← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

عن مكحول (١)، عن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا معاذ، أطع كل أمير، وصل خلف كل إمام، ولا تسبن أحدًا من أصحابي" (٢). [١١٩٣] وأخبرنا الحسين بن محمد (٣)، حدثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي (٤)، حدثنا موسى بن إسحاق (٥) قال: حدثني

стр. 5287

أبي (١)، حدثنا عبد الله بن محمد -يعني: ابن يحيى بن عروة (٢) قال: حدثني هشام (٣)، عن أبي صالح السمان (٤)، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "سيليكم بعدي ولاة: فيليكم البر ببره، ويليكم الفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا، في كل ما وافق الحق، وصلوا وراءهم، فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساؤوا فلكم وعليهم" (٥).

стр. 5288

(﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾) (١) من أمر دينكم، والتنازع: اختلاف الآراء، فيتعاطى كل واحد ما يرى خلاف رأي صاحبه، وأصله من النزع، كأن المتنازعين يتجاذبان ويتمانعان، ومنه قيل للمناولة: منازعة (٢). قال الأعشى: نازعتهم قُضُبَ الريحان، متكئًا ... وقهوةً مزةً، راووقها خَضِلُ (٣) ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ يعني: إلى كتاب الله، وإلى الرسول ما دام حيًا، فإذا مات، فإلى سنَّته، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي: ذلك الرد، ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ جزاء، وعاقبة، والتأويل: ما يؤول إليه الأمر (٤). [١١٩٤] أخبرنا ابن فنجويه (٥) قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان (٦)، حدثنا إبراهيم بن سهلويه (٧)، حدثنا حاجب بن سليمان

стр. 5289

المنبجي (١)، حدثني المؤمل بن إسماعيل (٢)، حدثنا عبيد الله بن أبي حميد (٣)، حدثنا أبو المليح الهذلي (٤)، عن معقل بن يسار (٥) قال: قال رسول الله ﷺ : "اعملوا بالقرآن؛ أحِلّوا حلاله، وحرموا حرامه، وآمنوا به، ولا تكفروا بشيء (٦)، وما أشتبه عليكم فردوه إلى الله، وإلى أولي العلم من بعدي؛ كيما يخبروكم به، وآمنوا بالتوراة والإنجيل والزبور، وما أنزل إليكم من ربكم، وليسعكم القرآن، وما

стр. 5290

فيه من البيان؛ فإنه شافع مشفع، وماحل مصدق، وإنه (١) بكل حرف نور يوم القيامة" (٢). ٦٠ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ الآية. قال الحسن: انطلق رجل يحاكم آخر إلى النبي ﷺ ، فقال الآخر: لا (٣)، بل انطلق إلى وثن بني فلان. فأنزل الله هذه الآية. وقال الشعبي: كان بين رجل من اليهود، ورجل من المنافقين خصومة، فقال اليهودي: أحاكمك إلى محمد. وقال المنافق: لا، فجعل اليهودي يدعو إلى المسلمين؛ لأنه علم أنهم لا يقبلون الرشوة، ولا يجورون في الحكم، وجعل المنافق يدعو إلى اليهود؛ لأنه علم أنهم يقبلون الرشوة، ويميلون في الحكم، فاختلفا، ثم اتفقا على أن يأتيا كاهنًا (٤) في جهينة، فيتحاكما إليه، فأنزل الله هذه الآية.

стр. 5291

وقال الكلبي (١)، عن أبي صالح (٢)، عن ابن عباس: نزلت في رجل من المنافقين، يقال له: بشر؛ كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: أنطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل نأتي (٣) كعب بن الأشرف -وهو الذي سماه الطاغوت- فأبى اليهودي أن يخاصمه (٤) إلا إلى رسول الله ﷺ ، فلما رأى المنافق ذلك، أتى معه إلى رسول الله ﷺ ، فاختصما إليه، فقضى رسول الله ﷺ لليهودي، فلما خرجا من عنده، لزمه المنافق، وقال: انطلق بنا إلى عمر بن الخطاب. فأقبلا إلى عمر، فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمد، فقضى لي عليه، فلم يرض بقضائه، وزعم أنه مخاصم (٥) إليك، وتعلق بي، فجئت معه. فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. فقال لهما: رويدكما، حتى أخرج إليكما. فدخل عمر البيت، فأخذ السيف، واشتمل عليه، ثم خرج إليهما، فضرب به المنافق، حتى برد، وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله وقضاء (٦) رسوله. وهرب اليهودي، فنزلت هذه الآية،

стр. 5292

وقال جبريل ﵇: إن عمر فرق بين الحق والباطل، فسمي الفاروق (١). وقال السدي: كان ناس من اليهود أسلموا، ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل رجل من بني قريظة رجلًا من بني النضير، قتل به، وأخذ ديته مائة وسق تمرًا، وإذا قتل رجل من النضير رجلًا من قريظة لم يقتل به، وأعطى ديته: ستين وسقًا من تمرٍ، وكانت النضير -وهم حلفاء الأوس، أكثر وأشرف من بني قريظة- وهم حلفاء الخزرج، فلما جاء الله بالإسلام، وهاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، قتل رجل من النضير رجلًا من قريظة، فاختصموا في ذلك، فقالت بنو النضير: قد كنا وأنتم اصطلحنا في الجاهلية على أن نقتل منكم، ولا تقتلوا منا، وعلى أن ديتكم ستون وسقا -والوسق ستون صاعًا- وديتنا مائة وسق، فنحن نعطيكم ذلك فقالت الخزرج: هذا شيء كنتم فعلتموه في الجاهلية؛ لأنكم كثرتم وقللنا؛ فقهرتمونا، ونحن وأنتم اليوم إخوة، وديننا ودينكم واحد، وليس لكم علينا فضل. فقالت النضير: لا، بل نحن على ما كنا

стр. 5293

عليه، فقال المنافقون منهم: انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي. فقال المسلمون من الفريقين: لا، بل إلى النبي ﷺ ، فأبى المنافقون، وانطلقوا إلى أبي بردة، ليحكم بينهم، فقال: أعظموا اللقمة -يعني: الخطر (١) - فقالوا: لك عشرة أوسق. قال: لا، بل مائة وسق ديتي، فإني أخاف إن نفَّرت (٢) النضيري قتلتني قريظة، أو أنفر قريظة قتلتني النضير. فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوسق، وأبى أن يحكم بينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأنزل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٤)، فدعا النبي ﷺ كاهن أسلم إلى الإسلام، فأبى، وانصرف، فقال النبي ﷺ لابنيه: "أدركا أباكما فرداه، فإنه إن جاز عقبة كذا لم يسلم أبدًا"، فأدركاه، فلم

стр. 5294

يزالا به حتى انصرف، وأسلم، وأمر النبي ﷺ مناديًا، فنادى: ألا إن كاهن أسلم قد أسلم، فذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ يعني: الصنم، وقيل: الكاهن. وقيل: كعب بن الأشرف. وقيل: حيي بن أخطب (١). ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ ٦١ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ أي: يعرضون عنك إعراضًا، والفعل نصب بالمصدر (٢)، كقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٣)، وكقوله: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤). ٦٢ - ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ يعني: فكيف يصنعون إذا أصابتهم مصيبة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يعني: عقوبة صدودهم؟ وهذا وعيد وتهديد، وتم الكلام. ﴿ثُمَّ﴾ ابتداء، يخبر عن فعلهم، يعني: يتحاكمون إلى الطاغوت، ويحلفون بالله، ومعنى قوله: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ﴾ أي: يجيئونك، قيل: أراد

стр. 5295

بالمصيبة قتل صاحبهم، وذلك أن عمر لما قتل المنافق، جاء قومه يطلبون الدية، ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا﴾ ويكون (إنْ) بمعنى إذ، حلفوا ما أردنا بالترافع إلى عمر ﴿إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾. قال الكلبي: ﴿إِلَّا إِحْسَانًا﴾ بالقول، ﴿وَتَوْفِيقًا﴾ صوابًا (١). ابن كيسان: حقًا وعدلًا (٢). نظيرها: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ (٣). ٦٣ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من النفاق. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [٣١٤]، وقيل: فأعرض عنهم، وعظهم باللسان، ولا تعاقبهم، وقيل: توعدهم بالقتل إن لم يتوبوا (٤). الضحاك: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ في الملأ، ﴿وَقُلْ لَهُمْ﴾ في السر والخلاء ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾ (٥)، وقيل: هذا منسوخ بآية القتال (٦).

стр. 5296

٦٤ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بتحاكمهم إلى الطاغوت ﴿جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. [١١٩٥] أخبرني أبو القاسم عبد الخالق (بن علي) (١) بن محمد بن عبد الخالق (٢)، أنبأ أبو الحسن علي بن إبراهيم الكرخي (٣)، أخبرنا علي بن محمد بن خالد (٤)، ثنا محمد بن أحمد بن الهيثم الطائي (٥)، ثنا أبي، عن أبيه، عن سلمة بن كهيل (٦)، عن أبي صادق (٧)، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: قدم علينا

стр. 5297

أعرابي بعدما دفنا رسول الله ﷺ بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر النبي ﷺ ، وحثى على رأسه من ترابه، وقال: يا رسول الله، قلت فسمعنا قولك، ووعيت عن الله فما (١) وعينا عنك، وكان فيما أنزل الله عليك: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ وقد ظلمت نفسي، وجئتك؛ لتستغفر لي، فنودي من القبر: أنه قد غفر لك (٢). ٦٥ - قوله : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ نزلت في الزبير بن العوام، وخصمه، واختلف في اسمه، فقال الصالحي: ثعلبة بن حاطب (٣)، وقال الآخرون: حاطب بن أبي

стр. 5298

بلتعة (١)، وذلك أنهما اختصما إلى رسول الله ﷺ في شراج (٢) الحرة، كانا يسقيان به النخل، فقال رسول الله ﷺ : "اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك"، فغضب الرجل، وقال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ ، ثم قال: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء

стр. 5299

حتى يرجع إلى الجدر، واستوف حقك، ثم أرسل إلى جارك" (١). وكان رسول الله ﷺ أشار على الزبير برأي فيه السعة له ولخصمه، فلما أحفظ رسول الله ﷺ استوعب للزبير حقه في صريح الحكم. ثم خرجا فمرا على المقداد، فقال: لمن كان القضاء يا بلتعة؟ فقال: قضى لابن عمته، ولوى شدقه، ففطن له يهودي كان مع المقداد، فقال: قاتل الله هؤلاء! يشهدون أنه رسول الله، ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم، وأيم الله! لقد أذنبنا ذنبًا مرة واحدة في حياة موسى، فدعانا موسى إلى التوبة منه، فقال: فاقتلوا أنفسكم، فقتلنا، فبلغ قتلانا سبعين ألفًا في طاعة ربنا، حتى رضي عنا، فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله، إن الله ليعلم مني الصدق، ولو أمرني محمد أن أقتل نفسي لفعلت، فأنزل الله في شأن حاطب بن أبي بلتعة، وليه شدقه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقال مجاهد، والشعبي: نزلت في قصة بشر المنافق، واليهودي، اللذين اختصما إلى عمر بن الخطاب.

стр. 5300

وقد مضت القصة (١). وقوله تعالى: ﴿فَلَا﴾ يعني: ليس الأمر كما يزعمون: أنهم مؤمنون، ثم لا يرضون بحكمك، ويصدون عنك، ثم استأنف القسم، فقال ﴿وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ويجوز أن تكون ﴿لَا﴾ صلة، كقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾، ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ أي: يجعلونك حكمًا ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: اختلف، واختلط من أمورهم، والتبس عليهم حكمه، ومنه: الشجر؛ لاختلاف أغصانه، ويقال لعصيّ الهودج: شجار؛ لتداخل بعضها في بعض (٢)، قال الشاعر: نفسي فداؤك، والرماح شواجر ... والقوم في ضنك اللقاء قيامُ (٣) ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ أي: ضيقًا، وشكًا ﴿مِمَّا قَضَيْتَ﴾ ومنه قيل للشجر الملتف، الذي لا يكاد يوصل إليه: حرج، وحرجة، جمعه: حراج (٤). وقال الضحاك: إثمًا (٥)، يأثمون بإنكارهم ما قضيت، ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: يخضعوا، وينقادوا لأمرك انقيادًا.

стр. 5301

٦٦ - ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ يعني: فرضنا، وأوجبنا ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ كما أمرنا بني إسرائيل ﴿أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ بالهجرة، كما أمرناهم بالخروج من مصر ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ رجع الهاء إلى فعل القتل، والخروج؛ لأن الفعل -وإن اختلفت أجناسه- فعبارة واحدة، ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ وهذه الآية نزلت في قول ثابت بن قيس (١)، وكان هو من القليل الذي استثنى الله، ورفع القليل على ضمير الفاعل في قوله: ﴿فَعَلُوهُ﴾ وقيل: على التكرار، تقديره: ما فعلوه. تم الكلام، ثم قال: إلا أنه فعله قليل منهم، كقول عمرو بن معدي كرب (٢): وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك، إلا الفرقدانِ وقرأ أبي بن كعب، وعيسى بن عمر، وابن أبي إسحاق، وابن عامر: (قليلا منهم) بالنصب، وكذا في مصاحف أهل الشام على الاستثناء (٣)، وقيل فيه إضمار، تقديره: إلا أن يكون قليلا منهم.

стр. 5302

قال الحسن، ومقاتل: لما نزلت هذه الآية قال عمر، وعمار، وابن مسعود، وناس من أصحاب رسول الله ﷺ -وهم القليل- والله، لو أمرنا لفعلنا، فالحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "إن من أمتي لرجالًا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي" (١). قال الله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ ما يؤمرون به ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾، تحقيقًا وتصديقًا؛ لإيمانهم. ٦٧ - ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧)﴾ ثوابًا وافرًا. ٦٨ - ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ أي: إلى صراط مستقيم. ٦٩ - قوله : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية. نزلت هذه الآية في ثوبان، مولى رسول الله ﷺ (٢)، وكان شديد

стр. 5303

الحب لرسول الله ﷺ ، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم، وقد تغير لونه، ونحل جسمه، ويعرف الحزن في وجهه، فقال له رسول الله ﷺ : "يا ثوبان، ما غير لونك؟ " فقال: يا رسول الله، ما بي من مرض، ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك، واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة، فأخاف أني لا أراك هناك، لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين، وإني إن أدخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذلك حين لا أراك أبدا. فأنزل الله هذه الآية (١)، ثم قال ﷺ : "والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه، وأبويه، وأهله، وولده، والناس أجمعين" (٢).

стр. 5304

وقال قتادة، ومسروق بن الأجدع: قال أصحاب محمد ﷺ : يا رسول الله، ما ينبغي لنا أن نفارقك؛ فإنا لا نراك إلا في الدنيا، وأما في الآخرة فإنك ترفع فوقنا؛ بفضلك، فلا نراك، فأنزل الله : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ (١)، في الفرائض ﴿وَالرَّسُولَ﴾ في السنن ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾: وهم أفاضل أصحاب محمد ﷺ ، ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾: وهم الذين استشهدوا في سبيل الله ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ يعني: صالحي أمة محمد ﷺ . وقال عكرمة: النبيون -هاهنا: محمد ﷺ ، والصديقون: أبو بكر الصديق ﵁، والشهداء: عمر، وعثمان، وعلى، ﵃، والصالحون: سائر الصحابة (٢)، رضوان الله عليهم أجمعين. ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ يعني: رفقاء في الجنة، كما تقول: نعم الرفقاء هم، والعرب تضع الواحد في معنى الجمع كثيرًا، كقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ (٣) أي: أطفالًا، وقوله: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (٤) أي: الأدبار، وقال: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ (٥).

стр. 5305

وقوله: ﴿رَفِيقًا﴾ نصب على التمييز. ٧٠ - ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ﴾ أي: المن ﴿مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ يعني: بالآخرة وثوابها، وقيل: بمن أطاع رسول الله ﷺ وأحبه. وفي هذه الآية دليل على خلافة أبي بكر الصديق ﵁ وذلك أن الله تعالى لما ذكر مراتب أوليائه في كتابه، بدأ بالأعلى منهم، وهم النبيون، ﵈، فجعل الدرجة الأعلى (١) للنبيين، ولم يجز أن يتقدمهم فيها أحد، وثنى بذكر الصديقين، فلا يجوز أن يتقدمهم أحد غير النبيين، ولا أن يكون بين النبي والصديق غيرهما، وقد أجمع المسلمون على تسمية أبي بكر: صديقًا، كما أجمعوا على تسمية: محمد رسولًا، ولم (٢) يجز أن يكونوا غالطين في تسميتهم محمدًا: رسولًا، كذلك لا يجوز أن يكونوا غالطين في تسمية أبي بكر: صديقًا، وإذا صح أنه صديق، وأنه ثاني رسول الله ﷺ لم يجز أن يتقدمه أحد بعده، والله أعلم. وفي قوله: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ دليل على أنهم لم ينالوا تلك الدرجة بطاعتهم، بل نالوا الفضل من الله، خلافًا لما قالت المعتزلة (٣): إن العبد إنما ينال ذلك بفعله، فلما أمتن الله على

стр. 5306

عباده بما آتاهم من فضله، وكان لا يجوز أن يثني على نفسه بما لم يفعله، فدل ذلك على بطلان قولهم. والله أعلم. ثم علمهم مباشرة الحروب فقال: ٧١ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ من عدوكم -أي: عدتكم، وآلتكم من السلاح، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، والحِذْر والحَذَر واحد (١): كالمِثْل، والمَثَل، والعِدل والعَدَل، والشِّبْه، والشَّبَه. ﴿فَانْفِرُوا﴾ أي: أخرجوا ﴿ثُبَاتٍ﴾ أي: سرايا متفرقين، سرية بعد سرية، وجماعة بعد جماعة، والثبات: الجماعات في تفرقة، واحدها: ثبة. ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أي: مجتمعين كلكم مع نبيكم، واستدل أهل القدر بهذه الآية، بقوله: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ وقالوا: لولا أن الحذر

стр. 5307

يمنع عنهم مكائد (١) الأعداء ما كان لأمره إياهم بالحذر معنى، فيقال لهم: الأئتمار لأمر الله والانتهاء عن نهيه واجب عليهم؛ لأنه به يسلمون من معصية الله تعالى؛ لأن المعصية ترك ما أمروا، وإتيان ما نهوا (٢)، وليس في الآية دليل على أن حذرهم ينفع من القدر شيئًا، وهو كقول النبي ﷺ للرجل: "اعقل، وتوكل" (٣). والمراد منه: طمأنينة النفس، لا أن ذلك يدفع القدر، كذلك في أخذ الحذر، والدليل على ذلك: أن الله تعالى أثنى على أصحاب محمد ﷺ بقوله حاكيًا عنهم ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (٤) وأمر بذلك رسول الله ﷺ ، فلو كان يصيبهم غير ما قضى الله تعالى عليهم لما كان لهذا معنى (٥).

стр. 5308

٧٢ - قوله : ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾. قال بعضهم: نزلت هذه الآية في المؤمنين (١)، لأن الله تعالى خاطبهم بقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ﴾ وقد فرق الله تعالى بين المؤمنين والمنافقين بقوله: ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ (٢). وقال أكثر المفسرين (٣): إنها نزلت في المنافقين، وإنما جمع بينهم في الخطاب؛ من جهة الجنس والنسب، لا من جهة الإيمان، ﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ أي: ليتثاقلن، وليتخلفن عن الجهاد والغزو، وقيل: معناه: ليخلفن غيره، وهو عبد الله بن أبي المنافق، وإنما دخلت (اللام) في (من) لمكان (إن)، كما يقال: إن فيها لأخاك، واللام في: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ لام قسم (٤)، وهي صلة ﴿لَمَنْ﴾ على إضمار شبيه

стр. 5309

اليمين، كما تقول: هذا (١) الذي ليقومن، وأرى رجلًا ليفعلن. ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي: قتل وهزيمة ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾: بالقعود ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ أي: حاضرًا في تلك الغزاة، فيصيبني مثل الذي أصابهم، يقول الله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ أي: معرفة. قال مقاتل بن حيان: معناه: كأنه ليس من أهل دينكم، (هكذا نظم الآية) (٢). وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾ متصل بقوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾. ٧٣ - قوله: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: فتح وغنيمة ﴿لَيَقُولَنَّ﴾: هذا المنافق، قول نادم حاسد ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ أي: في تلك الغزاة، ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي: آخذ نصيبًا وافرًا من الغنيمة، وقوله: ﴿فَأَفُوزَ﴾ نصب على جواب التمني بالفاء، وفي التمني معنى: (يسرني أن أفعل فأفعل) (٣)، كأنه منسوق، فلذلك نصب،

стр. 5310

وهذا كما تقول: وددت أن أقوم، فيتبعَني الناس (١). ثم نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن أحد. ٧٤ - قوله: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي: يختارون الحياة الدنيا على الآخرة، ومعنى يشرون: يشترون، يقال: شريت، بمعنى: أشتريت (٢)، وحينئذ يكون حكم الآية: آمنوا ثم قاتلوا؛ لأنه لا يجوز أن يكون الكافر مأمورًا بشيء متقدم على الإيمان. وقال بعضهم: نزلت هذه الآية في المؤمنين المخلصين، معناه: فليقاتل في سبيل الله الذين يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، ثم قال: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بمعنى: يستشهد ﴿أَوْ يَغْلِبْ﴾ بمعنى: يظفر ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا﴾: في كلا الوجهين ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنة. ثم حرض المؤمنين على السعي في تخليص المستضعفين فقال: ٧٥ - ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾ أي: تجاهدون ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: في طاعة الله ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾

стр. 5311

في موضع الخفض، قال الكلبي (١): عن أبي صالح (٢)، عن ابن عباس (٣): معناه: وعن المستضعفين (٤). وقال ابن شهاب: وفي سبيل المستضعفين (٥). وقيل: في تخليص المستضعفين (٦). ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ﴾ كانوا بمكة، يلقون من المشركين فيها أذى كثيرًا، فكانوا يدعون، ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ يعني: مكة ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ يعني: التي من صفتها أن أهلها ظالمون مشركون، وإنما خفض: ﴿الظَّالِمِ﴾ لأنه نعت للأهل، فلما عاد الأهل على القرية، كان فعل ما أضيف إليها بمنزلة فعلها، كما تقول: مررت بالرجل الواسعة داره، ومررت برجل حسنة عينه (٧).

стр. 5312

﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ يمنعنا من المشركين، فأجاب الله تعالى دعاءهم، فلما فتح رسول الله ﷺ مكة جعل الله تعالى لهم النبي وليًا، فاستعمل عليها عتاب بن أسيد، فجعل الله لهم نصيرًا، فكان ينصف الضعيف من الشديد، فنصرهم الله تعالى به وأعانهم (١)، وكانوا أعز بها من الظلمة قبل هذه، وفي هذه الآية دليل على إبطال قول من زعم: أن العبد لا يستفيد بالدعاء معنى، لأن الله حكى عنهم أنهم دعوه، فأجابهم الله تعالى، وآتاهم ما سألوه، ولولا أنه أجابهم إلى دعائهم ما كان لذكر دعائهم معنى. والله أعلم (٢). ٧٦ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في طاعته ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ يعني: في طاعة الشيطان ﴿فَقَاتِلُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ أي: حزبه، وجنوده ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ﴾ أي: مكره، وصنيعه، ومكر من اتبعه ﴿كَانَ ضَعِيفًا﴾ كما خذلهم يوم بدر.

стр. 5313

٧٧ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾. قال الكلبي: نزلت في عبد الرحمن بن عوف الزهري، والمقداد ابن الأسود الكندي (١)، وقدامة بن مظعون الجمحي (٢)، وسعد بن أبي وقاص الزهري، ﵃؛ كانوا يلقون من المشركين أذى شديدًا، وهم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة، فيشكون إلى رسول الله ﷺ ، ويقولون: يا رسول الله، ائذن لنا في قتال هؤلاء، فإنهم قد آذونا. فيقول لهم رسول الله ﷺ : "كفوا أيديكم، فإني لم أؤمر بقتالهم" فلما هاجروا إلى المدينة، وأمرهم الله تعالى بقتال المشركين، وأمرهم رسول الله ﷺ بالمسير إلى بدر، وعرفوا أنه القتال كره بعضهم، وشق عليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ بمكة عن القتال (٣).

стр. 5314

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ﴾ أي: فرض ﴿عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ يعني: مشركي مكة ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ أي: أكبر خشية، ويقال: معناه: وأشد خشية، كقوله تعالى: ﴿مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (١)، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ أي: لم فرضت علينا الجهاد ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ يعني: الموت -أي: هلا تركتنا حتى أن نموت بآجالنا. واختلفوا في نزول قوله تعالى: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾: فقال بعضهم: نزلت في المنافقين؛ لأن قوله: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ لا يليق بالمؤمنين وكذلك الخشية من غير الله. وقال بعضهم: بل نزلت في قوم من المؤمنين، لم يكونوا راسخين في العلم، وأهل الإيمان يتفاضلون في الإيمان، فمنهم الكامل الذي يخرجه إيمانه عن غلبة الطبع عليه، ومنهم من ينقص عن تلك الحالة، فتنفر نفسه عما يؤمر به فيما يلحقه فيه الشدة، والله أعلم. وقيل: نزلت في قوم كانوا مؤمنين، فلما فرض عليهم القتال والجهاد نافقوا من الجبن، وتخلفوا عن الجهاد (٢).

стр. 5315

ويدل عليه: أن الله لا يتعبد الكافر والمنافق بالشرائع، بل يتعبدهم -أولا- بالإيمان، ثم بالشرائع، فلما نافقوا نبه الله تعالى على أحوالهم، وقد قال الله تعالى مخبرًا عن المنافقين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾، وقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ (١) وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ (٢). ﴿قُلْ﴾: لهم، يا محمد ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا﴾ أي: منفعتها، والاستمتاع بها ﴿قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ﴾ يعني: وثواب الآخرة ﴿خَيْرٌ﴾: أفضل ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾: الشرك، ومعصية الله (٣) والرسول ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. قال ابن عباس وعلي بن الحكم: الفتيل: الذي في شق بطن النواة. ٧٨ - ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾: ينزل بكم الموت. نزلت في قول المنافقين، لما أصيب أهل أحد: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ (٤) فرد الله عليهم وقال: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. قال قتادة: معناه: في قصور محصنة (٥).

стр. 5316

وقال عكرمة: مجصصة (١). وقال أبو عبيدة: مزينة (٢). وقال القتيبي: مطولة (٣). وقال الضحاك عن ابن عباس: البروج: الحصون، والآطام، والقلاع (٤). وفي هذه الآية رد على أهل القدر في الآجال، وذلك أن الله تعالى حكى عن الكفار أثهم قالوا: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ (٥)، وقالوا: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [٣٢١] ثم رد على الفريقين بقوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ يعرفهم بذلك أن الآجال متى أنقضت فلابد من زوال الروح، ومفارقتها الأجسام، فإن كان ذلك بالقتل، وإلا فبالموت، خلافًا لما قالت المعتزلة، من أن هذا المقتول لو لم يقتله هذا القاتل

стр. 5317

لعاش (١)، فوافقوا بقولهم (٢) هذا الكفار والمنافقين، فرد الله عليهم جميعا. قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ الآية. نزلت في المنافقين واليهود، وذلك أنهم قالوا -لما قدم رسول الله ﷺ المدينة: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل، وأصحابه (٣)، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ يعني: اليهود والمنافقين ﴿حَسَنَةٌ﴾ أي: خصب، وريف، ورخص في السعر ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لنا ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ جدب، وغلاء الأسعار، وقحط المطر (٤) ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: من شؤم محمد، وأصحابه.

стр. 5318

وقال بعضهم: معناه ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ يعني: الظفر والغنيمة ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ يعني: القتل والهزيمة (١)، ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: أنت الذي حملتنا عليه، يا محمد ﴿قُلْ﴾: لهم، يا محمد، ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: الحسنة والسيئة كلها من عند الله، ثم عيرهم بالجهل، فقال ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ﴾ يعني: المنافقين واليهود ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أي: ليسوا يفقهون قولًا، إلا التكذيب بالنعم. قال الفراء: قوله: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ﴾ كثرت في الكلام، حتى توهموا أن اللام متصلة بـ (ما)، وأنها حرف واحد، ففصلوا اللام مما خفضت في بعضه، ووصلوها في بعضه، والاتصال القراءة، ولا يجوز الوقف على اللام؛ لأنها لام خافضة (٢). ٧٩ - ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ أي: من خير ونعمة ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ أي: بلية، وأمر تكرهه ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: بذنوبك، وأنا الذي قدرتها عليك، والخطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره (٣)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (٤).

стр. 5319

وروى حفص بن سليمان (١)، عن الهيثم (٢)، عن الحسن (٣) قال: لما نزلت ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ : "ما من خَدْش بعودٍ، ولا اختلاج عرق، ولا عشرة قدم، إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر" (٤).

стр. 5320

وروى أبو رجاء الهروي (١)، عن سفيان بن سعيد (٢)، عمن سمع الضحاك بن مزاحم (٣) يقول: ما حفظ الرجل القرآن، ثم نسيه، إلا بذنب، ثم قرأ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ قال: فنسيان القرآن أعظم المصائب (٤). وقال بعضهم: هذه الآية متصلة بما قبلها، وتقديره: فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا، حتى يقولوا ما أصابك من حسنة

стр. 5321

فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك (١). وتعلق أهل القدر بهذه الآية، قالوا: نفى الله تعالى السيئة عن نفسه، بقوله ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ونسبها إلى العبد. فيقال لهم: إنما حكى الله لنبيه من قول المنافقين: أنهم قالوا إذا أصابتهم حسنة: هذه من عند الله، وإن تصبهم سيئة يقولوا: هذه من عندك، لم يرد به حسنات الكسب، ولا سيئاته، لأن الذي مسَّك فعلُ غيرك بك، لا فعلك، ولذلك نسبت إلى غيرك، كما قال: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ (٢)، وقال: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ (٣) وكل هذه السيئات من الأسباب، لا من الأكتساب، ألا ترى أنه نسبها إلى غيرك، ولم يذكر لك بذلك ثوابًا ولا عقابًا؛ فلما ذكر حسنات العمل والكسب وسيئاتهما نسبهما إليك، وذكر فيهما الثواب والعقاب، كقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ (٤) فكان ما حكى الله تعالى عن المنافقين من قولهم في الحسنات والسيئات، لم تكن حسنات الكسب ولا سيئاته، ثم عطف عليه قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ فلم يكن بقوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ مثبتًا لما

стр. 5322

قد نفاه، ولا نافيًا لما قد أثبته، لأن ذلك لا يجوز على الحكيم ، ولكن بيَّن السبب الذي أستحق به هذه المصيبة، وكان ذلك من كسبه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (١) فجعل هذه المصيبة جزاء للفعل، وإذا أوقع الجزاء لم يوقعه إلا على ما نسبه إلى العباد كقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ليس فيه دليل على أنه لا يريد السيئة، ولا فعلها، ولكن ما كان جزاء نسبه إلى العبد على طريق الجزاء. ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمد ﴿لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ على أنك رسول صاق، وقيل: معناه: وكفى بالله شهيدًا على أن الحسنة والسيئة كلها من الله.

стр. 5323

٨٠ - قوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وذلك؛ أن النبي ﷺ كان يقول: "من أطاعني أطاع الله، ومن أحبني أحب الله" (١)، فقال بعض المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا، كما أتخذت النصارى عيسى (٢)، فأنزل الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ﴾ فيما أمر به فقد أطاع الله ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ عن طاعته ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾: يا محمد ﴿عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: حافظًا ورقيبًا، وقال القتيبي: محاسبًا (٣). فنسخ الله تعالى هذا بآية السيف، وأمره بقتال من خالف الله ورسوله. ٨١ - ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يعني به: المنافقين، وذلك؛ أنهم كانوا يقولون لرسول الله ﷺ : إنا آمنا بك، فمرنا (٤)، فأمرك طاعة. وهم يكفرون به في السر، وقوله: ﴿طَاعَةٌ﴾ مرفوعة على معنى: منا طاعة، أو أمرك طاعة، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ﴾ (٥) أي: فقولوا: سمع وطاعة،

стр. 5324

وكذلك قوله تعالى: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ (١) ليست مرتفعة بـ (لهم)، بل هي مرتفعة على الوجه الذي ذكرت (٢)، ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: خرجوا ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ (٣) أي: زوَّر، وموَّه، وقيل: هيَّأ. وقال قتادة والكلبي: ﴿بَيْتٍ﴾ أي: غير وبدَّل الذي عهد إليهم النبي ﷺ (٤)، ويكون: التبييت بمعنى: التبديل (٥)، (قال الشاعر) (٦): بيَّت قولي عبد المليك ... قاتله الله عبدا كفورا (٧) وقال أبو عبيدة، والقتيبي: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ أي: قالوا وقدروا ليلًا غير ما أعطوك نهارا، وكل شيء قدِّر بليل من شرِّ فهو تبييت (٨). قال الشاعر عبيدة بن الهمام (٩):

стр. 5325

أتوني، فلم أرض ما بيتوا ... وكانوا أتوني بشيء نُكُر لأُنكح أيِّمَهم منذرًا ... وهل يُنكحُ العبدَ حرٌّ لحرْ؟ ! وقال النمر بن تولب: هبَّتْ؛ لتعذلني بليل، فاسمعي ... سفهًا تَبَيُّتُكِ الملامة، فاهجعي (١) وقال أبو الحسن الأخفش -سعيدُ بن مسعدة: تقول العرب للشيء إذا قدر: قد بيت. يشبهونه بتقدير بيوت الشعر. ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ﴾ أي: يثبت ويحفظ - ﴿مَا يُبَيِّتُونَ﴾ أي: ما يغيرون، ويزورون، ويقدرون. وقال الضحاك عن ابن عباس: يعني: ما يسرون من النفاق (٢). ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ يا محمد، ولا تعاقبهم ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ
следующие страницы →