← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

فلذلك نصب ما بعدها (١). ﴿حَتَّى يَمِيزَ﴾ قرأ الحسن وقتادة وأهل الكوفة إلَّا عاصمًا: بضم الياء والتشديد (٢)، وكذلك التي في الأنفال (٣)، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، وقرأ الباقون بفتح الياء مخففًا (٤)، يقال: ماز الشيء يميز ميزًا وميزه يميزه تمييزًا: إذا فرقه فانماز (٥)، وانماز هو بنفسه (٦). قال أبو معاذ: يقال: مزت الشيء أميزه ميزًا، إذا فرقت بين

стр. 4727

شيئين، فإذا كانت أشياء، قلت: ميزتها تمييزًا، ومثله: إذا جعلت الشيء الواحد شيئين قلت: فرقت بينهما، ومنه: فرق الشعر. فإن جعلته أشياء، قلت: فرقته تفريقًا (١). ومعنى الآية: حتَّى يميز المنافق من المخلص، فميز الله تعالى المؤمنين يوم أحد من المنافقين، حين أظهروا النفاق، وتخلفوا عن رسول الله ﷺ (٢)، وقال قتادة: حتَّى يميز المؤمن من الكافر، بالهجرة والجهاد (٣)، نظيرها في الأنفال (٤). وقال ابن كيسان: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه من الإقرار، حتَّى يفرض عليهم الجهاد والفرائض التي فيها تخليصهم؛ ليميز بها بين من يثبت على إيمانه ممن ينقلب على عقبيه (٥).

стр. 4728

وقال الضحاك: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه في أصلاب الرجال وأرحام النساء، يا معشر المنافقين والكافرين، حتَّى يميز بينكم وبين من في أصلابكم وأرحام نسائكم من المؤمنين (١). وقال بعضهم: حتَّى يميز الخبيث وهو المذنب من الطيب وهو المؤمن، يعني: حتَّى (٢) يحط الأوزار عن المؤمنين بما يصيبهم من نكبة ومحنة ومصيبة ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾؛ لأنه لا يعلم الغيب أحد غيره (٣). ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي﴾: يختار، ﴿مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: بالغيب، فيطلعه على بعض علم الغيب.

стр. 4729

نظيره قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (١) (٢). وقال السدي: معناه: وما كان الله ليطلع محمدًا على الغيب، ولكن الله اجتباه (٣) ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. [٩٥٦] أخبرنا أبو زكريا يحيى بن إسماعيل الحربي (٤) قراءة عليه في صفر سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، أخبرنا أبو حامد أحمد بن حمدون بن عمارة الأعمشي (٥)، ثنا علي بن خشرم (٦)، أنبأنا الفضل بن موسى (٧)، عن رجل قد سماه (٨) قال: كان عند الحجاج بن يوسف رجل (٩) منجم (١٠) فأخذ الحجاج حصيات بيده قد عرف

стр. 4730

عددها فقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب فأصاب المنجم. ثم اغتفله الحجاج فأخذ حصيات لم يعددهن، فقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب فأخطأ، ثم حسب فأخطأ، ثم حسب أيضًا فأخطأ، ثم قال: أيها الأمير، أظنك لا تعرف عدد ما في يدك، قال: فما الفرق بينهما؟ ، فقال: إن ذلك أحصيته فخرج عن حد الغيب، فحسبت فأصبت، وإن هذِه لم تعرف عددها، فصار غيبًا ولا يعلم الغيب إلا الله (١). ١٨٠ - [الآية ١٨٠] قوله : ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ من قرأ بالياء (٢): جعل ﴿هُوَ﴾ عمادًا (٣)، (وجعل الاسم مضمرًا) (٤)، وجعل ﴿خَيْرًا﴾ خبرًا للحسبان، تقديره: ولا يحسبن

стр. 4731

الباخلون البخل خيرًا لهم، فاكتفى بذكر يبخلون من البخل، كما تقول في الكلام قدم زيد فسررت به، وأنت تريد سررت بقدومه (١) وقال الشاعر (٢): إذا نُهيَ السفيه جرى إليه ... وخالف والسفيه إلى خلاف (٣) أي: جرى إلى السفه (٤). ونظير هذِه الآية قوله: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾ (٥) (٦)، هو: عماد، و ﴿الْحَقَّ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ (٧) (٨).

стр. 4732

ومن قرأ بالتاء (١): فعلى التكرير، والبدل، كما ذكرنا في آية (٢) الإملاء (٣) قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ﴾، يعني: البخل، ﴿شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قال المبرد: السين في قوله: ﴿سَيُطَوَّقوُنَ﴾ سين الوعيد، وتأويلها: سوف يطوقون (٤) واختلفوا في معنى الآية: فقال قوم: معناها: نجعل ما بخل به، وما منعه من الزكاة حية تطوق في عنقه يوم القيامة تنهشه من قرنه (٥) إلى قدمه، وتنقر رأسه وتقول: أنا مالك، فلا يزال كذلك حتَّى يساق إلى النار ويغل،

стр. 4733

وهذا قول ابن مسعود (١)، وابن عباس (٢)، وأبي وائل (٣)، وأبي مالك (٤)، وأبي قزعة، والشعبي (٥)، والسدي (٦)، يدل عليه ما [٩٥٨] حدثنا أحمد بن أبيٍّ (٧)، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم (٨)، حدثنا ابن خزيم (٩) (١٠)،

стр. 4734

ثنا عبد بن حميد (١)، حدثني علي بن عبد الله (٢)، عن ابن عيينة (٣) عن جامع بن أبي راشد (٤) عن أبي (٥) وائل (٦) عن عبد الله (٧) ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ما من رجل لا يؤدي زكاة المال إلا جعل له شجاع في عنقه يوم القيامة"، ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ مصداقه من كتاب الله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٨).

стр. 4735

[٩٥٨] وأخبرني أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري (١)، ثنا أبو علي ابن حبش (٢) المقرئ (٣)، ثنا أبو العباس أحمد بن جعفر بن نصر (٤)، ثنا محمد بن مقاتل (٥)، ثنا ابن فضيل (٦)، عن داود بن أبي هند (٧)، عن أبي قزعة سويد بن حجير (٨) (٩)، عن رجل من بني قيس (١٠) قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه يسأله من فضل

стр. 4736

ما أعطاه الله إياه فيبخل به عنه إلا أخرج الله له من جهنم شجاعًا يتلمظ حتَّى يطوقه" ثم تلا هذِه الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية (١).

стр. 4737

[٩٥٩] وأخبرنا شعيب بن محمد (١) وعبد الله بن حامد (٢) قالا: ثنا مكي بن عبدان (٣) ثنا أحمد بن الأزهر (٤)، ثنا روح بن عبادة (٥) ثنا محمد بن أبي حميد (٦) عن زياد مولى الخطميين (٧) (٨) عن أبي هريرة (٩) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من عبد يكون له مال فيمنعه من حقه ويضعه في غير حقه إلا مثله الله شجاعًا، أقرع، منتن الريح، لا يمر بأحد إلا استعاذ منه حتَّى يدنو من صاحبه، فإذا دنا قال: أعوذ بالله منك، قال: لم تستعيذ مني وأنا مالك الَّذي كنت (تبخل به) (١٠) في الدنيا؟ ، فيطوقه في عنقه، فما يزال في عنقه حتَّى يدخله الله جهنم وتصديق ذلك في القرآن

стр. 4738

﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ " (١) وقال إبراهيم النخعي. معناه: يجعل في أعناقهم يوم القيامة طوق من نار (٢)، وقال مجاهد: يكلفون يوم القيامة أن يأتوا بما بخلوا (في الدنيا) (٣) من أموالهم في النار (٤). وقال مؤرج: يلزمون أعمالهم مثل ما يلزم الطوق العنق، يقال: طوق فلان عمله طوق الحمامة (٥) (٦).

стр. 4739

[٩٦٠] وأخبرنا أبو عمرو الفراتي (١)، أنبأنا أبو موسى (٢)، أخبرنا أبو عوانة (٣)، ثنا يونس (٤)، حدثنا أشهب بن عبد العزيز (٥)، عن ابن لهيعة (٦)، عن الليث (٧)، عن يزيد بن أبي حبيب (٨)، عن سنان بن سعد (٩)، عن أنس بن مالك رضي الله (١٠) عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مانع الزكاة في النار" (١١).

стр. 4740

[٩٦١] وأخبرنا أبو عمرو الفراتي (١)، أنا أبو العباس الأصم (٢)، أنبأنا الربيع (٣)، ثنا الشافعي (٤)، ثنا محمد بن عثمان بن صفوان الجُمَحيُّ (٥)، عن هشام بن عروة (٦)، عن أبيه (٧)، عن عائشة ﵂ (٨) أن رسول الله ﷺ قال: "لا تخالط الصدقة مالا إلا أهلكته" (٩).

стр. 4741

[٩٦٢] حدثنا الإمام أبو الحسن محمد بن علي بن سهل الماسرجسي (١) إملاء، ثنا أحمد بن مهران الفارسي (٢) بمصر، حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ (٣)، ثنا الفضل بن دكين (٤)، ثنا بشير بن مهاجر (٥)، عن ابن بريدة (٦)، عن أبيه (٧) قال: قال رسول الله ﷺ : "ما حبس قوم الزكاة إلا حبس عنهم القطر" (٨).

стр. 4742

[٩٦٣] وأخبرنا أبو عمرو الفراتي (١)، أخبرنا أبو نصر السرجسي (٢)، ثنا محمد بن الفضل (٣)، ثنا إبراهيم بن يوسف (٤)،

стр. 4743

ثنا رجل بصري (١)، عن الحسن (٢)، قال: كان أعرابي صاحب ماشية، وكان قليل الصدقة، فتصدق بعريض (٣) من غنمه، فرأى فيما يرى النائم كأنما أقبلت عليه غنمه كلها، فجعل العريض يحامي عنه، فلما انتبه قال: والله لئن استطعت لأجعلن أتباعك كثيرًا، قال: فكان بعد ذلك يعطي ويقسم (٤). [٩٦٤] وأنشدنا أبو القاسم الحسن بن محمد الحبيبي (٥) قال: أنشدنا أبو بكر محمد بن عبد الله (٦)، قال: أنشدنا الغلابي (٧) قال: أنشدني مهدي بن سابق (٨):

стр. 4744

يا مانع المال كم تضنن ... تطمع تالله في الخلود معه هل حمل المال ميت معه ... أما تراه لغيره جمعه (١) وروى عطية عن ابن عباس ﵄: أن هذِه الآية نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد ﷺ ونبوته، وأراد بالبخل: كتمان العلم الذي آتاهم الله تعالى (٢). يدل عليه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣) الآية (٤).

стр. 4745

ومعنى قوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ﴾ أي: سيحملون إثمه ووزره، كقوله تعالى: ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ (١) (٢). ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني: أنه الباقي الدائم بعد فناء خلقه، وزوال أملاكهم فسيموتون ويرثهم، وهو نظير قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ (٣) (٤) الآية. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: بالياء (٥) (٦) والباقون بالتاء (٧).

стр. 4746

١٨١ - قوله ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾. قال الحسن (١)، ومجاهد (٢): لما نزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] قالت اليهود: إن الله فقير يستقرض منا ونحن أغنياء (٣)، وهذِه رواية باذان عن ابن عباس ﵄ (٤). وذكر الحسن أن قائل هذِه المقالة: حيي بن أخطب (٥)، وقال عكرمة والسدي، ومقاتل (٦)، ومحمد بن إسحاق: كتب النبي ﷺ

стр. 4747

مع أبي بكر الصديق (١) ﵁ إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى (٢) إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن يقرضوا الله قرضًا حسنا. فدخل أبو بكر ﵁ ذات يوم مدراسهم (٣) فوجد ناسًا كثيرًا (من اليهود) (٤) قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له: فنحاص بن عازورا وكان من علمائهم، ومعه حبر آخر يقال له: أشيع. فقال أبو بكر ﵁ لفنحاص: اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمدًا رسول الله قد جاءكم بالحق من عند الله، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل، فامن وصدق وأقرض الله قرضًا حسنا يدخلك الجنة، ويضاعف لك الثواب. فقال فنحاص: يا أبا بكر: تزعم أن ربنا يستقرض منا (٥) أموالنا، وما يستقرض إلا الفقير من الغني، فإن كان ما تقول حقًّا فإن الله إذا لفقير، ونحن أغنياء، ولو كان غنيًّا ما أستقرضنا أموالنا، وإنه ينهاكم عن الربا ويعطينا، ولو كان غنيًّا بها أعطانا الربا.

стр. 4748

فغضب أبو بكر ﵁، وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت عنقك يا عدو الله. فذهب فنحاص إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد انظر إلى ما صنع بي صاحبك. فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: "ما حملك على ما صنعت؟ "، فقال: يا رسول الله: إن عدو الله قال قولًا عظيمًا، زعم أن الله فقير، وأنهم هم (١) الأغنياء فغضبت لله، وضربت وجهه. فجحد ذلك (٢) فنحاص، فأنزل الله ردّا على فنحاص، وتصديقًا لأبي بكر: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (٣).

стр. 4749

﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ من الإفك على الله فنجازيهم به (١)، وقال مقاتل وأبو عبيدة: سنحفظ عليهم (٢). وقال الكلبي: سنوجب عليهم في الآخرة جزاء ما قالوا في الدنيا. وقال الواقدي: سنأمر الحفظة بالكتابة (٣)، نظيره ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ (٤) (٥) ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ قرأ حمزة والأعرج والأعمش (سَيُكتَبُ ما قالوا) (٦) بياء مضمومة، وَ ﴿قَتْلَهُمُ﴾ برفع

стр. 4750

اللام، و ﴿يَقولُ﴾ بالياء (١) اعتبارًا بقراءة عبد الله (٢): ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. أي: النار، والنار: اسم جامع للملتهبة منها وغير الملتهبة، والحريق اسم للملتهبة منها، وهي بمعنى: المحرق كما يقال: عذاب أليم وضرب وجيع (٣).

стр. 4751

١٨٢ - قوله : ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)﴾ فيعذب بغير ذنب. ١٨٣ - قوله : ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ الآية. قال الكلبي: نزلت في كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، ووهب بن يهوذا وزيد بن التابوه (١)، وفنحاص بن عازورا، وحيي بن أخطب، أتوا النبي ﷺ ، فقالوا: يا محمد تزعم أن الله بعثك إلينا رسولا، وأنزل عليك كتابًا، كان الله قد عهد إلينا في التوراة: أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه جاء من عند الله، حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فمان جئتنا به صدقناك، فأنزل الله : ﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾ (٢) يعني: وسمع الله الذين قالوا، ومحل ﴿الَّذِينَ﴾: خفض ردًّا على ﴿الَّذِينَ﴾ الأول (٣). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ أي: أمرنا وأوصانا في كتبه على ألسنة رسله

стр. 4752

﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ﴾، أي، أن لا نصدق رسولا يزعم أنه جاء من عند الله، ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ فيكون ذلك دليلًا على صدقه. والقربان: كل ما يتقرب به العبد إلى الله من نسيكة وصدقة وعمل صالح، وهو فُعلان من القربة، مثل الرفعان، من الرفع، والغنيان من الغنى، ويكون أسمًا ومصدرًّا، فمثال الاسم: السلطان والبرهان، ومثال المصدر: العدوان والخسران (١). وكان عيسى بن عمر يقرأ: (بقُرُبان): بضم القاف والراء (٢)، كما قيل في جمع ظلمة ظلمات، وفي جمع حجرة: حجرات (٣). قال المفسرون: كانت القرابين، والغنائم لا تحل لبني إسرائيل، وكانوا إذا قربوا قربانًا أو غنموا غنيمة، فتقبل منهم، جاءت نار بيضاء من السماء لا دخان فيها، ولها دوي وحفيف فتأكل ذلك القربان، وتلك الغنيمة، فتحرقها، فيكون ذلك علامة القبول، وإذا لم تقبل بقي على حاله (٤).

стр. 4753

قال عطاء: كانت بنو إسرائيل يذبحون لله تعالى فيأخذون الثروب (١)، وأطايب اللحم فيضعونها في وسط البيت، والسقف مكشوف، فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه، وبنو إسرائيل خارجون حول البيت، فينزل الله نارًا تأخذ ذلك القربان، فيخر النبي ساجدًا، فيوصي الله إليه بما يشاء (٢). وقال السدي: إن الله أمر بني إسرائيل في التوراة: من جاءكم من أحد يزعم أنه رسول فلا تصدقوه، حتى يأتيكم بقربان تأكله النار، حتى يأتيكم المسيح ومحمد، فإذا أتياكم فامنوا بهما، فإنهما يأتيان بغير قربان (٣). قال الله تعالى إقامة للحجة عليهم: ﴿قُل﴾ يا محمد، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ يا معشر اليهود، ﴿رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ من القربان، ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يعني: زكريا ﵇، وأراد بذلك أسلافهم، فخاطبهم بذلك، لأنهم رضوا بفعل أسلافهم، ومعنى

стр. 4754

الآية: تكذيبهم يا محمد إياك مع علمهم بصدقك كقتل آبائهم الأنبياء مع الإتيان بالقربان والمعجزات (١) (٢). ثم قال معزيا لنبيه ﷺ : ١٨٤ - قوله : ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ أي: الكتب المزبورة، بمعنى المكتوبة، وأصلها: من زبرت، أي: كتبت، واحدها: زبور، مثل: رسول ورسل، وكل كتاب فهو زبور (٣). قال أمرؤ القيس: لمن طلل أبصرته فشجاني ... كخط زبور في عسيب يماني (٤) وقال بعضهم: هو الكتاب الحسن، حكاه المفضل وأنشد: عرفت الديار كخط الدوي ... يزبره الكاتب الحميري (٥)

стр. 4755

وقرأ ابن عامر: ﴿وَبالزُّبُرِ﴾ بزيادة الباء (١)، وكذلك هو في مصاحفهم (٢). وقال عكرمة، ومقاتل، والواقدي، يعني بالزبر: أحاديث من كان قبلهم (٣). نظيرها في سورة الحج (٤). ﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ الواضح المبين المضيء (٥).

стр. 4756

١٨٥ - قوله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ قراءة العامة بالإضافة (١)، وقرأ الأعمش (ذائقةَ الموت) نصبًا، وقال: لأنها لم تذق بعد (٢). وقال أمية بن أبي الصلت (٣): من لم يمت عبطة يمت هرمًا ... للموت كأس والمرء ذائقها (٤). [٩٦٥] أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن المرجاني (٥)، ثنا أبو

стр. 4757

بكر محمد بن عبدك الشعراني (١)، ثنا أبو بكر محمد بن عيسى بن يزيد (٢)، ثنا إسحاق بن محمد (٣)، ثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير (٤)، عن سمي (٥)، عن أبي صالح (٦)، عن أبي هريرة (٧) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لما خلق الله آدم اشتكت الأرض إلى ربها لما أخذ منها، فوعدها أن يرد فيها ما أخذ منها، فما من أحد إلا يدفن في التوبة التي خلق منها" (٨). ورأى أبو هريرة قبرًا جديدًا فقال: سبحان الله هذا العبد كيف سيق إلى تربته التي خلق منها (٩).

стр. 4758

(قوله تعالى) (١) ﴿وإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، أي (٢): توفون جزاء أعمالكم يوم القيامة: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر (٣). ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ﴾ نحي وأزيل (٤)، ﴿عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ ظفر بما يرجو ونجا مما يخاف، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور﴾ يعني: منفعة ومتعة كالفأس والقدر والقصعة، ثم تزول ولا تبقى، قاله أكثر المفسرين (٥). وقال عبد الرحمن بن سابط: كزاد الراعي (٦)، وقال الحسن: كخضرة النبات ولعب البنات لا حاصل له (٧) (٨).

стр. 4759

وقال قتادة: هي متاع متروكة يوشك أن يضمحل بأهلها، فخذوا من هذا المتاع بطاعة الله تعالى ما استطعتم (١). والغرور: الباطل (٢)، نظيرها في سورة (٣) الحديد (٤). [٩٦٦] أخبرنا الحسين بن محمد بن الحسين بن عبد الله (٥)، بقراءتي عليه، ثنا أحمد بن جعفر بن حمدان (٦)، ثنا محمد بن إسحاق المسوحي (٧)، ثنا سهل بن عثمان (٨)، ثنا زياد (٩)، عن ليث (١٠)، عن طلحة (١١)، عن خيثمة (١٢)، عن عبد الله بن عمرو (١٣)

стр. 4760

- ﵄، عن النبي ﷺ قال (١): "من سره أن يزحزح عن النار، وأن يدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه" (٢). [٩٦٧] وأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين (بن فنجويه) (٣) (٤)، ثنا محمد بن الحسن بن بشر (٥)، ثنا أحمد بن الحسين بن هارون

стр. 4761

الصباحي (١)، حدثني سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي (٢)، حدثني أبي (٣)، عن محمد بن عمرو (٤)، ثنا أبو سلمة (٥)، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، فاقرءوا إن شئتم: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٦).

стр. 4762

١٨٦ - قوله : ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ الآية. قال عكرمة، ومقاتل، والكلبي، وابن جريج، نزلت هذِه الآية في أبي بكر وفنحاص، وذلك أن النبي ﷺ بعث أبا بكر الصديق ﵁ إلى فنحاص بن عازورا سيد بني قينقاع، ليستمده، وكتب إليه كتابًا، وقال لأبي بكر: "لا تفتاتن (١) عليَّ بشيء حتى ترجع". فجاء أبو بكر ﵁ وهو متوشح بالسيف فأعطاه الكتاب، فلما قرأه قال: قد احتاج ربكم إلى أن نمده، فهم أبو بكر أن يضربه بالسيف، ثم ذكر قول النبي ﷺ : "لا تفتاتن عليَّ بشيء حتى ترجع"، فكف، فنزلت هذِه الآية (٢). وقال الزهريّ: نزلت في كعب بن الأشرف: وذلك أنه كان يهجو النبي ﷺ ويسب المسلمين، ويحرض المشركين على النبي ﷺ

стр. 4763

وأصحابه في شعره، ويتشبب (١) بنساء المسلمين حتى آذاهم. فقال النبي ﷺ : "من لي بابن الأشرف؟ " فقال محمد بن مسلمة الأنصاري: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله، قال: "فافعل إن قدرت على ذلك"، فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثًا لا يأكل ولا يشرب إلا ما يعلق (٢) نفسه. فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فدعاه فقال له: "لم تركت الطعام والشراب؟ " فقال: يا رسول الله، قلت قولًا، ولا أدري هل أفي به أم لا. قال: "إنما عليك الجهد"، قال: يا رسول الله، إنا لا بد لنا من أن نقول، قال: "قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك". فاجتمع في قتله: محمد بن مسلمة، وسلكان بن سلامة أبو نائلة، وكان أخا كعب من الرضاعة، وعباد بن بشر بن وقش، والحارث بن أوس بن معاذ، وأبو عبس بن جبر فمشى معهم رسول الله ﷺ إلى بقيع الغرقد (٣)،

стр. 4764

ثم وجههم وقال (١): "انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم" ثم رجع رسول الله ﷺ وذلك في ليلة مقمرة، فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه، فقوموا أبا نائلة، فجاء فتحدث معه ساعة، وتناشدا الشعر، وكان أبو نائلة يقول الشعر، ثم قال: ويحك يا ابن الأشرف إني أتيتك لحاجة أريد ذكرها لك، فاكتمها عليَّ. قال: أفعل، قال: كان قدوم هذا الرجل (بلادنا بلاء) (٢): عادتنا العرب، ورمونا عن قوس واحدة، وانقطعت بنا السبل، حتى ضاعت العيال، وجهدت الأنفس. فقال كعب بن الأشرف: أما (٣) والله لقد كنت أخبرتك يا ابن سلامة أن الأمر سيصير إلى هذا. فقال أبو نائلة: إن معي أصحابًا أردنا أن تبيعنا من طعامك ونرهنك (٤) ونوثق (لك ونحسن) (٥) إليك في ذلك. قال: ترهنوني أبناءكم، قال: إنا نستحيي (٦) أن نُعَيَّر أبناءنا (٧)

стр. 4765

فيقال: هذا (١) رهينة وسق (٢)، هذِه رهينة وسقين. قال (٣): ترهنوني نساءكم، قال: أنت (أجمل الناس) (٤) فلا نأمنك، وأي امرأة تمتنع منك لجمالك، ولكنا (نرهنك الحلقة (٥)) (٦) يعني: السلاح (٧)، وقد علمت حاجتنا اليوم إلى السلاح. فقال: نعم، ائتوني بسلاحكم، وأراد أبو نائلة أن لا ينكر السلاح إذا رآه، فرجع أبو نائلة إلى أصحابه فأخبرهم خبره، فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف به أبو نائلة -وكان حديث عهد بعرس- فوثب في ملحفته، وأخذت امرأته بناحيتها وقالت: إنك رجل محارب، وإن صاحب الحرب لا ينزل في مثل هذِه الساعة. فقال: إن هؤلاء لو وجدوني نائمًا ما أيقظوني، وإنه أبو نائلة أخي. قالت: فكلمهم من فوق الحصن، فأبى عليها، ونزل إليهم، فتحدث معهم ساعة، ثم قالوا له: يا ابن الأشرف هل لك أن تتماشى إلى
следующие страницы →