← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ وقرأ الزُّهْرِيّ: (من الغيط) (١). والغيط، والغوط، والغائط كلها بمعنى واحد، وهو: الخبت المطمئن من الأرض (٢). وقال مجاهد: هو الوادي (٣). محمَّد بن جرير: ما اتسع من الأودية وتصوَّب (٤). مؤرِّج: قرارة من الأرض تحفها آكام تسترها، وجمعها غيطان (٥). والفعل منه غاط، يغوط، مثل عاد، يعود، وتغوَّط، يتغوط، إذا أتى الغائط، وكانوا يتبرزون هناك، فكنى عن الحدث بالغائط، مثل العذرة، والحش، وهو هنا كناية عن حاجة البطن (٦). ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قرأ حمزة والكسائي وخلف: (لمستم النساء)

стр. 5182

بغير أَلْف ها هنا، وفي المائدة، وهو اختيار أبي عبيد. وقرأ الباقون بالألف فيهما (١)، وهو اختيار أبي حاتم. واختلف المفسرون في معنى اللمس، والملامسة: فقال قوم: هما المجامعة، وهو قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة (٢). قال سعيد بن جبير: ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي: ليس بالجماع. وقال ناس من العرب: هو الجماع. فأتيت ابن عباس، فذكرت ذلك له، فقال: من أي الفريقين كنت؟ فقلت: كنت مع الموالي. فقال: غلب فريق الموالي، إن اللمس، والمس، والمباشرة: الجماع، ولكن الله يكني عما شاء بما يشاء (٣). وعلى هذا القول إنما كنى باللمس عن الجماع؛ لأن باللمس يوصل إليه، كما يقال للسحاب: سماء، وللمطر: سماء، وللكلأ: سماء؛ لأن بالسحاب يتوصل إلى المطر، وبالمطر يتوصل إلى الكلأ، قال الشَّاعر:

стр. 5183

إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا (١) وقال آخرون: هو التقاء البشرتين، سواء كان بجماع أو بغير جماع، وهو قول ابن مسعود، وابن عمر، وأبي عبيدة، ومنصور، وعبيدة، والشعبي، والنخعي، وحماد، والحكم (٢). واختلف الفقهاء في حكم الآية على خمسة مذاهب: قال الشَّافعيّ ﵀: إذا أفضى الرَّجل بشيء من بدنه إلى شيء من بدن المرأة، سواء كان باليد، أو بغيرها من أعضاء الجسد تعلق نقض الطهر به (٣).

стр. 5184

وهو قول ابن مسعود، وابن عمر، والزهري، وربيعة. وقال الأَوْزَاعِيّ: إن كان اللمس باليد نقض الطهر، وإن كان بغير اليد لم ينقضه (١)، وأجراه مجرى مس الفرج. وقال مالك بن أنس، والليث بن سعد، وأَحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه: إن كان اللمس لشهوة نقض، وإن كان بغير شهوة لم ينقض (٢). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن كانت ملامسة فاحشة نقضت، وإلا لم تنقض (٣)، والملامسة الفاحشة ما يحدث الانتشار. وذهبت طائفة إلى أن الملامسة لا تنقض الطهر بحال (٤)، وبه قال من الصَّحَابَة ابن عباس، ومن التابعين: الحسن البَصْرِيّ، وإليه ذهب محمَّد بن الحسن (٥). وعن الثَّوريّ روايتان: أحدهما: مثل قول محمَّد، والثانية: مثل مالك.

стр. 5185

ودليل الشَّافعيّ من الآية: أن الملامسة قد تكون باليد، بدليل ما روي عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه نهى عن بيع الملامسة (١). واللمس أكثر ما يستعمل في لمس اليد. وأنشد الشَّافعيّ (٢): لمست بكفي كفه؛ طلب الغنى ... ولم أدر أن الجود، من كله، يعدي فلا أنا، منه، ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت، وأعداني فأنفذت ما عندي (٣) وروى الزُّهْرِيّ (٤)، عن سالم (٥)، عن أَبيه (٦) قال: جسها بيده من الملامسة (٧).

стр. 5186

ويدل عليه أَيضًا: ما روى عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى (١) عن معاذ: أن رجلا سأل النَّبِيّ ﷺ عن الرَّجل ينال من امرأة لا تحل له، ما يناله من امرأته إلَّا الجماع؟ فقال: "يتوضأ وضوءًا حسنًا" (٢)، فثبت أن اللمس ينقض الوضوء. واحتج من لم يوجب الوضوء بالملامسة نفسها بما: [١١٣٠] أخبرنا ابن فنجويه (٣)، ثنا أبو بكر السني (٤)، أنا

стр. 5187

النَّسائيّ (١)، أنا قتيبة بن سعيد (٢)، عن مالك (٣)، عن أبي النضر (٤)، عن أبي سلمة (٥)، عن عائشة ﵂ قالت: كنت أنام بين رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتها، والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح (٦). [١١٣١] وبإسناده عن أبي عبد الرَّحْمَن (٧)، أخبرنا محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم (٨)، عن شعيب بن الليث (٩)، أخبرنا ابن

стр. 5188

الهاد (١)، عن عبد الرحمن بن القاسم (٢)، عن القاسم (٣)، عن عائشة ﵂ قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليصلي، وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله (٤). [١١٣٢] وبه عن أبي عبد الرحمن (٥)، خبرنا محمد بن عبد الله ابن المبارك (٦)، ونصير (٧) بن الفرج (٨)، واللفظ له، قالا: حدثنا أبو أسامة (٩)، عن عبد الله بن عمر (١٠)، عن محمد بن يحيى بن

стр. 5189

حبان (١)، عن الأعرج (٢)، عن أبي هريرة، عن عائشة ﵂ قالت: فقدت رسول الله ﷺ ذات ليلة، فجعلت أطلب بيدي، فوقعت يدي على قدميه، وهما منصوبتان، وهو ساجد يقول: "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك"، وفي بعض الألفاظ: فلما فرغ من الصلاة قال لي: "يا عائشة، أتاك شيطانك؟ " (٣). قالوا: فلمسته عائشة وهو في الصلاة فمضى فيها، ولأجل هذه الأخبار خص من ذكرنا (لمس الشهوة) (٤) بنقض الوضوء.

стр. 5190

[١١٣٣] وأخبرنا الحسين بن محمد بن عبد الله (١)، أخبرنا أحمد ابن محمد بن إسحاق (٢)، أخبرنا أحمد بن شعيب (٣)، أخبرنا محمد بن المثنى (٤)، عن يحيى بن سعيد (٥)، عن سفيان (٦) قال: أخبرني أبو روق (٧) عن إبراهيم التيمي (٨)، عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ (٩).

стр. 5191

وأما تفصيل كيفية الملامسة على مذهب الشافعي، فهي على ثلاثة أوجه: لمس ينقض الوضوء، قولاً واحدًا، ولمس لا ينقض الوضوء، ولمس مختلف فيه. فالذي ينقض الوضوء ملامسة الرجل المرأة الشابة الأجنبية، فهذا ينقضر الوضوء بأي جزء من أجزائه حصل، ساهيًا كان أو متعمدًا، حية كانت أو ميتة. والذي لا ينقضه ملامسة الشعر والسن والظفر. والذي يختلف فيه هو: أن يلمس صبية صغيرة، أو عجوزًا كبيرة، أو واحدة من ذات محارمه ممن لا يحل له نكاحها، ففيها قولان: أحدهما: ينقض الوضوء؛ لأنهن من جملة من النساء، وقد قال الله (أو لمستم النساء) ولم يفرق. والثاني: لا ينقض؛ لأنه لا مدخل للشهوة فيهن (١)، يدل عليه: [١١٣٤] ما أخبرنا أبو الحسين (٢) الخفاف (٣)، أنا أبو العباس السراج (٤)، ثنا قتيبة بن سعيد (٥)، ثنا مالك بن أنس (٦).

стр. 5192

[١١٣٥] وأخبرنا أبو بكر الجوزقي (١)، أخبرنا أبو العباس الدغولي (٢)، ثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي (٣)، عن مالك (٤)، عن عامر (٥) بن عبد الله بن الزبير (٦)، عن عمرو بن سليم الزرقي (٧) عن أبي قتادة السلمي الأنصاري (٨): أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ لأبي (٩) العاص بن ربيعة (١٠) بن عبد شمس، فإذا سجد وضعها، وإذا قام رفعها (١١).

стр. 5193

فهذا حكم الملامسة إذا لم يكن حائل، فأما إذا كانت من دون حائل فإنها لا تنقض الطهارة، سواء كان الحائل صفيقًا، أو رقيقًا، هذا ما عليه الجمهور. وقال مالك: ينقضها إن كان رقيقًا، ولا ينقضها إن كان صفيقًا (١). وقال الليث وربيعة: ينقضها، سواء كان صفيقًا أو رقيقًا. والدليل على أنها لا تنقض الوضوء إذا كانت من دون حائل: ظاهر الآية (أو لمستم النساء) فإذا لمسها مع حائل فما لمسها، إنما لمس الحائل، والدليل عليه: أنه لو حلف لا يلمسها، فلمسها من دون حائل لم يحنث، فهذا كله حكم اللامس. فأما حكم (٢) الملموس، فهل ينقض طهره أم لا؟ فعلى قولين للشافعي: أحدهما: أنه ينقض، لاشتراكها في الالتذاذ به (٣). والثاني: لا ينقض، لخبر عائشة ﵁: فوقعت يدي على أخمص قدمي رسول الله ﷺ (٤).

стр. 5194

﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، اعلم أن التيمم من خصائص هذه الأمة. [١١٣٦] أخبرنا أبو بكر الجوزقي (١)، أخبرنا أبو حامد بن الشرقي (٢)، ثنا محمد بن يحيى (٣)، ثنا إسماعيل بن الخليل (٤) قال: أخبرنا يحيى بن أبي زائدة (٥)، أخبرني سعد بن طارق وهو أبو مالك الأشجعي (٦)، حدثني ربعي بن حراش (٧)، عن حذيفة (٨) قال: قال رسول الله ﷺ : "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت الأرض كلها لنا مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء، وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة" (٩).

стр. 5195

فأما بدء التيمم: [١١٣٧] فأخبرنا (أبو الحسين، أحمد) (١) بن محمد بن عمر (الشيخ الصالح بقراءتي عليه) (٢)، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج (٣) (سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة) (٤). [١١٣٨] ح وأخبرنا أبو بكر الجوزقي (٥) قال: أخبرنا مكي بن عبدان (٦) قال: ثنا عبد الرحمن بن بشر (٧) قال: حدثنا عبد الرزاق (٨) قال: أخبرني مالك بن أنس (٩). [١١٣٩] وأخبرنا محمد بن زكريا بن الحسن (١٠)، أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن (١١) ثنا حمدان السلمي (١٢)، ثنا عبد الله بن مسلمة (١٣)

стр. 5196

ويحيى بن يحيى (١) وإسماعيل بن أبي أويس (٢)، عن مالك (٣). [١١٤٠] وأخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن يوسف الفقيه (٤)، أنا مكي بن عبدان (٥)، ثنا محمد بن يحيى (٦) قال: وفيما قرأت على ابن نافع (٧)، حدثني مطرف (٨)، عن مالك (٩)، عن عبد الرحمن بن القاسم (١٠)، عن أبيه (١١)، عن عائشة ﵂. [١١٤١] وأخبرنا أبو الحسين القنطري (١٢)، أخبرنا أبو العباس الثقفي (١٣)، ثنا هناد بن السري (١٤)، ثنا أبو معاوية (١٥)، عن هشام

стр. 5197

ابن عروة (١)، عن أبيه (٢)، عن عائشة ﵂. [١١٤٢] وأخبرنا أبو بكر الجوزقي (٣) قال: أخبرنا أبو حامد بن الشرقي (٤)، ومكي بن عبدان (٥) قالا: ثنا أبو الأزهر (٦) قال: ثنا عبد الله بن نمير (٧)، عن هشام بن عروة (٨)، عن أبيه (٩)، عن عائشة ﵂. [١١٤٣] وأخبرنا عبد الله بن حامد (١٠) وشعيب بن محمد البيهقي (١١)، قالا: أنبأنا مكي بن عبدان (١٢)، ثنا أحمد بن الأزهر (١٣)، حدثنا روح بن عبادة (١٤)، ثنا أبو عامر الخزاز (١٥)، ثنا

стр. 5198

ابن أبي مليكة (١)، عن عائشة ﵂، قالت: كنا مع رسول الله ﷺ بالأبواء، حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش، انقطع عقد لي -وكانت استعارتها من أسماء (بنت عنيس) (٢) فضلَّ، فأخبرت بذلك رسول الله ﷺ فأمر بالتماسه، فالتمس فلم يوجد، فأناخ رسول الله ﷺ ، وأناخ الناس، فباتوا ليلتهم تلك، وأقاموا على التماسه، وليسوا على ماء، وليس عندهم ماء، فأتى الناس أبا بكر ﵁، فقالوا: ألا ترى إلى عائشة حبست الناس على غير ماء. فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي، قد نام، فعاتبني، فقال: ما شاء الله، وقال: قبحها الله من زيادة، حبست الناس على غير ماء، وقد حضرت الصلاة. ثم طعن بيده على خاصرتي، فما منعني من التحرك إلا أن رسول الله ﷺ كان واضعًا رأسه على فخذي، فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، قال: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته، فقال أسيد بن حضير: ما هذا بأول بركتكم يا آل أبي بكر، جزاك الله خيرًا، فوالله ما نزل بك أمر قط تكرهينه، إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيرًا (٣).

стр. 5199

فأباح الله تعالى التيمم (١) بخمس شرائط: أحدها: دخول وقت الصلاة، فلا يجوز التيمم إلا بعد دخول الوقت، ولا يجمع (٢) صلاتي فرض بتيمم واحد. هذا قول علي، وابن عباس، وابن عمر، ومذهب مالك، والشافعي، والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، قالوا: لأنها طهارة ضرورة، فقاسوه على (٣) المستحاضة، ولأن النبي ﷺ قال: "أينما أدركتك الصلاة تيممت وصليت" (٤).

стр. 5200

[١١٤٤] وأخبرنا أبو نصر الشيرازي (١) الفقيه بقراءتي عليه (٢)، أنا أبو الوليد حسان بن محمد القرشي (٣)، ثنا الحسن بن سفيان (٤)، ثنا أبو بكر (٥)، ثنا هشيم (٦)، عن حجاج (٧)، عن أبي إسحاق (٨)، عن الحارث (٩)، عن (١٠) على ﵁ قال: تيمم لكل صلاة (١١). [١١٤٥] وبه عن أبي بكر (١٢)، ثنا ابن مهدي (١٣)،

стр. 5201

عن (عامر) (١) الأحول (٢): أن عمرو بن العاص قال: تيمم لكل صلاة. وكان يفتي به قتادة (٣). [١١٤٦] وأخبرنا أبو نصر الفقيه (٤)، أخبرنا أبو الوليد (٥)، ثنا عبد الله بن بشرويه (٦)، ثنا الحسن بن عيسى (٧)، عن ابن المبارك (٨)، عن عامر (٩) الأحول، عن نافع (١٠)، عن ابن عمر قال:

стр. 5202

تيمم لكل صلاة، وإن لم تحدث (١). وذهبت طائفة إلى أن التيمم كالطهارة بالماء، يجوز تقدمه على وقت الصلاة، ويصلى به من الحدث إلى الحدث ما شاء من الفرائض والنوافل، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، والثوري، وأبي حنيفة (٢). واحتجوا بقول النبي ﷺ : "الصعيد الطيب وضوء المسلم، ولو لم يجد الماء عشر حجج" (٣). والشرط الثاني من الشرائط المبيحة للتيمم: طلب الماء. وكيفية الطلب: أن يبدأ بطلبه في رحله، فإن لم يجد طلب من أصحابه، فإن لم يجد عندهم طلب يمينًا، وشمالًا، ووراءً، وأمامًا، وإن كان هناك تل صعد، ونظر، وإن رأى إنسانًا قادمًا تعرف منه، فإن تيمم قبل الطلب، لم يصح عند أكثر الفقهاء (٤).

стр. 5203

وقال أبو حنيفة: طلب الماء ليس بشرط في جواز التيمم، بل هو مستحب، فإن تيمم قبله أجزأه، قال: لأنه لو كان شرطًا فيه لكان شرطًا في النافلة، كعدم الماء، فلما جاز التيمم للنافلة دون طلب الماء، جاز -أيضًا- للفريضة دونه (١). ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ولا يقال: لم يجد (٢)، إلا لمن طلبه ولم يجد. والدليل عليه: أنه لو وكل وكيلًا؛ ليشتري له شيئًا، فإن لم يجد فغيره، فاشترى الشيء الثاني قبل طلبه الأولَ ضمن. والشرط الثالث: إعوازه بعد الطلب، فأما إذا كان بينه وبين الماء حائل، من لص، أو سبع، أو عدو، أو جمل صائل، أو نار، أو نحوها، فهو عادم للماء، وكذلك إذا كان عليه ضرر في إتيانه، مثل أن يخاف على رحله إن غاب عنه، وكذلك إن كان الماء في بئر، ولم يمكنه الوصول إليه بحال. والشرط الرابع: العذر من مرض أو سفر؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. والمرض على ثلاثة أضرب:

стр. 5204

مرض لا يُستضر باستعمال الماء معه، فلا يجوز التيمم. وضرب يخاف معه من استعمال الماء التلف، فيجوز معه التيمم، وكذلك إذا كان على قرحة دم، يخاف إن غسله التلف، تيمم، وأعاد إذا قدر على غسل الدم. وضرب يخاف باستعماله الماء الزيادة في العلة، أو بطء البرء، أو الشَّين، ففيه قولان: أحدهما: أنه لا يجوز التيمم، وهو مذهب أبي حنيفة (١). والثاني: أنه لا يجوز (٢). فإن كانت الجراحة في بعض جسده دون بعض، غسل ما لا ضرر عليه، وتيمم، لا يجزئه أحدهما دون الآخر. وقال أبو حنيفة: إن كان أكثر بدنه سليمًا، لزمه الوضوء، واستعمال الماء، ولم يجزه معه التيمم ولا دونه، وإن كان أكثر بدنه جريحًا، سقط عنه فرض الوضوء والغسل، ويجزيه التيمم في الجميع، قال: ولا يجوز الجمع بين استعمال الماء، في بعض الأعضاء، والتيمم في بعضها (٣).

стр. 5205

وكذلك إذا وجد الجنب، أو المحدث، من الماء ما لا يسع المحدث لوضوئه، ولا الجنب لاغتساله، فللشافعي فيه قولان: أحدهما: أنه سقط عنه فرض استعمال الماء، ويكفيه التيمم، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والمزني (١). والقول الثاني: يلزمه استعمال القدر الذي وجده، والتيمم لما عدمه (٢)، فإن كان جنبًا، غسل به أيَّ أعضائه شاء، ثم تيمم عن الوجه واليدين، وإن كان محدثًا، غسل به وجهه، ثم يديه، على الترتيب، ثم تيمم لما لم يغسله من أعضاء الوضوء، حتى لو غسل جميع أعضاء وضوئه، وبقيت لمعة من رجله، لم يصبها الماء، فإنه يتيمم لها، فإن انكسر بعض أعضائه، وجبرها، فإنه لا يعدو بالجبائر موضع الكسر، ولا يضعها إلا على وضوء، كالخفين، فإن وضعها على الطهارة، فله أن يمسح على الجبيرة، ما دام العذر باقيًا، ثم هل يلزمه إعادة الصلوات التي صلاها بالمسح على الجبائر، أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: عليه الإعادة (٣).

стр. 5206

والثاني: أنه لا إعادة عليه، وهو اختيار المزني. والدليل عليه: [١١٤٧] ما أخبرنا أبو نصر الشيرازي (١) قال: أخبرنا أبو الوليد جعفر بن أحمد بن نصر (٢)، ثنا أبو عمار (٣)، ثنا سعيد بن سالم (٤)، عن إسرائيل (٥)، عن عمرو بن خالد (٦)، عن زيد بن علي (٧)، عن أبيه (٨)، عن جده (٩): أن عليًّا انكسر إحدى زنديه، فأمره النبي ﷺ أن يمسح على الجبائر (١٠).

стр. 5207

قال الشافعي: إن صح حديث عليٍّ، قلت به، وهذا مما أستخير الله فيه (١). وإن وضعها على غير الطهارة، أو عدى بها غير (٢) موضع الكسر، ينظر: فإن لم يخش تلف بدنه، أو عضو من أعضائه نزعها، وإن خاف ذلك لم ينزعها، ولكنه يغسل ما يقدر على غسله، ويعيد الصلاة إذا قدر على نزعها. وأما السفر، فهو أقل ما يقع عليه اسم سفر، طال أم قصر؛ لأن الله تعالى لم يفرق، ويدل عليه: [١١٤٨] ما أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ (٣)، وأبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن أحمد المطوعي (٤)، وأبو علي الحسين بن

стр. 5208

محمد (١)، قالوا: ثنا محمد بن يعقوب بن يوسف (٢)، أنا الربيع بن سليمان (٣)، أنا الشافعي (٤)، أنبا ابن عيينة (٥)، عن ابن عجلان (٦)، عن نافع (٧)، عن ابن عمر: أنه أقبل من الجرف حتى إذا كان بالمربد تيمم، فمسح وجهه ويديه، وصلى العصر، ثم دخل المدينة، والشمس مرتفعة فلم يعد الصلاة (٨) والجرف: قريب من المدينة (٩).

стр. 5209

والشرط الخامس: النية للمكتوبة. قوله : ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أي: اقصدوا ترابًا نظيفًا. واختلف الفقهاء في الممسوح به في التيمم على أربعة مذاهب: فقال أبو حنيفة: يجوز التيمم بالأرض، وبما كان من جنسها، وإن لم يعلق بيده منها شيء، فأجاز بالكحل، والزرنيخ (١)، والنورة (٢)، والجص (٣)، والجوهر المسحوق، ولم يعتبر الغبار، حتى قال: لو ضرب بيده على صخرة صماء (٤)، فمسح بها أجزأه، قال: فأما إن تيمم بسخالة (٥) الذهب والفضة، والصفر، والنحاس، والرصاص لم يجزه؛ لأنه ليس من جنس الأرض (٦). وقال مالك: يجوز بالأرض، وبكل ما اتصل بها، فأجاز التيمم بأجناس الأرض وبالشجر، فقال: لو ضرب بيده على شجرة، ثم

стр. 5210

مسح بها، أجزأه (١). وقال الأوزاعي والثوري: يجوز بالأرض، وبكل ما عليها من الشجر، والحجر، والمدر وغيرها، حتى قال: لو ضرب بيديه على الجمر والثلج أجزأه (٢)، واحتجوا بما: [١١٤٩] أخبرنا ابن فنجويه (٣) قال: ثنا أبو بكر أحمد بن محمد الدينوري (٤)، أنا أحمد بن (شعيب) (٥) -بمصر، ثنا الربيع بن سليمان (٦)، أنبأنا شعيب بن الليث (٧)، عن أبيه (٨)، عن جعفر بن ربيعة (٩)، عن عبد الرحمن بن هرمز (١٠)، عن عمير (١١) مولى ابن عباس، أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار، مولى ميمونة، حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن صمة (١٢)

стр. 5211

الأنصاري (١)، فقال أبو جهيم: أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر الجبل (٢)، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد رسول الله ﷺ ، حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه، ويديه، ثم رد عليه (٣). وذهب الشافعي إلى أن الممسوح به تراب طاهر ذو غبار يعلق باليد (٤)، وهو الاختيار، لأن الله تعالى قال: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ والصعيد: اسم للتراب، والطيب: اسم لما ينبت، فأما ما لا ينبت من الأرض، فليس بطيب. والدليل عليه (٥): قوله : ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ (٦)،

стр. 5212

ولقول النبي ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدا، وترابها طهورًا" (١) فخص التراب بذلك، والله أعلم. ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾: قد مضى الكلام في المسموح به، فأما قدر الممسوح، وكيفية التيمم، فاختلف الناس فيه على خمسة مذاهب: فقال الزهري: يمسح على الوجه، واليدين إلى الآباط، والمناكب (٢). واحتج بما: [١١٥٠] أخبرنا الحسين بن محمد بن الحسين (٣)، ثنا أحمد بن محمد بن إسحاق (٤)، أنبا أحمد بن شعيب بن علي (٥) قال: أخبرني محمد بن يحيى (٦) بن عبد الله (٧). [١١٥١] وأخبرنا أبو نصر الشيرازي (٨)، واللفظ له، أنا أبو الوليد حسان بن محمد القرشي (٩)، ثنا أبو القاسم بن بنت أحمد بن منيع (١٠)،

стр. 5213

ثنا عباس بن محمد (١) قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد (٢)، ثنا أبي (٣)، عن صالح بن كيسان (٤)، عن ابن شهاب الزهري (٥)، حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (٦)، عن ابن عباس، عن عمار بن ياسر، عن النبي ﷺ : أنه كان في سفر، ومعه عائشة، فهلك (٧) عقدها، فاحتبسوا في طلبه، أو كما قال، فنزلت (٨) آية التيمم، فضربوا بأيديهم إلى الأرض، ثم رفعوا أيديهم، ولم يقبضوا من التراب شيئًا، فمسحوا وجوههم، وأيديهم إلى المناكب، ثم بطون أيديهم إلى الآباط (٩).

стр. 5214

وقال ابن سيرين: ثلاث ضربات، ضربة للوجه (١)، وضربة للكفين، وضربة للذراعين. وذهب الشافعي إلى أنه ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين (٢)، وبه قال من الصحابة: عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله (٣)، ومن التابعين: الحسن البصري، والشعبي (٤)، ومن الفقهاء: أبو حنيفة، والثوري، ومالك، والليث (٥)، واحتجوا بما: [١١٥٢] أخبرنا أبو عبد الله البيع (٦)، وأبو محمد الكيال (٧)، وأبو على السراج (٨)، قالوا: حدثنا أبو العباس الأصم (٩)، ثنا الربيع بن سليمان (١٠)، ثنا الشافعي (١١): أخبرنا إبراهيم بن محمد (١٢)

стр. 5215

عن أبي (١) الحويرث- عبد الرحمن بن معاوية (٢)، عن الأعرج (٣)، عن ابن (٤) الصمة (٥): أن رسول الله ﷺ تيمم، فمسح وجهه وذراعيه (٦). وروى أبو أمامة، وابن عمر: أن النبي ﷺ قال: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين" (٧).

стр. 5216

وروى الربيع بن بدر (١)، عن أبيه (٢)، عن جده (٣)، عن أسلع (٤) قال: قال لي النبي ﷺ : رحِّلْ (٥) لي يا أسلع، فقلت: إني جنب. فسكت سكتة، فنزلت آية التيمم، فقال: "يكفيك هذا"، فضرب بكفيه الأرض، ثم نفضهما، ثم مسح بهما وجهه، ثم أمرَّ على لحيته، ثم أعادهما إلى الأرض فمسح بهما الأرض، ثم دلك إحداها بالأخرى، ثم مسح ذراعيه، ظاهرهما وباطنهما. [١١٥٣] أخبرنا أبو نصر الفقيه (٦) قال: أخبرنا أبو الوليد (٧)، ثنا

стр. 5217

عبد الله بن محمد بن شيرويه (١)، ثنا محمد بن يحيى (٢)، ثنا محمد بن عيسى (٣)، عن الربيع بن بدر (٤)، بمثل معناه (٥). وقال علي بن أبي طالب ﵁: هو ضربتان: ضربة للوجه، وضربة للكفين (٦). وذهبت طائفة إلى أنه ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو قول سعيد بن المسيب، والأوزاعي، وأحمد (٧)، وإسحاق، واحتجوا بقول الله : ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ قالوا: واليد على الإطلاق تتناول الكف

стр. 5218

إلى الكوع، بدليل: أن السارق تقطع يده من الكوع، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١). [١١٥٤] وبما أخبرنا أبو الحسين الخفاف (٢)، أنا أبو العباس السراج (٣)، ثنا أبو يحيى البزاز (٤)، ثنا يونس بن محمد (٥)، ثنا أبان ابن يزيد العطار (٦)، عن قتادة (٧)، عن عزرة (٨)، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى (٩)، عن أبيه (١٠)، عن عمار بن ياسر أن رسول الله ﷺ قال في التيمم: "ضربة للوجه والكفين" (١١).

стр. 5219

والتيمم من الجنابة كالتيمم من الحدث، فإذا عدم الجنب الماء تيمم، كما يتيمم المحدث، ولا خلاف فيه، إلا ما روي عن عمر ابن الخطاب، وعبد الله بن مسعود (١): أنهما قالا: لا يجوز للجنب التيمم، ولكن يصبر حتى يجد الماء، فيغتسل، ويصلي، وفسرا قوله تعالى: (أو لمستم النساء) على اللمس باليد دون الجماع. [١١٥٥] أخبرنا أحمد بن محمد بن عمر (٢)، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم الثقفي (٣)، ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (٤)، ثنا جرير (٥)، عن الأعمش (٦)، عن سلمة بن كهيل (٧)، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى (٨)، عن أبيه (٩): أن رجلًا سأل

стр. 5220

عمر ﵁ عن الجنب لا يجد الماء؟ فقال: لا يصلي حتى يجد الماء. فقال عمار بن ياسر: أما تذكر حين بعثنا رسول الله ﷺ أنا وأنت، فأجنبت فتمعكت بالتراب، فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فضحك، فقال: "قد كان يكفيك أن تفعل كذا وكذا"، وضرب بيديه على الأرض، فمسح وجهه ويديه فقال: اتق الله يا عمار. فقال: إن شئت لم أذكره أبدًا (١). [١١٥٦] وأخبرنا أحمد بن محمد (٢)، حدثنا محمد بن إسحاق (٣)، ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (٤)، ثنا عمار بن رزيق (٥)، ثنا سلمة بن كهيل (٦)، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى (٧)، عن أبيه (٨)، قال:
следующие страницы →