← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

تابوا وأنابوا وأقروا واستغفروا (١). وقال قتادة: إياكم والإصرار، فإنما هلك المصرون الماضون قُدمًا في معاصي الله لا تنهاهم مخافة الله عن حرام حرمه الله، فلا يتوبون من ذنب أصابوه حتى أتاهم الموت وهم على ذلك (٢). وقال الحسن (٣): إتيان العبد ذنبًا عمدًا إصرارًا حتى يتوب. وقال السدي (٤): الإصرار: السكوت وترك الاستغفار. وقال رسول الله ﷺ : "ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة" (٥).

стр. 4517

[٨٩٢] أخبرنا أبو حاتم أحمد بن محمد الحاتمي المزكى (١) ثنا أبو عبد الله محمد بن الحسين بن علي البلخي (٢)، ثنا محمد بن خُشْنَام (٣) ثنا الحسن بن عمرو (٤)، ثنا بشر بن إبراهيم (٥)، عن خليفة ابن سليمان (٦)، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن (٧)، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس كبيرة بكبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة بصغيرة مع الإصرار" (٨).

стр. 4518

وأصل الإصرار: الثبات على الشيء (١)، قال الحطيئة (٢) يصف الخيل: عوابس بالشعث الكماة إذا ابتغوا ... عُلالتها بالمحصدات أصرت (٣) أي: ثبتت على عدوها، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. نظم الآية: ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ومن يغفر الذنوب إلا الله. قال ابن عباس، والحسن، ومقاتل، والكلبي، وابن يسار: وهم يعلمون أنها معصية (٤).

стр. 4519

وقال الضحاك: وهم يعلمون أن الله تعالى يملك مغفرة ذنوبهم. وقال السدي: وهم يعلمون أنهم قد أذنبوا، وقيل: وهم يعلمون أن الإصرار ضار وأن ترك الإصرار خير من التمادي (١). كما قيل: أقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزه ... إن الجحود جحود الذنب ذنبان (٢) وقال الحسين بن الفضل (٣): وهم يعلمون أن لهم ربًّا يغفر الذنوب، وإنما اقتبس هذا من قول النبي ﷺ : "من أذنب ذنبًا وعلم أن له ربًّا يغفر الذنوب غفر له وإن لم يستغفر" (٤).

стр. 4520

وقال ﷺ : "يقول الله : من علم أني ذو قدرة على المغفرة غفرت له ولا أبالي" (١). وقال عبيد بن عمير: مكتوب في بعض كتب الله تعالى المنزلة: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني إلّا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي (٢) (٣). [٨٩٣] سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن عبدوس (٤)، سمعت أبا بكر محمد بن حمدون بن خالد (٥) يقول: سمعت أحمد بن الوليد (٦)

стр. 4521

يقول: سمعت سعيد بن نصير (١) يقول: سمعت سيار بن حاتم (٢) يقول: سمعت جعفر الضبعي (٣) يقول: سمعت محمد بن المنكدر (٤) يقول: سمعت جابر بن عبد الله (٥) ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : "مر رجل ممن كان قبلكم من بني إسرائيل بجمجمة فنظر فيها، فقال: أي رب، أنت أنت، وأنا أنا، أنت العوّاد بالمغفرة، وأنا العواد بالذنب، ثم خر ساجدًا، فقيل له: ارفع رأسك، فأنا العواد بالمغفرة، وأنت العواد بالذنب، فرفع رأسه فغفر له" (٦). وقيل: وهم يعلمون أنهم إن استغفروا غفر لهم، وأن التوبة

стр. 4522

تمحو (١) الحوبة (٢) (٣). ١٣٦ - ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ أي: ثواب المطيعين. يقال: أوحى الله إلى موسى ﵇: أن يا موسى ما أقل حياء من يطمع في جنتي بغير عمل، يا موسى: كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي (٤). وقال شهر بن حوشب: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب. وقال ثابت البناني: بلغني أن إبليس بكى حين نزلت هده الآية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ إلى آخرها (٥).

стр. 4523

١٣٧ - قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾. قال ابن زيد (١): أمثال. وقال المفضل (٢): أمم، والسنّة: الأمة، قال الشاعر: ما عاين الناس من فضل كفضلكم ... ولا رأوا مثلكم في سالف السُّنن (٣) وقال بعضهم: معناه: أهل السنن، وقال عطاء (٤): شرائع، وقال الكلبي: قد مضت لكل أمة سنة ومنهاج، إذا اتبعوها ﵃، (وقال مجاهد (٥): قد خلت من قبلكم سنن بالهلاك فيمن كذب قبلكم (٦) (٧).

стр. 4524

والسنة في اللغة: المثال المتبع والإمام المؤتم (١) به، يقال: سنّ فلان سنّة حسنة، وسّن سنة سيئة: إذا عمل عملا اقتدي به من خير أو شر (٢)، قال لبيد (٣): من معشر سنّت لهم أباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها (٤) وقال سليمان ابن قتة (٥): وإن الألى بالطفِّ (٦) من آل هاشم ... تأسوا فسنوا للكرام التأسيا (٧)

стр. 4525

ومعنى الآية: قد مضت وسلفت مني فيمن قبلكم من الأمم الماضية المكذبة الكافرة سنن بإمهالي، واستدراجي إياهم، حتى يبلغ الكتاب فيهم أجلي الذي أجلته لإدالة (١) أنبيائي، وإهلاكهم. ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾ آخر أمد ﴿الْمُكَذِّبِينَ﴾ منهم، وهذا في يوم أحد (٢)، يقول: فأنا أمهلهم وأستدرجهم حتى يبلغ الكتاب أجلي الذي أجلت في نصرة النبي وأوليائه وهلاك أعدائه (٣). ١٣٨ - ﴿هَذَا﴾ قال ابن إسحاق (٤): هذا الذي ذكرت، وقال غيره: هذا القرآن (٥)، ﴿بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ عامة، ﴿وَهُدًى﴾، من الضلالة، ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾

стр. 4526

من الجهالة، ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ خاصة ١٣٩ - (قوله (١): ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ هذِه الآية تعزية من الله تعالى لنبيه ﷺ وللمؤمنين على ما أصابهم من الجراح والقتل يوم أحد، وحث منه إياهم على قتال عدوهم، ونهي عن العجز والفشل فقال: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ أي: لا تضعفوا ولا تجبنوا يا أصحاب محمد عن جهاد أعدائكم بما نالكم يوم أحد من الجرح والقتل. ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ظهور أعدائكم وعلى ما أصابكم من الهزيمة والمصيبة (٢)، وكان قد قتل يومئذ خمسة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير صاحب راية رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن جحش ابن عمة النبي ﷺ (وعثمان بن شماس) (٣) وسعد مولى عتبة، ومن الأنصار سبعون رجلًا (٤).

стр. 4527

﴿وَأَنْتُمُ﴾ فإنكم أنتم ﴿الْأَعْلَوْنَ﴾ أي: لكم تكون العاقبة بالنصر والظفر، ﴿نْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني: إذ كنتم مؤمنين ولأنكم مؤمنون. قال ابن عباس ﵄: انهزم أصحاب رسول الله في الشعب، فبينما هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي: "اللهم لا يعلن علينا، اللهم لا طاقة لنا إلا بك، اللهم ليس يعبدك بهذِه البلدة غير هؤلاء النفر". فأنزل الله تعالى هذِه الآية. فثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم، وعلا المسلمون الجبل، فذلك قوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ (١). وقال الكلبي: نزلت هذِه الآية بعد يوم أحد حين أمر رسول الله ﷺ أصحابه بطلب القوم، وقد أصابهم من الجراح ما أصابهم، فقال رسول الله ﷺ : "لا يخرج إلّا من شهد معنا بالأمس"، فاشتد ذلك

стр. 4528

على المسلمين، فأنزل الله هذِه الآية (١)، ودليله (قوله (٢) ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ الآية. وقيل: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ لما نالكم من الهزيمة، ولا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بقضاء الله تعالى ووعده (٣). ١٤٠ - قوله : ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ الآية. قال راشد بن سعد (٤): لما انصرف رسول الله ﷺ يوم أحد كئيبًا حزينًا جعلت المرأة تجيء بزوجها وابنها مقتولين وهي تلتدم (٥)، فقال رسول الله ﷺ : "أهكذا تفعل برسولك"، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ (٦): جرح يوم أحد ﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ يوم بدر (٧).

стр. 4529

قرأ محمد بن السميفع: (قرح) بفتح القاف والراء على المصدر (١). وقرأ الأعمش وعاصم وحمزة والكسائي وخلف: بضم القاف حيث كان (٢)، وهي قراءة (عبد الله) (٣) بن مسعود ﵁. وقرأ الباقون: بفتح القاف وهي قراءة عائشة ﵂، واختيار أبي عبيد وأبي حاتم، قالا: لأنها لغة تهامة والحجاز، وَبَعْدُهُما لغتان مثل الجَهد والجُهد والوَجد والوُجد (٤). وقال بعضهم: القرح -بالفتح- الجراحات، واحدتها: قَرْحة،

стр. 4530

والقرح - بالضم: وجع الجراحة (١). ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ فيومًا لهم ويومًا عليهم أديل (٢) المسلمون من المشركين يوم بدر حتى قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين، وأديل المشركون من المسلمين يوم أحد حتى جرحوا منهم (٣) سبعين، وقتلوا منهم خمسة وسبعين (٤) وقال أنس بن مالك ﵁: أتي رسول الله ﷺ يومئذ بعلي بن أبي طالب ﵁، وعليه نيف وستون جراحة من طعنة وضربة ورمية، فجعل رسول الله ﷺ يمسحها وهي تلتأم بإذن الله تعالى كأن لم تكن (٥)، ونظير هذِه الآية قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ يعني: يوم أحد ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ يوم بدر يعني: القتلى والأسرى. [٨٩٤] أخبرنا أبو الفضل عبيد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد الفامي (٦)، بقرائتي عليه في جمادى الأولى سنة ست وثمانين

стр. 4531

وثلاثمائة، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج (١) ثنا الحسن ابن سلام (٢) ثنا سليمان بن داود الهاشمي (٣) قال: حدثنا عبد الرحمن ابن أبي الزناد (٤)، عن أبيه (٥)، عن عبيد الله بن عبد الله (٦)، عن ابن عباس ﵄ (٧) قال: لما كان يوم أحد صعد أبو سفيان الجبل، فقال رسول الله: "اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا"، قال: فمكث أبو سفيان ساعة، ثم قال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ ، فقال عمر ﵁: هذا رسول الله وهذا أبو بكر ﵁، وها أنا عمر. قال أبو سفيان: يوم بيوم، وإن الأيام دول والحرب سجال (٨)،

стр. 4532

فقال عمر ﵁: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فقال: إنكم لتزعمون ذلك، فقد خبنا إذًا وخسرنا. ثم قال أبو سفيان: أما إنكم سوف تجدون في قتلاكم مُثَلًا (١)، ولم يكن ذلك عن رأي من (٢) سراتنا (٣). ثم ركبته حمية الجاهلية فقال: أما أنه إذا كان ذلك لم نكرهه (٤). أنشدني أبو القاسم الحبيبي (٥)، أنشدنا أبو الحسن الكارزي (٦)،

стр. 4533

قال: أنشدنا أبو عبد الله محمد بن القاسم الجُمحيّ (١): أرى الناس قد أحدثوا شيمة ... وفي كل حادثة مؤتمر يهينون من حقروا فَقْرَهُ ... وإن كان فيهم يفي أو يبتدر فيومًا علينا ويوما لنا ... ويوما نساء ويوما نُسر (٢) قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: وإنما كانت هذِه المداولة ليعلم الله، أي: ليرى الله الذين آمنوا يعني: منكم، ممن نافقوا، فيتميز بعضهم من بعض، وقيل: معناه: وليعلم الله الذين آمنوا بأفعالهم موجودة كما علمها منهم قبل أن كلفهم (٣). ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ يكرم أقوامًا بالشهادة، وذلك أن المسلمين قالوا: أرتا يومًا كيوم بدر نقاتل فيه المشركين، ونلتمس الشهادة، فلقوا

стр. 4534

المشركين يوم أحد، فاتّخذ الله منهم شهداء (١)، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. ١٤١ - (قوله) (٢): ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: يطهرهم من ذنوبهم، ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ يفنيهم ويهلكهم وينقصهم. (٣). ثم عزاهم فقال: ١٤٢ - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ نصب على الصرف، وقيل: بإضمار أن الخفيفة (٤). ١٤٣ - ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ وذلك أنهم تمنوا أن يكون لهم مثل يوم بدر فأراهم يوم أحد، فذلك قوله ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ أي: أسبابه وآثاره ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. ١٤٤ - قوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ قال أهل التفسير وأصحاب المغازي: خرج رسول الله حتى نزل

стр. 4535

بالشعب من أحد في سبعمائة رجل (١)، وأمر عبد الله بن جبير أحد بني عمرو بن عوف، وهو أخو خوات بن جبير على الرماة، وهم خمسون رجلا وقال: "أقيموا بأصل الجبل وانضحوا عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا، وإن كانت لنا أو علينا، فلا تبرحوا مقامكم، فإنا ما نزال غالبين ما ثبتم مكانكم" فجاءت قريش وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل، ومعهم النساء يضربن بالدفوف، ويقلن الأشعار، وكانت هند تقول: نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق والمسك في المفارق ... إن تقبلوا نعانق أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق وكان أبو عامر عبد عمرو بن الصيفي أول من لقيهم بالأحابيش، وعبيد أهل مكة فقاتلهم قتالا شديدًا حتى حميت الحرب (٢).

стр. 4536

فقال رسول الله: "من يأخذ هذا السيف بحقه ويضرب به العدو حتى ينحني". فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري، وكان رجلا شجاعًا يختال عند الحرب، فلما أخذ السيف اعتم بعمامة حمراء، وجعل يتبختر ويقول: أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النخيل ألَّا أقوم الدهر في الكيول ... أضرب بسيف الله والرسول (١) فقال رسول الله: "إنها لمشية يبغضها الله إلّا في هذا الموضع"، ثم حمل النبي وأصحابه على المشركين فهزموهم (٢) (٣). وقتل علي بن أبي طالب ﵁ طلحة بن أبي طلحة وهو يحمل لواء قريش، فأنزل الله نصره على المؤمنين (٤). قال الزبير بن العوام ﵁: فرأيت هندًا وصواحبها

стр. 4537

هاربات مصعدات في الجبل باديات خدامهن (١) ما دون أخذهن شيء. (فلما نظر) (٢) الرماة إلى القوم قد انكشفوا، ورأوا أصحاب النبي ينتهبون الغنيمة (أقبلوا) (٣) يريدون النهب، واختلفوا: فقال بعضهم: لا نترك أمر رسول الله، وقال بعضهم: ما بقي من الأمر شيء. ثم انطلق عامتهم ولحقوا بالعسكر، فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة، واشتغال المسلمين بالغنيمة، ورأى ظهورهم خالية صاح في خيله من المشركين، ثم حمل على أصحاب النبي من خلفهم فهزموهم وقتلوهم. ورمى عبد الله بن قمئة رسول الله بحجر فكسر أنفه ورباعيته، وشجه في وجهه وأثقله، وتفرق عنه أصحابه، وأقبل عبد الله ابن قمئة -لعنه الله- يريد قتل النبي، فذبَّ عنه مصعب بن عمير ﵁، وهو صاحب راية رسول الله، (يوم بدر ويوم أحد) (٤)، وكان اسم رايته العقاب (٥) حتى قتل مصعب دونه، قتله ابن قمئة -لعنه الله- فرجع وهو يروي أنه قتل النبي، قال: إني قتلت

стр. 4538

محمدًا (١) وصرخ صارخ: ألا إن محمدًا قد قتل، ويقال: إن ذلك الصارخ كان إبليس -لعنه الله- فانكفأ الناس، وجعل رسول الله يدعو الناس ويقول: "إلى عباد الله، إليّ عباد الله"، فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فحموه حتى كشفوا عنه المشركين. ورمى (٢) سعد بن أبي وقاص ﵁ حتى اندقت سية قوسه (٣) (٤). وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله ﵁ فيبست، وقى بها رسول الله. (٥) وأصيبت عين قتادة بن النعمان ﵁ يومئذ حتى وقعت على وجنته فردها رسول الله مكانها فعادت كأحسن ما كانت (٦).

стр. 4539

فلما انصرف رسول الله أدركه أبي بن خلف الجمحي وهو يقول: لا نجوت إن نجوت، فقال القوم: يا رسول الله: ألا يعطف عليه رجل منا، فقال: دعوه حتى إذا دنا منه -وكان أبي قبل ذلك يلقى رسول الله فيقول: عندي رمكة (١) أعلفها كل يوم فرق ذرة (٢) أقتلك عليها، فيقول له النبي ﷺ : "بل أنا أقتلك إن شاء الله" فلما كان يوم أحد ودنا منه تناول رسول الله الحربة من الحارث بن الصمة ﵁، ثم استقبله فطعنه في عنقه وخدشه خدشة فتدهده (٣) عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور، ويقول: قتلني محمد. فاحتمله أصحابه وقالوا: ليس عليك بأس، قال: بلى لو كانت هذِه الطعنة بربيعة، ومضر لقتلتهم، أليس قال لي: أنا أقتلك، فلو بزق عليّ بعد تلك المقالة لقتلني، فلم يلبث إلا يومًا حتى مات بموضع يقال له: سَرِف (٤)، فقال حسان بن ثابت ﵁ في

стр. 4540

ذلك: لقد ورث الضلالة عن أبيه ... أبيّ حين بارزه الرسول أتيت إليه ثَمَّ تحمل عَظْمًا (١) ... وتوعده وأنت به جهول وقد قتلت (٢) بنو النجار منكم ... أمية إذ تَغَوَّثَ يا عقيل (٣) وقال فيه أيضًا: ألا من مبلغ عنّى (٤) أبيّا ... لقد ألقيت في جوف السعير تمنى بالضلالة من بعيد ... وتقسم إن نذرت (٥) مع النذور

стр. 4541

تمنيك الأماني من بعيد ... وقول الكفر يرجع في غرور فقد لاقيت طعنة ذي حفاظ ... كريم الأصل ليس بذي فجور له فضل على الأحياء طرًا (١) ... إذا نابت ملمات الأمور (٢) قالوا: وفشا في الناس أن رسول الله قد قتل، فقال بعض المسلمين: ليت لنا رسولا إلى عبد الله ابن أبيّ، فيأخذ لنا أمانًا عند أبي سفيان وبعض الصحابة جلسوا وألقوا بأيديهم، وقال أناس من أهل النفاق: إن كان محمد قد قتل، فالحقوا بدينكم الأول (٣). فقال أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك، وبه سُمي أنس بن مالك: يا قوم إن كان قد قتل محمد، فإن رب محمد لم يقتل، وما تصنعون

стр. 4542

بالحياة بعد رسول الله، فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله، وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء -يعني المسلمين- وأبرأ إليك مما عزم هؤلاء -يعني المنافقين- ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل (١). ثم إن رسول الله انطلق إلى الصخرة، وهو يدعو الناس، فأول من عرف رسول الله كعب بن مالك ﵁ فقال: عرفت عينيه تحت المغفر تزهران، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين، أبشروا هذا رسول الله، فأشار إليّ: أن اسكت (٢) فانحازت إليه طائفة من أصحابه، فلامهم النبي على الفرار، فقالوا: يا رسول الله: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، أتانا الخبر بأنك قتلت، فرعبت قلوبنا، فولينا مدبرين فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (٣). ومحمد هو المستغرق لجميع المحامد؛ لأن الحمد لا يستوجبه إلا

стр. 4543

الكامل، والتحميد فوق الحمد فلا يستحقه إلاّ المستولي على الأمر في الكمال، فأكرم الله تعالى نبيه وصفيه باسمين مشتقين من اسم الله تعالى، محمد وأحمد (١)، وفيه يقول حسان بن ثابت ﵁. ألم تر أن الله أرسل عبده ... ببرهانه والله أعلى وأمجد فشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمودٌ وهذا محمدٌ نبي أتانا بعد يأس وفترة ... من الدين والأوثانُ في الأرض تعبد فأرسله ضوءًا منيرًا وهاديًا ... يلوح كما لاح الصقيل المهند (٢) [٨٩٥] أخبرنا عبد الله بن حامد (٣)، حدثنا أبو جعفر محمد بن عبد الله (٤)،

стр. 4544

حدثنا (هاشم بن يونس) (١) حدثنا أبو صالح (٢) قال: حدثني الليث (٣)، حدثني محمد بن عجلان (٤)، عن أبيه العجلان (٥)، عن أبي هريرة (٦) ﵁، عن النبي قالى: "ألم تروا كيف صرف الله عني لعن قريش وشتمهم، يشتمون مذممًا وأنا محمد" (٧).

стр. 4545

[٨٩٦] وأخبرنا أبو القاسم يعقوب بن أحمد بن السري (١)، حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن يوسف (٢)، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد ابن عامر (٣)، حدثني أبي (٤)، حدثنا علي بن موسى الرضا (٥) حدثني أبي موسى بن جعفر (٦)، حدثني أبي جعفر بن محمد (٧) قال: حدثني أبي محمد بن علي (٨)، حدثني أبي علي بن الحسين (٩)، حدثني أبي الحسين بن علي (١٠) قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب (١١) ﵁ قال: قال رسول الله: "إذا سميتم الولد محمدًا فأكرموه وأوسعوا له في المجلس، ولا تقبحوا له وجهًا، وما من قوم كانت

стр. 4546

لهم مشورة فحضر معهم من اسمه أحمد أو محمد، فأدخلوه في مشورتهم إلا خير لهم، وما من مائدة وضعت فحضرها من اسمه أحمد أو محمد إلا قدس ذلك المنزل في كل يوم مرتين" (١). [٨٩٧] وأخبرنا أبو بكر الجوزقي (٢)، حدثنا أبو العباس الدغولي (٣)،

стр. 4547

حدثنا أبو الأزهر (١)، حدثني أبو النضر (٢)، حدثنا شعبة (٣)، عن حميد الطويل (٤) قال: سمعت أنس بن مالك (٥) ﵁ يقول: كان النبي في السوق، فقال رجل: يا أبا القاسم، فالتفت إليه رسول الله، فقال الرجل: إنما أدعو ذاك. فقال رسول الله: "تسمّوا باسمي ولا تكنوا بكنيتي" (٦).

стр. 4548

[٨٩٨] وأخبرنا أبو بكر الجوزقي (١)، أخبرنا أبو العباس الدغولي (٢)، حدثنا محمد بن إسماعيل بن سالم (٣)، حدثنا طارق بن عبد العزيز (٤)، حدثنا محمد بن عجلان (٥)، عن أبيه (٦)، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: "لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي، أنا أبو القاسم، الله يعطي وأنا أقسم" (٧) ثم رخص في ذلك لعلي وابنه رحمهما الله تعالى. [٨٩٩] أخبرنا أبو بكر الجوزقي (٨)، أنا أبو العباس الدغولي (٩)،

стр. 4549

حدثنا أبو زرعة (١)، حدثنا عبد العزيز بن الخطاب الكوفي (٢)، حدثنا قيس ابن الربيع (٣)، عن ليث (٤)، عن محمد بن نشْر (٥)، عن محمد بن الحنفية (٦) عن علي ﵁ قال: قال رسول: "إن ولد لك غلام (٧) نحلته اسمي وكنيتي" (٨).

стр. 4550

قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾ على فراشه، ﴿أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ رجعتم إلى دينكم الأول: الكفر، ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ فيرتد عن دينه، ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾، وإنما يضر نفسه ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾: المؤمنين. روى الزهري (١) عن سعيد بن المسيب (٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: لما توفي رسول الله ﷺ ، قام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ توفي، وإن رسول الله ﷺ ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع بعد أن قيل: مات، والله ليرجعن رسول الله ﷺ ، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أن رسول الله ﷺ مات. قال (٣): وأقبل أبو بكر ﵁ حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر، وعمر ﵁ يكلم الناس، فلم يلتفت على شيء حتى دخل على رسول الله ﷺ في بيت عائشة ﵂، ورسول الله ﷺ مسجى ببرد حبرة (٤)، فأقبل حتى كشف عن وجهه،

стр. 4551

ثم أكبّ عليه فقبله ثم قال: بأبي أنت وأمي، أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها، ثم لم تصبك بعدها موتة أبدًا، ثم رد الثوب على وجهه، وخرج -وعمر ﵁ يكلم الناس- فقال: على رسلك (١) يا عمر، فأنصت (٢)، قال: فأبى إلاّ أن يتكلّم، فلمّا رآه أبو بكر ﵁ لا ينصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا هذِه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إلى آخر الآية. قال: فوالله كأن الناس لم يعلموا أن هذِه الآية نزلت على رسول الله حتى تلاها أبو بكر الصديق ﵁ يومئذ. قال (٣): وأخذها الناس عن أبي بكر ﵁، فإنما هي في أفواههم. قال أبو هريرة: قال عمر: والله ما (هو إلاّ أن) (٤) سمعت أبا بكر

стр. 4552

يتلوها فعقرت (١) حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله قد مات (٢).

стр. 4553

١٤٥ - قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ يعني: ما كان ينبغي لنفس أن تموت. وقال الأخفش: اللام في قوله ﴿لِنَفْسٍ﴾ منقولة تقديرها: وما كانت نفس لتموت (١) ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: بعلم الله، وقيل: بأمره (٢)، ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ يعني: أن لكل نفس أجلا (هو بالغه) (٣)، ورزقًا هو مستوفيه، لا يقدر أحد على تقديمه ولا تأخيره (٤). قال مقاتل (٥): من اللوح المحفوظ، ونصب الكتاب على المصدر، يعني: كتب الله كتابًا مؤجلا (٦) كقوله ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ (٧)، و ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ (٨) و ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ (٩) و ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (١٠)، وقيل:

стр. 4554

هو إغراء (١)، أي: آمنوا بالقدر والمقدور (٢). ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ يعني: ومن يرد بطاعته الدنيا ويعمل لها، ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ ما يكون جزاء لعمله، نظيره قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ (٣) الآية. وقال أهل المعاني: الآية مجملة ومعناها: نؤته منها ما نشاء مما قدمناه له (٤) دليله قوله (٥): ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ (٦)، نزلت في الذين تركوا (٧) المركز (٨) يوم أحد طلبًا للغنيمة (٩). قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ يعني: الذين ثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جبير حتى قتلو ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ أي: الموحدين المطيعين.

стр. 4555

والقراءة بالنون لقوله: ﴿نُؤَتِهِ﴾ (١)، وقرأ الأعمش: (وسيجزي) بالياء، يعني: الله تعالى (٢). [٩٠٠] حدثنا أبو عمرو أحمد بن أبي حمدون الفراتي (٣) قراءة عليه في جمادى الأولى سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن يعقوب البخاري (٤) حدثنا أحمد بن محمد بن نعيم (٥) حدثنا يزيد بن هارون (٦) حدثنا يحيى بن سعيد (٧)، أخبرني محمد بن إبراهيم (٨) أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي (٩) قال: سمعت عمر بن الخطاب (١٠) ﵁ يقول: سمعت النبي ﷺ يقول:
следующие страницы →