← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

وقال بعضهم: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور تحسروا على الشهداء وقالوا: نحن في النعيم والسرور وآباؤنا وإخواننا في القبور، فأنزل الله تعالى تنفيسًا عنهم، وإخبارًا عن حال قتلاهم ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ (١) (٢) أي: ولا تظنن.

стр. 4657

وروى هشام عن أهل الشام: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء (١)، ﴿الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قرأ الحسن وابن عامر: ﴿قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مشددًا (٢)، ﴿أَمْوَاتًا﴾ كموت من لم يقتل في سبيل (الله)، ونصب (أمواتًا) على المفعول الثاني، لأن الحسبان يتعدى إلى مفعولين، فإذا قلت: حسبت زيدًا، لا يكون كلامًا تامَّا حتى تقول: قائمًا، وقاعدًا (٣) ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ تقديره: بل هم أحياء، وقرأ ابن أبي عبلة: (أحياءً) نصبًا، أي: أحسبهم أحياء ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٤).

стр. 4658

وقال بعضهم: يعني: أحياء في الدين، وقيل: في العلم، وقيل: ببقاء الذكر (١) كما قيل: موت التقي حياة لا فناء لها ... قد مات قوم وهم في الناس أحياء (٢) وقيل: سماهم أحياء، لأنهم يرزقون ويأكلون ويتمتعون كالأحياء (٣). وقيل: لأنه يكتب لهم في كل سنة ثواب غزوة، ويشركون في فضل كل جهاد يكون في الدنيا إلى يوم القيامة، لأنهم سنوا أمر الجهاد، فيرجع مثل أجر من يقتدي بهم إليهم، نظيره قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ والآية (٤) وقيل: لأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة كأرواح الأحياء من المؤمنين، الذين باتوا على وضوء (٥). وقيل: لأن الشهيد لا يبلى في القبر، ولا تأكله الأرض، يقال:

стр. 4659

أربعة لا تبلى أجسادهم: الأنبياء، والعلماء، والشهداء، وحملة القرآن (١). [٩٢٦] أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف (٢)، أخبرنا مكي بن عبدان (٣)، ثنا محمد بن يحيى (٤)، ثنا مطرف (٥)، ثنا مالك (٦)، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة (٧): أنه بلغه أن عمرو بن الجموح، وعبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريين ثم السلميين كانا قد ضرب السيل قبرهما، وكانا في قبر واحد، وهما ممن استشهد يوم أحد، وكان قبرهما مما يلي السيل، فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما، فوجدا لم يتغيرا، كأنما ماتا بالأمس، وكان أحدهما قد جرح، فوضع يده على جرحه، فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت، وكان بين يوم أحد، وبين يوم (٨) حفر عنهما ستة وأربعون سنة.

стр. 4660

وقيل: سموا أحياء؛ لأنهم لا (١) يغسلون كما يغسل من مات من الأحياء، قال النبي ﷺ : "زملوهم بدمائهم، وكلومهم (٢)، فإنهم يحشرون يوم القيامة بدمائهم، اللون لون دم، والريح ريح مسك" (٣). وقال عبيد بن عمير: إن رسول الله ﷺ حين انصرف يوم أحد مرّ على مصعب بن عمير وهو مقتول، فوقف عليه ودعا له، ثم قرأ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (٤).

стр. 4661

ثم قال رسول الله ﷺ : "إن رسول الله يشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة فأتوهم وزوروهم وسلموا عليهم، فوالذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه" (١). ﴿يُرْزَقُونَ﴾ من ثمار الجنة وتحفها. ١٧٠ - ﴿فَرِحِينَ﴾ نصب على الحال والقطع من قوله: ﴿يُرْزَقُونَ﴾ (٢) وقرأ ابن السميفع: (فارحين) بالألف (٣)، وهما لغتان كالفره والفاره، والحذر

стр. 4662

والحاذر، والطمع والطامع، والبخل والباخل (١). ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ رزقه وثوابه ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي: ويفرحون وأصله من البشرة، لأن الإنسان إذا فرح ظهر أثر السرور في بشرة وجهه (٢). ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ من إخوانهم الذين فارقوهم، وهم أحياء في الدنيا على منهاجهم من الإيمان والجهاد، لعلمهم بأنهم إذا استشهدوا لحقوا بهم، وصاروا من كرامة الله إلى ما صاروا هم (٣) إليه، فهم لذلك مستبشرون. قال السدي: يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من يقدم عليه من إخوانه وأهله فيقال: يقدم عليك فلان يوم كذا، ويقدم عليك (٤) فلان يوم كذا، فيستبشر حين يقدمون (٥) عليه، كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا (٦)، ﴿أَلَّا خَوْفٌ﴾ يعني: بأن لا خوف ﴿عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

стр. 4663

١٧١ - قوله : ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ﴾ يعني: وبأن الله، في محل الخفض مردود على قوله: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (١). وقرأ الكسائي، والفراء (٢) والمفضل، ومحمد بن عيسى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ بكسر الألف على الاستئناف (٣)، ودليلهم قراءة ابن مسعود: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). قال الكلبي بإسناده: إن العبد إذا لقي العدو في سبيل الله، فتح له باب من السماء واطلعت عليه زوجتاه من الحور العين (٥)، فإذا أقبل على العدو يقاتلهم، قالتا: اللهم وفقه وسدده، فإذا أدبر عن العدو قالتا: اللهم اعف عنه وتجاوز، وإذا قتل (٦) يباهي الله به الملائكة، فيقول لهم: انظروا إلى عبدي بذل نفسه ودمه ابتغاء مرضاتي.

стр. 4664

فتقول الملائكة: يا رب (١) أفلا نذهب فننصره على من يريد قتله؟ ، فيقول لهم: خلوا عن (٢) عبدي، فطالما سهر ونصب في ابتغاء مرضاتي، أحب لقائي فأحببت لقاءه. فينزل إليه زوجتاه من الحور العين، ويأمر الله الملائكة أن يأتوه من آفاق الأرض فيحيونه ويبشرونه بالجنة والكرامة من الله تعالى. فإذا فعلوا ذلك بعث الله إليهم: أن خلوا بين عبدي وبين زوجتيه حتى يستريح، فتقول زوجتاه: لقد كنا إليك (٣) بالأشواق، ويقول لهما مثل ذلك (٤). [٩٢٧] أنبأنا أبو القاسم يعقوب بن أحمد بن (٥) السريِّ (٦)، أنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد (٧)، ثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر (٨)، قال: حدثني أبي (٩)، حدثنا علي بن موسى الرضا (١٠)،

стр. 4665

حدثني أبي موسى بن جعفر (١)، حدثني أبي جعفر بن محمد (٢)، حدثني أبي محمد بن علي (٣)، حدثني أبي علي بن الحسين (٤)، حدثني أبي الحسين بن علي (٥) قال: بينما عليّ بن أبي طالب ﵁ يخطب الناس ويحثهم على الجهاد، إذ قام إليه شاب فقال: يا أمير المؤمنين: أخبرني عن فضل الغزاة في سبيل الله. فقال: كنت رديف رسول الله ﷺ على ناقته العضباء (٦)، ونحن مقفلون من غزاة، فسألته عما سألتني عنه. فقال ﷺ : "إن الغزاة إذا هموا بالغزو، كتب الله لهم براءة من النار، فإذا تجهزوا لغزوهم باهى الله بهم الملائكة، فإذا ودعهم أهلوهم بكت عليهم الحيطان والبيوت، ويخرجون من ذنوبهم كما تخرج الحية من سلخها، ويوكل لله كل رجل منهم أربعين ألف ملك يحفظونه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ولا يعمل حسنة إلاَّ أضعفت له، ويكتب له كل يوم عبادة ألف رجل يعبدون الله

стр. 4666

عز وجل ألف سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يومًا، اليوم مثل عمر الدنيا، فإذا صاروا بحضرة عدوهم أنقطع علم أهل الدنيا عن ثواب الله إياهم، فإذا برزوا لعدوهم، وأشرعت الأسنة، وفرقت السهام، وتقدم الرجل إلى الرجل حفتهم الملائكة بأجنحتها، ويدعون الله لهم بالنصر والتثبيت، ونادى منادٍ: الجنة تحت ظلال السيوف، فتكون الضربة والطعنة على الشهيد أهون من شرب الماء البارد في اليوم الصائف، وإذا زال الشهيد عن فرسه بطعنة أو ضربة لم يصل إلى الأرض حتى يبعث الله زوجته من الحور العين، فتبشره بما أعد الله له من الكرامة، فإذا وصل إلى الأرض تقول الأرض: مرحبًا بالروح الطيبة التي أخرجت من البدن الطيب، أبشر فإن لك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ويقول الله تعالى له: أنا خليفته على أهله، ومن أرضاهم فقد أرضاني، ومن أسخطهم فقد أسخطني، ويحمل الله روحه في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث تشاء، وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب، معلقة بالعرش، ويعطى الرجل منهم سبعين غرفة من غرف الفردوس، سمك كل غرفة ما بين صنعاء (١) والشام، يملأ نورها ما بين الخافقين (٢)، في كل غرفة سبعون بابًا،

стр. 4667

على كل باب سبعون مصراعًا (١) من ذهب، على كل باب ستر مسبل، في كل غرفة سبعون خيمة، في كل خيمة سبعون سريرًا من ذهب، قوائمها الدر والزبرجد، مرمولة (٢) بقضبان الزمرد، على كل سرير أربعون فراشًا، غلظ كل فراش أربعون ذراعًا، على كل فراش زوجة من الحور العين عربًا أترابًا" (٣). فقال الشاب: يا أمير المؤمنين أخبرني من (٤) التَّرِبة؟ (٥)، قال: هي: الغنجة المرضية الشهية لها سبعون ألف وصيف، وسبعون ألف وصيفة، صفر الحلي وبيض الوجوه، عليهم تيجان اللؤلؤ، على

стр. 4668

رقابهم المناديل، بأيديهم الأكوبة والأباريق: "وإذا كان يوم القيامة، فوالذي نفسي بيده لو كان الأنبياء ﵈ على طريقهم لترحلوا لهم مما يرون من بهائهم، حتى يأتوا (١) إلى موائد من الجواهر فيقعدون عليها ويشفع الرجل منهم (٢) في سبعين ألفا من أهل بيته وجيرته، حتى إن الجار من (الجارين يتخاصمان) (٣) أيهما أقرب جوارًا، فيقعدون معي ومع إبراهيم ﵇ على مائدة الخلد، فينظرون إلى الله كل يوم بكرة وعشيًّا" (٤). [٩٢٨] وأخبرنا أبو بكر الحمشاذي (٥)، أنبأنا أبو بكر القطيعي (٦)، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل (٧)، ثنا أبي (٨)، ثنا زيد بن يحيى

стр. 4669

الدمشقي (١)، ثنا ابن ثوبان (٢)، عن أبيه (٣)، عن مكحول (٤)، عن كثير بن مرة (٥)، عن قيس الجذامي (٦)، رجل كانت له صحبة (٧) قال: قال رسول الله ﷺ : "يعطى الشهيد ست خصال: عند أول قطرة من دمه: يكفر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من الجنة، ويزوج من الحور العين، ويؤمن من الفزع الأكبر، ومن عذاب القبر، ويحلى حلة الإيمان" (٨).

стр. 4670

[*] وحدثنا أبو محمد المخلدي (١)، أنا أبو الوفاء المؤمل بن الحسن الماسرجسي (٢)، ثنا محمد بن إسماعيل بن سالم (٣)، ثنا داود ابن المحبر بن قحذم (٤)، ثنا حماد بن سلمة (٥)، عن ثابت البناني (٦)، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ في بعض غزواته، فأتاه رجل أسود فقال: يا رسول الله إني أسود قبيح الوجه، منتن الريح، لا مال لي، فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل، فأين أنا؟ . قال: "في الجنة"، فحمل عليهم فقاتل حتى قتل، فجاء رسول الله ﷺ حتى وقف على رأسه فقال: "لقد بيض الله وجهك، وطيب ريحك، وأكثر مالك"، ثم قال: "لقد رأيت زوجتيه من الحور العين تتنازعانه في (٧) جبة له من الصوف لتدخلا بينه وبين جبته" (٨).

стр. 4671

[٩٣٠] وأخبرني أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري (١)، حدثني محمد ابن علي بن الحسن الصوفي (٢)، ثنا محمد بن إبراهيم بن زياد الطيالسي (٣)، ثنا محمد بن مهران الجمال (٤)، ومحمد بن عبد الله بن المبارك (٥) قالا: أخبرنا صفوان بن عيسى (٦)، عن ابن عجلان (٧)، عن القعقاع بن حكيم (٨)، عن أبي صالح (٩) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما يجد الشهيد مس القتل في

стр. 4672

سبيل الله إلاّ كما يجد أحدكم مس القرصة" (١) وفي غير هذا الحديث: "عضة نملة أشد على الشهيد من مس السلاح" (٢). [٩٣١] وأخبرني أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري (٣)، ثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني (٤)، حدثني أحمد بن يحيى بن زهير (٥)، ثنا

стр. 4673

جعفر بن محمد الوراق (١)، ثنا (محمد بن حماد القناد) (٢)، ثنا حفص ابن سليمان (٣)، عن عبد الملك بن عمير (٤)، عن عبد الرحمن بن عبد الله (٥)، عن أبيه (٦) قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله عبادًا يضن بهم عن القتل والزلازل والأسقام، يطيل أعمارهم في حسن العمل، ويحسن أرزاقهم، ويحييهم في عافية، ويقبض أرواحهم في عافية على الفرش، ويعطيهم منازل الشهداء" (٧) اللهم اجعلنا منهم برحمتك وفضلك.

стр. 4674

١٧٢ - قوله : ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية: وذلك أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا عن أحد، وبلغوا الروحاء (١) وندموا على (٢) انصرافهم عن المسلمين، وتلاوموا وقالوا: لا محمدًا قتلتم ولا الكواعب (٣) أردفتم، وقتلتموهم حتى إذا لم يبق إلاَّ الشريد تركتموهم، ارجعوا فاستأصلوهم. فبلغ ذلك الخبر رسول الله ﷺ ، فأراد أن يرهب العدو ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوة، فندب أصحابه (٤) للخروج في طلب أبي سفيان وقال: "ألا عصابة تندب لأمر الله تطلب عدوها فإنها أنكى للعدو، وأبعد للسمع" (٥) فانتدب عصابة منهم مع ما بهم من الجرح والقرح الذي أصابهم يوم أحد. ونادى منادي رسول الله ﷺ : ألا لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، فكلمه جابر بن عبد الله، فقال: يا رسول الله، إن أبي كان (خلفني على) (٦) أخوات لي سبع، وقال لي: يا بني،

стр. 4675

إنه لا ينبغي (لي ولك) (١) أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذي أوثرك على نفسي في الجهاد مع رسول الله ﷺ فتخلف على أخواتك، فتخلفت عليهن فأذن له رسول الله ﷺ فخرج معه، وإنما خرج رسول الله ﷺ مرهبًا للعدو، ويبلغهم أنه خرج في طلبهم فيظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم (٢) عن عدوهم فينصرفوا (٣). فخرج رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين رجلًا، حتى بلغوا حمراء الأسد، وهي عن المدينة على ثمانية أميال (٤). [٩٣٢] أخبرنا عبد الله بن حامد (٥)، أنا محمد بن حمدويه (٦)، ثنا

стр. 4676

محمود بن آدم (١)، ثنا سفيان (٢)، عن هشام بن عروة (٣)، عن أبيه (٤)، عن عائشة ﵂ أنها قالت لعبد الله بن الزبير (٥): يا ابن اختي، أما والله إن أباك وجدك -تعني: أبا بكر والزبير- لمن الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية (٦). وروى محمد بن إسحاق (٧)، عن عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، (٨) عن أبي السائب (٩) أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ من

стр. 4677

بني عبد الأشهل كان شهد أحدًا قال: شهدت أحدًا أنا وأخ لي (١) فرجعنا جريحين (٢). فلما أذن مؤذن (٣) رسول الله ﷺ بالخروج في طلب العدو، قلنا: لا تفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ ، والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا (٤) إلاَّ جريح (٥) ثقيل، فخرجنا مع رسول الله ﷺ ، فكنت أيسر جرحًا من أخي، فكان إذا غلب (٦) (حملته عقبة ويمشي عقبة) (٧) (٨) حتى انتهينا مع رسول الله ﷺ إلى حمراء الأسد، فمر برسول الله ﷺ معبد (٩) الخزاعي (١٠) بحمراء الأسد، وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم

стр. 4678

عيبة (١) (٢) رسول الله ﷺ (بتهامة صفقتهم معه) (٣)، ولا يخفون عنه شيئًا كان بها (ومعبد يومئذ) (٤) مشرك فقال: يا محمد والله لقد عز (٥) علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا (٦) أن الله كان أعفاك منهم، ثم خرج من عند رسول الله ﷺ حتى أتى أبا سفيان ومن معه بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله ﷺ وقالوا: لقد أصبنا محمدًا وجل أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم، لنكرن على بقيتهم، فلنفرغن منهم. فلما رأى أبو سفيان معبدًا قال: ما وراءك يا معبد؟ ، قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقًا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على صنيعهم، وفيهم من الحنق (٧) عليكم شيء لم أر مثله قط.

стр. 4679

قال: ويلك ما تقول؟ ! ، قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى في الخيل. قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم. قال: فإني والله أنهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيت على (١) أن قلت فيه أبياتًا من الشعر. قال: وما قلت فيه؟ ، قال: قلت: كادت تهدُّ من الأصوات راحلتي ... إذا سالت الأرض بالجرد الأبابيل تردي بأسدٍ كرام لا تنابلة ... عند اللقاء ولا ميل معازيل فظلت عدوًا أظن الأرض مائلة ... لما سموا برئيس غير مخذول فقلت ويل ابن حرب من لقائكم ... إذا تغطمطت (٢) البطحاء بالجيل إني نذير لأهل السبل ضاحية ... لكل ذي إربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وخش تنابلة ... وليس يوصف ما أنذرت بالقيل

стр. 4680

قالوا: فثنى ذلك (أبا سفيان) (١) ومن معه: ومر به (٢) ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ ، قالوا: نريد المدينة قال: ولم؟ ، قالوا: نريد الميرة (٣)، قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدًا رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمل لكم إبلكم هذِه زبيبًا بعكاظ (٤) غدًا إذا وافيتمونا؟ قالوا: نعم، قال: فإذا جئتموه، فأخبروه أنَّا قد جمعنا إليه وإلى أصحابه لنستأصل (٥) بقيتهم. وانصرف أبو سفيان إلى مكة، ومرَّ الركب برسول الله ﷺ -وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان. فقال رسول الله ﷺ وأصحابه: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، ثم انصرف النبي ﷺ إلى المدينة، بعد الثالثة، وقد ظفر في وجهه ذلك بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص، وأبي عزة الجمحي (٦).

стр. 4681

هذا قول أكثر المفسرين (١). وقال مجاهد وعكرمة: نزلت هذِه الآيات في غزوة بدر الصغرى، وذلك أن أبا سفيان يوم أحد حين أراد أن ينصرف قال: يا (٢) محمد، موعدنا بيننا وبينكم موسم بدر الصغرى القابل إن شئت. قال رسول الله ﷺ : "ذلك بيننا وبينكم إن شاء الله". فلما كان العام المقبل: خرج أبو سفيان مع أهل مكة حتى نزل مجنة (٣) من ناحية مر الظهران، ثم ألقى الله في قلبه الرعب فبدا له الرجوع. فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي (٤) قد قدم معتمرًا، فقال له أبوسفيان: يا نعيم إني واعدت محمدًا وأصحابه أن نلتقي لموسم

стр. 4682

بدر الصغرى، وإن هذا عام جدب، ولا يصلح لنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي ألاَّ أخرج إليها، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جراءة، ولأن يكون (١) الخلف من قبلهم أحب إليَّ من أن يكون من قبلي، فالحقْ بالمدينة فثبطهم (٢) وأعلمهم أنا في جمع كثير، ولا طاقة لهم بنا، ولك عندي عشرة من الإبل، أضعها لك على يدي سهيل بن عمرو (٣) ويضمنها قال: فجاء سهيل، فقال له نعيم: يا أبا يزيد (أتضمن لي) (٤) هذِه الفرائض (٥) وأنطلق إلى محمد فأثبطه؟ . قال: نعم، فخرج نعيم حتى قدم المدينة، فوجد الناس يتجهزون لميعاد أبي سفيان فقال: أين تريدون؟ ، قالوا: واعدَنا أبو سفيان لموسم بدر الصغرى (٦) أن نقتتل بها.

стр. 4683

فقال: بئس الرأي رأيتم أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم إلاَّ الشريد، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم، والله لا يفلت منكم أحد. فكره أصحاب رسول الله ﷺ الخروج، فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده، لأخرجن ولو وحدي"، فأما الجبان فإنه رجع، وأما الشجاع فإنه تأهب للقتال وقال: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ فخرج رسول الله ﷺ في أصحابه حتى وافوا بدرًا الصغرى. فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش، فيقولون: قد جمعوا لكم يريدون أن يرعبوا المسلمين. فيقول المؤمنون: حسبنا الله ونعم الوكيل. حتى بلغوا بدرًا، وهو ماء لبني كنانة، وكانت موضع سوق لهم (١) في الجاهلية، يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام (٢). فأقام رسول الله ﷺ ببدر ينتظر أبا سفيان، وقد انصرف أبو سفيان من مجنة إلى مكة، فسماهم أهل مكة جيش السويق (٣)، يقولون: إنما خرجتم تشربون السويق، فلم يلق رسول الله ﷺ وأصحابه أحدًا

стр. 4684

من المشركين ببدر، ووافقوا السوق، وكانت معهم نفقات (١)، وتجارات، فباعوا وأصابوا للدرهم درهمين، ثم انصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، فذلك قوله : ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢). ومحل: ﴿الَّذِينَ﴾ خفض على صفة المؤمنين تقديره: وإن الله لا يضيع أجر المؤمنين (٣) المستجيبين لله وللرسول، ومعنى الاستجابة: الإجابة والطاعة. ونظيره قوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ (٤)

стр. 4685

أي: فليطيعوني، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ أي: نالهم الجراح والكلوم، وتم الكلام هاهنا، ثم ابتدأ فقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ﴾ بطاعة رسول الله وإجابته (١) إلى الغزو. ﴿وَاتَّقَوْا﴾ أي: معصيته ومخالفته ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ثواب كبير. ١٧٣ - قوله : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ ومحل ﴿الَّذِينَ﴾ خفض أيضًا مردود على ﴿الَّذِينَ﴾ الأول (٢)، وأراد بالناس: نعيم بن مسعود في قول مجاهد ومقاتل وعكرمة والواقدي (٣)، وهو على هذا التأويل من العام الذي أريد به الخاص، نظيره قوله : ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ (٤): يعني: محمدًا ﷺ وحده (٥)، وقوله : ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ (٦) يريد الدجال وحده (٧).

стр. 4686

وقال ابن إسحاق (١): وجماعة: يريد بالناس: الركب من عبد القيس (٢)، وقد مضت قصتهم. وقال السديُّ: لما تجهز رسول الله ﷺ وأصحابه (٣) للسير إلى بدر (٤) لميعاد أبي سفيان أتاهم المنافقون فقالوا: نحن أصحابكم الذين نهيناكم عن الخروج إليهم فعصيتمونا، وقد أتوكم في دياركم فقاتلوكم (٥) وظفروا، فإن أتيتموهم في ديارهم لا يرجع منكم أحد، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، وساروا، فالناس في الآية أولئك المنافقون (٦). وقال أبو معشر: دخل ناس من هذيل من أهل تهامة المدينة، فسألهم أصحاب رسول الله ﷺ عن أبي سفيان، فقالوا: قد جمعوا لكم جموعًا كثيرة فاخشوهم فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فأنزل

стр. 4687

الله : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ (١). ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ يعني: أبا سفيان وأصحابه، ﴿قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾، أي: فخافوهم واحذروهم، فإنه لا طاقة لكم بهم، ﴿فَزَادَهُمْ﴾ يعني (٢) ذلك، ﴿إِيمَانًا﴾ يعني (٣): تصديقًا ويقينًا وجراءة وقوة. ذكر ما ورد من الأخبار في زيادة الإيمان ونقصانه. [٩٣١] أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن فنجويه (٤) بقراءتي عليه، ثنا موسى بن محمد بن علي بن عبد الله (٥)، ثنا أبي (٦)، ثنا علي بن عبد العزيز (٧)، ثنا أبو القاسم حبيب بن عيسى بن فروخ (٨)، ثنا إسماعيل بن عبد الرحمن (٩)، عن مالك (١٠) (عن نافع) (١١) (١٢) عن

стр. 4688

ابن عمر ﵄ قال: قلنا: يارسول الله: الإيمان يزيد وينقص؟ . قال: "نعم: يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة، وينقص حتى يدخل صاحبه النار" (١).

стр. 4689

[٩٣٤] وأخبرنا الحسين بن محمد بن الحسين الثقفي (١)، ثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق السني (٢)، ثنا أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي (٣)، أنا محمد بن رافع (٤)، ثنا عبد الرزاق (٥)، ثنا معمر (٦)، عن زيد بن أسلم (٧)، عن عطاء بن يسار (٨)، عن أبي سعيد الخدري (٩) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مجادلة أحدكم في الحق يكون له في الدنيا بأشد من مجادلة المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين دخلوا (١٠) النار". قال: "يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويحجون معنا، فأدخلتهم النار" قال: "فيقول: اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم، فيأتوهم فيعرفونهم (١١) بصورهم، فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه، ومنهم (١٢) من أخذته إلى كعبيه،

стр. 4690

فيخرجونهم فيقولون: يا ربنا: قد أخرجنا من أمرتنا. ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان، ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار، حتَّى يقول: من كان في قلبه ذرة" (١). [٩٣٥] وبه (٢) عن أبي عبد الرحمن النسائي (٣)، أخبرنا محمد بن يحيى بن عبد الله (٤)، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد (٥)، أنا أبي (٦)، ثنا صالح بن كيسان (٧)، عن ابن شهاب (٨) قال: حدثني أبو أمامة بن

стр. 4691

سهل بن حنيف (١) أنَّه سمع أبا سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون على وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدى، ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره". قالوا (٢): فماذا أولت يا رسول الله؟ ، قال: "الدين" (٣). [٩٣٦] (وأخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن إبراهيم بن حمدون) (٤) بقراءتي عليه فأقر به، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس (٥)، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي (٦)، ثنا نعيم بن

стр. 4692

حماد (١)، ثنا ابن المبارك (٢)، ثنا ابن شوذب (٣)، عن سلمة بن كهيل (٤)، عن هزيل بن شرحبيل (٥) عن عمر ﵁ قال: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض -أو قال: بإيمان هذِه الأمة- لرجح به (٦). [٩٣٧] وبإسناده عن عثمان بن سعيد (٧)، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة (٨)، ثنا أبو أسامة (٩)، عن موسى بن مسلم (١٠)، ثنا ابن

стр. 4693

سابط (١) قال: كان عبد الله بن رواحة (٢) يأخذ بيد الرجل من أصحابه فيقول: تعالوا نزدد (٣) إيمانًا، تعالوا نذكر الله (٤). [٩٣٨] وبه عن ابن أبي شيبة (٥)، ثنا أبو أسامة (٦)، حدثني عوف (٧)، عن عبد الله بن عمرو بن هند الجملي (٨) قال: قال على (بن أبي طالب) (٩) ﵁: إن الإيمان يبدو لمظة (١٠)

стр. 4694

بيضاء في القلب، فكلما ازداد الإيمان ازدادت بياضًا، حتَّى يبيض القلب كله، وإن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب، فكلما ازداد النفاق ازداد سوادًا، حتَّى يسود القلب كله. والذي نفسي بيده لو شققتم عن قلب مؤمن وجدتموه أبيض القلب، ولو شققتم عن قلب منافق وجدتموه أسود القلب (١). [٩٣٩] وبه عن ابن أبي شيبة (٢) حدثنا (٣) عفان (٤)، عن حماد بن سلمة (٥)، عن أبي جعفر الخطمي (٦)، عن أبيه (٧)، عن جده حصين (٨)

стр. 4695

بن حبيب بن خماشة (١) أنَّه (٢) قال: الإيمان يزيد وينقص. فقيل له: وما زيادته وما (٣) نقصانه؟ ، قال: إذا ذكرنا ربنا وخشيناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسيناه وضيعنا فذلك نقصانه (٤). [٩٤٠] وبه عن ابن أبي شيبة (٥)، ثنا أبو أسامة (٦)، عن محمد بن طلحة (٧)، عن زبيد (٨)، عن ذر قال: كان عمر ﵁ (٩) يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: قم بنا نزدد إيمانًا (١٠).
следующие страницы →