← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

فأما التفسير: فقرأ السلمي، ومجاهد، وابن كثير، وابن عامر، وعاصم: ﴿يَغُلَّ﴾ بفتح الياء وضم الغين (١)، وهي قراءة ابن عباس (٢)، واختيار أبي عبيد (٣). وقرأ الباقون: بضم الياء وفتح الغين (٤)، وهي قراءة ابن مسعود (٥) واختيار أبي حاتم فمن فتح الياء فمعناه: أن يخون، والمراد به الأمة. وقال بعض أهل المعاني: اللام فيه منقولة، معناه: ما كان النَّبِيّ ليغل، كقوله : ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ (٦)، أي: ما كان الله ليتخذ ولدًا.

стр. 4622

وقال بعضهم: هذا من ألطف التعريض، لما بأن براءة ساحة النَّبِيّ ﷺ من الغلول دل على الغلول في غيره، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١) وهذا معنى قول السدي (٢). وقال المفضل: معناه: ما كان يظن به ذلك، وما يشبهه، ولا يليق به، واحتج أهل هذِه القراءة بقول ابن عباس ﵄: كيف (٣) يكون له أن يَغُلَّ، وما (٤) كان لنبي (٥) من الأنبياء يَغُلَّ (٦)؟ (٧) (٨). ومن قرأ ﴿يَغُلَّ﴾ (٩) بضم الياء، فله وجهان: أحدهما: أن يكون من الغلول، أي: ما كان لنبي أن يخان،

стр. 4623

يعني: أن تخونه أمته. والوجه الآخر: أن يكون من الإغلال، معناه: ما كان لنبي أن يخون، أو تنسب إليه الخيانة، أو يوجد خائنًا، أو يدخل في جملة الخائنين، فيكون: أغل وغلل بمعنى واحد، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذبُونَكَ﴾ (١)، وقوله ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ (٢) (٣). وقال المبرد: تقول العرب: أكفرت الرَّجل، بمعنى: جعلته كافرًا ونسبته إلى الكفر، وحملته عليه، ووجدته كافرًا، وألحقته بالكافرين (٤). ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال الكلبي: يمثل له ذلك الشيء في النَّار، ثم (٥) يقال له: انزل فخذه، فينزل فيحمله على ظهره، فإذا بلغ موضعه وقع في النَّار، ثم كلف أن ينزل إليه فيخرجه، يفعل به ذلك (٦).

стр. 4624

﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. [٩١٢] أخبرنا الشيخ أبو بكر محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن زكريا (١) في شهر رمضان سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، ثنا أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد بن الحسن (٢)، ثنا عبد الله بن هاشم (٣) ثنا يحيى بن سعيد (٤)، ثنا: أبو حيان (٥)، ثنا أبو زرعة (٦) عن أبي هريرة ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ يومًا خطيبًا، فذكر الغلول وعظمه، وعظم أمره، فقال: "لا ألفين أحدكم يوم القيامة يجيء على رقبته بعير له رغاء، ويقول: يَا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك، ولا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة وعلى رقبته شاة لها يعار (٧)، يقول: يَا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك من الله شيئًا قد أبلغتك. ولا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة

стр. 4625

على رقبته صامت (١) يقول: يَا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك، ولا ألفين أحدكم يجيء يوم القيام على رقبته فرس له حمحمة (٢)، يقول: يَا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك. ولا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة برقاع (٣) يقول (٤): يَا رسول الله أغثني، فأقول: "لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك" (٥).

стр. 4626

[٩١٣] وأخبرنا محمَّد بن عبد الله بن زكريا (١)، أخبرنا أبو حامد ابن الشرقي (٢)، ثنا عبد الرَّحْمَن بن بشر (٣)، ثنا سفيان (٤)، عن عمرو (٥)، عن سالم بن أبي الجعد (٦)، عن عبد الله بن عمرو (٧) ﵄ قال: كان على ثقل رسول الله ﷺ رجل يقال له: كركرة (٨)، فمات، فقال رسول الله ﷺ : "هو في النَّار، فوجدوا عليه عباءة قد غلّها" (٩). [٩١٤] وأخبرنا محمَّد بن عبد الله (١٠) أنا أبو العباس الدغولي (١١)

стр. 4627

ومكيّ بن عبدان (١) وعبد الله بن محمَّد بن الحسن (٢) قالوا: أخبرنا عبد الله بن هاشم (٣) أنا سفيان بن عيينة (٤) ثنا الزُّهْرِيّ (٥). [٩١٥] وأخبرنا محمَّد (٦)، قال: أخبرنا أبو سعيد أَحْمد بن محمَّد ابن زياد بن بشر الأعرابي (٧) بمكة، ثنا سعدان بن نصر بن منصور (٨)، ثنا سفيان (٩) عن الزهريّ (١٠). [٩١٦] وأخبرنا محمَّد (١١)، ثنا أبو جعفر محمَّد بن يحيى بن عمر ابن عليّ بن حرب (١٢)، ثنا علي بن حرب الطَّائيّ (١٣) ثنا سفيان (١٤)،

стр. 4628

عن الزُّهْرِيّ (١)، عن عروة (٢)، عن أبي حُميْد السّاعدي ﵁ (٣) قال: بعث رسول الله ﷺ رجلا من الأزد، يقال له: ابن اللتبية (٤) على الصدقة، فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي. فقام النَّبِيّ ﷺ فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "ما بال العامل يُبْعث فيجيء فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي، أفلا جلس في بيت أَبيه وأمه فينظر أيهدى إليه، والذي نفس محمَّد بيده لا يبعث منكم أحد فيأخذ منه شيئًا إلَّا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، فرفع يديه حتَّى رأيت عفرة (٥) إبطيه فقال: اللهمّ قد بلغّت" ثلاثًا (٦).

стр. 4629

[٩١٧] وأخبرنا أبو علي الحسين بن محمَّد بن عليّ (١) وأبو الحسن أَحْمد بن محمَّد بن يوسف (٢)، قالا: حَدَّثَنَا أبو بكر محمَّد بن بكر بن محمَّد بن عبد الرَّزّاق (٣) بالبصرة، قال: حَدَّثَنَا أبو داود سليمان بن الأشعث (٤)، ثنا مسدد (٥)، أن يحيى بن سعيد (٦) وبشر بن المفضل (٧) حدثاهم عن يحيى بن سعيد (٨)، عن محمَّد بن يحيى بن حبان (٩)، عن أبي عمرة (١٠)، عن زيد بن خالد (١١) أن رجلا من

стр. 4630

أصحاب النَّبِيّ ﷺ تُوفِّي يوم خيبر، فذكروه لرسول الله ﷺ ، فقال: "صلوا على صاحبكم"، فتغيرت وجوه النَّاس لذلك، فقال: "إن صاحبكم غل في سبيل الله، ففتشنا متاعه فوجدنا خرزًا من خرز اليهود لا يساوي درهمين" (١). [٩١٨] وبإسناده عن أبي داود (٢) قال: أخبرنا القعنبي (٣)، عن مالك (٤)، عن ثور بن زيد الديلي (٥)، عن أبي الغيث مولى ابن مطيع (٦)، عن أبي هريرة ﵁ قال: خرجنا (٧) مع رسول الله

стр. 4631

- ﷺ عام خيبر، فلم نغنم ذهبًا ولا ورقًا (١)، إلاّ الثياب والمتاع والأموال، قال فتوجه رسول الله ﷺ نحو وادي القرى (٢)، وقد أهدي لرسول الله ﷺ (عبدٌ أسود) (٣)، يقال له: مدعم (٤). فبينا مدعم يحط رحل رسول الله ﷺ إذ جاءه سهم فقتله، فقال النَّاس: هنيئًا له الجنة. فقال (٥): رسول الله ﷺ : "كلاّ والذي نفسي بيده: إن الشملة (٦) التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم يصبها المقاسم لتشتعل عليه نارًا". فلما سمعوا ذلك جاء رجل بشراك أو بشراكين (٧) إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ :

стр. 4632

"شراك من نار، أو شراكان من نار" (١). [٩١٩] وبه عن أبي داود (٢)، ثنا أبو صالح محبوب بن موسى (٣)، ثنا أبي إسحاق الفزاري (٤)، عن عبد الله (٥) بن شوذب (٦)، ثنا عامر

стр. 4633

-يعني ابن عبد الواحد (١) - عن عبد الله بن بريدة (٢) عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصاب غنيمة أمر بلالًا (٣) ينادي في النَّاس فيجيئون بغنائمهم، فيجمعها فيقسمها، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر (٤) فقال: يَا رسول الله: هذا فيما كنا أصبنا من الغنيمة، فقال: "أسمعت بلالًا نادى ثلاثًا؟ ". قال: نعم، قال: "فما منعك أن تجيء به؟ "، فاعتذر إليه، فقال: "كن أَنْتَ، تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك" (٥).

стр. 4634

[٩٢٠] وبه عن أبي داود (١)، ثنا النفيلي (٢)، وسعيد بن منصور (٣) قالا: أخبرنا عبد العزيز بن محمَّد الدراوردي (٤) عن صالح بن محمَّد بن زائدة (٥) قال: دخلت مع مسلمة (٦) أرض الروم، فأتي برجل قد غلّ، فسأل سالمًا (٧) عنه فقال: سمعت أبي (٨) يحدث عن عمر بن الخطاب ﵄ عن النَّبِيّ ﷺ قال: "إذا وجدتم الرَّجل قد غلّ فأحرقوا متاعه، واضربوه". قال: فوجدنا في متاعه مصحفًا، فسأل سالمًا فقال: بعه وتصدق بثمنه (٩).

стр. 4635

[٩٢١] وبه عن أبي داود (١)، حَدَّثَنَا محمَّد بن عوف (٢)، ثنا موسى ابن أَيُّوب (٣) ثنا الوليد بن مسلم (٤) ثنا زهير بن محمَّد (٥) عن عمرو بن شعيب (٦) عن أَبيه (٧) عن جده (٨) أن رسول الله ﷺ ، وأبا بكر وعمر ﵄

стр. 4636

حرقوا متاع الغالّ، وضربوه (١). وفي بعض الروايات: ومنعوه سهمه (٢). [٩٢٢] وبه عن أبي داود (٣) أبو صالح محبوب بن موسى الأَنْطاكيّ (٤)، أخبرنا أبو إسحاق (٥)، عن صالح بن محمَّد (٦) قال: غزونا مع الوليد بن هشام (٧)، ومعنا سالم بن عبد الله بن عمر (٨) وعمر بن عبد العزيز (٩)، فغل رجل متاعًا، فأمر الوليد بمتاعه

стр. 4637

فأحرقه، وطيف به، ولم يعطه سهمه.

стр. 4638

١٦٣ - قوله : ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ بترك الغلول ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فغل ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ أي: ذو درجات، ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس ﵄ يعني: أن من اتبع رضوان الله ومن باء بسخط من الله مختلفو المنازل عند الله، فلمن اتبع رضوان الله الكرامة والثواب العظيم، ولمن باء بسخط من الله المهانة والعذاب الأليم (١)، ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. ١٦٤ - قوله : ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. قال بعضهم: لفظ الآية عام، ومعناها خاص في العرب؛ لأنه ليس حي من أحياء العرب إلَّا (٢) وقد ولده ﷺ ، وله فيهم نسب، إلاّ بني تغلب، فإن الله تعالى طهره منهم؛ لما فيهم من دنس النصرانية، إذ ثبتوا عليها، وبيان هذا التأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ (٣) (٤) وقال الآخرون: أراد به المُؤْمنين كلهم، ومعنى قوله: ﴿مِنْ

стр. 4639

أَنْفُسِهِمْ﴾ بالإيمان والشفقة لا بالنسب، كما يقول القائل: أنت نفسي، يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (١) (٢). ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا﴾: وقد كانوا ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ بعثته، وهو رفع على الغاية، ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ١٦٥ - ﴿أَوَلَمَّا﴾: أو حين، ﴿أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ بأحد، ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ ببدر، وذلك أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين، وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين، وأسروا سبعين (٣)، ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ أي: من أين لنا هذا القتل والهزيمة، ونحن مسلمون، ورسول الله ﷺ فينا، والوحي ينزل علينا وهم مشركون. ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، أي (٤): بترككم المركز، وطلبكم الغنيمة فمن قبلكم الشر (٥).

стр. 4640

روى عبيدة السلماني عن علي ﵁ قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء، على أن يقتل منهم عدتهم، فذكر ذلك رسول الله ﷺ للناس، فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا، لا (١) بل نأخذ فداءهم، فنتقوى به على قتال عدونا، ويستشهد منا عدتهم، فليس في ذلك ما نكره، فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلا، عدد أسارى بدر (٢). فمعنى قوله على هذا التأويل: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، أي: بأخذكم الفداء، واختياركم القتل (٣) ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

стр. 4641

١٦٦ - (قوله (١): ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾ يا معشر المؤمنين، ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ بأحد من القتل والجرح والهزيمة والمصيبة، ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بقضاء الله وقدره وعلمه، ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ١٦٧ - ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ أي: ليميز (٢) وقيل: ليرى (٣) وقيل: لتعلموا أنتم أن الله قد علم نفاقهم، وأنتم لم تكونوا تعلمون ذلك (٤). ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لأجل دين الله وطاعته. ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ عن أهلكم وبلدكم وحريمكم. وقال السدي (٥)، والفراء (٦)،

стр. 4642

وأبو عون الأنصاري: أي (١): كثروا سواد المسلمين، ورابطوا (إن لم تقاتلوا) (٢)، يكون ذلك دفعًا وقمعًا للعدو (٣). ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾، وهم: عبد الله بن أبي وأصحابه الذين انصرفوا عن أحد وكانوا ثلثمائة (٤). قال الله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ﴾ أي: إلى الكفر، ﴿يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾، أي (٥) إلى الإيمان، ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾، وذلك أنهم كانوا يظهرون الإيمان، ويضمرون الكفر، فبين الله تعالى نفاقهم، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾. ١٦٨ - (قوله (٦): ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ في النسب لا في الدين، وهم شهداء أحد (٧)، ﴿وَقَعَدُوا﴾ يعني: وقعد هؤلاء القائلون عن الجهاد، ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾ وانصرفوا عن محمد

стр. 4643

وقعدوا في بيوتهم، ﴿مَا قُتِلُوا قُلْ﴾ لهم يا محمد، ﴿فَادْرَءُوا﴾ أي: فادفعوا، ﴿عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. إن الحذر لا يغني عن القدر (١). ١٦٩ - قوله : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية. قال بعضهم: نزلت هذِه الآية في شهداء بدر، وكانوا أربعة عشر رجلا: ثمانية من الأنصار، وستة من المهاجرين (٢). وقال الآخرون: نزلت في شهداء أحد، وكانوا سبعين رجلًا: أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، (وعثمان بن شماس) (٣)، وعبد الله بن جحش، وسائرهم من الأنصار (٤).

стр. 4644

[٩٢٣] حدثنا عبد الله بن حامد الأصفهاني (١)، أنبأنا أحمد بن محمد بن يحيى العبيدي (٢)، ثنا أحمد بن نجدة (٣)، ثنا الحماني (٤)، ثنا ابن فضيل (٥)، عن محمد بن إسحاق (٦)، عن إسماعيل بن أمية (٧)، عن أبي الزبير (٨) عن ابن عباس (٩). [٩٢٤] وأخبرنا عبد الله (١٠)، أنبأنا أحمد بن محمد بن شاذان (١١)، ثنا جيعونة (١٢)، حدثنا صالح بن محمد (١٣)، ثنا سليمان ابن عمرو (١٤)، عن إسماعيل بن أمية (١٥)، عن عطاء بن أبي

стр. 4645

رباح (١)، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتسرح من الجنة حيث شاءت، وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش. فلما رأوا طيب مقيلهم ومطعمهم، ومشربهم، ورأوا ما أعد الله لهم من الكرامة قالوا: ياليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من الكرامة والنعيم، وما صنع الله بنا، حتى يرغبوا في الجهاد، ولا ينكلوا (٢) عنه. فقال الله تعالى: أنا مخبر عنكم، ومبلغ إخوانكم ففرحوا بذلك واستبشروا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ " (٣).

стр. 4646

وقال قتادة، والربيع: ذكر لنا أن رجالا من أصحاب النبي ﷺ قالوا: يا ليتنا نعلم ما فعل إخواننا الذين قتلوا بأحد، فأنزل الله هذِه الآية (١). وقال مسروق: سألنا عبد الله بن مسعود ﵁ عن هذِه الآية، فقال: جعل الله تعالى أرواح شهداء أحد في أجواف طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، فاطلع الله إليهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئًا فأزيدكموه؟ فقالوا: ألسنا نسرح في الجنة في أيها شئنا، ثم اطلع إليهم الثانية فقال: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ ، فقالوا: ألسنا نسرح في الجنة في أيها شئنا، ثم اطلع إليهم الثالثة فقال: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ ، فقالوا: ليس فوق ما أعطيتنا شيء، إلاّ أنا نحب أن تعيدنا أحياء ونرجع إلى الدنيا فنقاتل في سبيلك،

стр. 4647

فنقتل مرة أخرى فيك، قال: لا. قالوا: فتقرئ نبينا منا السلام، وتخبره بأن قد رضينا ورُضِيَ عنا، فأنزل الله هذِه الآية (١). وقال جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄: قتل أبي يوم أحد، وترك لي بنات، فقال لي رسول الله ﷺ : "ألا أبشرك يا جابر؟ "، قلت: بلى يا رسول الله، قال: "إن أباك حين أصيب بأحد أحياه الله وكلمه كفاحًا (٢)، فقال: يا عبد الله سلني ما شئت.

стр. 4648

فقال: أسألك أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانيًا. فقال: يا عبد الله: إني قضيت أن لا أعيد إلى الدنيا خليقة قبضتها. قال: يارب فمن يبلغ قومي ما أنا فيه من الكرامة؟ ، قال الله تعالى: أنا" فأنزل الله هذِه الآية (١). [٩٢٥] وأخبرنا (٢) عبد الله بن حامد (٣)، أنا أحمد بن محمد بن يحيى العبيدي (٤) ثنا أحمد بن نجدة (٥)، ثنا يحيى بن عبد الحميد (٦)،

стр. 4649

ثنا ابن المبارك (١)، عن حميد (٢)، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من نفس تموت لها عند الله خير، فيسرها أن ترجع إلى الدنيا، ولها الدنيا وما فيها إلاّ الشهيد مما يرى من فضل الشهادة، فيتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى" (٣). وقال بعضهم: نزلت في شهداء بئر معونة (٤)، وكان سبب ذلك: ما روى محمد بن إسحاق (بن يسار القرشي) (٥) (٦) عن أبيه إسحاق

стр. 4650

ابن يسار القرشي (١)، عن المغيرة بن عبد الرحمن بن (الحارث بن هشام) (٢) (٣) وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن حزم (٤)، وعن حميد الطويل (٥)، عن أنس بن مالك، وغيرهم من أهل العلم قالوا: قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة -وكان سيد بني عامر بن صعصعة- على رسول الله ﷺ المدينة وأهدى إليه هدية، فأبى رسول الله ﷺ أن يقبلها وقال: "يا أبا براء: لا أقبل هدية مشرك، فأسلم إن أردت أن أقبل هديتك" ثم

стр. 4651

عرض عليه الإسلام، وأخبره بما له فيه، وما وعد الله للمؤمنين من الثواب، وقرأ عليه القرآن، فلم يسلم، ولم يبعده. وقال: يا محمد: إن أمرك هذا الذي تدعو إليه حسن جميل، فلو بحثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد، فدعوهم إلى أمرك، رجوت أن يستجيبوا لك. فقال رسول الله ﷺ : "إني أخشى عليهم أهل نجد"، فقال: أبو براء: أنا لهم جار، فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك، فبعث رسول الله ﷺ : المنذر بن عمرو، أخابني ساعدة في سبعين رجلا من خيار المسلمين منهم: الحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان، وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر ﵃، وذلك في صفر سنة أربع من الهجرة، على رأس أربعة أشهر من أحد (١). فساروا حتى نزلوا بئر معونة، وهي أرض بين بني عامر وحرّة بني سليم، فلما نزلوها، قال بعضهم لبعض: أيكم يبلغ رسالة رسول الله ﷺ لأهل هذا الماء؟ فقال حرام بن ملحان: أنا. فخرج بكتاب رسول الله ﷺ إلى عامر بن الطفيل وكان على ذلك الماء. فلما أتاهم حرام بن ملحان لم ينظر عامر بن الطفيل إلى كتاب رسول الله ﷺ ، فقال حرام: يا أهل بئر معونة، إني رسول رسول

стр. 4652

الله ﷺ إليكم، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله. فخرج إليه (١) رجل من كسر (٢) البيت برمح، فضرب به في جنبه حتى خرج به من الشق الآخر. فقال: الله أكبر فزت ورب الكعبة، ثم استصرخ عامر بن الطفيل بني عامر على المسلمين فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، وقالوا: لن نخفر (٣) أبا براء، وقد عقد لهم عقدًا وجوارًا، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم: عصية ورعلا وذكوان فأجابوه إلى ذلك. فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا السيوف، ثم قاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم، إلا كعب بن زيد فإنهم تركوه وبه رمق (٤)، فارتث (٥) بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق.

стр. 4653

وكان في سرح (١) القوم عمرو بن أمية الضمري، ورجل من الأنصار أحد بني عمرو بن عوف (٢)، فلم ينبئهما مصاب أصحابهما إلاّ الطير تحوم على العسكر. فقالا: والله إن لهذا الطير لشأنًا، فأقبلا لينظرا إليه، فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة. فقال الأنصاري لعمرو بن أمية: ماذا ترى؟ ، قال: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ فنخبره الخبر. فقال الأنصاري: لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، ثم قاتل القوم حتى قتل، وأخذوا عمرو بن أمية أسيرًا، فلما أخبرهم أنه من مضر، أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه. فقدم عمرو بن أمية ﵁ على رسول الله ﷺ وأخبره الخبر، فقال رسول الله ﷺ : "هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارهًا متخوفًا"، فبلغ ذلك أبا براء، فشق عليه إخفار عامر إياه، وما أصاب رسول الله ﷺ بسببه وجواره (٣).

стр. 4654

وكان فيمن أصيب: عامر بن فهيرة ﵁. فروى محمد بن إسحاق (بن يسار) (١) (٢) عن هشام بن عروة (٣)، عن أبيه (٤) (أن عامر) (٥) بن الطفيل كان يقول: مَنِ الرجل منهم لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء من دونه؟ فقالوا: عامر بن فهيرة (٦). قالوا: فقال حسان بن ثابت ﵁ يحرض بني أبي براء على عامر بن الطفيل: بني أم البنين ألم ترعكم ... وأنتم من ذوائب أهل نجد تهكم عامر بأبي براء ... ليخفره وما خطأ كعمد ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي ... فما أحدثت في الحدثان بعدي أبوك أبو الحروب أبو براء ... وخالك ماجد حكم بن سعد

стр. 4655

وقال كعب بن مالك ﵁ في ذلك: لقد طارت شعاعًا كل وجه ... خفارة ما أجار أبو براء بني أم البنين أما سمعتم ... دعاء المستغيث مع المساء وتنويه الصريخ بلى ولكن ... عرفتم أنه صدق اللقاء لما بلغ ربيعة ابن أبي براء قول حسّان، وقول كعب بن مالك، حمل على عامر بن الطفيل فطعنه فخر عن فرسه، فقال: هذا عمل أبي براء، إن مت فدمي لعمي، ولا يتبعن به، وإن أعش فسأرى فيه رأيًا. قال إسحاق بن أبي طلحة: فحدثني أنس بن مالك ﵁ قال: فأنزل الله في شهداء بئر معونة قرآنًا: (بلغوا قومنا عنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه) ثم نسخت ورفعت بعدما قرأناها زمانًا، فأنزل الله : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية (١).

стр. 4656

وقال بعضهم: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور تحسروا على الشهداء وقالوا: نحن في النعيم والسرور وآباؤنا وإخواننا في القبور، فأنزل الله تعالى تنفيسًا عنهم، وإخبارًا عن حال قتلاهم ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ (١) (٢) أي: ولا تظنن.

стр. 4657

وروى هشام عن أهل الشام: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء (١)، ﴿الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قرأ الحسن وابن عامر: ﴿قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مشددًا (٢)، ﴿أَمْوَاتًا﴾ كموت من لم يقتل في سبيل (الله)، ونصب (أمواتًا) على المفعول الثاني، لأن الحسبان يتعدى إلى مفعولين، فإذا قلت: حسبت زيدًا، لا يكون كلامًا تامَّا حتى تقول: قائمًا، وقاعدًا (٣) ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ تقديره: بل هم أحياء، وقرأ ابن أبي عبلة: (أحياءً) نصبًا، أي: أحسبهم أحياء ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٤).

стр. 4658

وقال بعضهم: يعني: أحياء في الدين، وقيل: في العلم، وقيل: ببقاء الذكر (١) كما قيل: موت التقي حياة لا فناء لها ... قد مات قوم وهم في الناس أحياء (٢) وقيل: سماهم أحياء، لأنهم يرزقون ويأكلون ويتمتعون كالأحياء (٣). وقيل: لأنه يكتب لهم في كل سنة ثواب غزوة، ويشركون في فضل كل جهاد يكون في الدنيا إلى يوم القيامة، لأنهم سنوا أمر الجهاد، فيرجع مثل أجر من يقتدي بهم إليهم، نظيره قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ والآية (٤) وقيل: لأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة كأرواح الأحياء من المؤمنين، الذين باتوا على وضوء (٥). وقيل: لأن الشهيد لا يبلى في القبر، ولا تأكله الأرض، يقال:

стр. 4659

أربعة لا تبلى أجسادهم: الأنبياء، والعلماء، والشهداء، وحملة القرآن (١). [٩٢٦] أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف (٢)، أخبرنا مكي بن عبدان (٣)، ثنا محمد بن يحيى (٤)، ثنا مطرف (٥)، ثنا مالك (٦)، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة (٧): أنه بلغه أن عمرو بن الجموح، وعبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريين ثم السلميين كانا قد ضرب السيل قبرهما، وكانا في قبر واحد، وهما ممن استشهد يوم أحد، وكان قبرهما مما يلي السيل، فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما، فوجدا لم يتغيرا، كأنما ماتا بالأمس، وكان أحدهما قد جرح، فوضع يده على جرحه، فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت، وكان بين يوم أحد، وبين يوم (٨) حفر عنهما ستة وأربعون سنة.

стр. 4660

وقيل: سموا أحياء؛ لأنهم لا (١) يغسلون كما يغسل من مات من الأحياء، قال النبي ﷺ : "زملوهم بدمائهم، وكلومهم (٢)، فإنهم يحشرون يوم القيامة بدمائهم، اللون لون دم، والريح ريح مسك" (٣). وقال عبيد بن عمير: إن رسول الله ﷺ حين انصرف يوم أحد مرّ على مصعب بن عمير وهو مقتول، فوقف عليه ودعا له، ثم قرأ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (٤).
следующие страницы →