← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، يعني: القدر خيره وشره من الله تعالى ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ (١) وذلك أن المنافقين قال بعضهم لبعض: لو كانت لنا عقول لم نخرج مع محمد إلى قتال أهل (٢) مكة، ولم تقتل رؤساؤنا، فقال الله تعالى: قل لهم ﴿لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ﴾ لخرج (٣) وقرأ ابن أبي عبلة:

стр. 4587

(لبُرِّز) بضم الباء وتشديد الراء، على الفعل المجهول (١)، ﴿اْلَّذِينَ كُتِبَ﴾: قضي ﴿عَلَيْهِمُ القَتْلُ﴾، قرأ قتادة: (القتال) (٢)، ﴿إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾: مصارعهم (٣)، ﴿وَليَبْتَلِىَ اللَّهُ﴾، ليختبر الله، ﴿مَا فِى صدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ﴾: : يخرج ويظهر، ﴿مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (بما في القلوب من خير أو شر) (٤).

стр. 4588

١٥٥ - قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾ انهزموا، ﴿مِنكُمْ﴾ يا معشر المؤمنين، ﴿يَوْمَ الْتَقىَ اْلْجَمْعَانِ﴾ جمع المسلمين، وجمع المشركين، ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَان﴾. قال المفضل: أي (١): حملهم على الزلل، وهو: اْستفعل، من الزلّة، وهي الخطيئة (٢). وقال القتيبيّ: طلب زللهم، كما يقال: استعجلت فلانًا، أي: طلبت عجلته، واستعملته: أي (٣): طلبت عمله (٤)، وقيل: أزل واستزل، بمعنى واحد (٥). قال الكلبيّ: زين لهم الشيطان أعمالهم ببعض ما كسبوا، أي: بشؤم ذنوبهم (٦). وقال المفسرون: بتركهم المركز (٧).

стр. 4589

وقال الحسن: ﴿مَا كَسَبُوا﴾ هو (١) قبولهم من إبليس ما وسوس إليهم من الهزيمة (٢) ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. [٩٠١] أخبرنا أبو بكر محمَّد بن عبد الله الجوزقيّ (٣) قراءة عليه في المحرم سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، أخبرنا أبو العباس محمَّد بن عبد الرَّحْمَن الدغوليّ (٤) قراءة عليه في شعبان سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، أخبرنا إبراهيم بن إسحاق الزهريّ (٥)، أن جعفر بن عون (٦) حدّثهم عن كليب بن وائل (٧) قال: جاء رجل (٨) إلى ابن عمر فسأله عن عثمان: أكان شهد بدرًا؟ ، قال: لا، قال: أكان شهد بيعة الرِّضوان؟ ، قال: لا، قال: أكان من الذين تولوا منكم يوم التقي الجمعان؟ ، قال: نعم.

стр. 4590

فقيل له: إن هذا يرى أنك قد عيَّبته، قال: عليّ به، أما بدر: فإن رسول الله ﷺ قد ضرب له بسهمه، وأما بيعة الرِّضوان، فقد بايع له رسول الله ﷺ ، فيد رسول الله ﷺ من يد عثمان، وأما الذين تولوا يوم التقي الجمعان، فقد عفا الله عنهم، فاجهد (١) على جهْدك (٢). ١٥٦ - قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: المنافقين: عبد الله بن أبيّ وأصحابه (٣). ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ في النفاق، وقيل: في النسب (٤)، ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي

стр. 4591

الْأَرْضِ﴾ ساروا وسافروا فيها بالتجارة أو غيرها فماتوا، ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ غزاة فقتلوا، والغُزى: جمع، منقوص لا يتغيّر لفظها في نصب ورفع وخفض، واحدها: غاز، مثل: نائم ونوّم، وقائم وقوّم، وصائم وصوّم، وشاهد وشُهد، وقائل وقوّل، ومن الناقص: هاب وهُبًى، وعاف وعُفًى (١). ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾ يعني: قولهم وظنهّم، ﴿حَسْرَةً﴾: حزنًا، ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾، والحسرة: الاغتمام على فائت كان يقدر بلوغه (٢). قال الشَّاعر (٣): فواحسرتي لم أقض منكم لبانتي ... ولم نتمتع بالجوار وبالقرب (٤) ثم أخبر أن الحياة والموت إلى الله، لا يتقدمان لسفر، ولا يتأخران لحضر، فقال: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. قرأ ابن كثير، وطلحة، والأعمش، والحسن، وشبل، وحمزة،

стр. 4592

والكسائي، وخلف: بالياء (١) وقرأ الباقون: بالتاء (٢). ١٥٧ - ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ﴾ قرأ نافع وأكثر أهل الكوفة غير أبي بكر ما كان من هذا الباب: بكسر الميم (٣). وقرأ الآخرون: بالضم (٤)، تابعهم حفص في هذين الحرفين خاصّة في هذِه السورة (٥) فمن ضمّه فهو من مات يموت، كقولك من قال: يقول قلت، ومن كان يكون: كنت، ومن كسره فهو من: مات يمات، كقولك من خاف يخاف: خفت، ومن هاب يهاب:

стр. 4593

هبت (١) ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ في العاقبة، ﴿وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من الغنائم. قرأ العامة: (تجمعون) بالتاء، لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ﴾ وقرأ حفص بالياء، على الخبر عن الغائبين، يعني: مما يجمع النَّاس من الأموال (٢). ١٥٨ - ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾ في العاقبة. ١٥٩ - قوله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي: فبرحمة من الله، (ما) صلة (٣)، كقوله ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ (٤)، ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ (٥)، ﴿جُند مَّا هُنَالِكَ﴾ (٦)، وقال

стр. 4594

عدي بن زيد: ولم أر مِثْل الفتيان في عين اِلـ ... أيّام يَنْسَوْن ما عواقبها (١) أي: ينسون عواقبها (٢). وقال بعضهم: يحتمل أن تكون: (ما) استفهامًا للتعجب، تقديره: فبأي رحمة من الله لنت لهم، أي: سهلت لهم أخلاقك وكثرة احتمالك، ولم تسرع إليهم بما كان منهم يوم أحد، يقال: لأن له يلين لينا وليانا: إذا رق له وحسن خلقه (٣). ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ يعني (٤): جافيا سيئ الخلق، قاسي القلب، قليل الاحتمال، يقال: فظظت تفظ فظاظة وفظاظًا، فأنت فظ، والأنثى فظة، والجمع فظاظ (٥). وأنشد المفضل:

стр. 4595

وليس بفظ في الأداني [ولا الألى] (١) ... يؤمون جدواه ولكنه سهل (٢) وقال: وفظ على أعدائه يحذرونه ... فسطوته حتف ونائله جزل وقال آخر في المؤنث: أموت من الضر في منزلي ... وغيري يموت من الكظه ودنيا تجود على الجاهلين ... وهي على ذي النهى فظّه (٣) أي (٤): غليظ القلب (٥).

стр. 4596

قال الكلبيّ: فظًّا في القول، غليظ القلب في الفعل (١). ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ أي: لنفروا وتفرقوا عنك، يقال: فضضتهم فانفضوا أي: فرقتهم فتفرقوا (٢)، قال أبو النجم (٣) يصف إبلاّ: مستعجلات القيض غير حرد ... ينفض عنهن الحصى بالصمد (٤) وأصل الفض: الكسر، ومنه (٥) قولهم: لا يفضض الله فاك (٦)، قال أهل الإشارة في هذِه الآية: منه العطاء، ومنه الثناء. ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾: تجاوز عنهم ما أتوا يوم أحد، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾

стр. 4597

حتَّى أشفعك فيهم، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أي: استخرج آراءهم، واعلم ما عندهم، وهو مأخوذ من قول العرب: (شرت الدابة، وشورتها: إذا استخرجت جريها، وعلمت خبرها، ويقال لما يَظهر من حالها: مشوار، وللموضع الذي يشوَّر فيه أَيضًا مشوار (١) وقد يكون أَيضًا من قولهم: شرت العسل وأشرته واشترته، فهو مَشور ومشار ومشتار: إذا أخذته من موضعه، واستخرجته منه (٢)، قال الأَعشى: كأن جنيًّا من الزنجبيل ... بات بفيها وأريًا مشورا (٣) وقال عدي بن زيد: من سماعٍ يأذن الشيخ له ... وحديثٍ مثل ماذي مشار (٤) واختلف العلماء في المعنى الذي لأجله أمر الله تعالى نبيه ﷺ بالمشاورة مع كمال عقله، وجزالة رأيه، وتتابع الوحيِ عليه،

стр. 4598

ووجوب طاعته في أمته فيما أحبّوا أو كرهوا. فقال بعضهم: هو خاص في المعنى، وإن كان عامًّا في اللفظ، ومعنى الآية: وشاورهم فيما ليس عندك فيه من الله عهد، يدل عليه قراءة ابن عباس ﵄: (وشاورهم في بعض الأمر) (١). وقال الكلبيّ: يعني ناظرهم في لقاء العدو، ومكايدة الحرب عند الغزوة (٢). وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس ﵄: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ قال: أبو بكر وعمر ﵄ (٣). وقال مقاتل (٤)، وقتادة، والربيع: كانت سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق ذلك عليهم، فأمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يشاورهم في الأمر تزيدًا (٥)، فإن ذلك أعطف لهم عليه، وأذهب لأضغانهم، وأطيب لأنفسهم، فإذا شاورهم ﷺ عرفوا إكرامه لهم، فإن القوم إذا تشاوروا وأرادوا بذلك وجه الله تعالى عزم الله تعالى

стр. 4599

لهم على الأرشد (١). قال الشَّافعيّ ﵀: ونظير هذا قول النَّبِيّ ﷺ : "البكر تستأمر في نفسها" (٢)، إنما أمر باستئذانها؛ لاستطابة نفسها، وأنها لو كرهت كان للأب أن يزوجها (٣). ولمشاورة إبراهيم ابنه ﵉ حين أمر بذبحه (٤)، وقال الحسن ﵀: قد علم الله تعالى أنَّه ﵇ ما به لهم من حاجة، ولكنه أراد أن يستن به من بعده (٥). ودليل هذا التأويل: [٩٠٢] ما أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان (٦)، أخبرنا أَحْمد بن

стр. 4600

محمَّد بن شاذان (١) أَنْبأنا جيعوية (٢) أنا صالح بن محمَّد (٣)، أنا سليمان ابن عمرو (٤) عن أبي حازم (٥) عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ (٦) قال: قال رسول الله ﷺ : "ما شقي عبد قط بمشورة وما (٧) سعد باستغناء برأي" (٨). يقول الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ فالله وكتابه ورسوله غني عن المشاورة، ولكن الله تعالى أراد أن تكون سنّة، فلا يبرم أمر من (٩) الدنيا والدين حتَّى يشاوروا (١٠).

стр. 4601

وقد أثنى الله تعالى على عبادة بالمشاورة فقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (١). وروي عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قال: "إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، ولم يكن أمركم شورى بينكم، فبطن الأرض خير من ظهرها" (٢). [٩٠٣] وأنشدني أبو القاسم الحسن بن محمَّد الحبيبيّ (٣) قال: أنشدني عميّ ﵀ (٤): إذا كنت في حاجة مرسلا ... فأرسل حكيمًا ولا توصه

стр. 4602

وإن ناب أمر عليك التوى ... فشاور لبيبًا ولا تعصه ونص الحديث إلى أهله ... فإن الوثيقة في نصِّه إذا المرء أضمر خوف الإله ... تبين ذلك في شخصه (١) [٩٠٤] وأنشدنا أبو القاسم الحبيبي (٢)، أنشدنا أبو بكر محمَّد بن المنذر الضَّرير (٣)، قال: أنشدنا أبو سلمة المؤدب (٤): شاور صديقك في الخفيّ المشكل ... واقبل نصيحة ناصح متفضل فالله قد أوصى بذاك نبيه ... (في قوله) (٥) شاورهم وتوكل

стр. 4603

﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ لا على مشاورتهم، قرأ جعفر الصادق، وجابر بن زيد: (فإذا عزمت) بضم التاء (١)، أي: عزمت لك ووفقتك وأرشدتك (٢) ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ التوكل: التفعّل، من الوكالة، يقال: وكلت الأمر إلى فلان فتوكل، أي: ضمنه وقام به، فمعنى قوله: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: قم بأمر الله وثق به واستعنه (٣) ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾، واختلفت عبارات العلماء في معنى التوكل وحقيقة التوكل، فقال سهل بن عبد الله (٤): أول مقام التوكل أن يكون العبد بين يدي الله كالميت بين يديّ الغاسل، يقلبه كيف أراد، لا يكون له حركة ولا تدبير، والمتوكل لا يسأل ولا يرد ولا يحسّ.

стр. 4604

وقال أبو تراب النخشبيّ (١): التوكل: الطمأنينة إلى الله. وقال بشر الحافي (٢): الرضا. [٩٠٥] وسمعت محمَّد بن الحسين بن موسى (٣) يقول: سمعت سعيد بن أَحْمد بن محمَّد (٤) يقول: سمعت محمَّد بن أَحْمد بن سهل (٥) يقول: سمعت سعيد بن عثمان الخياط (٦) يقول: سمعت ذا

стр. 4605

النُّون المصريّ (١) (٢) وقال له رجل: يَا أَبا الفيض: ما التوكل؟ قال: خلع الأرباب، وقطع الأسباب. فقال: زدني فيه حالة أخرى، قال: إلقاء النفس في العبودية، وإخراجها من الربوبية (٣) (٤). وقال إبراهيم الخواص (٥)، حقيقة التوكل: إسقاط الخوف والرجاء مما سوى الله. وقال ابن الفرجي (٦): ردّ العيش إلى يوم واحد، وإسقاط هم غد. [٩٠٦] وسمعت محمَّد بن الحسين (٧) يقول: سمعت محمَّد بن

стр. 4606

عبد الله (١) يقول: سمعت أَبا عليّ الروذباريّ (٢) يقول: مراعاة التوكل ثلاث درجات: الأولى منها: إذا أعطي شكر، وإذا منع صبر، والثانية: المنع والإعطاء عنده واحد، والثالثة: المنع مع الشكر أحب إليه لعلمه باختيار الله له ذلك (٣). [٩٠٧] وسمعت محمَّد بن الحسين (٤) يقول: سمعت أَحْمد بن علي بن جعفر (٥) يقول: سمعت جعفر الخلدي (٦): يقول: قال إبراهيم الخواص (٧): كنت في طريق مكة فرأيت شخصًا وحشيًّا

стр. 4607

فقلت: أجني أَنْتَ (١) أم أنسي؟ ، فقال: بل جنيّ، فقلت إلى أين؟ قال: إلى مكة، قلت: بلا زاد؟ قال: نعم، فينا أَيضًا من يسافر على التوكل، فقلت له: ما التوكل؟ قال: الأخذ من الله (٢). وقال ذو النُّون أَيضًا: هو انقطاع المطامع (٣). وقال سهل أَيضًا: معرفة معطي أرزاق المخلوقين، ولا يصح لأحد التوكل حتَّى تكون عنده السماء كالصفر (٤)، والأرض كالحديد، ولا ينزل من السماء مطر، ولا يخرج من الأرض نبات، ويعلم أن الله لا ينسى له ما ضمن له من رزقه بين هذين. وعن بعضهم يقول: هو (٥) أن لا تعصي الله من أَجل رزقك. وقال (٦) آخر: حسبك من التوكل أن لا تطلب لنفسك ناصرًا غير الله، ولا لزرقك خازنًا غيره، ولا لعملك شاهدًا غيره.

стр. 4608

وقال الجنيد: التوكل: أن تقبل بالكلية على ربك، وتعرض عمن دونه. وقال الثَّوريّ: أن تفني تدبيرك في تدبيره، وترضى بالله وكيلًا مدبرًا، قال الله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (١). وقيل: هو اكتفاء العبد الذليل بالرب الجليل، كاكتفاء الخليل بالخليل، حين لم ينظر إلى عناية جبريل (٢). وقيل: هو السكون عن الحركات، اعتمادًا على خالق الأرض والسموات. وقيل لبهلول المجنون (٣): متى يكون العبد متوكلا؟ قال: إذا كان بالنفس غريبًا بين الخلق، وبالقلب قريبًا إلى الحق (٤).

стр. 4609

[٩٠٨] حَدَّثَنَا أبو بكر محمَّد بن أَحْمد بن عقيل (١) أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن يحيى (٢) أَنْبأنا أَحْمد بن دارم (٣) ثنا عمر ابن الحسن بن نصر بن حاجب (٤) قال: سمعت محمَّد بن عمران (٥)، قال: قيل لحاتم الأصم (٦): على ما بنيت أمرك هذا من التوكل؟ قال: على أربع خلال: علمت أن رزقي ليس يأكله غيري، فلست أشتغل به، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري، فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتي بغتة، فأنا أبادره، وعلمت أني بعين الله في كل حال، فأنا أستحيي منه (٧). [٩٠٩] وأخبرنا أبو سعد عبد الملك بن أبي عثمان الواعظ (٨)،

стр. 4610

أخبرنا أبو عبد الله أَحْمد بن عمر بن محفوظ (١) بجيزة مصر (٢) ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن المولد الصوفي (٣) ثنا جدار بن بكر الدبيلي (٤)، قال: سمعت أَبا موسى الدبيلي (٥) قال: سألت عبد الرَّحِيم بن يحيى (٦) عن التوكل فقال لي: لو أدخلت يدك في فم التنين (٧) حتَّى

стр. 4611

يبلغ إلى الرسغ لم تخف مع الله شيئًا، قال أبو موسى: فخرجت إلى أبي يزيد البسطاميّ (١) أسأله عن التوكل، فدخلت بسطام (٢)، ودققت عليه الباب، فقال لي: يَا أَبا موسى، ما كان لك في جواب عبد الرَّحِيم من القناعة حتَّى تجيء تسألني؟ ! . قال: فقلت: افتح الباب، فقال: لو زرتني لفتحت لك الباب، جاء الجواب من الباب فانصرف، فلو أن الحية المطوقة بالعرش همت بك لم تخف مع الله شيئًا (٣). قال أبو موسى: فانصرفت حتَّى جئت إلى دبيل (٤)، فأقمت بها سنة، ثم اعتقدت الزيارة، فخرجت إلى أبي يزيد، فقال لي: زرتني مرحبًا بالزائر (٥) ادخل.

стр. 4612

قال: فأقمت عنده شهرًا، لا يقع لي شيء إلاّ أخبرني قبل أن أسأله, فقلت له: يَا أَبا يزيد: أخرج، وأريد فائدة منك أخرج بها من عندك. فقال لي (١): أعلم أن فائدة المخلوقين ليست بفائدة، حدثتني أمي (٢) أنها كانت حاملا بي، فكانت إذا قدمت إليها القصعة (٣) من حلال، امتدت يدها فأكلت، وإذا قدمت من حرام، جفت فلم تأكل، اجعلها فائدة وانصرف. قال: فجعلتها فائدة، وانصرفت (٤). [٩١٠] وأخبرنا أبو الحسين عبد الرَّحْمَن بن إبراهيم بن محمَّد (٥) قال: أنبأني محمَّد بن داود بن سليمان (٦)، أخبرني محمَّد بن جعفر بن أَحْمد بن يزيد (٧)، حَدَّثَنَا سعيد بن عمرو بن سلمة (٨)، ثنا

стр. 4613

زكريا بن جامع الصيرفي (١)، حَدَّثني أبي (٢)، وعمي (٣) عن ابن طاوس اليماني (٤) عن أَبيه (٥) طاوس ﵀ (٦) قال: رأيت أعرابيًا قد جاء براحلة له، فأبركها وعقلها، ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم إن هذِه الراحلة، وما عليها في ضمانك حتَّى أخرج إليها. فخرج الأعرابي وقد أخذت الراحلة وما عليها، فرفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إنه ما سرق مني شيء، وما سرق إلَّا منك. قال طاوس: فنحن كذلك مع الأعرابي، إذ رأينا رجلا من رأس أبي قبيس (٧) ينزل والراحلة بيده اليسرى، ويمينه مقطوعة معلقة في عنقه حتَّى جاء إلى الأعرابي فقال: هاك راحلتك وما عليها. فقلنا: ما حالك؟ ! ، قال: استقبلني فارس على فرس أشهب في رأس أبي قبيس وقال لي: يَا سراق مد يدك، فمددتها فوضعها على حجر، ثم أخذ حجرًا آخر فبتكها (٨) به، وعلقها في عنقي وقال:

стр. 4614

انزل فرد الراحلة وما عليها للأعرابي (١). [٩١١] أنبأني أبو عبد الرَّحْمَن السلمي (٢)، حَدَّثَنَا أبو الحسن محمَّد بن الحسن بن إسماعيل السَّرَّاج (٣)، ثنا علي بن أَحْمد ابن النضر ابن ابنة معاوية بن عمرو (٤)، ثنا أَحْمد بن عيسى (٥)، ثنا ابن (٦) وهب (٧)، حَدَّثني ابن لهيعة (٨)، عن أبي هبيرة (٩)، أنه (١٠) سمع أَبا تميم الجيشاني (١١) قال: سمعت عمر ﵁ يقول:

стр. 4615

قال رسول الله ﷺ : "لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا" (١). وروى محمَّد بن كعب عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سره أن يكون أقوى النَّاس فليتوكل على الله، ومن سره أن يكون أكرم النَّاس فليتق الله، ومن سره أن يكون أغنى النَّاس، فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده" (٢).

стр. 4616

وكان عمر بن الخطاب ﵁ يتمثل: هون عليك فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرها فليس يأتيك معروفها ... ولا عازب عنك مقدورها (١) ١٦٠ - قوله : ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾ يعنكم الله (٢)، ويمنعكم من عدوكم (٣)، ﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ مثل يوم بدر ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾: يترككم (٤)، ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ﴾: فلا ينصركم. والخذلان: القعود عن النصرة والإِسلام (٥) للهلكة والمكروه، يقال للبقرة والظبية إذا تركت تعهد ولدها، وتخلفت عنها: خذلت

стр. 4617

فهي خذول (١)، قال طرفة: خذول تراعي ربربا بخميلة ... تناول أطراف البرير وترتدي (٢) وأنشد: نظرت إليك (٣) بعين جارية ... خذلت صواحبها على طفل (٤) وقرأ عبيد بن عمير: (وإن يخذلكم) بضم الياء وكسر الذال، أي: يجعلكم مخذولين ويحملكم على الخذلان والتخاذل كما فعلتم بأحد (٥). ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد خذلانه، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.

стр. 4618

١٦١ - قوله : ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ الآية روى عكرمة ومقسم عن ابن عباس ﵄: أن هذِه الآية نزلت في قطيفة حمراء، فقدت يوم بدر. فقال بعض النَّاس: أخذها رسول الله ﷺ (١): وروى جويبر (٢) عن الضحاك (٣)، (عن ابن عباس) (٤) ﵁ أن رسول الله ﷺ لما وقع في يده غنائم هوازن يوم حنين، غله رجل بمخيط -يعني: بإبرة، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٥).

стр. 4619

وقال الكلبيّ ومقاتل (١): نزلت (هذِه الآية) (٢) في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز، وطلبوا الغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول النَّبِيّ ﷺ : من أخذ شيئًا فهو له، وأن لا يقسم الغنائم كما لم تقسم يوم بدر، فتركوا المركز، ووقعوا في الغنائم، فقال لهم النَّبِيّ ﷺ : "ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتَّى يأتيكم أمري؟ ! " قالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفًا. فقال النَّبِيّ ﷺ : "بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم"، فأنزل الله هذِه الآية (٣). وروى بعضهم عن الضحاك عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ بعث طلائع فغنمت فقسمها رسول الله ﷺ ولم يقسم للطلائع، فلما قدمت الطلائع قالوا: قسم الفيء ولم يقسم لنا، فأنزلت هذِه

стр. 4620

الآية (١). وقال قتادة: ذكر لنا أن هذِه الآية نزلت على النَّبِيّ ﷺ ، وقد غل طوائف من أصحابه (٢). وفي بعض التفاسير: أن الأقرباء قد ألحوا عليه يسألونه عن (٣) المغنم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ فيعطي قومًا، ويمنع آخرين، بل عليه أن يقسم بالسوية، ولا يحرم أحدًا (٤). وقال محمَّد بن إسحاق بن يسار: هذا في الوحي يقول: ما كان لنبي أن يكتم شيئًا من وحي الله، رغبة أو رهبة أو مداهنة، وذلك أنَّهم يكرهون ما في القرآن من عيب دينهم، وسب آلهتهم، فسألوه أن يطوي ذلك، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٥).

стр. 4621

فأما التفسير: فقرأ السلمي، ومجاهد، وابن كثير، وابن عامر، وعاصم: ﴿يَغُلَّ﴾ بفتح الياء وضم الغين (١)، وهي قراءة ابن عباس (٢)، واختيار أبي عبيد (٣). وقرأ الباقون: بضم الياء وفتح الغين (٤)، وهي قراءة ابن مسعود (٥) واختيار أبي حاتم فمن فتح الياء فمعناه: أن يخون، والمراد به الأمة. وقال بعض أهل المعاني: اللام فيه منقولة، معناه: ما كان النَّبِيّ ليغل، كقوله : ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ (٦)، أي: ما كان الله ليتخذ ولدًا.

стр. 4622

وقال بعضهم: هذا من ألطف التعريض، لما بأن براءة ساحة النَّبِيّ ﷺ من الغلول دل على الغلول في غيره، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١) وهذا معنى قول السدي (٢). وقال المفضل: معناه: ما كان يظن به ذلك، وما يشبهه، ولا يليق به، واحتج أهل هذِه القراءة بقول ابن عباس ﵄: كيف (٣) يكون له أن يَغُلَّ، وما (٤) كان لنبي (٥) من الأنبياء يَغُلَّ (٦)؟ (٧) (٨). ومن قرأ ﴿يَغُلَّ﴾ (٩) بضم الياء، فله وجهان: أحدهما: أن يكون من الغلول، أي: ما كان لنبي أن يخان،

стр. 4623

يعني: أن تخونه أمته. والوجه الآخر: أن يكون من الإغلال، معناه: ما كان لنبي أن يخون، أو تنسب إليه الخيانة، أو يوجد خائنًا، أو يدخل في جملة الخائنين، فيكون: أغل وغلل بمعنى واحد، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذبُونَكَ﴾ (١)، وقوله ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ (٢) (٣). وقال المبرد: تقول العرب: أكفرت الرَّجل، بمعنى: جعلته كافرًا ونسبته إلى الكفر، وحملته عليه، ووجدته كافرًا، وألحقته بالكافرين (٤). ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال الكلبي: يمثل له ذلك الشيء في النَّار، ثم (٥) يقال له: انزل فخذه، فينزل فيحمله على ظهره، فإذا بلغ موضعه وقع في النَّار، ثم كلف أن ينزل إليه فيخرجه، يفعل به ذلك (٦).

стр. 4624

﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. [٩١٢] أخبرنا الشيخ أبو بكر محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن زكريا (١) في شهر رمضان سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، ثنا أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد بن الحسن (٢)، ثنا عبد الله بن هاشم (٣) ثنا يحيى بن سعيد (٤)، ثنا: أبو حيان (٥)، ثنا أبو زرعة (٦) عن أبي هريرة ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ يومًا خطيبًا، فذكر الغلول وعظمه، وعظم أمره، فقال: "لا ألفين أحدكم يوم القيامة يجيء على رقبته بعير له رغاء، ويقول: يَا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك، ولا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة وعلى رقبته شاة لها يعار (٧)، يقول: يَا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك من الله شيئًا قد أبلغتك. ولا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة

стр. 4625

على رقبته صامت (١) يقول: يَا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك، ولا ألفين أحدكم يجيء يوم القيام على رقبته فرس له حمحمة (٢)، يقول: يَا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك. ولا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة برقاع (٣) يقول (٤): يَا رسول الله أغثني، فأقول: "لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك" (٥).
следующие страницы →