← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

عبد الله (١)، ثنا محمَّد بن عبد الله (٢)، ثنا (محمَّد بن العلاء) (٣)، أخبرنا أبو بكر بن عيّاش (٤)، عن حميد (٥)، عن أنس ﵁ قال: لما كان يوم أحد شج رسول الله ﷺ في قرن حاجبه، وكسرت رباعيته (٦)، وجرح في وجهه، فجعل يمسح الدم عن وجهه وسالم مولى أبي حذيفة ﵁ يغسل عن وجهه الدم، ورسول الله ﷺ يقول: "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم"، فأنزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية (٧).

стр. 4482

وقال سعيد بن المسيب والشعبي، ومحمد بن إسحاق: لما قال رسول الله ﷺ : "اشتد غضب الله على من (١) دَمَّى وجه نبيه"، فعلت عالية من قريش على الجبل، فقال رسول الله ﷺ "لا ينبغي لهم أن يعلونا". فأقبل عمر ورهط من المهاجرين حتى أهبطوهم، ونهض رسول الله ﷺ إلى صخرة ليعلوها، وقد كان ظاهر بين درعين فلم يستطع، فجلس تحته طلحة ﵁، فنهض حتى استوى عليها (٢)، فقال رسول الله ﷺ : "أوجب طلحة". فوقعت هند (٣) والنسوة معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ يجدعن الأذان والأنوف، حتى اتخذت هند من ذلك قلائد، وأعطتها وحشيا (٤)، وبقرت عن كبد حمزة ﵁ فلاكتها،

стр. 4483

فلم تستطع فلفظتها، ثم علت صخرة مشرفة فصرخت به: نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان عن عتبة لي من صبر ... (أبي وعمي وأخي وبكر) (١) شفيت نفسي وقضيت نذري ... شفيت وحشي غليل صدري قالوا: وقال عبد الله بن جحش ﵁ قبل أحد: اللهم إن لقينا هؤلاء غدًا فإني أسألك أن يقتلوني ويبقروا بطني ويجدعوا أنفي، فتقول لي يوم القيامة: فبم فعل بك هذا؟ فأقول: فيك. فلما كان يوم أحد قتل، فبقر بطنه، وجدعت أذنه وأنفه، فقال رجل سمعه: أما هذا فقد أعطي في نفسه ما سأل في الدنيا، والله يعطيه ما سأل في الآخرة (٢). قالوا: فلما رأى رسول الله ﷺ والمسلمون ما بأصحابهم من جدع

стр. 4484

الآذان والأنوف وقطع المذاكير قالوا: لئن أدالنا الله تعالى منهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا, ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (١). وقال عطاء: أقام رسول الله ﷺ -بعد أحد أربعين يوما يدعو على أربعة من ملوك كندة (٢): مشرح وأحمده ولحي وأختهم العمودة (٣)، وعلى بطن من هذيل يقال لهم: لحيان، وعلى بطون من بني سليم: رعل وذكران والعصية والقارة (٤)، وكان يقول: "اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف" فأجاب الله دعاءه، وأقحطوا (٥) حتى أكلوا أولادهم وأكلوا الكلاب والميتة

стр. 4485

والعظام المحرقة، فلما انقضت الأربعون نزلت هذِه الآية (١). [٨٨٢] وأخبرنا عبد الله بن حامد (٢)، أخبرنا أحمد بن عبد الله (٣)، ثنا محمَّد بن عبد الله بن سليمان (٤)، ثنا سَلْم بن جنادة (٥)، ثنا أحمد بن بشير (٦)، عن عمر بن حمزة (٧)، عن سالم (٨)، عن أبيه عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله- ﷺ : "اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية"، فأنزل الله تعالى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية،

стр. 4486

فأسلموا وحسن إسلامهم (١). [٨٨٣] وأخبرنا عبد الله بن حامد (٢)، أنا أحمد بن محمَّد بن الحسن (بن الشرقي) (٣)، ثنا محمَّد بن يحيى (٤)، ثنا عبد الرزاق (٥)، أخبرنا معمر (٦)، عن الزهريّ (٧)، عن سالم (٨)، عن أبيه أنه سمع

стр. 4487

رسول الله ﷺ قال في صلاة الفجر حين رفع رأسه من الركوع: "ربنا لك الحمد: اللهم العن فلانًا وفلانًا" دعا على ناس من المنافقين، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (١). وقال مقاتل: نزلت هذِه الآية في أهل بئر معونة (٢)، وهم سبعون رجلًا من قراء أصحاب رسول الله ﷺ أميرهم المنذر بن عمرو، بعثهم رسول الله ﷺ إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد؛ ليعلموا الناس القرآن والعلم، فقتلهم جميعًا عامر بن الطفيل، وكان فيهم عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق ﵄، فلما قتل رفع بين السماء والأرض، فوجد رسول الله ﷺ من ذلك وجدا (٣) شديدًا، وقنت عليهم شهرا، فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ

стр. 4488

شَيْءٌ﴾ (١). وهذِه الآية وإن كانت بلفظ العموم، فالمراد بها الخصوص: تقديرها: ليس لك من الأمر بهواك شيء، واللام في قوله ﴿لَكَ﴾ بمعنى: إلى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ (٢) أي: إلى الأيمان، وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ (٣) أي: إلى هذا، ونحوها (٤). ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. قال بعضهم: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ اعتراض بين الكلام، ونظم الآية: ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ليس لك من الأمر شيء، وهو وجه حسن (٥).

стр. 4489

وقال بعضهم: (أو) بمعنى: (حتى)، يعني: ليس لك من الأمر شيء حتى يتوب عليهم أو يعذبهم، حكاهما الفراء. وقال أبو حاتم: نصب بإضمار أن، كأنه قال: ليس لك من الأمر شيء أو من أن يتوب عليهم (١)، أو من أن يعذبهم (٢). ١٢٩ - ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾. ١٣٠ - قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ قرأ أبو جعفر، وشيبة: (مضعّفة) (٣). [٨٨٤] أخبرنا عبد الله بن حامد (٤)، أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف (٥)، أنبأنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان (٦)، أخبرنا يعقوب بن

стр. 4490

سفيان (١)، حدثنا ابن أبي بكير (٢)، أخبرني عبد الله بن لهيعة (٣) (٤)، عن عطاء بن دينار (٥)، عن سعيد بن جبير (٦) في قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ هو أن الرجل كان يكون له على الرجل مال، فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه، فيقول المطلوب: أخرّ عنيّ وأزيدك على مالك فيه، فيفعلان ذلك فوعظهم الله تعالى فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ هو في الربا فلا تأكلوها، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٧).

стр. 4491

١٣١ - ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ وفيه دليل على أن النار مخلوقة ردًّا على الجهمية (١)، لأن المعدوم لا يكون معدا (٢). ١٣٢ - ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ أي: لكي ترحموا فلا تعذبوا. ١٣٣ - قوله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال عطاء: إن المسلمين قالوا للنبي ﷺ : بنو إسرائيل كانوا أكرم على الله تعالى منّا، كانوا إذا أذنبوا أصبحت كفارة ذنوبهم في عتبة أبوابهم: اجدع أنفك، اجدع أذنك، افعل كذا وكذا. فسكت ﷺ ، فأنزل الله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٣) أي: سابقوا إلى الأعمال التي توجب المغفرة. وحذف أهل الشام والمدينة الواو منه (٤).

стр. 4492

واختلفوا في العلة الجالبة لهذِه المغفرة: فقال ابن عباس ﵄: سارعوا إلى الإسلام (١)، وقال أبو العالية (٢)، وأبو روق (٣): إلى الهجرة، وقال علي بن أبي طالب ﵁: إلى أداء الفرائض (٤). وقال عثمان بن عفان ﵁: الإخلاص (٥). وقال أنس بن مالك ﵁: التكبيرة الأولى (٦). وقال سعيد بن جبير (٧): إلى أداء الطاعة. وقال يمان (٨): الصلوات الخمس. وقال الضحاك (٩): الجهاد.

стр. 4493

وقال عكرمة (١): التوبة. وقال مقاتل (٢): الأعمال الصالحة، وقال أبو بكر الوراق (٣): ائتمار الأوامر، والانتهاء عن الزواجر. وقال سهل بن عبد الله (٤): السنّة. وقال بعضهم: الجُمَع والجماعات (٥). ﴿وَجَنَّةٍ﴾ يعني: إلى جنة، ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ أي (٦): عرضها كعرض السموات والأرض، كقوله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (٧) أي: كبعث نفس واحدة. قال الشاعر (٨):

стр. 4494

حسبت بغام راحلتي عناقا ... وما هي ويب غيرك بالعناق (١) يريد: صوت عناق (٢). ودليل هذا التأويل قوله في سورة الحديد: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣)، يعني: لو بسطت ووصل بعضها إلى بعض (٤)، وإنما خص العرض على المبالغة؛ ، لأن طول كل شيء في الأغلب أكثر من عرضه، يقول: هذِه صفة عرضها فكيف طولها؟ (٥). يدل عليه قول الزهري (٦): إنما وصف عرضها، فأما طولها فلا

стр. 4495

يعلمه إلا الله، وهذا كقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ (١)، فوصف البطانة بأحسن ما يعلم من الزينة، إذ معلوم أن الظواهر تكون أحسن وأنفس من البطائن (٢). وقال أكثر أهل المعاني: لم يرد العرض الذي هو ضد الطول، وإنما أراد سعتها وعظمها، كقول العرب: هو أعرض من الدهناء (٣)، أي: أوسع (٤)، وقال جرير (٥): لجتّ أمامة في لومي وما علمت ... عرض السماوة روحاتي ولا بُكري (٦) وأنشد الأصمعي (٧):

стр. 4496

يجبن بنا عرض الفلاة وما لنا ... عليهن إلّا وخزهن شفاء (١) وقال آخر (٢): كأن بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفّة حابل (٣) أي: واسعة. وهذا على التمثيل لا أنها كالسموات والأرض لا غير، ومعناه: كعرض السماوات السبع والأرضين السبع عند ظنكم، كقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (٤). يعني: عند ظنكم لأنهما لابد زائلتان (٥). قال (يعلي بن أبي مُرة) (٦):

стр. 4497

لقيت التنوخي (١) رسول هرقل (٢) إلى رسول الله ﷺ بحمص شيخًا كبيرًا قال: قدمت على رسول الله ﷺ بكتاب هرقل، فناول الصحيفة رجلًا عن يساره قال: فقلت من صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية، فإذا كتاب صاحبي: إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض، فأين النار؟ ! فقال رسول الله ﷺ : "سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهار؟ ". (٣) وروى طارق بن شهاب أن ناسًا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب ﵁، وعنده أصحابه، قالوا: أرأيت قولكم ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا

стр. 4498

السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فأين النار؟ ! فأحجم الناس، فقال عمر: أرأيتم إذا جاء (١) الليل أين يكون النهار؟ وإذا جاء النهار أين يكون الليل؟ ، فقالوا: إنه لمثلها في التوراة: (٢). وسئل أنس بن مالك ﵁ عن الجنة: أفي الأرض أم في السماء؟ فقال: أي أرض وأي سماء تسع الجنة؟ ! قيل: فأين هي؟ قال: فوق السموات السبع تحت العرش (٣). وقال قتادة (٤): كانوا يرون أن الجنة فوق السموات السبع، وإن جهنم تحت الأرضين السبع. ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

стр. 4499

ثم وصفهم تعالى فقال: ١٣٤ - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ يعني: في العسر واليسر والشدة والرخاء (١)، فأول خلق من أخلاقهم الموجبة لهم الجنة إنما (٢) ذكر السخاوة. [٨٨٥] حدثنا أحمد بن أبي (٣)، حدثنا عمران بن موسى (٤)، أنا محمد بن المسيّب (٥)، ثنا عبد الرحمن بن الحارث (٦)، ثنا بقية بن الوليد (٧)، ثنا الأوزاعي (٨)، حدثني الزهري (٩)، عن عروة (١٠)، عن

стр. 4500

عائشة ﵁ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الجنة دار السخاء" (١). [٨٨٦] وأخبرنا أبو عمرو الفراتي (٢)، أخبرنا أبو العباس (أحمد ابن إسحاق العنبري) (٣)، ثنا أبو عبد الله بن حازم البغوي (٤) بمكة، ثنا صالح بن أيوب الهاشمي (٥)، حدثنا إبراهيم بن سعيد (٦)، ثنا

стр. 4501

سعيد بن محمد (١)، عن يحيى بن سعيد (٢)، عن الأعرج (٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "السخيّ قريب من الله، قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من العالم البخيل" (٤). [٨٨٧] وأخبرنا أبو عمرو الفراتي (٥)، أخبرنا الحاكم الجليل أبو الفضل محمد بن أحمد السلمي المروزي (٦)، أنا عبد الله بن يحيى

стр. 4502

السرخسي (١)، نا الحسين بن المبارك بن سعيد أبو علي (٢) بالطبرية (٣)، ثنا إسماعيل بن عياش (٤)، ثنا عبد السلام بن عبد الله (٥)، عن أنس بن مالك (٦) قال: قال رسول الله ﷺ : "السماح شجرة في الجنة أغصانها في الدنيا، من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى الجنة، والبخل شجرة في النار، أغصانها في الدنيا، من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى النار" (٧).

стр. 4503

قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أي: الجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه، والكافين غضبهم عن إمضائه، يردون غيظهم وحزنهم في أجوافهم، ويصبرون ولا يظهرون (١). وأصل الكظم: حبس الشيء عند امتلائه، يقال: كظمت القربة: إذا ملأتها ماء، ويقال لمجاري المياه: كظائم لامتلائها بالماء، واحدتها: كظامة، ومنه قيل: أخذت بكظمه، يعني: بمجاري نفسه، ومنه: كظم الإبل، وهو حبسها جررها في أجوافها، ولا تجتر، وإنما يفعل ذلك من الفزع والجهد (٢). قال أعشى باهلة (٣) يصف رجلا نحارًا للإبل فهي تفزع منه: قد تكظم البزل منه حين تبصره ... حتى تقطع في أجوافها الجرر (٤)

стр. 4504

ومنه: رجل كظيم ومكظوم: إذا كان ممتلئًا غمًّا وحزنًا، وقال تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (١)، وقال : ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (٢)، وقال تعالى ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ (٣)، وقال عز من قائل: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ﴾ (٤). وقال عبد المطلب بن هاشم (٥): فحضضت قومي واحتسبت قتالهم ... والقوم من خوف المنايا كظّم (٦) وفي الحديث: "ما من جرعة أحمد عاقبة من جرعة غيظ مكظوم" (٧).

стр. 4505

[٨٨٨] أخبرنا أبو عمرو الفراتي (١)، أنا أبو محمد الحسن بن محمد بن إسحاق الإسفرايني (٢)، ثنا أبوعبد الله محمد بن زكريا الغلابي (٣)، ثنا روح بن عبد المؤمن (٤)، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ (٥)، ثنا سعيد بن أبي أيوب (٦)، حدثني أبو مرحوم (٧)، عن سهل بن معاذ بن أنس (٨)، عن أبيه (٩)، قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 4506

"من كظم غيظًا وهو يقدر على أن ينفذه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء" (١). [٨٨٩] أنشدنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب (٢) قال: أنشدنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن رُميح (٣) قال: أنشدنا ابن الزنجي (٤) ببغداد للعرجي (٥): وإذا غضبت فكن وقورًا كاظمًا ... للغيظ تبصر ما تقول وتسمع

стр. 4507

فكفى به شرفًا تصبر ساعة ... يرضى به عنك الإله وترفع (١) قوله (٢): ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾، قال الرياحيّ، والكلبي: عن المملوكين، وقال زيد بن أسلم (٣): عمّن ظلمهم وأساء إليهم، وقال مقاتل بن حيان في هذِه الآية: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال عند ذلك: "إن هؤلاء في أمتي قليل، إلّا من عصمه الله، وقد كانوا كثيرًا في الأمم التي مضت" (٤). [٨٩٠] أخبرنا أحمد بن أبي (٥)، أنا أحمد بن دلويه (٦)، أنا عبد الله ابن يعقوب (٧)، أخبرنا أحمد بن محمد بن سهل (٨)، حدثنا صالح بن

стр. 4508

محمد (١)، ثنا القاسم بن عبد الله (٢)، عن محمد بن عجلان (٣)، عن المقبري (٤)، عن أبي هريرة (٥) ﵁ أن أبا بكر كان مع النبي ﷺ في مجلس فجاءه رجل (٦)، فوقع في أبي بكر ﵁ وهو ساكت، والنبي ﷺ يبتسم، ثم ردّ أبو بكر عليه بعض الذي قال، فغضب النبي ﷺ وقام، فلحقه أبو بكر ﵁ فقال: يا رسول الله: شتمني وأنت تبتسم، ثم رددت عليه بعض ما قال فغضبت وقمت؟ ! قال: "إنك حين كنت ساكتًا كان ملك يردّ عنك، فلّما تكلمت وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد بمقعد فيه الشيطان، يا أبا بكر، إن ثلاثة حق: تعلم أنه ليس عبد يظلم مظلمة فيعفو عنها إلّا أعز الله نصيره، وليس عبد يفتح باب مسألة يريد به كثرة إلّا زاده الله ذلة، وليس عبد يفتح باب (٧) عطية أو صلة إلّا زاده الله بها كثرة" (٨).

стр. 4509

وقال عروة بن الزبير (١): لن يبلغ المجد أقوامٌ وإن كرموا ... حتى يُذلّوا وإن عزوا لأقوام ويُشْتَموا فترى الألوان مشرقة ... لا عفو ذل ولكن عفو أحلام ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال مقاتل: يعني: أن هذِه الأشياء إحسان، ومن فعل ذلك فهو محسن (٢)، قال الحسن (٣): الإحسان: أن تعمّ ولا تخص كالشمس (٤) والريح والمطر. وقال سفيان الثوري: الإحسان: أن تحسن إلى من أساء إليك، فإن الإحسان إلى المحسن متاجرة كنقد السوق، خذ مني وهات.

стр. 4510

وقال (السري السَّقَطي) (١): الإحسان: أن تحسن وقت الإمكان، فليس في (٢) كل وقت يمكنك الإحسان. أنشدني أبو القاسم الحبيبي (٣) قال (٤): أنشدني أبو العباس عبد الله بن محمد الجُماني (٥): ليس في كل ساعةٍ وأوانِ ... تتهيأ صنائع الإحسان فإذا أمكنت فبادر إليها ... حذرًا من تعذُّر الإمكان (٦) [٨٩١] أخبرني عبد الله بن حامد الوزان (٧) (٨)، أخبرنا محمد بن عمر التاجر (٩)، حدثنا إبراهيم بن المهدي (١٠)، حدثنا الصلت (١١)،

стр. 4511

ثنا عثمان بن مطر (١)، ثنا ثابت البناني (٢)، عن أنس (٣) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت قصورًا مشرفة على الجنة فقلت: يا جبريل، لمن هذِه؟ قال: للكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين" (٤).

стр. 4512

١٣٥ - قوله : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية. قال ابن مسعود ﵁: قال المؤمنون: يا رسول الله، كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منّا، كان أحدهم إذا أذنب أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه: اجدع أنفك، أذنك، افعل كذا وكذا، فسكت رسول الله، فأنزل الله تعالى هذِه الآية، فقال رسول الله: "ألا أخبركم بخير من ذلكم"، وقرأ عليهم (١) هذِه الآية (٢). وقال عطاء: نزلت هذِه الآية في نبهان التمّار وكنيته أبو مقبل (٣): أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمرًّا، فقال لها: إن هذا التمر ليس بجيد، وفي البيت أجود منه، فهل لك فيه؟ ، قالت: نعم. فذهب بها إلى بيته وضمها إلى نفسه وقبلها، فقالت له: اتق الله. فتركها وندم على ذلك فأتى النبي فذكر له ذلك، فنزلت هذِه الآية (٤).

стр. 4513

وقال مقاتل والكلبي: آخى رسول الله بين رجلين: أحدهما من الأنصار، والآخر من ثقيف، فخرج الثقفي في غزاة واستخلف الأنصاري على أهله، فاشترى لهم اللحم ذات يوم، فلما أرادت المرأة أن تأخذه منه دخل على إثرها، فدخلت المرأة بيتها فتبعها، فاتقته بيدها فقبل يدها ثم ندم وانصرف. فقالت له: والله (١) ما حفظت غيبة أخيك، ولانلت حاجتك. فخرج الأنصاري ووضع التراب على رأسه، وهام على وجهه، فلما رجع الثقفي لم يستقبله الأنصاري، فسأل امرأته عن حاله فقالت: لا أكثر الله في الإخوان مثله. ووصفت له الحال، والأنصاري يسيح في الجبال تائبًا مستغفرًا، فطلبه الثقفي حتى وجده، فأتى به أبا بكر ﵁ رجاء أن يجد عنده راحة أو فرجًا. فقال الأنصاري: هلكت. قال: وما أهلكك؟ فذكر له القصة، فقال له أبو بكر ﵁: ويحك، أما علمت أن الله تعالى يغار للغازي ما لا يغار للمقيم؟ ! ثم لقيا عمر ﵁ فقال مثل ذلك. فأتيا النبي فقال له مثل مقالتهما، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ (٢)، هي صفة لاسم متروك تقديره: والذين إذا فعلوا

стр. 4514

فِعْلَةً فاحشة. يعني: قبيحة خارجة عما أذن الله فيه (١). وأصل الفحش: القبح والخروج عن الحد، ولذلك قيل للفرط في الطول: إنه لفاحش الطول، وللكلام القبيح غير القصد: كلام فاحش، وللمتكلم به: مفحش (٢). قال السدي (٣): يعني بالفاحشة هاهنا: الزنا. يدل عليه: ما روى حماد، عن ثابت، عن جابر ﵁: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ قال: زنا القوم ورب الكعبة (٤). ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالمعصية: قال مقاتل والكلبي: هو ما دون الزنا من قبلة أو لمسة أو نظرة فيما

стр. 4515

لا يحل (١)، وقال الأصم: ﴿فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ الكبائر، أو (٢) ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: الصغائر، وقيل: ﴿فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾: فعلا، أو (٣) ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: قولًا. ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾، قال الضحاك: ذكروا العرض الأكبر على الله. وقال مقاتل والواقدي: تذكروا في أنفسهم أن الله تعالى سائلهم عنه. وقال مقاتل بن حيان (٤): ذكروا الله تعالى باللسان عند الذنوب. ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: وهل يغفر الذنوب إلا الله، فلذلك رفع (٥). ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾: اختلفوا في معنى الإصرار: فقال أكثر المفسرين: معناه: ولم يقيموا ولم يدوموا ولم يثبتوا عليه، ولكنهم

стр. 4516

تابوا وأنابوا وأقروا واستغفروا (١). وقال قتادة: إياكم والإصرار، فإنما هلك المصرون الماضون قُدمًا في معاصي الله لا تنهاهم مخافة الله عن حرام حرمه الله، فلا يتوبون من ذنب أصابوه حتى أتاهم الموت وهم على ذلك (٢). وقال الحسن (٣): إتيان العبد ذنبًا عمدًا إصرارًا حتى يتوب. وقال السدي (٤): الإصرار: السكوت وترك الاستغفار. وقال رسول الله ﷺ : "ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة" (٥).

стр. 4517

[٨٩٢] أخبرنا أبو حاتم أحمد بن محمد الحاتمي المزكى (١) ثنا أبو عبد الله محمد بن الحسين بن علي البلخي (٢)، ثنا محمد بن خُشْنَام (٣) ثنا الحسن بن عمرو (٤)، ثنا بشر بن إبراهيم (٥)، عن خليفة ابن سليمان (٦)، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن (٧)، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس كبيرة بكبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة بصغيرة مع الإصرار" (٨).

стр. 4518

وأصل الإصرار: الثبات على الشيء (١)، قال الحطيئة (٢) يصف الخيل: عوابس بالشعث الكماة إذا ابتغوا ... عُلالتها بالمحصدات أصرت (٣) أي: ثبتت على عدوها، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. نظم الآية: ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ومن يغفر الذنوب إلا الله. قال ابن عباس، والحسن، ومقاتل، والكلبي، وابن يسار: وهم يعلمون أنها معصية (٤).

стр. 4519

وقال الضحاك: وهم يعلمون أن الله تعالى يملك مغفرة ذنوبهم. وقال السدي: وهم يعلمون أنهم قد أذنبوا، وقيل: وهم يعلمون أن الإصرار ضار وأن ترك الإصرار خير من التمادي (١). كما قيل: أقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزه ... إن الجحود جحود الذنب ذنبان (٢) وقال الحسين بن الفضل (٣): وهم يعلمون أن لهم ربًّا يغفر الذنوب، وإنما اقتبس هذا من قول النبي ﷺ : "من أذنب ذنبًا وعلم أن له ربًّا يغفر الذنوب غفر له وإن لم يستغفر" (٤).

стр. 4520

وقال ﷺ : "يقول الله : من علم أني ذو قدرة على المغفرة غفرت له ولا أبالي" (١). وقال عبيد بن عمير: مكتوب في بعض كتب الله تعالى المنزلة: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني إلّا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي (٢) (٣). [٨٩٣] سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن عبدوس (٤)، سمعت أبا بكر محمد بن حمدون بن خالد (٥) يقول: سمعت أحمد بن الوليد (٦)
следующие страницы →