стр. 4901
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 18686
تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير
الثعلبي
Полный текст (16 476 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.
стр. 4902
ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل دين فلم يشهد عليه، ورجل أعطى سفيهًا ماله، وقد قال الله : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (١).
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾ أي: الجهال (٢) بموضع الحق، ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي﴾ وقرأ الحسن والنخعي: (اللاتي)، وهما بمعنى واحد (٣)، وأنشد في ذلك (٤):
من اللواتي والتي واللاتي ... زعمن أني كبرت لداتي (٥)
стр. 4903
فجمع بين ثلاث لغات في بيت واحد. قال الفراء: العرب تقول (١) في [٢٢٩] جمع النساء: اللاتي أكثر مما يقولون التي، ويقولون في جمع الأموال، وسائر الأشياء: التي أكثر مما يقولوا اللاتي، وهما جائزان.
﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ قرأ ابن عمر: (قواما) بالواو، وفتح القاف كالدوام، وقرأ عيسى بن عمر: (قواما) بكسر القاف (٢)، على الأصل، لأن الأصل فيه الواو.
وقال الكسائي: هما لغتان، ومعناهما واحد (٣)، وكان أبو حاتم يفرق بينهما، فيقول: القوام -بالكسر- الملاك، والقوام -بالفتح- امتداد القامة (٤).
وقرأ الأعرج، ونافع (وابن عامر) (٥): (قيما) بكسر القاف (من غير ألف) (٦).
стр. 4904
الباقون: ﴿قِيَامًا﴾ (١)، وأصله: قوام، فانقلبت الواو ياء، لانكسار ما قبلها مثل صيام، ونيام (٢).
وهن جميعا ملاك الأمر، وما يقوم به الأمر، يقال: فلان قوام أهل بيته، وأراد هنا: قوام عيشكم الذي تعيشون به.
وقال الضحاك: به يقام (٣) الحج، والجهاد، وأعمال البر، وبه فكاك الرقاب من النار.
وقال بعضهم: معناه: أموالكم التي تقومون بها قيامًا.
﴿وَارْزُقُوهُمْ﴾ أي: أطعموهم، ﴿وَاكْسُوهُمْ﴾ لمن يجب عليكم رزقه ويلزمكم نفقته، والرزق من الله عز جل: العطية غير محدودة، ومن العباد: الأجر (٤) الموظف لوقت محدود، يقال: رزق فلان عياله كذا وكذا، أي: أجرى عليهم، وإنما قال ﴿فِيهَا﴾ ولم يقل: منها؛ لأنه أراد: اجعلوا لهم فيها رزقًا، كأنه أوجب عليهم ذلك (٥).
﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ عِدَةً جميلة، وقال عطاء: قولوا لهم قولا معروفًا: إذا ربحت أعطيتك كذا، وإن غنمت من غزاتي جعلت لك
стр. 4905
حظًّا (١).
الضحاك: ردوا عليهم ردًّا جميلًا (٢).
وقيل: هو الدعاء.
وقال ابن زيد: إن كان ليس من ولدك، ولا ممن يجب عليك نفقته فقل له (٣) قولًا معروفًا، قل له (٤): (عافانا الله وإياك) (٥)، بارك الله فيك.
وقال المفضل: قولًا لينًا تطيب به أنفسهم (٦).
وكل ما سكنت إليه النفس، وأحبته من قول أو عمل فهو معروف، وما أنكرته، وكرهته، ونفرت منه فهو منكر (٧).
стр. 4906
٦ - ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ الآية،
نزلت في ثابت بن رفاعة (١)، وفي عمه، وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه ثابتًا، وهو صغير، فأتى عم ثابت إلى النبي ﷺ فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحل لي من ماله؟ ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ (٢).
أي: اختبروهم في عقولهم، وأديانهم، وحفظهم أموالهم (٣).
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ أي: مبلغ الرجال والنساء، ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾: أبصرتم، قال الله : ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ (٤)، قال الشاعر:
آنستْ نبأةً وأفزعها القنَّاصُ ... عَصْرًا (٥) وقد دنا الإمساءُ
(أي: عشيا) (٦) [٢٣٠].
стр. 4907
وفي مصحف عبد الله: (فإن أحستم) (١)، بمعنى: أحسستم، فحذف إحدى السينين، كقوله سبحانه: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾.
قال الشاعر:
خلا أن العتاق من المطايا ... أحَسْنَ به فهن إليه شُوسُ (٢)
﴿مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ قراءة العامة بضم الراء، وجزم الشين، وقرأ السلمي، وعيسى: (رَشَدا) بفتح الراء والشين، وهما لغتان (٣).
قال المفسرون: يعني عقلًا وصلاحًا في الدين، وحفظًا للمال وعلمًا بما يصلحه.
وقال سعيد بن جبير، ومجاهد، والشعبي: إن الرجل ليأخذ بلحيته، وما بلغ رشده، فلا تدفع إلى اليتيم ماله، وإن كان شيخًا، حتى تؤنس منه رشده (٤).
стр. 4908
وقال الضحاك: لا يعطى اليتيم ماله (١)، وإن بلغ مائة سنة حتى يعلم منه إصلاح لماله.
ذكر حكم الآية، وبالله التوفيق (٢)
اعلم أن الله علق زوال الحَجْر عن (٣) الصغير (٤)، وجواز دفع ماله إليه بشيئين: البلوغ، والرشد، بعد أن أمر الأولياء بالابتلاء.
ومعنى الابتلاء على ما ذكره الفقهاء: هو أن الصغير لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون غلامًا، أو جارية فإن كان غلامًا رد النظر في نفقة الدار إليه شهرًا، وأعطاه شيئًا نزرًا يتصرف فيه ليعرف كيف تدبيره، وتصرفه فيه -وإن كان جارية رد إليها ما يرد إلى ربة البيت من تدبير بيتها، والنظر فيه، وفي الاستغزال (٥)، والاستقصاء على الغَزَّالات في دفع القطن، وأجرته واستيفاء الغزل وجودته، فإن رشدا، وإلا بقيا تحت الحجر حتى يؤنس رشدهما (٦).
فأما البلوغ فإنه يكون بأحد خمسة أسباب (٧)، ثلاثة يشترك فيها
стр. 4909
الرجال والنساء، واثنان يختص بهما النساء، فالتي يشترك فيها الرجال والنساء:
الاحتلام: وهو: إنزال المني، فمتى أنزل واحد منهما فقد بلغ، سواء كان عن جماع، أو احتلام، أو غيرهما، والدليل على (١) ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (٢)، وقول النبي ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "خذ من كل حالم دينارا" (٣).
والسن: واختلف العلماء فيه، فقال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد: إذا استكمل الصبي خمس عشرة سنة، حكمنا ببلوغه (٤).
وقال أبو حنيفة: إن كان جارية فبلوغها بسبع عشرة سنة، وعنه في الغلام روايتان: أحدهما: تسع عشرة سنة، وهي الأشهر، وعليه النظر، وروى اللؤلؤي عنه: ثماني عشرة سنة (٥).
стр. 4910
وقال مالك وداود: لا يبلغ بالسن، ثم اختلفا، فقال داود: لا يبلغ ما لم يحتلم، ولو بلغ أربعين سنة (١).
وقال مالك: بلوغه بأن يغلظ صوته، أو تنشق أرنبته (٢).
والدليل على أن حد البلوغ بالسن خمس عشرة سنة، حديث عبد الله بن عمر [٢٣١] قال: عرضت على رسول الله ﷺ عام (٣) أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فردني، ولم يرني بلغت، وعرضت عليه عام الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني في المقاتلة.
والإنبات: هو أن ينبت للغلام أو الجارية الشعر الخشن حول الفرج.
وللشافعي في الإنبات قولان: أحدهما: أنه بلوغ، والثاني: دلالة البلوغ (٤).
وقال أبو حنيفة: لا يتعلق بالإنبات حكم، وليس هو ببلوغ، ولا
стр. 4911
دلالة عليه (١).
والدليل على أن البلوغ يتعلق بالإنبات ما روى عطية القرظي عن سعد بن معاذ أن النبي ﷺ حكَّمه في بني قريظة، قال: فكنت أكشف عنهم، فكل من أنبت قتلته، ومن لم ينبت جعلته في الذرية (٢)، فقال رسول الله ﷺ : "لقد حكمت فيهم (٣) بحكم الله من فوق سبعة أرقعة".
قال عطية: فكنت فيمن لم ينبت فجعلني في الذرية (٤).
وأما ما يختص به النساء: فالحيض، والحبل، يدل عليه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" (٥)،
стр. 4912
فجعلها مكلفة بالحيض، فهذا القول في حد البلوغ.
فأما الرشد، فاختلف الفقهاء فيه، فقال الشافعي: هو أن يكون صالحًا في دينه مصلحًا لماله (١)، والصلاح في الدين: أن يكون متجنبا (٢) للفواحش التي يفسق بها، وتسقط عدالته، كالزنا، واللواط، والقذف، وشرب الخمر، ونحوها.
وإصلاح المال: ألا يضيعه، ولا يبذره، ولا يغبن في التصرف غبنًا فاحشًا.
فالرشد شيئان: جواز الشهادة، وإصلاح المال، وهذا قول الحسن، وربيعة (٣)، ومالك (٤).
стр. 4913
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إذا بلغ عاقلًا مصلحًا لماله زال الحجر عنه بكل حال، سواء كان فاسدًا في دينه أو صالحًا فيه، فاعتبروا صلاح المال، ولم يعتبروا صلاح الدين (١).
ثم اختلفوا فيه إذا بلغ عاقلًا مفسدًا لماله، فقال أبو يوسف ومحمد: لا يزول الحجر عنه، ويكون تصرفه باطلًا إلا النكاح والعتق، ويبقى تحت الحجر أبدًا إلى أن يظهر (٢) رشده.
وقال أبو حنيفة: إذا بلغ عاقلًا زال الحجر عنه، وإن كان مفسدًا لماله منع من تسليم ماله إليه حتى يبلغ خمسًا وعشرين سنة، فإذا بلغها سُلّم المال إليه بكل حال، سواء كان مفسدًا له، أو غير مفسد (٣).
وقيل: هذا في مدة المنع من المال ينفذ تصرفه على الإطلاق، وإنما يمنع من تسليم المال إليه احتياطًا لماله، قال: ووجه تحديده بخمس وعشرين سنة أنه قد يحبل منه لاثنتي عشرة سنة، ثم يولد له لستة أشهر، ثم يحبل من ولده لاثنتي عشرة سنة، ثم يولد له لستة
стр. 4914
أشهر، فيصير جدًّا، وإنما (١) أستحي أن أحجر [٢٣٢] على من يصلح أن يكون جدًا.
فإذا حصل البلوغ والرشد، دفع المال إليه سواء تزوج أو لم يتزوج.
وقال مالك: إن كان صاحب المال جارية، وتبلغ رشيدة فالحجر باق عليها (٢)، وتمنع من مالها حتى تتزوج، فإذا تزوجت سُلم مالها إليها، ولا يجوز لها أن تتصرف في مالها بغير إذن زوجها حتى تكبر وتجرب، ثم حينئذ ينفذ تصرفها فيه بغير إذنه، ولا خلاف في الغلام (٣).
والذي يدل على فساد هذا المذهب ما روي: أن النبي ﷺ خطب يوم العيد ثم نزل، فذهب إلى النساء فوعظهن، وقال: "تصدقن، ولو من حليكن" فكن (٤) يتصدقن، وجعلت المرأة تلقي خرصها، وسخابها (٥).
стр. 4915
فأمرهن ﵇ بالصدقة، وقبلها منهن، ولم يفصل بين متزوجة، وغير متزوجة، ولا بين من تصدقت بإذن زوجها أو بغير إذنه، فهذا القول في الحجر على الصغير، وبيان حكم (١) قوله : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾.
فأما حكم قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ الآية (٢)، في الحجر على السفيه، فاختلف الفقهاء فيه.
فقال أبو حنيفة، وزفر: لا حجر على حر (٣)، بالغ عاقل، بوجه، ولو كان أفسق الناس، وأشدهم تبذيرًا (٤)، وهو مذهب النخعي.
واحتجوا في ذلك بما روى قتادة عن أنس أن حبان بن منقذ، كان يخدع في البيع، فأتى أهله النبي ﷺ فقالوا: إن حبان بن منقذ يعقد، وفي عقدته ضعف، فاحجر عليه، فاستدعاه النبي ﷺ فقال له: "لا تبع"، فقال: لا أصبر، فقال له: "فإذا بايعت فقل: لا خلابة،
стр. 4916
ولك الخيار ثلاثًا" (١).
فلما سأله القوم الحجر عليه لما كان في تصرفه من الغبن، ولم يفعل ﵇ ثبت أن الحجر لا يجوز.
وقال الشافعي ﵁ (٢): إن كان مفسدًا لماله، ودينه أو كان مفسدًا لماله دون دينه حجر عليه.
وإن كان مفسدًا لدينه مصلحًا لماله فعلي وجهين:
أحدهما: يحجر عليه، وهو اختيار أبي العباس بن سريج.
والثاني: لا يحجر عليه، وهو اختيار أبي إسحاق المروزي (٣)، والأظهر من مذهب الشافعي (٤).
стр. 4917
وهذا الذي ذكرنا من الحجر على السفيه قول عثمان وعلى والزبير وعائشة وابن عباس وعبد الله بن جعفر، ومن التابعين شريح، وبه قال من الفقهاء مالك، وأهل المدينة، والأوزاعي، وأهل الشام، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد (بن حنبل) (١)، وإسحاق (٢)، وأبو ثور.
وادعى أصحابنا الإجماع في هذه المسألة، لما روى هشام بن عروة، عن أبيه أن عبد الله بن جعفر ابتاع أرضًا سبخة (٣) بستين ألف درهم، فغبن فيها فأراد على أن يحجر عليه، فأتى ابن جعفر إلى الزبير، فقال: إني اشتريت كذا، وإن عليًا يريد أن يأتي أمير المؤمنين -يعني عثمان- فيسأله [٢٣٣] أن يحجر عليه (٤)، فقال الزبير: أنا شريكك في البيع.
فأتى على عثمان فقال: إن ابن جعفر اشترى كذا، وكذا، فاحجر عليه. فقال الزبير: أنا شريكه في البيع، فقال عثمان: كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير؟ (٥).
стр. 4918
فثبت من هذه القصة إجماع الصحابة على جواز الحجر؛ لأن عبد الله بن جعفر خاف من الحجر، والزبير احتال له فيما يمنعه منه، وعلي سأل ذلك (١) عثمان، وعثمان اعتذر إليه في الامتناع منه.
﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا﴾ يا معشر الأولياء والأوصياء، ﴿إِسْرَافًا﴾ بغير حقها.
والإسراف: مجاوزة الحد، والإفراط، والخطأ، ووضع الشيء في غير موضعه، يقال: مررت بكم فسرفتكم، أي: سهوت عنكم، وأخطأتكم (٢)، قال جرير:
стр. 4919
أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ... ما في عطاياهم مَنٌّ ولا سرفُ (١)
أي: خطأ، يعني أنهم يصيبون مواضع العطاء (٢).
﴿وَبِدَارًا﴾: مبادرة، ﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾ (أن) في محل النصب، يعني: لا تبادروا كبرهم (٣)، ورشدهم حذرًا أن يبلغوا فيلزمكم تسليمها إليهم.
ثم بين ما يحل لهم من مالهم، فقال عز من قائل: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا﴾ عن مال (اليتيم) (٤) ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ عن مال اليتيم، فلا يرزأه (٥) لا قليلًا ولا كثيرًا.
والعفة: الامتناع عما لا يحل، ولا يجب فعله (٦)، قال الله : ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ (٧).
﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا﴾ محتاجًا إلى مال اليتيم، وهو يحفظه ويتعهده ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
стр. 4920
واختلف العلماء فيه، فقال بعضهم: المعروف: القرض، نظيره (١) قوله : ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ (٢) يعني: القرض، ومعنى الآية: يستقرض من مال اليتيم، فإذا أيسر قضاه، فإن مات ولم يقدر على قضائه فلا شيء عليه، وهذا قول سعيد بن جبير، وعبيدة السلماني، وأبي العالية، وأكثر الروايات (٣) عن ابن عباس.
قال مجاهد: يستسلف منه، فيتجر فيه، فإذا أيسر أدى (٤).
(ودليل هذا) (٥) التأويل:
[١٠١٤] ما أخبرني الحسين بن محمد الثقفي (٦) (بقراءتي عليه في داري قال: ) (٧)، أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان (٨)، أخبرنا عمر بن
стр. 4921
стр. 4922
وقال الشعبي: لا يأكله إلا أن يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة (١).
وقال آخرون: المعروف (٢) هو: أن يأكله من غير إسراف، ولا قضاء عليه فيما أكل.
ثم اختلفوا في كيفية هذا الأكل بالمعروف:
فقال [٢٣٤] عطاء، وعكرمة، والسدي: يأكل بأطراف أصابعه، ولا يسرف في الأكل، ولا يكتسي منه (٣).
وقال النخعي: لا يلبس الكتان، ولا الحلل، ولكن ما سد الجوعة، ووارى العورة (٤).
وقال بعضهم: هو أن يأكل من ثمر نخيله، ولبن مواشيه بالمعروف، ولا قضاء عليه، فأما الذهب (والفضة فلا) (٥)، فإن أخذ
стр. 4923
منه شيئًّا فلابد من أن يرد، وهذا قول الحسن، وجماعة (١).
وقال قتادة: كان اليتيم يكون له الحائط (٢)، والنخل فيقوم وليه على صلاحه وسقيه، فيصيب من تمرته، ويكون له الماشية فيقوم وليه على صلاحها وعلاجها فيصيب من جزازها، ورسلها، وعوارضها (٣)، فأما رقاب المال وأصلها فليس له أن يستهلكها (٤).
وقال الضحاك: المعروف: ركوب الدابة، وخدمة الخادم، وليس له أن يأكل من ماله شيئًا (٥).
[١٠١٥] أخبرنا أبو صالح شعيب بن محمد (٦)، أنا مكي بن عبدان (٧)، أنا أحمد بن الأزهر (٨)، ثنا روح بن عبادة (٩)، ثنا زمعة
стр. 4924
ابن صالح (١)، عن ابن شهاب (٢)، عن القاسم (٣) بن محمد، ح. (٤)
[١٠١٦] قال روح (٥): وحدثنا ابن جريج (٦) قال: أخبرني بكير بن عبد الله بن الأشج (٧)، عن القاسم بن محمد (٨) قال: حضرت ابن عباس فجاءه رجل، فقال: يا ابن عباس، إن لي أيتامًا، ولهم ماشية، فهل على جناح في رِسْلها، وما يحل لي منها؟
فقال: إن كنت ترد نادتها (٩)، وتبغي ضالتها، وتهنأ جرباها (١٠)، وتلوط حوضها (١١)، وتفرط لها يوم وردها (١٢) فاشرب من فضل ألبانها
стр. 4925
стр. 4926
قال محمد بن كعب القرظي: من كان غنيًا فليستعفف عن مال اليتيم، ولا يأكل منه شيئًا، وأجره على الله، ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف، يتقرم تقرُّم البهيمة، وينزل نفسه بمنزلة الأجير فيما لابد له منه (١).
والتقرُّم: الالتقاط من نبات الأرض وبقلها (٢).
ودليل هذا التأويل:
[١٠١٧] ما أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله (٣)، ثنا محمد بن الحسن بن بشر (٤)، ثنا أبو بكر بن أبي الخصيب المصيصي (٥)، ثنا عبد الله بن محمد بن أسامة الحلبي (٦)، حدثنا أبي، ثنا معاوية بن هشام (٧)، ثنا سفيان (٨)، عن ابن أبي نجيح (٩)، عن الحسن
стр. 4927
стр. 4928
وأصل المعروف هو: ما تيسر على الإنسان، وطابت نفسه به، قال الله تعالى: ﴿مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١).
﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا﴾ [٢٣٥] هذا أدب من الله تعالى ليعلم أن الولي قد أدى الأمانة فتنقطع عنه الظنة، وتزول عنه الخصومة، وليس بفريضة.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ محاسبًا، ومكافيًا، ومجازيًا، وشاهدًا.
٧ - ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآية،
وذلك أن أوس بن ثابت الأنصاري توفي وترك امرأة يقال لها: أم كُجَّة (٢)، وثلاث بنات له منها، فقام رجلان، هما ابنا عم الميت، ووصياه واختلف في اسميهما، فقال الكلبي: قتادة وعَرْفطة (٣)، وقال غيره (٤): سويد وعرفجة فأخذا ماله، ولم يعطيا امرأته، ولا
стр. 4929
بناته شيئا، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء، ولا الصغير، وإن كان ذكرًا، إنما كانوا يورثون الرجال الكبار، وكانوا يقولون: لا نعطي إلا من يقاتل على ظهور الخيل، وحاز الغنيمة قال: فجاءت أم كجة إلى رسول الله ﷺ ، وهو في مسجد الفضيخ (١)، فقالت يا رسول الله: إن أوس بن ثابت مات، وترك علي بنات له ثلاثا، وأنا امرأته، وليس عندي (ما أنفق) (٢) عليهن، وقد ترك أبوهن مالًا حسنًا، وهو عند سويد وعرفجة، ولم يعطياني ولا بناته من المال شيئًا، وهن في حجري، ولا يطعمن ولا يسقين، لا يرفع بهن رأس. فدعاهما رسول الله ﷺ ، فقالا: يا رسول الله، - ولدها لا يركب فرسًا، ولا يحمل كلًا، ولا ينكأ عدوًا (٣)، فقال رسول الله ﷺ :
стр. 4930
"انصرفوا حتى انظر ما يحدث الله تعالى فيهن" (١)، فانصرفوا، فأنزل الله : ﴿لِلرِّجَالِ﴾ (٢). يعني: للذكور من أولاد الميت وأقربائه ﴿نَصِيبٌ﴾: حظ وسهم ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ من الميراث، ﴿وَلِلنِّسَاءِ﴾ للإناث منهم، ﴿نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ حصة من الميراث، ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ﴾ أي: من المال، ﴿أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾: حظًا معلومًا واجبًا، (نظيره فيها) (٣): ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (٤)، وهو نصب، لخروجه مخرج المصدر، كقول القائل: لك (على حق) (٥) حقًّا واجبًا، وعندي درهم هبة مقبوضة، قاله الفراء (٦).
وقال أبو عبيدة: هو نصب على الخروج من الوصف (٧).
الكسائي: على القطع (٨).
الأخفش: جعل ذلك نصيبًا (٩).
стр. 4931
فأثبت لهن في الميراث حقًا، ولم يبين كم هو؟
فأرسل رسول الله ﷺ إلى سويد وعرفجة: "لا تفرقا من مال أوس بن ثابت شيئًا، فإن الله سبحانه جعل لبناته نصيبا (مما ترك) (١)، ولم يبين كم هو؟ حتى انظر ما ينزل الله فيهن"، فأنزل الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [٢٣٦] فلما نزلت أرسل رسول الله ﷺ إلى سويد وعرفجة أن ادفعا إلى أم كجَّة الثُّمن مما ترك، وإلي بناته الثلثين، ولكما باقي المال.
٨ - ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾
يعني: قسمة المواريث، ﴿أُولُو الْقُرْبَى﴾ الذين لا يرثون ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ﴾ أي: فارضخوهم (٢) من المال قبل القسمة.
واختلف العلماء في حكم هذه الآية:
فقال قوم: هي منسوخة.
قال سعيد بن المسيب، والضحاك، وأبو مالك: (كانت هذه) (٣) قبل آية الميراث، فلما نزلت آية الميراث (٤) جعلت المواريث لأهلها، ونسخت هذه الآية، وجعلت الوصية لذوي القرابة (٥)،
стр. 4932
الذين يحزنون ولا يرثون، ولليتامى والمساكين، وهذه رواية العوفي عن ابن عباس (١).
وقال الآخرون: هي محكمة، وهو قول الأشعري (٢)، والنخعي، والشعبي، والزهري، ورواية عكرمة، ومقسم (٣) عن ابن عباس، قال مجاهد: هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم (٤).
قتادة (عن الحسن) (٥): ليست بمنسوخة، ولكن الناس شحوا، وبخلوا.
стр. 4933
وروى عبد الرزاق (١) عن معمر (٢) عن هشام بن عروة (٣): أن أباه أعطاه من ميراث مصعب (٤) حين قسم ماله (٥).
قال الحسن، وقال التابعون: كانوا يعطون التابوت والأواني ورثة الثياب والمتاع والشيء الذي يستحيا من قسمته (٦).
فإن كان بعض الورثة طفلًا فاختلفوا فيه، فقال ابن عباس والسدي، وغيرهما: إذا حضر القسمة هؤلاء، فإن كان الميت
стр. 4934
أوصى لهم بشيء أنفذت لهم وصيتهم، وإن كان الورثة كبارًا أرضخوا لهم، وإن كانوا (١) صغارًا اعتذروا إليهم.
فيقول الوصي والولي: إني لا أملك هذا المال، إنما هو لهؤلاء الضعفاء الصغار الذين لا يعقلون ما عليهم من الحق، ولو كان لي من الميراث شيء لأعطيتكم، وإن يكبروا فسيعرفون حقكم (٢).
هذا هو القول المعروف.
قال سعيد بن جبير: هذه الآية مما يتهاون بها (٣) الناس، هما وليان: ولي يرث، وهو الذي يعطي ويكسي، وولي لا يرث، وهو الذي يقال له القول (٤) المعروف.
وقال بعضهم: ذلك حق واجب في أموال الصغار والكبار، فإن كانوا كبارا تولوا عطاءهم، وإن كانوا صغارًا تولي إعطاء ذلك وليهم (٥).
روى محمد بن سيرين: أن عبيدة السلماني قسم أموال أيتام، فأمر
стр. 4935
بشاة فذبحت، فصنع طعامًا لأهل هذه الآية، وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي (١).
وروى قتادة عن يحيى بن يعمر قال: ثلاث آيات محكمات، مدنيات تركهن الناس، هذه الآية، وآية الاستئذان ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢).
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ (٣).
وقال بعضهم: هذا على الندب والاستحباب، لا على الحتم والإيجاب، وهو أولى الأقاويل بالصواب (٤).
وقال ابن زيد وغيره: هذا في الوصية لا (٥) في الميراث، كان الرجل إذا أوصى قالوا: فلان يقسم ماله، فأمر أن يوصي بثلث ماله لمن سمى الله في هذه الآية.
[١٠١٨] أخبرنا شعيب بن محمد (٦)، أخبرنا مكي بن عبدان (٧)،
стр. 4936
أخبرنا أحمد بن الأزهر (١)، أنا روح (٢)، ثنا ابن جريج (٣) قال: أخبرني ابن أبي مليكة (٤) أن أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر (٥)، والقاسم ابن محمد بن أبي بكر أخبراه: أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسم ميراث أبيه عبد الرحمن، وعائشة حية، قالا: فلم يترك في الدار مسكينًا، ولا ذا قرابة إلا أعطاهم من مال أبيه، وتلا هذه الآية: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾، قال القاسم: فذكرت ذلك لابن عباس فقال: ما أصاب، ليس ذلك، إنما ذلك في الوصية. ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (٦).
* * *
стр. 4937
٩ - ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾ (١)
قال أكثر المفسرين: هذا في الرجل يحضره الموت، فيقول من بحضرته عند وصيته: انظر لنفسك، فإن أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئًا، قدم لنفسك: أعتق، وتصدق، وأعط فلانًا كذا، وفلانًا كذا (٢)، حتى يأتي على عامة ماله، أو يستغرقه، ولا يبقى لورثته شيء، فنهاهم الله عن ذلك، وأمرهم أن يأمروه أن يبقي لولده، ولا يزيد في وصيته على الثلث، ولا يجحف لورثته، كما لو كان هذا القائل هذا الموصي، لسره أن يحثه من يحضره (٣) على حفظ ماله لولده، وألا يدعهم عالة مع ضعفهم وعجزهم عن التصرف والحيلة.
وقال مقسم والحضرمي: هو الرجل يحضره الموت، فيقول له من يحضره: أتق الله، وأمسك عليك (٤) مالك، فليس أحد أحق بمالك من أولادك، وينهاه عن الوصية لأقربائه ولليتامى والمساكين والفقراء (٥)،
стр. 4938
стр. 4939
الملك، وفينا ابن محيريز، وابن الديلمي، وهانئ بن كلثوم (١)، قال: فجعلنا نتذاكر ما يكون في آخر الزمان، فضقت ذرعًا لما سمعت، فقلت لابن الديلمي: يا (أبا بسر) (٢)، على ودِّي أنه لا يولد لي ولد أبدًا قال: فضرب بيديه (٣) على منكبي، وقال: يا ابن أخي، لا تفعل، فإنه ليست من نسمة كتب الله لها أن تخرج من صلب رجل إلا وهي خارجة، شاء أو أبى، ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجاك الله منه، وإن تركت ولدًا من بعدك (حفظهم الله فيك) (٤) قلت: بلي. فتلا هذه الآية: ﴿وَلْيَخْشَ﴾ إلى قوله: ﴿سَدِيدًا﴾ (٥). والسديد: العدل، والصواب من القول (٦).
١٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية.
قال مقاتل بن حيان: نزلت في رجل من غطفان، يقال له: مرثد بن
стр. 4940
زيد، ولي مال ابن أخيه، وهو يتيم صغير، فأكله، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (١)، حرامًا (٢) بغير حق ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ أخبر عن مآله وآخر حاله، والعرب تقول للشيء الذي يؤدي إلى الشيء: هذا كذا (٣)، لما يؤدي إليه، مثل قولهم. هذا الموت، أي: يؤدي إليه (٤).
وقال النبي ﷺ في الشارب من أواني الذهب والفضة: "إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" (٥).
وقال: "البحر نار في نار" (٦)، أي: عاقبتها كذلك، وذكر البطون