزاء (١) -وذكر أصحاب الأهواء- فقال: والذي نفس أبي الجوزاء بيده؛ لأن تمتلئ داري قردة وخنازير، أحب إليّ من أن يجاورني رجل منهم -يعني صاحب هوى- ولقد دخلوا في هذِه الآية: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ (٢). * * *

стр. 4437

١٢٠ - قوله : ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ﴾ قرأ السلمي (١): بالياء (٢)، والباقون: بالتاء (٣). يعني: إن تصبكم أيها المؤمنون ﴿حَسَنَةٌ﴾ بظهوركم على عدوكم، وغنيمة تنالونها منهم، وتتابع من الناس في الدخول في دينكم، وخصب في معايشكم، ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ تحزنهم ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾ مساءة؛ بإخفاق سرية لكم، أو إصابة عدو منكم، أو اختلاف يكون بينكم، أو جدب ونكبة، ﴿يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ على أذاهم، ﴿وَتَتَّقُوا﴾، وتخافوا ربكم ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ لا ينقصكم ﴿كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ (٤). واختلف القراء فيه: فقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ بكسر الضاد خفيفة (٥) واختاره أبو حاتم (٦)، يقال: ضاره يضيره ضيرًا،

стр. 4438

مثل: باع يبيع بيعًا، ودليله في القرآن: ﴿لَا ضَيْر﴾ (١)، وهو جزم على جواب الجزاء. وقرأ الضحاك: بضم الضاد وجزم الراء خفيفة من: ضار يضور (٢)، وذكر الفراء عن الكسائي: أنه سمع بعض أهل العالية (٣) يقول: لا ينفعني ذلك ولا يضورني (٤). وقرأ الباقون: بضم الضاد والراء المشددة، واختاره أبو عبيد، وهي: من: ضرّ يضرّ ضرًّا، مثل: ردّ يردّ ردًّا (٥). وفي رفعه وجهان: أحدهما: أنه أرا د الجزم، وأصله: يضرركم،

стр. 4439

فأدغمت الراء في الراء، ونقلت ضمة الراء الأولى إلى الضاد، وضمت الراء الأخيرة اتباعًا لأقرب الحركات إليها، وهي الضاد طلبًا للمشاكلة، كقولهم: مُرّ يا هذا. والوجه الثاني: أن تكون (لا) بمعنى (ليس)، وتضمر الفاء فيه، تقديره: وأن تصبروا فليس يضركم، قاله الفراء (١)، وأنشد (٢): فان كان لا يرضيك حتى تردّني ... إلى قطري لا إخَالُك رَاضيا (٣) ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. قرأ الحسن والأعمش وسهل: بالتاء، والباقون: بالياء (٤)، ومعنى ﴿مُحِيطٌ﴾ عالم. ١٢١ - قوله : ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ الآية. نظم الآية: وأن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا, ولكن الله

стр. 4440

ينصركم عليهم كما نصركم ببدر وأنتم أذلة، وإن لم تصبروا على أمري وتتقوا نهيي، فإنه نازل بكم ما نزل يوم أحد حيث خالفتم أمر الرسول ولم تصبروا، فاذكروا ذلك اليوم، إذ غدا نبيكم يبوئ المؤمنين (١). واختلفوا في هذا اليوم الذي عني الله سبحانه بقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾: فقال الحسن: هو (٢) يوم بدر (٣)، وقال مقاتل (٤): هو يوم الأحزاب (٥) (٦)، وقال سائر المفسرين: هو يوم أحد، وهو أثبت، يدل عليه قوله تعالى في عقبه: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ وهذا إنما كان يوم أحد (٧).

стр. 4441

قال مجاهد والكلبي والواقديّ: غدا رسول الله ﷺ من منزل عائشة ﵂، فمشى على رجليه إلى أحد يصفُّ أصحابه للقتال كأنما يقوّم بهم القِدْح (١) (٢) إن رأى صدرًا خارجًا قال: "تأخر". وذلك أن المشركين نزلوا بأحد (على ما ذكر محمَّد) (٣) بن إسحاق والسدي عن رجالهما يوم الأربعاء (٤)، فلما سمع رسول الله ﷺ بنزولهم استشار أصحابه، ودعا عبد الله بن أبييّ ابن سلول، ولم يدعه قط قبلها، فاستشاره. فقال عبد الله بن أبي وأكثر الأنصار: يا رسول الله، أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم هو الله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلاّ أصاب منا, ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه فكيف وأنت فينا، فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر مجلس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، فإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا. فأعجب رسول الله ﷺ هذا الرأي. وقال بعض أصحابه: يا رسول الله، اخرج بنا إلى هذِه الأكلب (٥)

стр. 4442

لا يرون أنّا جبنا عنهم وضعفنا. وأتاه النعمان بن مالك الأنصاريّ فقال: يا رسول الله، لا تحرمني الجنّة، فوالذي بعثك بالحق لأدخلن الجنة. (فقال له: "بم")، قال (١): بأني أشهد أن لا إله إلا الله، وأني لا أفرّ من الزحف. فقال: "صدقت"، فقتل يومئذ ﵀ (٢). فقال رسول الله ﷺ : "إني قد رأيت في منامي بقرًا، فأولتها خيرًا، ورأيت في ذباب (٣) سيفي ثلمًا (٤)، فأولتها هزيمة. ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة، وندعهم، فإن أقاموا أقاموا على شر مقام، وإن هم دخلوا المدينة

стр. 4443

قاتلناهم فيها"، وكان رسول الله ﷺ يعجبه أن يدخلوا عليه المدينة فيقاتلوا في الأزقة. فقال رجال من المسلمين ممن كان فاتهم يوم بدر وأكرمهم الله تعالى بالشهادة يوم أحد: اخرج بنا إلى أعدائنا فلم يزالوا برسول الله ﷺ من حبهم للقاء القوم حتى دخل رسول الله ﷺ فلبس لأمته (١). فلما رأوه قد لبس السلاح ندموا وقالوا: بئسما صنعنا نشير على رسول الله ﷺ والوحي يأتيه، فقاموا واعتذروا إلى رسول الله ﷺ وقالوا: اصنع يا رسول الله ما رأيت. فقال رسول الله ﷺ : "لا ينبغي لرسول أن (٢) يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل" وكان قد أقام المشركون بأحد يوم الأربعاء والخميس. فراح (٣) رسول الله ﷺ إليهم يوم الجمعة، بعد ما صلى بأصحابه الجمعة، وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار (٤)، فصلى عليه رسول الله ﷺ ، ثم خرج إليهم فأصبح بالشعب من أحد

стр. 4444

يوم السبت، للنصف من شوال (١) سنة ثلاث من الهجرة. وكان من أمر حرب أحد ما كان، فذلك قوله (٢) ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ (٣). قرأ يحيى بن وثاب: (تبوي المؤمنين) خفيفة غير مهموزة، من أبوى يبوي، مثل: أروى يروي (٤)، وقرأ الباقون مهموزة (٥) مشددة (٦)، يقال:

стр. 4445

بوأت القوم تبوئة وأبويتهم إبواءً: إذا وطنتهم وتبوءوا إذا توطنوا، قال الله : ﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا﴾ (١)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٢)، والتشديد أفصح وأشهر، وتصديقه قوله: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ (٣)، وقال: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ (٤) (٥). وقرأ (٦) ابن مسعود ﵁: (تبوئ للمؤمنين مقاعد للقتال) (٧) أي: مواطن وأماكن، قال الله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ (٨)، وقال: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾. (٩) وقرأ أشهب العقيلي (١٠): ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ (١١)، ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.

стр. 4446

١٢٢ - (قوله (١): ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ أي: تجبنا وتضعفا وتتخلفا عن رسول الله ﷺ : وهم بنو سَلِمة (٢) (٣) من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي العسكر. وذلك أن رسول الله ﷺ خرج إلى أحد في ألف رجل، وقيل: تسعمائة وخمسون رجلًا (٤). وقال الزجاج: كان أصحاب رسول الله ﷺ في أحد وقت القتال ثلاثة آلاف (٥) فخرج رسول الله ﷺ إلى أحد، وقد وعد أصحابه الفتح

стр. 4447

إن صبروا، فلما بلغوا الشوط (١) اعتزل عبد الله بن أبي الخزرجي (٢) بثلث الناس، فرجع في ثلاثمائة، وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم أبو (٣) جابر السلمي وقال: أنشدكم الله في نبيكم، وفي أنفسكم، فقال عبد الله بن أبيّ: لو نعلم قتالا لاتبعناكم. وهمت بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف مع عبد الله بن أبي، فعصمهم الله فلم ينصرفوا، ومضوا (٤) مع رسول الله ﷺ ، فذكرهم الله تعالى عظيم نعمته فقال: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ (٥)، أي؟ ناصرهما وحافظهما. وقرأ ابن مسعود ﵁: (والله وليهم) لأن الطائفتين جمع،

стр. 4448

كقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (١) (٢)، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قال جابر بن عبد الله: والله ما يسرنا إنا لم نهم بالذي هممنا به، وقد أخبرنا الله تعالى أنه ولينا (٣). ١٢٣ - قال : ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ قال الشعبي: كانت (٤) بدر بئرًا لرجل يقال له: بدر، فسميت باسم صاحبها (٥). قال الواقدي: فذكرت قول الشعبي لعبد الله بن جعفر، ومحمد بن صالح (٦) فأنكراه، وقالا: فلأي شيء سُميت الصفراء (٧)، ولأي شيء

стр. 4449

سُميت الجار (١) هذا ليس بشيء، إنما هو اسم الموضع. قال: فذكرت ذلك (٢) ليحيى بن النعمان الغفاري (٣)، فقال: سمعت شيوخنا من بني غفار يقولون: هو ماؤنا ومنزلنا، وما ملكه أحد قط غيرنا، وما هو في بلاد جهينة (٤)، إنما هو من بلاد غفار (٥). فالتقى بها رسول الله والمشركون فكان أول قتال قاتله رسول الله (٦). وقال الضحاك: بدر: ماء عن يمين طريق مكة، بين مكة والمدينة (٧). وقد قدمّنا القول في غزوات رسول الله وسراياه وجيزًا

стр. 4450

مجملا، فإنه باب يعظم نفعه، وبالله التوفيق. ذكر مغازي رسول الله جميع ما غزا رسول الله بنفسه (ست وعشرون) غزوة (١): فأول غزوة غزاها غزوة الأبواء (٢)، ثم غزوة بواط (٣)، ثم غزوة العشيرة (٤)، ثم غزوة بدر الأولى (٥)،
следующие страницы →