فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك (١).
وتعلق أهل القدر بهذه الآية، قالوا: نفى الله تعالى السيئة عن نفسه، بقوله ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ونسبها إلى العبد.
فيقال لهم: إنما حكى الله لنبيه من قول المنافقين: أنهم قالوا إذا أصابتهم حسنة: هذه من عند الله، وإن تصبهم سيئة يقولوا: هذه من عندك، لم يرد به حسنات الكسب، ولا سيئاته، لأن الذي مسَّك فعلُ غيرك بك، لا فعلك، ولذلك نسبت إلى غيرك، كما قال: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ (٢)، وقال: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ (٣) وكل هذه السيئات من الأسباب، لا من الأكتساب، ألا ترى أنه نسبها إلى غيرك، ولم يذكر لك بذلك ثوابًا ولا عقابًا؛ فلما ذكر حسنات العمل والكسب وسيئاتهما نسبهما إليك، وذكر فيهما الثواب والعقاب، كقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ (٤) فكان ما حكى الله تعالى عن المنافقين من قولهم في الحسنات والسيئات، لم تكن حسنات الكسب ولا سيئاته، ثم عطف عليه قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ فلم يكن بقوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ مثبتًا لما
стр. 5322
قد نفاه، ولا نافيًا لما قد أثبته، لأن ذلك لا يجوز على الحكيم ، ولكن بيَّن السبب الذي أستحق به هذه المصيبة، وكان ذلك من كسبه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (١) فجعل هذه المصيبة جزاء للفعل، وإذا أوقع الجزاء لم يوقعه إلا على ما نسبه إلى العباد كقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ليس فيه دليل على أنه لا يريد السيئة، ولا فعلها، ولكن ما كان جزاء نسبه إلى العبد على طريق الجزاء.
﴿وَأَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمد ﴿لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ على أنك رسول صاق، وقيل: معناه: وكفى بالله شهيدًا على أن الحسنة والسيئة كلها من الله.
стр. 5323
٨٠ - قوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾
وذلك؛ أن النبي ﷺ كان يقول: "من أطاعني أطاع الله، ومن أحبني أحب الله" (١)، فقال بعض المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا، كما أتخذت النصارى عيسى (٢)، فأنزل الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ﴾ فيما أمر به فقد أطاع الله ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ عن طاعته ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾: يا محمد ﴿عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: حافظًا ورقيبًا، وقال القتيبي: محاسبًا (٣). فنسخ الله تعالى هذا بآية السيف، وأمره بقتال من خالف الله ورسوله.
٨١ - ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾
يعني به: المنافقين، وذلك؛ أنهم كانوا يقولون لرسول الله ﷺ : إنا آمنا بك، فمرنا (٤)، فأمرك طاعة. وهم يكفرون به في السر، وقوله: ﴿طَاعَةٌ﴾ مرفوعة على معنى: منا طاعة، أو أمرك طاعة، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ﴾ (٥) أي: فقولوا: سمع وطاعة،
стр. 5324
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ (١) ليست مرتفعة بـ (لهم)، بل هي مرتفعة على الوجه الذي ذكرت (٢)، ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: خرجوا ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ (٣) أي: زوَّر، وموَّه، وقيل: هيَّأ.
وقال قتادة والكلبي: ﴿بَيْتٍ﴾ أي: غير وبدَّل الذي عهد إليهم النبي ﷺ (٤)، ويكون: التبييت بمعنى: التبديل (٥)، (قال الشاعر) (٦):
بيَّت قولي عبد المليك ... قاتله الله عبدا كفورا (٧)
وقال أبو عبيدة، والقتيبي: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ أي: قالوا وقدروا ليلًا غير ما أعطوك نهارا، وكل شيء قدِّر بليل من شرِّ فهو تبييت (٨).
قال الشاعر عبيدة بن الهمام (٩):
стр. 5325
أتوني، فلم أرض ما بيتوا ... وكانوا أتوني بشيء نُكُر
لأُنكح أيِّمَهم منذرًا ... وهل يُنكحُ العبدَ حرٌّ لحرْ؟ !
وقال النمر بن تولب:
هبَّتْ؛ لتعذلني بليل، فاسمعي ... سفهًا تَبَيُّتُكِ الملامة، فاهجعي (١)
وقال أبو الحسن الأخفش -سعيدُ بن مسعدة: تقول العرب للشيء إذا قدر: قد بيت. يشبهونه بتقدير بيوت الشعر.
﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ﴾ أي: يثبت ويحفظ - ﴿مَا يُبَيِّتُونَ﴾ أي: ما يغيرون، ويزورون، ويقدرون.
وقال الضحاك عن ابن عباس: يعني: ما يسرون من النفاق (٢).
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ يا محمد، ولا تعاقبهم ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ
стр. 5326
وَكِيلًا﴾ أي: كفيلًا وثقة وناصرًا بالانتقام لك منهم، فنسخ الله قوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ بالسيف ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (١) بالكلام الغليظ (٢).
فإن قيل: ما وجه الحكمة في أبتدائه بذكر جملتهم، ثم قال: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ فصرف الخطاب من جملتهم إلى بعضهم؟
يقال: قد قيل: إنه إنما عبر عن حال من علم أنه يبقى على كفره، فأما من علم أنه رجع عن ذلك؛ فإنه صفح عن ذكرهم.
وقد قيل: إنه عبر عن حال من أسهر ليله، ودبر أمره، فأما من سمع وسكت فإنه لم يذكرهم.
وفي قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ دليل على إبطال قول من زعم أن السنة تعرض على الكتاب، ثم يعمل بها، وذلك أن كل ما نص الله عليه فإنما صار فرضا بالكتاب، فإذا عدم النص من الكتاب ووردت السنة وجب أتباعها، ومن خالفها فقد خالف رسول الله ﷺ ، ومن خالف رسول الله ﷺ فقد خالف الله ؛ لأن في طاعة الرسول طاعة الله تعالى، فمن زعم أنه لا يقبل الخبر إلا بعد أن يعرض على كتاب الله فقد أبطل كل حكم ورد عنه، مما لم ينص عليه الكتاب.
стр. 5327
وأما قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ ففيه دليل على أن من لم يعتقد الطاعة فليس بمطيع على الحقيقة، وذلك أن الله لم يحقق طاعتهم فيما أظهروه، فقال: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ فلو كان للطاعة حقيقة (بلا اعتقاد) (١) لحكم لهم بها، فثبت أنه لا يكون المطيع مطيعًا إلا باعتقاد الطاعة، مع وجودها.
٨٢ - قوله : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾
يعني: أفلا يتفكرون في القرآن، فيرون بعضه يشبه بعضًا (ويصدق بعضه بعضا) (٢) فإن أحدًا من الخلائق لم يكن يقدر عليه، فيعلمون بذلك أنه من عند الله، إذ ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ يعني: تفاوتًا (٣)، وتناقضًا كثيرًا، هذا قول ابن عباس (٤).
وقال بعضهم: معناه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ﴾ أي: في الإخبار عما غاب عنه بما كان، وبما يكون ﴿اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ يعني: تفاوتًا بينًا؛ إذ الغيب لا يعلمه إلا الله ، فيعلم من ذلك أنه كلام الله ، وأن محمدًا نبيه رسول صادق، وفي هذه الآية دليل على أن القرآن غير مخلوق، إذ هو معرى عن الاختلاف من كل الجهات، فلو كان مخلوقًا، لكان لا يخلو من اختلاف وتفاوت.
стр. 5328
٨٣ - ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾
وذلك؛ أن رسول الله ﷺ كان يبعث السرايا، (فإذا غلبوا، أو غلبوا بادر المنافقون بالاستخبار عن حال السرايا، فيفشونه، ويحدثون به) (١) قبل أن يحدث به رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ يعني المنافقين، ﴿أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ أي: الغنيمة والفتح ﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾ أي: الهزيمة والقتل، ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ أي: أشاعوه، وأفشوه.
﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ أي: ولو لم يحدثوا به، ولم يفشوه، حتى يكون النبي ﷺ هو الذي يحدث به ويفشيه، وأولوا الأمر منهم ذوو الرأي من الصحابة مثل: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، ﵃ (٢) ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ قال الكلبي (٣)، عن أبي صالح (٤)، عن ابن عباس، وعلي بن الحكم عن الضحاك: ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ أي: يتبعونه (٥).
وقال عكرمة: يحرصون عليه، ويسألون عنه (٦).
وقال أبو عبيدة، والقتيبي: يستخرجونه، يقال: أستنبطت الماء،
стр. 5329
إذا أخرجته (١).
وقال جويبر (٢)، عن الضحاك (٣)، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ يعني المنافقين، كانوا إذا أمروا بالقتال لم يطيعوا الله فيما أمرهم به، وإن نهاهم عن محارمه لم ينتهوا، وإن أفضى الرسول إليهم سرًّا أذاعوا عند العدو، لكيلا يلتئم (٤)، فأنزل الله تعالى ردًّا عليهم ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ يعني: أمورهم في الحلال والحرام إلى الرسول في التصديق به، والقبول منه، ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ يعني: حملة الفقه والحكمة ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ يعني: الذين يفحصون عن العلم (٥).
ثم قال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ ومعناه: لاتبعتم الشيطان كلكم.
قال الضحاك: هم أصحاب النبي ﷺ ؛ حدثوا أنفسهم بأمر من أمور الشيطان (٦).
стр. 5330
وقال ابن عباس: ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ الإسلام ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾: القرآن ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعني بالقليل: الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى (١).
وعلى هذا القول يكون قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ مستثنى من قوله ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾.
وقال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير، معناه: لعلمه الذين يستنبطونه إلا قليلا (٢).
وقال بعضهم: معناه: أذاعوا به، إلا قليلًا لم يذع، ولم يفش، وهكذا قال الكلبي، واختار الفراء أيضًا هذا القول، قال: لأن علم السرايا إذا ظهر علمه المستنبط وغيره، والإذاعة قد تكون في بعض دون بعض، فلذلك أستحسنت الاستثناء من الإذاعة (٣).
وفي هذه الآية دليل على وجوب القول بالاجتهاد، عند عدم النص، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ فالعلم محيط أن الاستنباط ليس بتلاوة
стр. 5331
وإذا كان إدراكه بالاستنباط، فقد دل بذلك على أن من العلم ما يدرك بالتلاوة والرواية، وهو النص، ومنه ما يدرك بغيرهما، وهو المعنى، وحقيقة الأعتبار والاستنباط والقياس: الحكم بالمعاني المودعة في النصوص غير الحكم بالنصوص.
٨٤ - ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾
وذلك أن رسول الله ﷺ لما التقى هو وأبو سفيان بن حرب يوم أحد، وكان من أمرهم ما كان، ورجع أبو سفيان إلى مكة، وواعد رسول الله ﷺ موسم بدر الصغرى (١)، في ذي القعدة، فلما بلغ الميعاد، قال للناس: أخرجوا إلى العدو، وكرهوا ذلك كراهة شديدة، أو بعضهم، فأنزل الله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ أي: لا تدع جهاد العدو والانتصار للمستضعفين من المؤمنين، ولو وحدك.
وقيل: معناه لا تلزم فعل غيرك، ولا تؤخذ به، ولم يرد بالتكليف
стр. 5332
الأمر لأنه يقتضي على هذا القول أن لا يكون غيره مأمورًا بالقتال، والفاء في قوله ﴿فَقَاتِلْ﴾ جواب عن قوله ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: حضهم على الجهاد، ورغبهم في الثواب، وعرفهم فضل الشهادة، فلما نزلت هذه الآية حرضهم رسول الله ﷺ على الجهاد، ورغبهم فيه، فتثاقلوا عنه ولم يخرجوا معه إلى القتال، فخرج رسول الله ﷺ في سبعين راكبًا (٢) حتى أتوا بدرًا، وكفاهم الله بأس العدو، ولم يوافهم (٣) أبو سفيان، ولم يكن قتال يومئذ، فانصرف رسول الله ﷺ وأصحابه، وذلك قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ﴾ أي: لعل الله ﴿أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: قتال المشركين وصولتهم، وعسى من الله واجب حيث كان، وقد جاء عسى في كلام العرب بمعنى: اليقين.
قال ابن مقبل:
ظني بهم كعسى، وهم بَتَنُوفَةٍ ... يتنازعون جوائزَ الأمثالِ (٤)
стр. 5333
﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا﴾ أى: أشد صولةً، وأعظم سلطانًا، وأقدر على ما يريد ﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ أي: عقوبة.
فإن قيل: إذا كان من قولكم أن عسى من الله واجب، وقد قال ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ونحن نراهم في بأس وشدة، فأين ذلك الوعد؟
يقال لهم: قد قيل: إن المراد منه الفكرة، الذين كف بأسهم ببدر الصغرى، وبالحديبية (١)، لقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ الآية (٢) وإن كان ظاهر العموم فالمراد منها الخصوص.
وقيل: أراد به المدة التي أمر الله فيها بالقتال ليزول الكفر بقولة: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (٣) فعند ذلك يكف الله بأس الذين كفروا وهو الوقت الذي ينزل فيه عيسى ﵇، فيكون حكمًا مقسطًا، ويظهر الإسلام على الدين كله.
стр. 5334
وقيل: إن ذلك في القوم الذين قذف الله في قلوبهم الرعب، فخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير قتال من المؤمنين لهم، فهذا بأس قد كفه الله عن المؤمنين.
وقد قيل: إنه أراد به اليهود والنصارى الذين دخلوا في الجزية، وتركوا المحاربة، فكف (١) بأسهم عن المؤمنين، إذ صاروا بأداء الجزية صاغرين.
٨٥ - قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾
فيحسن القول في الناس، ويسعى في إصلاح ذات البين ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ﴾ أي: حظ ﴿مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ فيسيء القول في الناس، ويمشي بينهم بالنميمة والغيبة، ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ قال ابن عباس، وقتادة: الكفل: الإثم والوزر (٢).
وقال الفراء وأبو عبيدة: الكفل: الحظ والنصيب (٣).
وقال مجاهد: شفاعة حسنة، وشفاعة سيئة، هي: شفاعة الناس
стр. 5335
بعضهم لبعض (١).
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾: قال الكلبي (٢)، عن أبي صالح (٣) عن ابن عباس: ﴿مُقِيتًا﴾ أي: مقتدرا، مجازيا بالحسنة والسيئة (٤).
يقال: أقات على الشيء -أي: اقتدر عليه (٥).
قال الشاعر:
وذي ضِغْن كففْت النفسَ عنه ... وكنتُ على مساءته مُقيتا
стр. 5336
وقال مجاهد: شاهدًا (١).
وقال قتادة: حفيظًا (٢).
والمقيت: الشاهد للشيء، الحافظ له.
قال الشاعر (٣):
ليت شعري وأَشْعُرَنَّ إذا ما ... قرَّبوها مطوية ودُعِيتُ
ألِيَ الفضلُ أم علَيَّ إذا حُو ... سبت؟ ! إني على الحساب مقيتُ
وقال الفراء: المقيت: المقدر، الذي يعطي كل رجل قوته (٤).
стр. 5337
وجاء في الحديث: "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت" (١)، ويقيت، ثم نزل بقوم بخلوا برد السلام.
стр. 5338
٨٦ - ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾
على المسلمين، أي: زيدوا عليها، يقول القائل: السلام عليكم، فيقول: وعليكم السلام ورحمة الله، ونحوها، وفي الخبر: من قال لأخيه المسلم: سلام عليكم، كتب له بها عشر حسنات، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله، كتب له عشرون حسنة، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كتب له ثلاثون حسنة (١)، وكذلك لمن رد من (٢) الأجر.
стр. 5339
قال ابن عباس: ومن سلم عشر مرات له من الأجر عتق رقبة، وكذلك لمن رد السلام عشر مرات (١).
﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ بمثلها على أهل الكتاب وأهل الشرك، فإن كان من أهل دينه فليرد عليه بأحسن منها، وإن كان من غير أهل دينه فليقل: وعليكم. لا يزيد على ذلك (٢)، قال رسول الله ﷺ : "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم" (٣).
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من رد السلام بمثله، أو بأحسن منه, ﴿حَسِيبًا﴾ أي: محاسباً، ومجازياً، وقال مجاهد: حفيظاً (٤)، وقال أبو عبيدة: كافياً مقتدراً، يقال: حسبي هذا، أي: كفاني (٥).
واعلم أن كل موضع وجد ذكره كان موصولاً بالله فإن ذلك يصلح للماضي والحين والمستقبل، وإذا كان بغير الله فإنه يكون على خلاف هذا المعنى.
* * *
стр. 5340
ثم نزل في الذين أنكروا البعث:
٨٧ - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾
لا شك فيه، واللام في قوله ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ لام القسم، ومعناه: والله الذي لا إله إلا هو ليجمعنكم في الموت، وفي القبور إلى يوم القيامة، وسميت القيامة قيامة؛ لأن الناس يقومون من قبورهم، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ (١).
وقيل: سميت بذلك لقيامهم إلى الحساب، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ أي: قولاً ووعداً.
٨٨ - قوله -تعالى-: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾
نزلت هذه الآية في ناس من قريش قدموا على رسول الله ﷺ المدينة فأسلموا، وأقاموا بها، ثم ندموا على ذلك فأرادوا الرجعة، فقال بعضهم لبعض: كيف نخرج؟ قالوا: نخرج كهيئة البداء (٣)، فإن فطن بنا قلنا: خرجنا نتنزه (٤)، وإن غفل عنا مضينا، فخرجوا
стр. 5341
كهيئة المتنزهين (١)، حتى تباعدوا من المدينة، ثم كتبوا كتاباً إلى رسول الله ﷺ إنا على (٢) الذي فارقناك عليه من الإيمان, والتصديق بالله ورسوله، ولكنا اجتوينا (٣) المدينة، واشتقنا إلى أرضنا، ثم إنهم خرجوا في تجارة لهم نحو الشام، فبلغ ذلك المسلمين، فقال بعضهم: ما يمنعنا أن نخرج إلى هؤلاء الذين رغبوا عن ديننا، وتركوا هجرتنا، وظاهروا عدونا، فنقتلهم، ونأخذ ما معهم، وقالت طائفة منهم: كيف تقتلون قوماً على دينكم، أن لم يذروا ديارهم؟ وكان هذا بعين رسول الله ﷺ ، وهو ساكت، لا ينهى واحداً من الفريقين، حتى نزلت هذه الآية، والآيات (٤) التي بعدها، فبين لرسول الله ﷺ شأنهم.
وقال زيد بن ثابت: نزلت في ناس رجعوا يوم أحد عن النبي ﷺ ، فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين، فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا نقتلهم، فنزلت فيهم هذه الآية، فقال رسول الله ﷺ :
стр. 5342
"إنها طيبة، هانها تنفي الخبث، كما تنفي النار خبث الفضة" (١)، يعني: المدينة.
وقال قتادة: ذكر لنا أنهما كانا رجلين من قريش بمكة، تكلما بالإِسلام ولم يهاجرا إلى النبي ﷺ ، فلقيهما ناس من أصحاب النبي ﷺ مقبلين إلى مكة، فقال بعضهم: إن دماءهما، وأموالهما حلال. وقال بعضهم: لا يحل ذلك. وتشاجروا؛ فأنزل الله تعالى ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ الآية (٢).
وقال عكرمة: هم ناس ممن قدموا (٣)، أخذوا أموالاً من أموال المشركين فانطلقوا بها إلى اليمامة (٤)، فاختلف المسلمون فيهم، فنزلت فيهم هذه الآية (٥).
وقال مجاهد: هم قوم خرجوا مع رسول الله ﷺ إلى المدينة، ثم
стр. 5343
ارتدوا بعد ذلك، واستأذنوا رسول الله ﷺ في الخروج إلى مكة، ليأتوا ببضائع لهم، يتجرون فيها، فاختلف المسلمون فيهم، فقائل يقول: هم منافقون. وقائل يقول: هم مؤمنون. فبين الله نفاقهم (١).
وقال الضحاك: هم قوم أظهروا الإسلام بمكة، فلما هاجر النبي ﷺ ولم يهاجروا، اختلف المسلمون فيهم، فنزلت هذه الآية (٢).
﴿فَمَا لَكُمْ﴾ يا معشر المؤمنين، ﴿فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ (٣) أي: صرتم في المنافقين فئتين، فمُحِل ومحرم، ونصب: ﴿فِئَتَيْنِ﴾ على خبر صار، وقال بعضهم: نصبه على الحال (٤).
﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: أهلكهم، ونكسهم، وردهم إلى كفرهم، وضلالتهم بأعمالهم غير الزاكية.
يقال: أركست الشيء، وركسته، أي: نكسته، ورددته (٥)، وفي
стр. 5344
قراءة عبد الله، وأبي ﵄: (والله ركسهم) (١)، قال ابن رواحة:
أركسوا (٢) في فتنة مظلمة ... كسواد الليل تتلوها فتن
أي: نكسوا.
﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا﴾ ترشدوا إلى الهدى ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ ويقال: إن معناه: أتقولون إن هؤلاء مهتدون، (والله قد أضلهم) (٣)، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ عن الهدى ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ ديناً، وطريقاً إلى الهدى.
٨٩ - قوله تعالى: ﴿وَدُّوا﴾ أي: تمنوا، ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾
شرعاً سواء (٤) في الكفر، سماهم كفاراً، ثم أمرهم بالبراءة منهم، فقال: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الثانية معكم.
قال عكرمة: هي هجرة أخرى، وبيعة أخرى (٥).
والهجرة على ثلاثة أوجه:
إما هجرة المؤمنين في أول الإسلام، فهي قوله : ﴿لِلْفُقَرَاءِ
стр. 5345
الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢) ونحوهما من الآيات.
وإما هجرة المنافقين، فهي الخروج في سبيل الله مع رسول الله ﷺ ، صابرا، محتسباً، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وإما هجرة سائر المؤمنين، فهي أن يهاجروا ما نهى الله تعالى عنه (٣)، كما قال رسول الله ﷺ (٤).
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن التوحيد، والهجرة، ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ يعني: أسروهم، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ يعني: في الحل والحرم، ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ يعني: مانعاً في العون، والنصرة.
وقوله ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ لم يرد به جواب التمني (٥)؛ لأن جواب التمني بالفاء منصوب، إنما أراد النسق على تأويل ودوا لو تكفرون، وودوا لو تكونون سواء (٦) مثل قوله ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
стр. 5346
(٩)﴾ (١) أي: ودوا لو تدهن، وودوا لو يدهنون، ومثله: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ﴾ (٢) أي: ودوا لو تغفلون، وودوا لو يميلون.
ثم استثنى منهم طائفة، فقال:
٩٠ - ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾
أي: يتصلون بقوم، وينتسبون إليهم، يقال: اتصل، أي: انتسب (٣)، وفي الحديث: "من اتصل فأعضُّوه" (٤)، أي: من ادعى بدعوى الجاهلية.
стр. 5347
قال الأعشى:
إذا اتصلت قالت أبكر بن وائلٍ ... وبكر سبتها والأنوف رواغمُ (١)
أي إذا انتسبت، ويقال: يصلون من الوصول، أي: يلجئون إليهم.
﴿إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: عهد، وهم الأسلميون، وذلك أن رسول الله ﷺ وادع هلال بن عمير الأسلمي (٢)، خروجه (٣) إلى مكة، على أن لا يعينه ولا يعين عليه، حتى يرى ويرى، ومن وصل إلى هلال من قومه وغيرهم ولجأ إليه فلهم من الجوار مثل الذي لهلال.
وقال الضحاك عن ابن عباس: أراد بالقوم الذي بينهم وبينه ميثاق بني بكر بن زيد بن مناة، كانوا في الصلح والهدنة (٤).
стр. 5348
قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾، أو الذين جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم، أي: ضاقت صدورهم عن قتالكم، وهم بنو مُدلج (١)، جاؤوا المؤمنين ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ يعني: من آمن منهم، ويجوز أن يكون معناه: أنهم لا يقاتلونكم، ولا يقاتلون قومهم معكم، فيكونون لا عليكم ولا لكم.
وقال بعضهم: أو بمعنى الواو، كأنه يقول: إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، وجاءوكم ضيقة صدورهم عن قتالكم، والقتال معكم، وهم قوم هلال الأسلميون، وبنو بكر بن زيد بن مناة (٢).
وقوله ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ أي: قد حصرت صدورهم، تقول العرب: أتاني ذهب عقله، يريدون: قد ذهب عقله، وقال الفراء: سمع الكسائي بعضهم يقول: أصبحت نظرت إلى ذات التنانير (٣).
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ يعني: تسليط الله المشركين
стр. 5349
على المؤمنين عقوبة، ونقمة.
﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ عند القتال (١) يوم فتح مكة، ﴿فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ مع قومهم، ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي: المسالمة والمصالحة، ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ أي: حجة في قتالهم، وسفك دمائهم، فأمر الله رسول الله ﷺ بالكف عن هؤلاء.
٩١ - ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾
غيرهم، قال الكلبي (٢)، عن أبي صالح (٣)، عن ابن عباس: هم أسد وغطفان، كانوا حاضري المدينة، وكانوا قد تكلموا بالإسلام وأقروا بالتوحيد رياء، وهم غير مسلمين، وكان الرجل منهم يقول له قومه: بماذا أسلمت؟ فيقول: بهذا القرد، وبهذا العقرب، والخنفساء.
وإذا لقوا محمداً ﷺ وأصحابه قالوا: إنا على دينكم، يريدون بذلك الأمن من الفريقين جميعاً (٤).
فذلك قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ﴾ فلا تعرضوا لهم، ﴿وَيَأْمَنُوا
стр. 5350
قَوْمَهُمْ﴾ فلا يعرضوا (١) لهم، يرضونكم ويرضونهم.
وقال جويبر (٢)، عن الضحاك (٣)، عن ابن عباس: هم بنو عبد الدار، وكانوا بهذه الصفة (٤).
﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ يعني إذا دعوا إلى الشرك رجعوا وعادوا إليه، ومضوا عليه، ثم بين للرسول ﷺ أمرهم فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ أي: فإن لم يكفوا (٥) عن قتالكم ويعتزلوكم حتى يسيروا إلى مكة ﴿وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي: المفاداة والصلح، ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ عن قتالكم ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ﴾ أي: أهل هذه الصفة، ﴿جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: عذراً، وحجة بينة في قتالهم (٦).
* * *
стр. 5351
٩٢ - قوله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ (١)، الآية،
نزلت هذه في عياش بن أبي ربيعة المخزومي (٢)، وذلك أنه أتى رسول الله ﷺ بمكة قبل أن يهاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، فأسلم معه، ثم خاف أن يظهر إسلامه لأهله، وأن يبلغ أهل مكة إسلامه، فخرج هارباً من مكة إلى المدينة، فقدمها، ثم أتى أطماً من آطامها فتحصن فيه، فجزعت لذلك (٣) أمه جزعاً شديداً حين بلغها إسلامه، وخروجه إلى المدينة، فقالت لابنيها الحارث، وأبي جهل ابني هشام، وهما أخواه لأمه: لا والله، لا يظلني سقف، ولا أذوق طعاماً, ولا شراباً حتى تأتوني به. فخرجا في طلبه، وخرج معهما الحارث بن زيد بن أبي أنيسة (٤)، حتى أتوا المدينة، فأتوا عياشاً، وهو في الأطم يعني الجبل (٥) فقالا له: انزل فإن أمك
стр. 5352
لم يئوها سقف بيت بعدك، وقد حلفت لا تأكل طعاماً, ولا تشرب (١) شراباً حتى ترجع إليها, ولك عهد (٢) الله علينا ألا نكرهك على شيء، ولا نحول بينك وبين دينك. فلما ذكروا له جزع أمه، وأوثقوا له بالله نزل إليهم، فأخرجوه من المدينة، ثم أوثقوه بنسعة (٣)، فجلده كل رجل (٤) منهم مائة جلدة، ثم قدموا به على أمهم -وهي أسماء بنت مخزية- فلما أتاها قالت: لا والله، لا أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به. ثم تركوه مطروحاً موثقاً في الشمس ما شاء الله، ثم أعطاهم الذي أرادوا، فأتاه الحارث بن زيد فقال له: يا عياش، أهذا الذي كنت عليه؟ فوالله لئن هدى لقد تركت الهدى، ولئن كان ضلالة لقد كنت عليها. فغضب عياش من مقالته، وقال: والله لا ألقاك خاليا (٥) إلا قتلتك. ثم إن عياشاً أسلم بعد ذلك، وهاجر إلى رسول الله ﷺ ، إلى المدينة، ثم إن الحارث بن زيد أسلم بعد ذلك، وهاجر إلى رسول الله ﷺ بالمدينة وليس عياش يومئذ حاضراً, ولم يشعر بإسلامه، فبينا عياش يسير بظهر قباء (٦)، إذ لقي
стр. 5353
الحارث بن زيد، فلما رآه حمل عليه فقتله، فقال الناس: ويحك، أي شيء صنعت؟ إنه قد أسلم، فرجع عياش إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت، وإني لم أشعر بإسلامه حتى قتلته (١)، فنزل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ , أي: لا ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ، وليس معنى قوله: ﴿وَمَا كَانَ﴾ على النفي، وإنما هو على التحريم والنهي، كقوله : ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ (٢)، ولو كان ذلك على النفي لما وجدت مؤمناً قتل مؤمناً قط, لأن ما نفى الله سبحانه لم يجز وجوده، كقوله : ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ (٣) فلا يقدر العباد على نبات شجرها البتة.
وقوله ﴿إِلَّا خَطَأً﴾ استثناء ليس من الأول (٤)، المعنى: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة، إلا أن المؤمن قد يخطئ في القتل، فكفارة خطئه ما ذكر بعد.
стр. 5354
وقال أبو عبيدة: العرب تستثني شيئاً (١) من الشيء، وليس منه على اختصار وضمير، أي: ليس لمؤمن أن يقتل مؤمناً على حال، إلا أن يقتله مخطئاً، فإن قتله مخطئاً فعليه كذا وكذا، ومثله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (٢)، واللمم: ليس من الكبائر ومعناه (٣): إلا أن يلم بالفواحش، والكبائر، أي: يقرب منها.
ومثله قول جرير:
من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ ... على الأرض إلا ذيل برد مرجَّلِ (٤)
فكأنه قال: لم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ذيل البرد، وليس هو من الأرض.
وقال أبو خراش الهذلي:
أمست سقام خلاء لا أنيس بها ... إلا الثمام ومر الريح بالغرفِ (٥)
وكان أبو عمرو الهذلي يرفع ذلك، ومثله قول الشاعر:
стр. 5355
وبلدة ليس بها أنيسُ ... إلا اليعافير وإلا العيسُ (١)
يقول: إلا أن يكون بها اليعافير والعيس (٢).
وقال بعضهم: (إلا) هنا بمعنى لكن (٣)، فكأنه قال: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً، لا خطأً ولا عمداً بحال، لكن إن قتله خطأ فحكمه كذا، وهذا كقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ معناه: لكن تجارة عن تراض منكم.
﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أي: فعليه تحرير رقبة (٤)، أي: إعتاق رقبة، ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ قال المفسرون: الرقبة المؤمنة المصلِّية المدركة، التي عقلت الإيمان, (فإذا لم تكن المؤمنة) (٥) أجزأت الصغيرة المولود فما فوقها، ممن ليس به زمانة (٦)، ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ أي: كاملة، ﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾ أي: أهل القتيل، الذين يرثهم
стр. 5356
ويرثونه، ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أي: يتصدقوا بالدية، فيعفوا، ويتركوا الدية، ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ على القاتل، ولا دية لأهل القتيل؛ لأنهم كفار محاربون، وما لهم فيء للمسلمين، وليس بينهم وبين الله عهد ولا ذمة، وذلك أن الرجل كان يسلم ولا يسلم من قومه غيره، وقومه حرب للمسلمين فيصيبه الرجل.
وروى حماد (١) عن عطاء بن السائب (٢)، عن (ابن عباس) (٣) قال: كان الرجل يسلم ثم يأتي قومه وهم مشركون، فيكون فيهم، فيغزوهم جيش من جيوش النبي ﷺ ، فيقتل الرجل فيمن يقتل، فنزلت هذه الآية ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ وليست له دية (٤).
стр. 5357
وكان الحارث بن زيد، القتيل، مؤمنا من قوم كفار حرب لرسول
الله ﷺ ، وكان فيه تحرير رقبة، ولم يكن فيه دية, لأنه لم يكن بين
رسول الله ﷺ وبين قومه عهد.
ثم قال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: عهد،
فأصبتم رجلاً منهم، ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾
على القاتل، ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ الرقبة، ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ لا يفرق
بين صيامه، ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أي: جعل الله ذلك توبة لقاتل الخطأ،
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بمن قتل خطأ ﴿حَكِيمًا﴾ فيما حكم عليه.
والدية في الخطأ (١) مائة من الإبل: عشرون بنت مخاض،
وعشرون بنت لبون، [٣٣٤] وعشرون ابن لبون، وعشرون حِقَّة،
وعشرون جذعة (٢) تكلف العاقلة ذلك، ولا يكلف أحد من أهل
стр. 5358
العاقلة (١) غير إبله، ولا يقبل دونها، وإن لم يكن ببلده إبل كلف إبل
أقرب البلدان (٢)، فإن أعوزت الإبل فقيمتها بالدنانير أو الدراهم،
كما قومها عمر بن الخطاب، ولا يكلف الأعرابي الذهب والورق،
لأنه يجد الإبل، ويؤخذ ذلك من القروي لإعواز الإبل (٣).
وقال في القديم: على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق
اثنا (٤) عشر ألف درهم.
وأما أسنان المغلظة في شبه العمد، والعمد -إذا رُدَّ إلى الدية-
أربعون خلفة (٥)، وثلاثون حقة، وثلاثون جذعة.
قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ .. الآية، نزلت هذه الآية
في مِقْيَس بن صبابة الكناني (٦)، وذلك أنه وجد أخاه هشام بن
стр. 5359
صبابة (١) قتيلاً في بني النجار، وكان مسلماً، فأتى النبي ﷺ ، فذكر له ذلك فأرسل رسول الله ﷺ معه رسولاً من بني فهر (٢)، وقال له: ائت بني النجار، فأقرئهم (٣) السلام، وقل لهم: إن رسول الله ﷺ يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن صبابة أن تدفعوه إلى مقيس بن صبابة فيقتص منه، وإن لم تعلموا له قاتلاً أن تدفعوا إليه ديته، فأبلغهم الفهري ذلك عن النبي ﷺ ، فقالوا: سمعاً وطاعة لله ولرسوله، والله ما نعلم له قاتلاً, ولكنا نؤدي (٤) ديته، قال: فأعطوه ديته (٥) من الإبل، ثم انصرفا راجعين نحو المدينة، وبينهما وبين المدينة قريب، فأتى الشيطان مقيساً، فوسوس إليه، فقال: (أي شيء) (٦) صنعت؟ تقبل دية أخيك فتكون عليك مسبة، اقتل الذي معك، فتكون نفس مكان نفس، (وفضل الدية، فتغفل مقيس الفهري، فرماه بصخرة، فشدخ رأسه، ثم ركب بعيراً منها، وساق بقيتها راجعاً إلى مكة كافراً) (٧)،
стр. 5360
فجعل يقول في شعره:
قتلت به فهرا وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارعِ
وأدركت ثأري واضطجعت موسداً ... وكنت إلى الأوثان أول راجعِ (١)
فنزلت فيه:
٩٣ - ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾
بكفره وارتداده عن الإسلام.
ذكر حكم الآية:
اختلف الناس في حكم هذه الآية، فقالت الخوارج والمعتزلة: إنها نزلت في المؤمن إذا قتل مؤمناً، وهذا الوعيد لاحق به (٢).