← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

١٢٢ - (قوله (١): ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ أي: تجبنا وتضعفا وتتخلفا عن رسول الله ﷺ : وهم بنو سَلِمة (٢) (٣) من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي العسكر. وذلك أن رسول الله ﷺ خرج إلى أحد في ألف رجل، وقيل: تسعمائة وخمسون رجلًا (٤). وقال الزجاج: كان أصحاب رسول الله ﷺ في أحد وقت القتال ثلاثة آلاف (٥) فخرج رسول الله ﷺ إلى أحد، وقد وعد أصحابه الفتح

стр. 4447

إن صبروا، فلما بلغوا الشوط (١) اعتزل عبد الله بن أبي الخزرجي (٢) بثلث الناس، فرجع في ثلاثمائة، وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم أبو (٣) جابر السلمي وقال: أنشدكم الله في نبيكم، وفي أنفسكم، فقال عبد الله بن أبيّ: لو نعلم قتالا لاتبعناكم. وهمت بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف مع عبد الله بن أبي، فعصمهم الله فلم ينصرفوا، ومضوا (٤) مع رسول الله ﷺ ، فذكرهم الله تعالى عظيم نعمته فقال: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ (٥)، أي؟ ناصرهما وحافظهما. وقرأ ابن مسعود ﵁: (والله وليهم) لأن الطائفتين جمع،

стр. 4448

كقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (١) (٢)، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قال جابر بن عبد الله: والله ما يسرنا إنا لم نهم بالذي هممنا به، وقد أخبرنا الله تعالى أنه ولينا (٣). ١٢٣ - قال : ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ قال الشعبي: كانت (٤) بدر بئرًا لرجل يقال له: بدر، فسميت باسم صاحبها (٥). قال الواقدي: فذكرت قول الشعبي لعبد الله بن جعفر، ومحمد بن صالح (٦) فأنكراه، وقالا: فلأي شيء سُميت الصفراء (٧)، ولأي شيء

стр. 4449

سُميت الجار (١) هذا ليس بشيء، إنما هو اسم الموضع. قال: فذكرت ذلك (٢) ليحيى بن النعمان الغفاري (٣)، فقال: سمعت شيوخنا من بني غفار يقولون: هو ماؤنا ومنزلنا، وما ملكه أحد قط غيرنا، وما هو في بلاد جهينة (٤)، إنما هو من بلاد غفار (٥). فالتقى بها رسول الله والمشركون فكان أول قتال قاتله رسول الله (٦). وقال الضحاك: بدر: ماء عن يمين طريق مكة، بين مكة والمدينة (٧). وقد قدمّنا القول في غزوات رسول الله وسراياه وجيزًا

стр. 4450

مجملا، فإنه باب يعظم نفعه، وبالله التوفيق. ذكر مغازي رسول الله جميع ما غزا رسول الله بنفسه (ست وعشرون) غزوة (١): فأول غزوة غزاها غزوة الأبواء (٢)، ثم غزوة بواط (٣)، ثم غزوة العشيرة (٤)، ثم غزوة بدر الأولى (٥)،

стр. 4451

غزوة بدر الكبرى (١)، ثم غزوة بني سليم (٢)، ثم غزوة السويق (٣) ثم غزوة ذي أمر (٤)

стр. 4452

ثم غزوة أحد (١) ثم غزوة بحران (٢) ثم غزوة أسد (٣) ثم غزوة بني النضير (٤) ثم غزوة ذات الرقاع (٥)

стр. 4453

ثم غزوة بدر الآخرة (١)، ثم غزوة دومة الجندل (٢) ثم غزوة الخندق (٣) غزوة بني قريظة (٤)، ثم بني لحيان (٥)،

стр. 4454

ثم غزوة بني قرد (١)، ثم غزوة بني المصطلق (٢)، ثم غزوة الحديبية (٣) ثم غزوة الفتح: فتح مكة (٤)،

стр. 4455

ثم غزوة يخن (١)، ثم غزوة الطائف (٢)، ثم غزوة تبوك (٣). قاتل منها في تسع غزوات: غزوة بدر الكبرى, وهو يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان سنة ثنتين من الهجرة (٤). واحد: وهو في

стр. 4456

شوال سنة ثلاث، والخندق وبني قريظة: في شوال سنة أربع وبني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس، وخيبر سنة ست، والفتح في رمضان سنة ثمان، وحنين والطائف في شوال سنة ثمان، وأول غزوة غزاه بنفسه وقاتل فيها: بدر، وآخرها: تبوك (١). ذكر عدد سراياه (٢): [٨٨٠] أخبرنا (٣) أبو بكر الجوزقي (٤) حدثنا أبو العباس الدغولي (٥)، أخبرنا أبو بكر بن أبي خيثمة (٦)

стр. 4457

أن أحمد بن حنبل (١) حدثهم قال: حدثنا عبد الرزاق (٢) أنبأ معمر (٣)، عن عثمان الجزري (٤)، عن مقسم (٥) قال: كانت السرايا ستًّا وثلاثين (٦)، وهي: غزوة عبيدة بن الحارث إلى أحياء أسفل من ثنية المروة وهو ماء بالحجاز (٧)، وغزوة حمزة بن عبد المطلب إلى ساحل البحر -ماء من ناحية العيص- (٨)، وغزوة سعد بن أبي وقاص الخرّار من أرض

стр. 4458

الحجاز (١)، وغزوة عبد الله بن جحش إلى نخلة (٢)، وغزوة زيد ابن حارثة القردة ماء من مياه نجد (٣)، وغزوة مرثد بن أبي مرثد الرجيع (٤)، وغزوة المنذر بن عمرو (٥)،

стр. 4459

وغزوة أبي (١) عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة من طريق العراق (٢)، وغزوة عمر بن الخطاب تُرَبة من أرض بني عامر (٣)، وغزوة علي بن أبي طالب اليمن، وغزوة غالب بن عبد الله الكديد، وغزوة علي بن أبي طالب إلى بني عبد الله بن سعد من أهل فدك (٤)، وغزوة ابن أبي العوجاء السلمي أرض بني سليم، أصيب بها هو وأصحابه جميعًا (٥)،

стр. 4460

وغزوة عكاشة بن محصن الغَمرة (١)، وغزوة أبي سلمة بن عبد الأسد قطن ماء من مياه: بني أسد (٢)، وغزوة محمَّد بن مسلمة إلى القُرطاء من هوازن (٣)، وغزوة بشير بن سعد إلى بني مرة بفدك (٤)، وغزوة بشير بن سعد أيضًا إلى جناب بلد من أرض خيبر (٥)، وغزوة زيد بن حارثة الجموم من أرض بني سُليم (٦) وغزوة زيد بن حارثة

стр. 4461

أيضًا جُذام من أرض حِسْمى (١) وغزوة زيد بن حارثة أيضًا طرف من طريق العراق (٢)، وغزوة زيد بن حارثة أيضًا إلى وادي القُرى لقي بني فزارة (٣)، وغزوة عبد الله بن رواحة خيبر مرتين (٤)، وغزوة عبد الله بن عتيك إلى خيبر فأصاب بها أبا رافع (٥)، وغزوة محمَّد بن

стр. 4462

مسلمة وأصحابه إلى كعب بن (١) الأشرف فقتلوه (٢)، وغزوة عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان الهذلي، وهو متجّه يجمع لرسول الله ليغزوه فقتله (٣)، وغزوة بئر معونة (٤)، وغزوة الأمراء: زيد بن حارثة، وجعفر ابن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة إلى مؤتة من أرض الشام (٥)،

стр. 4463

وغزوة كعب بن عمير الغفاري بذات أطلاح من أرض الشام فأصيب بها هو وأصحابه (١)، وغزوة بني العنبر من تميم (٢)، وغزوة غالب بن عبد الله الكلبي كلب ليث -أرض بني مُرّة، فأصاب بها مرداس بن نهيك حليفًا لهم من جهينة، قتله أسامة بن زيد، وهو الذي قال فيه النبي لأسامة: "من لك بلا إله إلا الله" (٣)، وغزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل (٤)، وغزوة

стр. 4464

ابن أبي حدرد (١) وأصحابه إلى بطن إضم (٢)، وغزوة ابن أبي حدرد إلى الغابة (٣)، وغزوة الخبط (٤) إلى سيف البحر وعليهم أبو عبيدة بن الجراح (٥)، وغزوة عبد الرحمن بن عوف (٦) ﵃ أجمعين.

стр. 4465

قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ جمع ذليل، مثل: عزيز وأعزة، ولبيب وألبّة، وأراد هنا قلة العدد (١) ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ١٢٤ - قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ الآية اختلفوا في هذِه الآية: فقال قتادة: كان هذا يوم بدر، أمدهم الله بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف، فذلك قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ (٢)، وقوله: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ ١٢٥ - وقوله: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾

стр. 4466

فصبر المؤمنون يوم بدر واتقوا الله، فأمدهم الله بخمسة آلاف من الملائكة مسومين على ما وعدهم، فهذا كله يوم بدراً (١). وقال الحسن: فهؤلاء الخمسة آلاف ردء للمؤمنين إلى يوم القيامة (٢). قال ابن عباس ومجاهد: لم يقاتل الملائكة إلاّ يوم بدر، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون، إنما يكونون عددًا ومددًا (٣). وقال عمير بن إسحاق: لما كان يوم أحد انجلى القوم (٤) عن رسول الله ﷺ ، وبقي سعد بن مالك يرمي، وفتى شاب ينتبل له، فلما فني النبل أتاه به فنثره فقال: أرم أبا إسحاق، أرم أبا إسحاق. مرتين، فلما أنجلت المعركة سئل عن ذلك الرجل فلم يُعرف (٥).

стр. 4467

وقال الشعبي: بلغ رسول الله ﷺ والمسلمين يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين، فشق ذلك عليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قال: فبلغ كرز الهزيمة، فرجع، ولم يأتهم، ولم يمدهم الله أيضًا بالخمسة آلاف، وكانوا قد أمدوا بألف (١). وقال آخرون: إنما وعبد الله المسلمين يوم بدر إن صبروا على طاعته واتقوا محارمه أن يمدهم في حروبهم كلها، فلم يصبروا ولم يتقوا إلا في يوم الأحزاب، فأمدهم الله حين حاصروا قريظة. قال عبد الله بن أبي أوفى ﵁: كنّا محاصري قريظة والنضير ما شاء الله أن نحاصرهم فلم يفتح علينا فرجعنا، فدعا رسول الله ﷺ بغسل فهو يغسل رأسه إذ جاءه جبريل فقال: يا محمَّد، وضعتم أسلحتكم، ولم تضع الملائكة أوزارها. فدعا رسول الله ﷺ بخرقة فلف بها رأسه، ولم يغسله، ثم نادى فينا فقمنا كالين مُعْيين (٢) لا نعبأ بالسير شيئًا، حتى أتينا قريظة

стр. 4468

والنضير، فيومئذ أمدنا الله تعالى بثلاثة آلاف من الملائكة، ففتح الله فتحًا يسيرًا، وانقلبنا بنعمة من الله وفضل (١). وقال قوم: إنما كان هذا يوم أحد وعدهم الله المدد إن صبروا، فلم يصبروا، فلم يمدوا ولا بملك واحد، ولو أمدوا لما هزموا، وهذا قول عكرمة (٢)

стр. 4469

والضحاك (١). وقال بعضهم: هذا كان يوم أحد حين أنصرف أبو سفيان وأصحابه، وذلك أن رسول الله ﷺ كان يخاف أن يدخل المشركون إلى المدينة، فبعث علي بن أبي طالب ﵁ فقال: "اخرج في آثار القوم، فانظر ماذا يصنعون وما يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل، فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل واستاقوا الإبل، فإنهم يريدون المدينة، فوالذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها، ثم لأناجزنهم" (٢). قال علي ﵁: فخرجت في آثارهم انظر ما يصنعون، فإذا هم قد أجنبوا الخيل وامتطوا الإبل، وتوجهوا إلى مكة، وقد كان رسول الله ﷺ قال: "أي ذلك كان فاخفه حتى تأتيني"، فلما رأيتهم قد توجهوا إلى مكة أقبلت أصيح، ما أستطيع أن أكتم ما بي من الفرح، وانصرفوا إلى مكة، وانصرفنا إلى المدينة، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ يعني: إن أنصرفوا إليكم ودخلوا المدينة (٣).

стр. 4470

وقرأ أبيّ: (ألا يكفيكم) (١) ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ أي: يعطيكم ويعينبهم، قال المفضل: كل ما كان على جهة القوة والإعانة قيل فيه: أمده يمده إمدادًا، وكل ما كان على جهة الزيادة قيل فيه: مدّه يمده مدًّا (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ (٣) (٤). وقال بعضهم: المد في الشر، والإمداد في الخير، يدل عليه قوله

стр. 4471

تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١)، وقوله (٢): ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ (٣)، وقال في الخير: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ﴾ (٥)، وقال ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ (٦)، وقال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥)﴾ (٧)، وقال: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢)﴾ (٨)، وقال تعالى ذكره ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ (٩) (١٠). ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. قرأ أبو حيوة: بكسر الزاي مخففًا (١١) يعني منزلين النصر، وقرأ (١٢) الحسن ومجاهد،

стр. 4472

وطلحة بن مصرف، وعمرو بن ميمون، وابن عامر، مشددة مفتوحة الزاي على التكثير (١)، وتصديقه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ (٢) وقوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾. وقرأ الآخرون: بفتح الزاي خفيفة (٣)، ودليلهم قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾، وقوله (٤): ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ (٥). وتفسير الإنزال: جعل الشيء من علو إلى أسفل، ثم قال: ﴿بَلَى﴾، وهو تصديق لوعد الله تعالى وقول رسول الله ﷺ . ﴿إِنْ تَصْبِرُوا﴾ لعدوكم ﴿وَتَتَّقُوا﴾ معصية ربكم، ومخالفة أمر نبيكم (٦) ﴿وَيَأْتُوكُمْ﴾ يعني: المشركين، ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾، قال عكرمة والحسن وقتادة والربيع والسدي وابن زيد: من وجههم هذا (٧)،

стр. 4473

وهو رواية عطية عن ابن عباس ﵄ (١). وقال مجاهد، والضحاك، وباذان: من غضبهم هذا (٢)، كانوا قد غضبوا يوم أحد ليوم بدر مما لقوا. وأصل الفور: القصد إلى الشيء، والأخذ فيه بحدّة، وهو من (٣) قولهم: فارت القدر تفور فورًا وفورانًا (٤): إذا غلت، قال الله تعالى: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ (٥)، وقال الشاعر (٦): تَفور علينا قِدْرُهم فنديمها ... ونفثؤها عنا إذا حميها غلا (٧) قوله تعالى ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ معلمين (٨).

стр. 4474

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب بكسر الواو، واختاره أبو حاتم (١). وقرأ الباقون: بالفتح، واختاره أبو عبيد (٢). فمن كسر الواو أراد أنهم قد سوّموا خيلهم، ومن فتح أراد به أنفسهم (٣)، والسومة: العلامة التي يعلم بها الفارس نفسه في الحرب. واختلفوا في هذِه السمة الموصوفة بها الملائكة في هذِه الآية ما هي: فقال عمير بن إسحاق: قال رسول الله ﷺ لأصحابه يوم بدر: "تسوّموا فإن الملائكة قد تسوّمت بالصوف الأبيض في قلانسهم (٤) ومغافرهم" (٥) (٦).

стр. 4475

وقال الضحاك وقتادة: بالعهن (١) في نواصيها وأذنابها (٢). وقال مجاهد: كانوا مجزوزة أذناب خيلهم وأعرافها ونواصيها (٣). وقال الربيع: كانوا على خيل بلق (٤) (٥). وقال علي بن أبي طالب وابن عباس ﵃: كانت عليهم عمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم (٦). وقال هشام بن عروة والكلبي: عمائم صفر مرخاة على أكتافهم (٧). وقال عبد الله بن الزبير ملاءة صفراء

стр. 4476

وعمامة صفراء يوم بدر، فنزلت الملائكة يوم بدر مسومين بعمائم صفر (١). وروى الزبير بن المنذر عن جده أبي أسيد وكان بدريًّا، قال (٢): لو أن بصري فرّج عنه ثم ذهبتم معي إلى بدر لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة في عمائم صفر قد أرخوها بين أكتفاهم (٣). وقال عكرمة: كانت عليهم سيما القتال. وقال السدي سيما المؤمنين (٤). * * *

стр. 4477

١٢٦ - قوله : ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ يعني: هذا الوعد والمد، ﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ لتستبشروا به ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ أي: لتسكن قلوبكم به (١)، فلا تجزع من كثرة عدوكم وقلة عددكم، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ لأن العز والحكم له، وهو ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾، فاستعينوا بالله وتوكلوا عليه، نظيرها في الأنفال (٢). ١٢٧ - ثم قال تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ ونظم الآية: ولقد نصركم الله ببدر ليقطع طرفًا، أي: لكي يهلك طائفة من الذين كفروا، نظيره (قوله تعالى) (٣) ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٤) (٥)، أي: يهلك أصلهم، وفي الأنفال: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ (٦) وفي (الحجر) (٧): ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ (٨). وقال السدي: معناه: ليهدم ركنًا من أركان الشرك بالقتل والأسر،

стр. 4478

فقتل من قادتهم وسادتهم يوم بدر سبعون، وأسر منهم سبعون (١). ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ بالخيبة، ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ لم ينالوا شيئًا مما كانوا يرجون من الظفر بكم، وقال الكلبي: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أي: يهزمهم. وقال يمان: يصرعهم لوجوههم. وقال المؤرج: يحزنهم. وقال النضر بن شميل: يغيظهم. وقال المبرد: يظفر عليهم. وقال السدي: يلعنهم. وقال أبو عبيدة: يهلكهم (٢). قال: وأهل النظر يرون أن التاء منقلبة عن الدال، كأن الأصل فيه: يكبدهم، أي: يصيبهم في أكبادهم بالحزن والغيظ، يقال: أحرق الحزن كبده، وأحرقت العداوة كبده، وتقول العرب للعدو أسود الكبد (٣)، قال الأعشى (٤): فما أجشمت من إتيان قومٍ ... هم الأعداء والأكباد سود (٥)

стр. 4479

كأن الأكباد لما أحترقت لشدة العداوة اسودت، والتاء والذال يتعاقبان (١) كما تقول: هرت الثوب وهرده إذا أحرقه (٢)، يدل على صحة هذا التأويل قراءة لاحق بن حميد: (أو يكبدهم) بالدال (٣). ١٢٨ - قوله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. اختلف العلماء في نزول هذِه الآية: فقال عبد الله بن مسعود ﵁: أراد رسول الله ﷺ أن يدعو على المنهزمين عنه من أصحابه يوم أحد، وكان عثمان بن عفان ﵁ منهم، فنهاه الله عن ذلك وتاب عليهم، وأنزل هذِه الآية (٤). وقال عكرمة وقتادة، ومقسم: أدمى رجل من هذيل يقال له عبد الله ابن قمئة (٥) وجه رسول الله ﷺ يوم أحد فدعا عليه رسول الله ﷺ فكان

стр. 4480

حتفه أن سلّط الله عليه تيسًا فنطحه حتى قتله، وشج عتبة بن أبي وقاص (١) رأسه وكسر رباعيته، فدعا عليه فقال: "اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرًا" قال: فما حال عليه الحول حتى مات كافرًا، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٢). وقال الربيع والكلبي: نزلت هذِه الآية على رسول الله ﷺ يوم أحد وقد شج في وجهه (٣)، وأصيبت رباعيته، فهمّ رسول الله ﷺ أن يلعن المشركين ويدعو عليهم، فأنزل الله تعالى هذِه الآية لعلمه فيهم أن كثيرًا منهم سيؤمنون (٤). [٨٨١] يدل عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد (٥)، أخبرنا أحمد بن

стр. 4481

عبد الله (١)، ثنا محمَّد بن عبد الله (٢)، ثنا (محمَّد بن العلاء) (٣)، أخبرنا أبو بكر بن عيّاش (٤)، عن حميد (٥)، عن أنس ﵁ قال: لما كان يوم أحد شج رسول الله ﷺ في قرن حاجبه، وكسرت رباعيته (٦)، وجرح في وجهه، فجعل يمسح الدم عن وجهه وسالم مولى أبي حذيفة ﵁ يغسل عن وجهه الدم، ورسول الله ﷺ يقول: "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم"، فأنزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية (٧).

стр. 4482

وقال سعيد بن المسيب والشعبي، ومحمد بن إسحاق: لما قال رسول الله ﷺ : "اشتد غضب الله على من (١) دَمَّى وجه نبيه"، فعلت عالية من قريش على الجبل، فقال رسول الله ﷺ "لا ينبغي لهم أن يعلونا". فأقبل عمر ورهط من المهاجرين حتى أهبطوهم، ونهض رسول الله ﷺ إلى صخرة ليعلوها، وقد كان ظاهر بين درعين فلم يستطع، فجلس تحته طلحة ﵁، فنهض حتى استوى عليها (٢)، فقال رسول الله ﷺ : "أوجب طلحة". فوقعت هند (٣) والنسوة معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ يجدعن الأذان والأنوف، حتى اتخذت هند من ذلك قلائد، وأعطتها وحشيا (٤)، وبقرت عن كبد حمزة ﵁ فلاكتها،

стр. 4483

فلم تستطع فلفظتها، ثم علت صخرة مشرفة فصرخت به: نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان عن عتبة لي من صبر ... (أبي وعمي وأخي وبكر) (١) شفيت نفسي وقضيت نذري ... شفيت وحشي غليل صدري قالوا: وقال عبد الله بن جحش ﵁ قبل أحد: اللهم إن لقينا هؤلاء غدًا فإني أسألك أن يقتلوني ويبقروا بطني ويجدعوا أنفي، فتقول لي يوم القيامة: فبم فعل بك هذا؟ فأقول: فيك. فلما كان يوم أحد قتل، فبقر بطنه، وجدعت أذنه وأنفه، فقال رجل سمعه: أما هذا فقد أعطي في نفسه ما سأل في الدنيا، والله يعطيه ما سأل في الآخرة (٢). قالوا: فلما رأى رسول الله ﷺ والمسلمون ما بأصحابهم من جدع

стр. 4484

الآذان والأنوف وقطع المذاكير قالوا: لئن أدالنا الله تعالى منهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا, ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (١). وقال عطاء: أقام رسول الله ﷺ -بعد أحد أربعين يوما يدعو على أربعة من ملوك كندة (٢): مشرح وأحمده ولحي وأختهم العمودة (٣)، وعلى بطن من هذيل يقال لهم: لحيان، وعلى بطون من بني سليم: رعل وذكران والعصية والقارة (٤)، وكان يقول: "اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف" فأجاب الله دعاءه، وأقحطوا (٥) حتى أكلوا أولادهم وأكلوا الكلاب والميتة

стр. 4485

والعظام المحرقة، فلما انقضت الأربعون نزلت هذِه الآية (١). [٨٨٢] وأخبرنا عبد الله بن حامد (٢)، أخبرنا أحمد بن عبد الله (٣)، ثنا محمَّد بن عبد الله بن سليمان (٤)، ثنا سَلْم بن جنادة (٥)، ثنا أحمد بن بشير (٦)، عن عمر بن حمزة (٧)، عن سالم (٨)، عن أبيه عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله- ﷺ : "اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية"، فأنزل الله تعالى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية،
следующие страницы →