← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

ويرثونه، ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أي: يتصدقوا بالدية، فيعفوا، ويتركوا الدية، ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ على القاتل، ولا دية لأهل القتيل؛ لأنهم كفار محاربون، وما لهم فيء للمسلمين، وليس بينهم وبين الله عهد ولا ذمة، وذلك أن الرجل كان يسلم ولا يسلم من قومه غيره، وقومه حرب للمسلمين فيصيبه الرجل. وروى حماد (١) عن عطاء بن السائب (٢)، عن (ابن عباس) (٣) قال: كان الرجل يسلم ثم يأتي قومه وهم مشركون، فيكون فيهم، فيغزوهم جيش من جيوش النبي ﷺ ، فيقتل الرجل فيمن يقتل، فنزلت هذه الآية ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ وليست له دية (٤).

стр. 5357

وكان الحارث بن زيد، القتيل، مؤمنا من قوم كفار حرب لرسول الله ﷺ ، وكان فيه تحرير رقبة، ولم يكن فيه دية, لأنه لم يكن بين رسول الله ﷺ وبين قومه عهد. ثم قال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: عهد، فأصبتم رجلاً منهم، ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ على القاتل، ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ الرقبة، ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ لا يفرق بين صيامه، ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أي: جعل الله ذلك توبة لقاتل الخطأ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بمن قتل خطأ ﴿حَكِيمًا﴾ فيما حكم عليه. والدية في الخطأ (١) مائة من الإبل: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، [٣٣٤] وعشرون ابن لبون، وعشرون حِقَّة، وعشرون جذعة (٢) تكلف العاقلة ذلك، ولا يكلف أحد من أهل

стр. 5358

العاقلة (١) غير إبله، ولا يقبل دونها، وإن لم يكن ببلده إبل كلف إبل أقرب البلدان (٢)، فإن أعوزت الإبل فقيمتها بالدنانير أو الدراهم، كما قومها عمر بن الخطاب، ولا يكلف الأعرابي الذهب والورق، لأنه يجد الإبل، ويؤخذ ذلك من القروي لإعواز الإبل (٣). وقال في القديم: على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا (٤) عشر ألف درهم. وأما أسنان المغلظة في شبه العمد، والعمد -إذا رُدَّ إلى الدية- أربعون خلفة (٥)، وثلاثون حقة، وثلاثون جذعة. قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ .. الآية، نزلت هذه الآية في مِقْيَس بن صبابة الكناني (٦)، وذلك أنه وجد أخاه هشام بن

стр. 5359

صبابة (١) قتيلاً في بني النجار، وكان مسلماً، فأتى النبي ﷺ ، فذكر له ذلك فأرسل رسول الله ﷺ معه رسولاً من بني فهر (٢)، وقال له: ائت بني النجار، فأقرئهم (٣) السلام، وقل لهم: إن رسول الله ﷺ يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن صبابة أن تدفعوه إلى مقيس بن صبابة فيقتص منه، وإن لم تعلموا له قاتلاً أن تدفعوا إليه ديته، فأبلغهم الفهري ذلك عن النبي ﷺ ، فقالوا: سمعاً وطاعة لله ولرسوله، والله ما نعلم له قاتلاً, ولكنا نؤدي (٤) ديته، قال: فأعطوه ديته (٥) من الإبل، ثم انصرفا راجعين نحو المدينة، وبينهما وبين المدينة قريب، فأتى الشيطان مقيساً، فوسوس إليه، فقال: (أي شيء) (٦) صنعت؟ تقبل دية أخيك فتكون عليك مسبة، اقتل الذي معك، فتكون نفس مكان نفس، (وفضل الدية، فتغفل مقيس الفهري، فرماه بصخرة، فشدخ رأسه، ثم ركب بعيراً منها، وساق بقيتها راجعاً إلى مكة كافراً) (٧)،

стр. 5360

فجعل يقول في شعره: قتلت به فهرا وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارعِ وأدركت ثأري واضطجعت موسداً ... وكنت إلى الأوثان أول راجعِ (١) فنزلت فيه: ٩٣ - ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ بكفره وارتداده عن الإسلام. ذكر حكم الآية: اختلف الناس في حكم هذه الآية، فقالت الخوارج والمعتزلة: إنها نزلت في المؤمن إذا قتل مؤمناً، وهذا الوعيد لاحق به (٢).

стр. 5361

وقالت المرجئة (١): إنها نزلت في كافر قتل مؤمنا، فأما المؤمن إذا قتل مؤمنا فإنه لا يدخل النار. وقالت طائفة من أصحاب الحديث: إنها نزلت في مؤمن قتل مؤمناً، والوعيد عليه ثابت، إلا أن يتوب، أو يستغفر. وقالت طائفة منهم: كل مؤمن قتل مؤمناً فهو خالد في النار غير مؤبد ويخرج منها بشفاعة الشافعين. وزعمت فرقة ألا توبة لمن قتل مؤمناً متعمداً. وعندنا أن المؤمن إذا قتل مؤمناً متعمداً فإنه لا يكفر بفعله، ولا يخرج به من الإيمان, إلا إذا فعل ذلك على جهة الاستحلال والديانة، فأما إذا لم يفعله على جهة الاستحلال والديانة، فإن أُقيد ممن قتله فذلك كفارة له، وإن كان تائباً من ذلك، ولم يكن مقاداً ممن قتل، كانت التوبة أيضاً كفارة له، وإن خرج من الدنيا بلا توبة ولا قود، فأمره إلى الله، إن شاء غفر له، وأرضى خصمه بما شاء، وإن شاء عذبه على فعله، ثم يخرجه بعد ذلك إلى الجنة التي وعده بإيمانه، إذ الله تعالى لا يخلف له وعداً، وترك المجازاة بالوعيد

стр. 5362

يكون تفضلاً، وترك المجازاة بالوعد يكون خلفاً، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيراً، والدليل على أن المؤمن لا يصير بقتل المؤمن كافراً, ولا خارجاً به من الإيمان أن الله تعالى حين ذكر (١) البخاري القصاص سمى القاتل مؤمناً بقوله (٢) سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، والقصاص لا يكون إلا في قتل العمد، فسماهم مؤمنين، وآخى بينهم بقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾، ولم يرد إلا أخوة الإيمان, والكافر لا يكون أخاً للمؤمن، ثم قال: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ ولا يلحق ذلك الكفار، ثم أوجب على المعتدين (٣) بعد ذلك عذاباً أليماً بقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤) ولم يوقع عليه (٥) الغضب، ولا التخليد في النار، ولا يسمى هذا العذاب ناراً، والعذاب قد يكون ناراً، وقد يكون غيرها في الدنيا، ألا ترى إلى قوله: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ (٦) يعني: القتل والأسر، والدليل عليه أيضاً قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٧) فخاطب القاتلين بما خاطب المصلين، فلو كان القتل

стр. 5363

يخرجهم عن الإيمان جاز مخاطبتهم به، وكذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية (١)، واقتتال الطائفتين كان على العمد لا على الخطأ. والدليل عليه أيضاً ما روي عن النبي ﷺ : أنه كان يبايع أصحابه على: ألا يشركوا بالله شيئاً، ولا يقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، وعلى ما في القرآن من بيعة النساء، ثم يقول بعد ذلك: "فمن فعل من ذلك شيئاً فأقيم عليه الحد، فهو كفارة له، (ومن ستر عليه) (٢) فأمره إلى الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه" (٣). ولو كان القاتل خارجاً عن الإسلام لم يكن لقول النبي ﷺ معنى. وروي أن مؤمناً قتل مؤمناً متعمداً على عهد رسول الله ﷺ فلم يأمر القاتل بالإيمان من فعله، ولو كان كفراً، أو خروجاً عن الإيمان لأمره أولاً بالإيمان, وقال لطالب الدم: "أتعفو؟ " قال: لا. ثم قال: "أتأخذ الدية؟ " قال: لا. فأمر بقتله، ثم أعاد عليه مرتين، أو ثلاثاً، حتى قبل الدية (٤).

стр. 5364

ولم يحكم على القاتل بالكفر، ولو كان ذلك كفراً لبينه رسول الله ﷺ , لأن ذلك كان ردة، يحرم (١) بها أهله عليه، ولم يجز على الرسول ﷺ الإغفال عنه؛ لأنه الناصح الشفيق، المبعوث بالتأديب والتعليم. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاثة من أصل الإسلام (٢): الكف عمن قال لا إله إلا الله (٣)، لا نكفره بذنب، والجهاد ماض (٤) منذ بعثني الله تعالى إلى أن تقوم الساعة، والإيمان بالأقدار" (٥). ودليل آخر على أن القاتل لا يصير كافراً بالقتل، وهو: أن الكفر هو الجحود والإباء، والشرك إضافة والقاتل لم يجحد، ولم باب قبول الفرض (٦)، ولا أضاف إلى الله سبحانه شريكاً، فلو جاز أن يكون كافراً من لم يأت بالكفر لجاز أن يكون مؤمناً من لم يأت بالإيمان, حذو القذة بالقذة (٧).

стр. 5365

فإن تعلقت الخوارج والمعتزلة بهذه الآية، وقالوا: إن المؤمن إذا قتل مؤمناً متعمداً يبقى في النار مؤبداً؛ لأن الله تعالى قال: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾، يقال لهم: إن هذه الآية نزلت في كافر قتل مؤمناً متعمداً وقد ذكرنا القصة فيه، وسياق الآية (١)، ورواية (٢) المفسرين تدل عليه، على أنا إن سلمنا أنها نزلت في مؤمن قتل مؤمناً متعمداً فإنا نقول لهم: لم (٣) قلتم إن الخلود هو التأبيد؟ ! خبرونا (٤) عن قول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ (٥) فما معنى الخلد ها هنا في الدنيا؟ أفتقولون: إنه أراد به التأبيد، والدنيا تزول وتفنى؟ ومثله قوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾، ومثله قوله: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)﴾ (٦) إنما يعني: في الدنيا، أفتقولون: إنه أراد به التأبيد؟ فإن قالوا: لا. ولا بد منه، فيقال لهم: فقد ثبت أن معنى الخلود غير معنى التأبيد، وكذلك تقول العرب: لأخلدن فلانا في السجن. أفتقولون: إنه أراد به التأبيد، والسجن ينقطع ويفنى؟ وكذلك المسجون إما (٧) أن يموت، أو يخرج منه (٨).

стр. 5366

فإن قالوا: إن الله لما قال: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾، دل على كفره؛ لأن الله تعالى لا يغضب إلا على من كان كافراً، أو خارجاً من الإيمان, قلنا: إن هذه الآية لا توجب عليه الغضب، لأن معناها: فجزاؤه جهنم، وجزاؤه أن يغضب (١) عليه، ويلعنه، وما ذكره الله (من شيء) (٢) وجعله جزاء لشيء، فليس يكون ذلك واجباً، كقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٣)، وكم من محارب لله ورسوله لم يحل به شيء من هذه المعاني إلى أن فارق الدنيا، وقال سبحانه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٤) ولم يقل: أجزي بكل سيئة سيئة مثلها, ولو كان المعنيان في ذلك سواء، لم يكن إذاً لقوله: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٥) معنى، فكذلك هاهنا، ولو كان كذلك على معنى الوجوب، كان كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ (٦)، ووجدنا في لغة العرب أنه (٧) إذا قال القائل: جزاؤه كذا، ثم لم يجازه لم يكن كاذباً، وإذا قال: أجزيه (٨)، ولم يفعل كان كاذباً، فعلم أن بينهما

стр. 5367

فرقاً واضحاً (١). يدل على صحة هذا التأويل: ما روى العلاء بن المسيب (٢)، عن عاصم بن أبي النجود (٣)، عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، قال: هي جزاؤه، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له (٤). وروى شعبة (٥)، عن سيار (٦) عن أبي صالح (٧) قال: هي جزاؤه، إن جازاه.

стр. 5368

[١١٩٦] أخبرني أبو ذر بن أبي الحسين بن (١) أبي القاسم (٢) المذكر (٣)، أنبأ أبو القاسم علي بن المؤمل (٤)، ثنا محمد (٥) بن يونس الكديمي (٦)، ثنا محمد بن جامع العطار (٧)، ثنا (العلاء) بن ميمون (٨)، عن الحجاج الأسود (٩)،

стр. 5369

عن محمد بن سيرين (١)، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال: "هو جزاؤه إن جازاه" (٢). فإن قيل: إن قوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ من الأفعال الماضية، ومتى قلتم: إن المراد منه فجزاؤه ذلك -إن جازاه- كان من الأفعال المستقبلة؟ يقال لهم: قد يرد الخطاب بلفظ (٣) الماضي، والمراد منه المستقبل كقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ (٤)، ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ (٥)، ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ (٦)، وكل ذلك يكون مستقبلاً، وقد يرد بلفظ المستقبل والمراد به الماضي، كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ

стр. 5370

الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (١)، والمعنى: إلا أن آمنوا، ومثله كثير، والله أعلم. وقد قيل في تأويل هذه الآية: إن هذا الوعيد لمن قتل مؤمناً متعمداً مستحلاً لقتله، وأما قول من زعم أنه لا توبة له فإنه خارج عن الكتاب والسنة، وذلك أن الله تعالى عم الذنوب جميعاً، وأمر بالتوبة منها، فقال : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ (٢)، ونحوها من الآيات، ولم يفصل بين ذنب وذنب، فإذا كان الله تعالى قابلاً للتوبة من الكفر، فقبول التوبة من القتل أولى، وقال (٣) الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ (٤)، وقال إخوة يوسف: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ ثم قال: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ (٥) يعنون: بالتوبة. وسئل النبي ﷺ : أمن كل ذنب تقبل التوبة؟ قال: "نعم" (٦). فإن قيل: فما تقولون في الأخبار التي وردت (٧) أن القاتل لا توبة

стр. 5371

له (١). قيل: تأويلها -إن صح الخبر بها- على أنه إذا لم يره ذنباً, ولم يستغفر الله منه، يدل عليه: ما حدث خالد بن الدهقان (٢)، ثنا ابن أبي زكريا (٣) قال: سمعت أم الدرداء (٤) تقول: سمعت أبا الدرداء (٥) يقول: سمعت الرسول ﷺ ، يقول: "كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا من مات مشركاً، أو مؤمن قتل مؤمنا متعمداً".

стр. 5372

قال خالد [بن] دهقان: فقال هانئ بن كلثوم (١): سمعت محمود (٢) ابن الربيع يحدث عن عبادة بن الصامت (٣)، عن النبي ﷺ قال: "من قتل مؤمناً ثم أغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً". قال خالد: فسألت يحيى بن يحيى الغساني (٤) عن قوله: "اغتبط بقتله"، قال: هم الذين يقتتلون في الفتنة فيقتل أحدهم (٥) ويرى أنه على هدى، ولا يستغفر الله منه أبداً (٦).

стр. 5373

وروى سفيان (١)، عن أبي حصين (٢)، عن سعيد بن جبير (٣)، عن عباس قال: لا أعلم للقاتل توبة، إلا أن يستغفر الله تعالى (٤).

стр. 5374

وروى أبو الأشهب (١)، عن سليمان بن علي الربعي (٢)، عن الحسن (٣): أنه قرأ هذه الآية ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٤) فقلت: يا أبا سعيد، أهي علينا كما كانت علي بني إسرائيل؟ فقال: إي، والله الذي لا إله إلا هو، وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم عليه (٥) من دمائنا. فإن قيل: فما تقولون فيما روى سفيان (٦)، عن المغيرة بن

стр. 5375

النعمان (١)، عن سعيد بن جبير (٢)، عن ابن عباس، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال: ما نسخها شيء (٣). وروى حجاج (٤)، عن ابن جريج (٥) قال: أخبرني القاسم بن أبي بزة (٦) أنه سأل سعيد بن جبير (٧): هل لمن قتل مؤمنا توبة؟ قال: لا.

стр. 5376

قال: فقرأت عليه (١) الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ قال سعيد: فقرأتها على ابن عباس، كما قرأتها علي، فقال: هذه مكية، نسختها آية مدنية، التي في سورة النساء (٢). وروى أبو الزناد (٣)، عن خارجة بن زيد (٤)، عن أبيه زيد بن ثابت قال: لما نزلت هذه الآية التي في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ عجبنا من لينها، فلبثنا سبعة أشهر، ثم نزلت في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية، فنسخت الغليظة اللينة. (٥)

стр. 5377

ويقال: إن الغليظة نزلت بعد اللينة بستة أشهر (١)، فنقول، وبالله التوفيق: إن قول المفسرين، واختلافهم في الآيتين -أيهما أنزلت قبل- وقولهم: إن إحداهما ناسخة، والأخرى منسوخة، فلا فائدة فيه، إذ ليس سبيلهما سبيل الناسخ والمنسوخ؛ لأن النسخ لا يقع في الأخبار، وإنما يكون في الأحكام، والآيتان جميعاً خبران، فإن تكن الآية التي في سورة (٢) النساء أنزلت أولاً، فإنها مجملة لم يستوف حكمها بالنص، وفسر حكمها في الآية التي في الفرقان، وإن كانت الآية (١) التي في الفرقان أنزلت متقدمة، ثم أنزلت التي في النساء

стр. 5378

آخراً (١) فإنه استغنى (٢) بتفسير ما في الفرقان عن إعادة تفسيرها في التي في النساء، فاعلم. وأما قول من زعم: إن من وافى القيامة (وهو مرتكب) (٣) للكبائر، وهو مؤمن، لم يضره ذلك، فإنه راد لكتاب الله , لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فلم يطلق المغفرة لما دون الشرك (٤)، بل رده إلى المشيئة، ليعلم أن منه ما يكون مغفوراً، ومنه ما يكون صاحبه به (٥) معذباً، ثم يخرج من النار، فلا يؤبد فيها، ويؤيد ذلك قصة الشفاعة (٦)، وغيرها، فدلت هذه الدلائل على بطلان قول الوعيدية، والمرجئة، وصحة قولنا، فهذا حكم الآية، والله أعلم (٧). * * *

стр. 5379

٩٤ - قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية (١). قال الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في رجل من بني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان (٢)، يقال له: مرداس بن نهيك (٣)، وكان من أهل فدك (٤)، وكان مسلماً، لم يسلم من قومه غيره، فسمعوا بسرية لرسول الله ﷺ تريدهم، وكان (يومئذ على السرية) (٥) رجل يقال له: غالب بن فضالة الليثي (٦)، فهربوا، وأقام

стр. 5380

الرجل؛ لأنه كان على دين المسلمين، فلما رأى الخيل خاف أن يكون من غير أصحاب رسول الله ﷺ ، فألجأ غنمه إلى عاقول (١) من الجبل، وصعد هو إلى الجبل، فلما تلاحقت الخيل سمعهم يكبرون فلما سمع التكبير عرف أنهم من أصحاب رسول الله ﷺ كبر ونزل، وهو يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، فتغشاه أسامة بن زيد بن حارثة فقتله (٢)، واستاق غنمه، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه الخبر، فوجد رسول الله ﷺ من ذلك وجداً شديداً، وقد كان سبقهم قبل ذلك الخبر، فقال رسول الله ﷺ : "قتلتموه؛ إرادة ما معه؟ " ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية على أسامة، فقال: يا رسول الله، استغفر لي، فقال: "فكيف بلا إله إلا الله؟ " فقالها رسول الله ﷺ ثلاث مرات، قال أسامة: فما زال رسول الله ﷺ يعيدها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم إن رسول الله ﷺ استغفر لي بعد ثلاث مرات، وقال: "أعتق رقبة"، وبمثله قال قتادة (٣).

стр. 5381

وروى سماك بن حرب (١)، عن عكرمة (٢)، عن ابن عباس قال: مر رجل من بني سليم (٣) على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ، معه غنم، فسلم عليهم، فقالوا: ما سلم عليكم إلا ليتعوذ، فعمدوا إليه فقتلوه، وأخذوا غنمه، فأتوا بها رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية (٤).

стр. 5382

وروى المبارك عن الحسن: أن ناساً من المسلمين لقوا ناساً من المشركين، فحملوا عليهم فهزموهم، قال: فشد (١) رجل منهم، وتبعه رجل، وأراد متاعه، فلما غشيه بالسيف قال: إني مسلم، إني مسلم فكذبه، ثم أوجره (٢) السنان فقتله، وأخذ متاعه. قال: وكان والله قليلاً وعراً (٣)، قال فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "أقتلته بعد ما زعم أنه مسلم؟ " فقال: يا رسول الله، إنما قالها متعوذاً، فقال رسول الله ﷺ : "فهلا شققت عن قلبه" قال بم (٤) يا رسول الله؟ قال: "لتنظر صادقا كان (٥) أو كاذبا"، قال: أو كنت أعلم ذلك يا رسول الله؟ قال: "إنما ينبئ عنه لسانه". قال: فما لبث القاتل أن مات، ودفن، فأصبح وقد وضع إلى جنب قبره، قال: ثم عادوا فحفروا له، فكفنوه (٦)، ودفنوه، فأصبح وقد

стр. 5383

وضع إلى جنب قبره مرتين، أو ثلاثاً، فلما رأى أصحاب رسول الله ﷺ أن الأرض لا تقبله، أخذوا رجله فألقوه في بعض تلك الشعاب، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ الآية. وقال الحسن: أما ما ذلك ألا تكون الأرض تُجِن من هو شر منه، ولكن وُعِظَ القوم أن لا يعودوا (١). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: إذا سرتم في الأرض مجاهدين، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ حتى تعرفوا المؤمن من الكافر، ومن قرأ بالتاء والثاء (٢)، أي: قفوا حتى تعرفوا المؤمن من الكافر. ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ لأن تحية المؤمن السلام بها يتعارفون، وبها يحيى بعضهم بعضاً، قال ابن سيرين: إنما هو السلام؛ لأنه سلم عليهم رجل فقتلوه (٣)، ومن قرأ: (السلم) (٤)

стр. 5384

فمعناه: المقادة، يعني قوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني: تطلبون بذلك الغنم والغنيمة وسلبه، وعرض الدنيا: منافعها ومتاعها، ويقال: العرض: ما سوى الدراهم والدنانير (١). ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ (يعني: ثواباً كثيراً) (٢) لمن ترك قتل المؤمن، ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تأمنون في قومكم، بين المؤمنين بـ لا إله إلا الله، قبل الهجرة فلا تخيفوا من قالها، فنهاهم أن يخيفوا أحداً بأمر كانوا يأمنون بمثله، هم وقومهم، ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالهجرة، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أن تقتلوا مؤمناً، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الخير، ﴿خَبِيرًا﴾. وروى معاوية بن صالح (٣)، عن علي بن أبي طلحة (٤)، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قال: حرم الله على المؤمنين أن يقولوا لمن شهد ألا إله إلا الله: لست مؤمناً، كما حرم عليهم الميتة، فهو آمن على ماله ودمه،

стр. 5385

فلا تردوا عليه قوله (١). وتعلق من زعم أن الإيمان هو القول، بهذه الآية، وقالوا: لما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ منعهم من قتلهم بعد إظهار الإسلام، ولم يكن ذلك إلا قولاً منهم، فلولا أن الإيمان هو القول لكان عتب عليهم في قتلهم إياه. فيقال لهم: ليس في هذه الآية دليل على أن الإيمان هو القول، وذلك أن القوم إنما شكوا في حاله، هل كان هذا القول منه تعوذا، فقتلوه، والله تعالى لم يجعل إلى عباده غير الحكم بالظاهر، وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت (٢) أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله"، وليس في ذلك دليل (٣) أن الإيمان هو الإقرار فقط، ألا ترى أن المنافقين كانوا يقولون هذا القول، ثم لم يكن ذلك إيماناً

стр. 5386

منهم، وقد بين في معنى هذه الآية أن النبي ﷺ قال: "هذا شققت عن قلبه" (١) فثبت أن الإيمان هو الإقرار وغيره (٢)، وأن حقيقته التصديق بالقلب، ولكن ليس للعبد حكم إلا على ما سمعه منه فقط. وفي هذه الآية رد على أهل القدر، وهو أن الله أخبر أنه منَّ على المؤمنين من بين جميع الخلق بأن خصهم بالتوفيق، فصاروا مخصوصين بالإيمان؛ لأن الله تعالى لو خلق الخلق كلهم للإيمان -كما زعمت القدرية- فما معنى اختصاصهم بالمنة من بين الخلق كلهم؟ وما الفصل بينهم وبين من قال: إن المنة لهم في الإيمان بالله، إذ كانوا مساوين لغيرهم في جميع المعاني، فأقروا, ولم يعاندوا كما عاند غيرهم مع مساواتهم لهم في جميع المعاني. ٩٥ - قوله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية. قال الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: لما ذكر الله تعالى فضيلة المجاهدين على القاعدين، ورغبهم في الجهاد أتاه عبد الله ابن أم مكتوم (٣)،

стр. 5387

وعبد الله بن جحش (١) -وليس بالأسدي- وهما أعميان، فقالا: يا رسول الله، ذكر الله تعالى فضيلة المجاهدين على القاعدين وأمر بالجهاد، وحالنا على ما ترى ونحن نشتهي الجهاد، فهل لنا من رخصة، فنزل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٢) في البصر، فجعل لهم من الأجر ما للمجاهدين؛ لزمانتهم (٣). وروى حماد (٤)، عن ثابت (٥)، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٦) قال: لما نزلت هذه الآية ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ

стр. 5388

وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال ابن أم مكتوم: اللهم أنزل عذري، فنزل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فوضعت بينهما، فكان بعد ذلك يغزو، ويقول: ادفعوا إليّ اللواء، ويقول: أقيموني بين الصفين فإني لا أستطيع أن أفر (١). وروى معمر (٢)، عن ابن شهاب (٣): أن زيد بن ثابت قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ ، وفخذه على فخذي، وقد أملى علي: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فعرض ابن أم مكتوم، قال: فثقلت فخذ رسول الله ﷺ على فخذي، حتَّى كادت تنحطم، ونزلت عليه: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٤).

стр. 5389

وتفسير الآية: لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن الغزو، والجهاد، الذين هم (١) غير أولي الضرر، أي: غير أولي الزمانة، والضعف في البدن والبصر. والضرر مصدر، يقال: رجل ضرير، بين الضرر (٢). وروى معاوية بن صالح (٣)، عن علي بن أبي طلحة (٤)، عن ابن عباس: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ قال: أولي العذر. ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ليسس المؤمنون القاعدون عن الجهاد من غير عذر، والمؤمنون المجاهدون سواء، غير أولي الضرر فإنهم يساوون المجاهدين؛ لأن الضرر أقعدهم عنه. و﴿غَيْرِ﴾ رفع على نحت القاعدين، ومن نصب ﴿غَيْرِ﴾ فعلى الاستثناء. ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ أي: فضيلة، ﴿وَكُلًّا﴾ يعني: المجاهد والقاعد، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ وهي الجنّة بإيمانهم، ثم بين فضل المجاهدين على القاعدين فقال:

стр. 5390

٩٦ - ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾. قال (١): كان يقال: الإسلام درجة، والهجرة (في سبيل الله) (٢) درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة. وقال ابن محيريز في هذه الآية: هي سبعون درجة، ما بين كل درجتين عدو الفرس الجواد المضمر سبعين خريفًا (٣). ٩٧ - قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، نزلت هذه الآية في ناس من أهل مكة، تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا، منهم: قيس بن الفاكه بن المغيرة، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأشباههما، أظهروا الإيمان، وأسروا النفاق، فلما كان يوم بدر خرجوا مع المشركين إلى حرب المسلمين، فلما التقى الناس ورأوا قلة المسلمين قالوا: غر هؤلاء دينهم، فقتلوا يوم بدر،

стр. 5391

ضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وقالوا لهم ما ذكر الله سبحانه (١). ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أي: يقبض أرواحهم ملك الموت، وقوله ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾ إن شئت جعلته ماضيًا، فيكون في موضع النصب، وإن شئت جعلته رفعا على المستقبل، والمعنى: تتوفاهم (٢)، وأراد بالملائكة ملك الموت؛ لأن الله تعالى قد يجمل الخطاب في موضع ويفسره في موضع، فيكون الحكم للمفسر ويرد المجمل إليه، يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، يحتمل أن يكون أراد به ملك الموت، واحتمل أن يكون غيره؛ لكنه لما فسره في موضع آخر بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ (٣) علم أن المراد من قوله: ﴿تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ملك الموت والله أعلم. فإن قيل: فلم أخرجه بلفظ الجماعة؟ قيل: قد يرد الخطاب بلفظ الجمع والمراد منه الواحد، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾ ولا شك أن الله واحد، ومثله في القرآن كثير.

стр. 5392

وقوله ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بالشرك والنفاق، ونصب ﴿ظَالِمِي﴾ على الحال، أي: توفاهم الملائكة في حال ظلمهم، أي: شركهم، ﴿قَالُوا﴾ يعني: الملائكة لهم ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي: في ماذا كنتم؟ سؤال تقريع وتوبيخ، ويجوز أن يكون معناه: فيمن كنتم، في المشركين، أم في المسلمين؟ (١). ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾ أي: مقهورين عاجزين ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: أرض مكة، فأخرجونا معهم كارهين، ﴿قَالُوا﴾ يعني: الملائكة ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ﴾ يعني: المدينة ﴿وَاسِعَةً﴾ أي: آمنة ﴿فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ فتنتقلوا إليها، وتخرجوا من بين أظهر أهل مكة. روى سليمان بن عمرو (٢)، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم (٣)، عن سعيد بين جبير (٤) في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ قال: إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها (٥).

стр. 5393

وروى سليمان بن عمرو (١)، عن عباد بن منصور الناجي (٢)، عن الحسن (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : "من فر بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرًا من الأرض، استوجب به الجنَّة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ﵇ ونبيه محمد ﷺ " (٤)، فأكذبهم الله تعالى، وأعلمنا أنهم كانوا مستطيعين للهجرة، فقال: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ﴾ أي: منزلهم ﴿جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ أي: بئس المصير إلى جهنم. ثم استثنى أهل العذر منهم، فقال عز من قائل: ٩٨ - ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ يعني: المؤمنين المخلصين المقهورين بمكة، لم يستطيعوا

стр. 5394

الهجرة، ومنعوا من اللحوق بالنبي ﷺ ، وهم يريدون اللحوق به ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ و ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ نصب على الاستثناء، من ﴿مَأْوَاهُمْ﴾ (١)، ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ أي: لا يقدرون على حيلة ولا قوة ولا نفقة للخروج منها، ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ أي: لا يعرفون طريقًا إلى الخروج منها. قال مجاهد: يعني طريق المدينة (٢). وقال ابن عباس: كنت أنا وأمي من الذين ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ وكنت غلامًا صغيرًا (٣). ٩٩ - ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أي: أهل هذه الصفة ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ أي يتجاوز، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. وفي هذه الآية دليل على بطلان قول من قال: إن الإيمان هو الإقرار فقط وذلك أن هؤلاء القوم كانوا قد أظهروا الإقرار، فلم ينفعهم ذلك بعد أن لم تكن سرائرهم موافقة لأقوالهم.

стр. 5395

١٠٠ - قوله : ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في طاعة الله، ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ قال مجاهد: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾ أي: متزحزحًا عما يكره (١). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (٢)، وعلي بن الحكم، عن الضحاك (٣): المراغم: التحول من الأرض إلى الأرض، وأما السعة: فالسعة من الرزق، وبه قال مقاتل بن حيان (٤). وقال أبو عبيدة: المراغم والمهاجر واحد، يقال (٥): راغمت قومي وهاجرتهم، وهو المضطرب والمذهب في الأرض (٦). قال النابغة الجعدي: كطود يلاذ بأركانه ... عزيز المراغم والمذهبِ (٧)
следующие страницы →