← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

ضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وقالوا لهم ما ذكر الله سبحانه (١). ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أي: يقبض أرواحهم ملك الموت، وقوله ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾ إن شئت جعلته ماضيًا، فيكون في موضع النصب، وإن شئت جعلته رفعا على المستقبل، والمعنى: تتوفاهم (٢)، وأراد بالملائكة ملك الموت؛ لأن الله تعالى قد يجمل الخطاب في موضع ويفسره في موضع، فيكون الحكم للمفسر ويرد المجمل إليه، يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، يحتمل أن يكون أراد به ملك الموت، واحتمل أن يكون غيره؛ لكنه لما فسره في موضع آخر بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ (٣) علم أن المراد من قوله: ﴿تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ملك الموت والله أعلم. فإن قيل: فلم أخرجه بلفظ الجماعة؟ قيل: قد يرد الخطاب بلفظ الجمع والمراد منه الواحد، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾ ولا شك أن الله واحد، ومثله في القرآن كثير.

стр. 5392

وقوله ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بالشرك والنفاق، ونصب ﴿ظَالِمِي﴾ على الحال، أي: توفاهم الملائكة في حال ظلمهم، أي: شركهم، ﴿قَالُوا﴾ يعني: الملائكة لهم ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي: في ماذا كنتم؟ سؤال تقريع وتوبيخ، ويجوز أن يكون معناه: فيمن كنتم، في المشركين، أم في المسلمين؟ (١). ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾ أي: مقهورين عاجزين ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: أرض مكة، فأخرجونا معهم كارهين، ﴿قَالُوا﴾ يعني: الملائكة ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ﴾ يعني: المدينة ﴿وَاسِعَةً﴾ أي: آمنة ﴿فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ فتنتقلوا إليها، وتخرجوا من بين أظهر أهل مكة. روى سليمان بن عمرو (٢)، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم (٣)، عن سعيد بين جبير (٤) في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ قال: إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها (٥).

стр. 5393

وروى سليمان بن عمرو (١)، عن عباد بن منصور الناجي (٢)، عن الحسن (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : "من فر بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرًا من الأرض، استوجب به الجنَّة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ﵇ ونبيه محمد ﷺ " (٤)، فأكذبهم الله تعالى، وأعلمنا أنهم كانوا مستطيعين للهجرة، فقال: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ﴾ أي: منزلهم ﴿جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ أي: بئس المصير إلى جهنم. ثم استثنى أهل العذر منهم، فقال عز من قائل: ٩٨ - ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ يعني: المؤمنين المخلصين المقهورين بمكة، لم يستطيعوا

стр. 5394

الهجرة، ومنعوا من اللحوق بالنبي ﷺ ، وهم يريدون اللحوق به ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ و ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ نصب على الاستثناء، من ﴿مَأْوَاهُمْ﴾ (١)، ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ أي: لا يقدرون على حيلة ولا قوة ولا نفقة للخروج منها، ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ أي: لا يعرفون طريقًا إلى الخروج منها. قال مجاهد: يعني طريق المدينة (٢). وقال ابن عباس: كنت أنا وأمي من الذين ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ وكنت غلامًا صغيرًا (٣). ٩٩ - ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أي: أهل هذه الصفة ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ أي يتجاوز، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. وفي هذه الآية دليل على بطلان قول من قال: إن الإيمان هو الإقرار فقط وذلك أن هؤلاء القوم كانوا قد أظهروا الإقرار، فلم ينفعهم ذلك بعد أن لم تكن سرائرهم موافقة لأقوالهم.

стр. 5395

١٠٠ - قوله : ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في طاعة الله، ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ قال مجاهد: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾ أي: متزحزحًا عما يكره (١). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (٢)، وعلي بن الحكم، عن الضحاك (٣): المراغم: التحول من الأرض إلى الأرض، وأما السعة: فالسعة من الرزق، وبه قال مقاتل بن حيان (٤). وقال أبو عبيدة: المراغم والمهاجر واحد، يقال (٥): راغمت قومي وهاجرتهم، وهو المضطرب والمذهب في الأرض (٦). قال النابغة الجعدي: كطود يلاذ بأركانه ... عزيز المراغم والمذهبِ (٧)

стр. 5396

قال القتيبي: وأصله (١) أن الرجل كان إذا أسلم خرج عن قومه مراغمًا، أي: مغاضبًا لهم ومهاجرًا، أي: مقاطعًا، من الهجران، فقيل للمذهب: مراغم، وللمصير إلى رسول الله ﷺ هجرة؛ لأنها كانت هجرة الرجل قومه (٢). وقيل: إن أصله من الرغام وهو التراب، فمعنى راغمته، أي: هاجرته، ولم أبال وإن رغم أنفه، أي: لصق بالتراب. ولما نزلت هذه الآية سمعها رجل من بني ليث، شيخ كبير مريض، يقال له جندع بن ضمرة (٣) فقال: والله ما أنا ممن استثنى الله تعالى، وإني لأجد حيلة وإن لي من المال ما يبلغني المدينة وأبعد منها، والله لا أبيت الليلة بمكة، أخرجوني. فخرجوا به، يحملونه على سرير، حتَّى أتوا به التنعيم (٤)، فأدركه الموت بها، (فصفق يمينه) (٥) على

стр. 5397

شماله، ثم قال: اللهم هذه لك، وهذه لرسولك، أبايعك على ما بايعك عليه رسولك. فمات حميدًا، فبلغ خبره أصحاب النبي ﷺ فقالوا: لو وافى المدينة لكان أتم أجرًا. وقال المشركون وضحكوا: ما أدراك هذا ما طلب؟ فأنزل الله تعالى (١): ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ قبل بلوغه إلى مهاجرته ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ﴾ أي: وجب ثوابه على الله، بإيجابه ذلك على نفسه فضلًا منه ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لما كان منه في حال الشرك، ﴿رَحِيمًا﴾ بما كان منه في الإسلام. ١٠١ - قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم فيها ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ أي: حرج وإثم ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ يعني؛ من الأربع ركعات إلى ركعتين ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ أي: علمتم ﴿أَنْ يَفْتِنَكُمُ﴾ أي: يغتالكم ويقتلكم ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في الصلاة، ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ أي: ظاهروا العداوة.

стр. 5398

وقال صاحب "النظم" (١): قوله ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ تمام الكلام هاهنا، ثم افتتح قصة (صلاة الخوف) (٢) بغير واو العطف، فقال: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يريد: وإن خفتم، وهو حرف شرط، وفي القرآن مثل هذا كثير، أن يجيء الخبر بتمامه وانقطاعه، ثم ينسق عليه خبر آخر، منفصلًا منه في الباطن، وهو في الظاهر كالمتصل به، كقوله: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣) هذه حكاية (٤) عن امرأة العزيز، ثم وصل بها حكاية (٥) أخرى عن يوسف، وهو قوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ (٦)، لأن بعد الاعتراف بالذنب لا معنى لقوله ﴿لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾، وفي التفسير: أن يوسف لما قال هذه المقالة، قال له جبريل: ولا حين هممت حينئذ، قال يوسف: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ (٧).

стр. 5399

ومثل هذا قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ ثم قال: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ افتتاح كلام آخر، يريد به النفي؛ لأنه لو كان متصلًا بأول الكلام فيكون (١) معناه: ويختار ما يختارون. قال: وحمل الآية على نحو ما أشرنا إليه من النظم يفيد زيادة معنى، وهو وجوب القصر في السفر (٢) من غير خوف بنص الآية، لأنك متى ما جعلت قوله ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ متصلًا بذكر قصر الصلاة لزمك أن تقول قصر الصلاة في السفر من غير خوف واجب (٣) بالسنة، فإن السنة ناسخة للكتاب، وحمل الآية على زيادة معنى، مع استقامة نظمها، أولى من حملها على غيرها (٤). ذكر حكم الآية: اختلف أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم في إتمام الصلاة في السفر، فمنهم من قال: إن الصلاة في السفر ركعتان، لا يجوز أن يبلغ بها أربعًا (٥).

стр. 5400

ومنهم من قال: إن الصلاة في السفر أربع ركعات (١)، ولكن أبيح له القصر تخفيفًا عنه، وإليه ذهب الشافعي (٢). واحتج بحديث طلحة بن عمرو (٣)، عن عطاء بن أبي رباح (٤)، عن عائشة قالت: كل ذلك قد فعل رسول الله ﷺ ، قصر الصلاة في السفر، وأتم (٥).

стр. 5401

وقال ابن عباس: أول صلاة قصرت صلاة العصر، قصرها رسول الله ﷺ بعسفان، في غزوة ذي أنمار (١). ١٠٢ - قوله : ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ روى الكلبي (٢)، عن أبي صالح (٣)، عن ابن عباس، وجابر بن عبد الله الأنصاري قالا: إن المشركين لما رأوا رسول الله ﷺ وأصحابه قاموا إلى صلاة الظهر يصلون جميعًا، ورسول الله ﷺ يؤمهم ندموا على تركهم، ألا كانوا أكبوا عليهم، فقال بعضهم لبعض دعوهم، فإن لهم بعدها صلاة، هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم -يعني: صلاة العصر- فإذا رأيتموهم قد قاموا فيها فشدوا

стр. 5402

عليهم فاقتلوهم. فلما قاموا إلى صلاة العصر، نزل جبريل ﵇ فقال: يا محمد، إنها صلاة الخوف، وإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ أي: مقيمًا، يعني: شهيدًا معهم ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ قال: فعلمه جبريل صلاة الخوف، فلما قام النبي ﷺ إلى الصلاة، صف أصحابه صفين، ثم كبر، فكبروا جميعًا، ثم إن الصف الآخر استقبلوا العدو بوجوههم، يحرسون النبي ﷺ وأصحابه، فصلى رسول الله ﷺ بالصف الَّذي معه ركعة وسجدتين، ثم قام فنكصوا وراءهم، من غير أن يتكلموا إلى مصاف أصحابهم، وتقدم (١) الآخرون، حتَّى قاموا خلف النبي ﷺ فصلى بهم ركعة وسجدتين، ثم تشهد وسلم، ثم قام الصف الَّذي خلفه فرجعوا إلى مصاف أصحابهم، فكانت لرسول الله ﷺ (ركعتين) (٢)، وأربع سجدات، وللقوم ركعة وسجدتان، وصلى كل إنسان منهم لنفسه ركعة وسجدتين (٣).

стр. 5403

ذكر حكم الآية: اختلف العلماء في كيفية صلاة الخوف، فقال الشافعي ﵀: إذا صلوا في سفر صلاة الخوف من عدو غير مأمون صلى الإمام بطائفة ركعة وطائفة وجاه العدو، فإذا فرغ منها قام، فثبت قائمًا وأطال وأتمت الطائفة الركعة التي بقيت عليها، تقرأ بأم القرآن وسورة، وتخفف، ثم تسلم، وتنصرف، فتقف وجاه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بها الإمام الركعة الثانية، التي بقيت عليه فيقرأ فيها بعد إتيانهم بأم القرآن وسورة قصيرة، ويثبت جالسًا، وتقوم الطائفة فتتم لأنفسها الركعة التي بقيت عليها بأم القرآن وسورة قصيرة، ثم تجلس مع الإمام قدر ما يعلمهم تشهدوا، ثم يسلم بهم، وقد صلت الطائفتان جميعًا مع الإمام، وأخذت كل واحدة منهما مع إمامها ما أخذت الأخرى منه (١). واحتج بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية، واحتج أيضًا [٣٤٧] بأن النبي ﷺ فعل نحو ذلك يوم ذات الرقاع (٢).

стр. 5404

وروى معاولة بن صالح (١)، عن علي بن أبي طلحة (٢)، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾: فهذا في الصلاة عند الخوف، يقوم الإمام، وتقوم معه طائفة منهم، وطائفة يأخذون أسلحتهم، ويقفون بإزاء العدو، فيصلي الإمام بمن معه ركعة ثم يثبت قائمًا، فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية، ثم ينصرفون، حتَّى يأتوا أصحابهم فيقفون موقفهم، ثم يقبل الآخرون، فيصلي بهم الإمام الركعة الثانية، ثم يجلس الإمام فينتظرهم، فيقوم القوم ويصلون لأنفسهم الركعة الثانية، ويتشهدون ثم يسلم بهم، فهكذا صلى رسول الله ﷺ بالناس يوم ذات الرقاع (٣). (٤) ويدل على صحة هذا أيضًا حديث سهل بن أبي حثمة (٥)، وهو: [١١٩٧] ما أخبرنا أبو الحسين بن (٦) أحمد بن محمد بن عمر بن

стр. 5405

محمد الشيخ الصالح (١) أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران (٢)، ثنا محمد بن سهل بن عسكر (٣)، ثنا عبد الرزاق الصنعاني (٤) قال: أخبرني الثوري (٥)، عن يحيى بن سعيد (٦)، عن القاسم بن محمد (٧)، عن صالح بن خوات (٨)، عن سهل بن أبي حثمة (٩) - وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: يقوم الإمام في صلاة الخوف، ويقوم صف خلفه، وصف يوازي العدو، فيصلي بهؤلاء ركعة، قال: فإذا صلى بهم ركعة ثم قاموا مكانه، والإمام قائم فقضوا ركعة، ثم ذهبوا هؤلاء إلى مصاف أولئك (١٠)

стр. 5406

فصلى بهم ركعة، ثم قاموا مكانهم، فقضوا ركعة (١). قال الشافعي: وإن كانت صلاة المغرب، فإن صلى ركعتين بالطائفة الأولى وثبت قائمًا، فأتموا لأنفسهم فحسن، وإن ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم فجائز، ثم تأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بها ما بقي عليه، ثم يثبت جالسًا حتى تقضي مابقي عليها، ثم يسلم بهم. قال: وإن كانت صلاة حضر، فلينتظر جالسًا في الثانية أو قائمًا في الثالثة، حتَّى تتم الطائفة التي معه، ثم تأتي الطائفة

стр. 5407

الأخرى فيصلي بها، كما وصفت في الأخرى (١). قال: وإن كان العدو قليلًا من ناحية القبلة، والمسلمون كثير يأمنونهم في مستوى لا يسترهم شيء إن حملوا عليهم رأوهم، صلى الإمام بهم جميعًا وركع، وسجد بهم جميعًا، إلا صفًّا يليه، أو بعض صف ينظرون العدو، فإذا قاموا بعد السجدتين سجد الذين (٢) حرسوا، فإذا ركع ركع بهم جميعًا، وإذا سجد سجد معه الذين حرسوا أولًا إلا صفًّا، أو بعض صف يحرسونه منهم، فإذا سجدوا سجدتين وجلسوا، سجد الذين حرسوا ثم يتشهد ويتشهدون ثم يسلم بهم جميعًا معًا، قال: فلو تأخر الصف الذين حرسوا إلى الصف الثاني، وتقدم الثاني وحرسوه، فلا بأس، فهذا نحو صلاة النبي ﷺ يوم عسفان (٣). وروى شبل (٤)، عن ابن أبي نجيح (٥)، عن مجاهد (٦) ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ قال: كان النبي ﷺ وأصحابه بعسفان، والمشركون بضجنان (٧)، فتوافقوا، فصلى النبي ﷺ بأصحابه صلاة

стр. 5408

الظهر أربعًا ركوعهم وسجودهم وقيامهم معًا جميعًا، فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، فأنزل الله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ فصلى العصر، فصف أصحابه صفين، ثم كبر بهم جميعًا، ثم سجد الأولون سجدة، والآخرون قيام ثم سجدوا حين قام النبي ﷺ والصف الأول، ثم كبر بهم وركعوا جميعًا، فتقدم الصف الأخير، واستأخر الصف الأول، فتعاقبوا السجود كما فعلوا أول مرة، وقصروا صلاة العصر إلى ركعتين (١). ويشهد بهذا حديث جابر بن عبد الله (في صلاة الخوف) (٢): [١١٩٨] الَّذي أخبرناه أبو الحسين أحمد بن محمد الخفاف (٣) -بقراءتي عليه، أنا أبو العباس أحمد بن إسحاق السراج (٤)، ثنا أبو

стр. 5409

كريب (١)، ثنا محمد بن فضيل (٢)، ثنا عبد الملك (٣)، عن عطاء (٤)، عن جابر بن عبد الله قال: صلينا مع النبي ﷺ صلاة الخوف، فكان العدو بيننا وبين القبلة، فأقيمت الصلاة، فصففنا خلفه صفين فكبر فكبرنا معه جميعًا، ثم ركع وركعنا معه جميعًا، ثم رفع رأسه فاستوى قائمًا فسجد هو والصف الَّذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحور العدو، فلما قضى رسول الله ﷺ السجود هو والصف الَّذي يليه وقاموا انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا ثم تأخر الصف المقدم وتقدم الصف المؤخر، ثم كبر رسول الله ﷺ ، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه فاستوى قائمًا فسجد هو والصف الَّذي يليه (الَّذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى، فلما قضى النبي ﷺ السجود هو والصف الَّذي يليه) (٥) انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا ثم سلم رسول الله ﷺ وسلموا جميعا كما يصنع حرسكم هؤلاء بأموالكم (٦). (٧)

стр. 5410

قال الشافعي: ولو صلى في الخوف بطائفة ركعتين ثم سلم، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين، ثم سلم فهكذا صلاة النبي ﷺ ببطن نخل (١). [١١٩٩] أخبرنا أبو الحسين بن أبي نصر القنطري (٢) -بقراءتي عليه- أنا أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي (٣)، ثنا محمد بن سهل بن عسكر (٤)، ثنا يحيى بن حسان (٥) ثنا معاوية بن سلام (٦) قال: أخبرني يحيى بن أبي كثير (٧) قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن (٨) أن جابر بن عبد الله أخبره: أنَّه صلى مع النبي ﷺ صلاة الخوف، فصلى رسول الله بإحدى الطائفتين ركعتين، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فصلى رسول الله ﷺ أربع ركعات، وصلى بكل طائفة ركعتين.

стр. 5411

قال المزني: وهذا عندي يدل على جواز فريضة خلف من يصلي نافلة، لأن النبي ﷺ صلى بالطائفة الثانية فريضة لهم، ونافلة له ﷺ (١). فهذا مذهب الشافعي ﵀ في صلاة الخوف. وقال أبو حنيفة: السنة أن يفرق الإمام المسلمين فرقتين، فيصلي بفرقة ركعة، وفرقة وجاه العدو، ثم تنصرف الفرقة التي صلت مع الإمام ركعة، وهم في الصلاة فيقفون وجاه العدو، وجاءت الفرقة الأخرى فصلت مع الإمام الركعة الأخرى، ثم انصرفت وعادت الفرقة الأولى فأتمت صلاتها (٢)، وعادت إلى مواجهة العدو، وانصرفت الفرقة الأخرى فأتمت صلاتها (٣). وذهب أبو حنيفة في هذا إلى حديث ابن عمر: [١٢٠٠] الَّذي أخبرناه أحمد بن محمد بن محمد الحديثي (٤)، ثنا

стр. 5412

محمد بن إسحاق بن إبراهيم (١)، أخبرنا (الحسن بن أبي الربيع) (٢)، أخبرنا عبد الرزاق (٣)، أخبرنا ابن جريج (٤)، قال: حدثني (٥) ابن شهاب (٦) عن صلاة الخوف، وكيف السنة؟ عن سالم بن عبد الله (٧) أن عبد الله بن عمر كان يحدث أنَّه صلاها مع النبي ﷺ ، فصفت وراءه طائفة منا، وأقبلت طائفة على العدو، فركع رسول الله ﷺ (ركعة وسجد) (٨) سجدتين مثل نصف صلاة الصبح، ثم انصرفوا فأقبلوا على العدو (٩)، فجاءت الطائفة الأخرى فصلوا مع النبي ﷺ ، ففعل مثل ذلك، ثم سلم النبي ﷺ ، فقام كل رجل منا لطائفتين فصلى لنفسه ركعة بسجدتين. قال نافع عن ابن عمر: فإن كان خوف أشد من ذلك فليصلوا قيامًا، وركبانًا، حيث جهتهم.

стр. 5413

قلت: وهكذا صلى النبي ﷺ بذي قرد (١). (حديث ابن عباس في صلاة النبي ﷺ بذي قرد). (٢) [١٢٠١] أخبرنا أبو الحسين الخفاف (٣)، أخبرنا أبو العباس

стр. 5414

السراج (١)، ثنا محمد بن سهل بن عسكر (٢)، ثنا عبد الرزاق (٣)، أخبرنا الثوري (٤)، عن أبي بكر بن أبي جهم (٥)، عن عبيد الله بن عتبة (٦)، عن ابن عباس قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف بذي قرد، فصف صفًا خلفه، وصفًا موازي العدو، قال: فصلى بالصف الَّذي معه ركعة، ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، فصلى بهم ركعة، ثم سلم عليهم جميعًا، ثم انصرف، فكان لرسول الله ﷺ ركعتان، ولكل واحدة من الفريقين ركعة (٧).

стр. 5415

حديث أبي هريرة في صلاة الخوف: [١٢٠٢] أخبرنا أبو الحسين الخفاف (١)، أنا أبو العباس السراج (٢)، ثنا زياد بن أيوب (٣)، ثنا أبو عبد الرحمن -يعني عبد الله ابن يزيد (٤) - ثنا حيوة (٥)، أخبرنا أبو الأسود (٦) أنَّه سمع عروة بن الزبير (٧) يحدث عن مروان بن الحكم (٨) أنَّه سأل أبا هريرة: هل صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ قال أبو هريرة: نعم. فقال مروان: متى؟ فقال: عام غزاة نجد، قام رسول الله ﷺ لصلاة العصر، وقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مما يلي العدو، وأظهرهم إلى القبلة، فكبر رسول الله ﷺ ، وكبر الذين معه والذين يقاتلون العدو جميعًا، ثم ركع رسول الله ﷺ ركعة واحدة وركع معه الطائفة التي تليه، ثم سجد وسجدت الطائفة التي تليه، والآخرون قيام مما يلي العدو، ثم قام رسول الله ﷺ وقامت معه الطائفة الذين معه، فذهبوا إلى العدو فقاتلوهم، وأقبلت الطائفة التي كانت مقابلة

стр. 5416

العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله ﷺ قائم كما هو، ثم قاموا فركع رسول الله ﷺ ركعة أخرى وركعوا معه وسجد وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابلة العدو فركعوا وسجدوا، ورسول الله ﷺ قاعد كما هو، ثم سلم رسول الله ﷺ ، وسلموا جميعًا، فكان لرسول الله ﷺ ركعتان، ولكل رجل (١) من الطائفتين ركعتان، ركعتان (٢). واعلم أن صلاة الخوف جائزة بعد النبي ﷺ جوازها في عهده، ولا خلاف في هذا بين العلماء، إلا ما حكي عن أبي يوسف، وأبي إبراهيم المزني أنهما قالا: لا تصلئ صلاة الخوف بعد وفاة النبي ﷺ (٣)، وليس هذا موضع الكلام عليها، وهذا القدر الَّذي ذكرت في هذا الموضع مقنع إن شاء الله.

стр. 5417

قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ الآية، نزلت في رسول الله ﷺ ، خاصة. قال الكلبي (١)، عن أبي صالح (٢)، عن ابن عباس في قوله ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾: نزلت في رسول الله ﷺ ، غزا محاربًا، وبني أنمار (٣)، فنزل رسول الله ﷺ والمسلمون، ولا يرون من العدو واحدًا، فوضع الناس أسلحتهم، وخرج رسول الله يمشي لحاجة له، قد وضع سلاحه حتَّى قطع الوادي والسماء ترلش، فحال الوادي بين رسول الله ﷺ ، وبين أصحابه، وجلس رسول الله ﷺ في ظل شجرة (٤)، فبصر به حويرث بن الحارث المحاربي ثم الحضرمي (٥)، وقال أصحابه: يا حويرث، هذا محمد

стр. 5418

قد انقطع من أصحابه قال: قتلني الله إن لم أقتله. قال: ثم انحدر من الجبل ومعه السيف، فلم يشعر به النبي ﷺ إلا وهو قائم على رأسه ومعه السيف قد سله من غمده، فقال يا محمد، من يعصمك مني الآن؟ قال رسول الله ﷺ : "الله"، ثم قال: "اللهم، اكفني حويرث ابن الحارث بما شئت". ثم أهوى بالسيف إلى رسول الله ﷺ ، ليضربه، فأكب لوجهه، من زَلْجة (١)، زُلِجها من بين كتفيه، وندر سيفه (من يده) (٢)، فقام رسول الله ﷺ فأخذه، ثم قال له رسول الله ﷺ "يا حويرث من يمنعك مني الآن؟ " قال: لا أحد. قال: "تشهد ألا إله إلا الله، وأني محمد عبده ورسوله، وأعطيك سيفك". قال: لا، ولكن أشهد ألا أقاتلك أبدا (٣)، ولا أعين عليك عدوا. فأعطاه رسول الله ﷺ سيفه، فقال حويرث للنبي ﷺ : والله، لأنت خير مني. فقال النبي ﷺ : "أجل، أنا أحق بذلك منك".

стр. 5419

قال: فرجع حويرث إلى أصحابه، فقالوا: ويلك، لقد رأيناك أهويت بالسيف قائمًا (١) على رأسه، ما منعك منه؟ قال: والله، لقد أهويت إليه بالسيف لأضربه، فوالله ما (٢) أدري من زلجني بين كتفي، فخررت لوجهي وخر سيفي من يدي، فسبقني إليه فأخذه، فقال: "يا حويرث، من يمنعك مني الآن "؟ قلت: لا أحد. قال: "أتشهد ألا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأعطيك سيفك "؟ قلت: لا، ولكني أعطيك موثقًا، أن لا أقاتلك أبدًا، ولا أعين عليك عدوًا أبدًا، فدفعه إلى. قال: وسكن الوادي، فقطع رسول الله ﷺ الوادي إلى أصحابه، فأخبرهم الخبر، وقرأ عليهم الآية (٣).

стр. 5420

﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: لا مأثم عليكم، ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ من عدوكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ﴾ في الآخرة ﴿لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ يهانون فيه. قال الزجاج: الجناح: الإثم، واشتقاقه من جنحت إذا عدلت عن المكان، وأخذت جانبًا عن القصد (١). فتأويل قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أي؛ لا تعدلوا عن الحق إن وضعتم أسلحتكم، والأذى مقصور، يقال: أذى، يأْذى، أذى، مثل فزع، يفزع، فزعًا (٢). ١٠٣ - قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ يعني: صلاة الخوف، أي: فرغتم منها، ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ يعني: فصلوا لله، ﴿قِيَامًا﴾ للصحيح ﴿وَقُعُودًا﴾ للمريض، ﴿وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ للمرضى والجرحى، والذين لا يستطيعون الجلوس. ويقال معناه: فاذكروا الله بتوحيده وتسبيحه وشكره على كل حال (٣). ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ يعني: ذهب عنكم الخوف والمرض والقتال، ورجعتم إلى منازلكم، ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: أتموا الصلاة أربعًا ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ يعني: واجبًا مفروضًا،

стр. 5421

في الحضر والسفر، (ركعتان في السفر، وأربع في الحضر) (١). وقال القتيبي، والأخفش: ﴿مَّوْقُوتًا﴾ أي: مؤقتًا، يقال: وقته الله عليه ووقته عليهم (٢) أي: جعله لأوقات، ومنه قوله ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١)﴾ (٣) ووقتت مخففة (٤). ١٠٤ - قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ أي: لا تضعفوا في طلب القوم، أبي سفيان وأصحابه يوم أحد، وقد مضت هذه القصة في سورة آل عمران. ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ أي: تيجعون (٥)، وتشتكون من الجراح، ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ﴾ أي: (ييجعون، ويشتكون من الجراح ﴿كَمَا تَأْلَمُونَ﴾) (٦) وأنتم مع ذلك ﴿تَرْجُونَ﴾ أي: تأملون من الأجر والثواب والنصر الَّذي وعدكم الله، وإظهار دينكم على سائر الأديان، ﴿مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ هم (٧) ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.

стр. 5422

وقال بعض المفسرين: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ أي: تخافون من العذاب (١) ما لا يخافون (٢). وقال الفراء: ولا يكون الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد (٣)، كقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ (٤) أي: لا يخافون أيام الله، وكذلك قوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ (٥) أي: لا تخافون لله عظمة، وهي لغة حجازية، قال الشاعر (٦): لا ترتجي حين تلاقي الذائدا ... أسبعةً لاقَتْ معا أم واحدا وقال الهذلي (٧): إذا لسعتْه النحل لم يرجُ لسعها ... وحالفها في بيت نوب عواملِ (٨)

стр. 5423

ولا يجوز رجوتك وأنت تريد خفتك، ولا خفتك وأنت تريد رجوتك (١). ١٠٥ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾. قال الكلبي (٢)، عن أبي صالح (٣)، عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يقال له: طِعْمَة بن أبيرق (٤)، أحدُ بني ظفر بن الحارث (٥)، وكان سرق درعًا من جار له، يقال له: قتادة ابن النعمان (٦)، وكانت الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب، حتَّى انتهى إلى الدار وفيها أثر الدقيق، ثم خبأها عند رجل من اليهود، يقال له زيد بن السمين، فالتمست الدرع عند طعمة بن أبيرق فلم توجد عنده، وحلف لهم والله ما

стр. 5424

أخذها، وماله بها من علم، فقال أصحاب الدرع: بلى والله، لقد أدلج علينا، فأخذها وطلبنا أثره حتَّى دخل داره، فرأينا أثر الدقيق منتثرًا، فلما أن حلف، تركوه، واتبعوا أثر الدقيق، حتَّى انتهوا إلى منزل اليهودي، فأخذوه، فقال اليهودي: دفعها إلى طعمة بن أبيرق. وشهد له ناس من اليهود على ذلك، فقالت بنو ظفر، وهم قوم طعمة: انطلقوا بنا إلى رسول الله ﷺ ، فنكلمه في صاحبنا فيعذره ونجادل عنه، فإن صاحبنا بريء معذور، فأتوا رسول الله ﷺ ، فكلموه في ذلك، وسألوه أن يجادل عن صاحبهم، وقالوا: إنك إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح، وبرئ اليهودي، فهمَّ رسول الله ﷺ أن يفعل وأن يعاقب اليهودي، فأنزل الله تعالى يعاتبه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ (١) الآيات كلها.

стр. 5425

وفي رواية أخرى عن ابن عباس قال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعًا من إنسان، فكان الدرع في جراب، فيه نخالة، فخرق الجراب، حتَّى كان تتناثر النخالة منه طول الطريق، فجاء به إلى دار زيد بن السمين وتركه على باب داره، وحمل الدرع إلى بيته، فلما أصبح صاحب الدرع جاء إلى زيد بن السمين على أثر النخالة، فأخذه (١)، وحمله إلى رسول الله ﷺ ، فهمَّ رسول الله ﷺ أن يقطع يد زيد اليهودي، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٢). وقال علي بن الحكم عن الضحاك: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار استودع درعًا، فجحد صاحبها، فخوَّنه رجال من أصحاب النبي ﷺ فجاء قومه فعذروه، وأثنوا عليه، فصدقهم رسول الله ﷺ وعذره، ورد الذين قالوا فيه ما قالوا، فأنزل الله تعالى فيه (٣) هذه الآية، فلما بين الله خيانته ارتد طعمة (٤) عن الإسلام، ولحق بمكة،

стр. 5426

فأنزل الله تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ الآية (١). وقال مقاتل: إن زيد بن السمين أودع درعًا عند طعمة بن أبيرق، فجحده طعمة، فلما جاء زيد يطلبه أغلق الباب، وأشرف على السطح، وألقى الدرع في دار جاره أبي هلال، ثم فتح الباب فدخلوا (٢)، فلم يجدوا فيها، فصعدوا السطح، فقال: أرى درعًا (٣) في دار أبي هلال فلعله درعكم، فنظروا فإذا (هو ذلك، فرفعوه) (٤)، ثم جمع طعمة قومه، وجاؤوا إلى رسول الله ﷺ (فشكوا وقالوا إنهم قد فضحونا وسرقونا فعاتبهم رسول الله ﷺ ) (٥) على ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ (٦) أي: بالأمر والنهي والفصل، ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ أي بما علمك الله، وأوحى إليك ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ﴾ يعني طعمة ﴿خَصِيمًا﴾ أي: معينًا. ١٠٦ - ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ قال ابن عباس: واستغفر الله مما هممت به من قطع يد زيد (٧). وقال الكلبي: واستغفر الله يا محمد من همك باليهودي أن

стр. 5427

تضربه (١). وقال مقاتل: استغفر الله من جدالك الَّذي جادلت عن طعمة. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ١٠٧ - ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يعني: يظلمون أنفسهم بالخيانة والسرقة ويرمي بها اليهودي، ﴿خَوَّانًا﴾ يعني: خائنًا (٢) في الدرع، ﴿أَثِيمًا﴾ في رميه اليهودي. وقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ قد قيل: إنه خاطب النبي ﷺ ، والمراد به غيره، كقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ والنبي ﷺ لا يشك فيما أنزل عليه (٣). فإن قيل: قد أمر بالاستغفار؟ قيل: أمره بالاستغفار لا يوجب وجود ذنب يجب أن يستغفر منه، كما قد أمر في سورة الفتح (٤) بالاستغفار من غير ذنب متقدم، فاعلم. والاستغفار في جميع الأنبياء بعد النبوة على ثلاثة أوجه: يكون لذنب تقدم قبل النبوة، ويكون لذنوب أمته وقرابته، ويكون

стр. 5428

لترك المباح قبل ورود الحذر، ومعناه: السمع والطاعة لما أمرت به ونهيت عنه، وطلب التوفيق عليه (١). ١٠٨ - قوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: يستترون ويستحيون من الناس، ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ﴾ أي: لا يستترون ولا يستحيون ﴿مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ يقول: علمه معهم، ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾، قال الكلبي (٢)، عن أبي صالح (٣)، عن ابن عباس، يعني: يقولون. (قال سفيان) (٤)، عن الأعمش (٥)، عن أبي رزين (٦): يؤلفون (٧). ﴿مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ يعني؛ الفرية لليهودي بالسرقة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ

стр. 5429

بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾. يقول: قد أحاط الله بأعمالهم (١) الخبيثة. وتعلقت الجهمية (٢)، والمعتزلة بهذه الآية، واستدلوا منها على أن الله بكل مكان، قالوا: لما قال ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ ثبت أنَّه بكل مكان؛ لأنه قد أثبت كونه معهم (٣). فيقال لهم: معنى قوله ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ أنَّه يعلم ما يقولون، ولا يخفى عليه فعلهم؛ لأنه العالم بما يظهره الخلق ويستره، وليس في قوله ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ ما يوجب أنَّه بكل مكان، لأنه قال ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ (٤) ولم يرد بقوله إنه في السماء، معنى غير الذات؛ لأن القول بأن زيدًا في موضع كذا، من غير أن يقيد بذكر فعل، أو شيء من الأشياء لا يكون إلا بالذات، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (٥)، وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (٦) فأخبر أنَّه يدبر الأشياء من السماء، ولا يجوز أن يكون

стр. 5430

معهم بذاته، ثم يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، وإليه يصعد الكلم الطيب، ولو كان قوله ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ بمعنى المكان؛ لوجب ألا يكون معهم إذ لم يبيتوا؛ لأنه جعل كونه معهم بشرط أن يبيتوا ما لا يرضاه من القول (١). ثم أقبل على قوم طعمة، فقال: ١٠٩ - ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ أي: يا هؤلاء، وها للتنبيه، ﴿جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ أي خاصمتم ﴿عَنْهُمُ﴾ عن طعمة، وهو في قراءة أبي بن كعب: (جادلتم عنهم في الدنيا (٢). والجدال في اللغة: شدة المخاصمة، وهو من الجدل، وهو شدة الفتل، ورجل مجدول كأنه قد فتل، والأجدل: الصقر؛ لأنه من أشد الطيور قوة (٣). ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ﴾ أي: عن طعمة، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إذا أخذه الله بعذابه، وأدخله النار، ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ يعني كفيلًا. ثم استأنف فقال:
следующие страницы →