← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

فأنزل الله تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ الآية (١). وقال مقاتل: إن زيد بن السمين أودع درعًا عند طعمة بن أبيرق، فجحده طعمة، فلما جاء زيد يطلبه أغلق الباب، وأشرف على السطح، وألقى الدرع في دار جاره أبي هلال، ثم فتح الباب فدخلوا (٢)، فلم يجدوا فيها، فصعدوا السطح، فقال: أرى درعًا (٣) في دار أبي هلال فلعله درعكم، فنظروا فإذا (هو ذلك، فرفعوه) (٤)، ثم جمع طعمة قومه، وجاؤوا إلى رسول الله ﷺ (فشكوا وقالوا إنهم قد فضحونا وسرقونا فعاتبهم رسول الله ﷺ ) (٥) على ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ (٦) أي: بالأمر والنهي والفصل، ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ أي بما علمك الله، وأوحى إليك ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ﴾ يعني طعمة ﴿خَصِيمًا﴾ أي: معينًا. ١٠٦ - ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ قال ابن عباس: واستغفر الله مما هممت به من قطع يد زيد (٧). وقال الكلبي: واستغفر الله يا محمد من همك باليهودي أن

стр. 5427

تضربه (١). وقال مقاتل: استغفر الله من جدالك الَّذي جادلت عن طعمة. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ١٠٧ - ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يعني: يظلمون أنفسهم بالخيانة والسرقة ويرمي بها اليهودي، ﴿خَوَّانًا﴾ يعني: خائنًا (٢) في الدرع، ﴿أَثِيمًا﴾ في رميه اليهودي. وقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ قد قيل: إنه خاطب النبي ﷺ ، والمراد به غيره، كقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ والنبي ﷺ لا يشك فيما أنزل عليه (٣). فإن قيل: قد أمر بالاستغفار؟ قيل: أمره بالاستغفار لا يوجب وجود ذنب يجب أن يستغفر منه، كما قد أمر في سورة الفتح (٤) بالاستغفار من غير ذنب متقدم، فاعلم. والاستغفار في جميع الأنبياء بعد النبوة على ثلاثة أوجه: يكون لذنب تقدم قبل النبوة، ويكون لذنوب أمته وقرابته، ويكون

стр. 5428

لترك المباح قبل ورود الحذر، ومعناه: السمع والطاعة لما أمرت به ونهيت عنه، وطلب التوفيق عليه (١). ١٠٨ - قوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: يستترون ويستحيون من الناس، ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ﴾ أي: لا يستترون ولا يستحيون ﴿مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ يقول: علمه معهم، ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾، قال الكلبي (٢)، عن أبي صالح (٣)، عن ابن عباس، يعني: يقولون. (قال سفيان) (٤)، عن الأعمش (٥)، عن أبي رزين (٦): يؤلفون (٧). ﴿مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ يعني؛ الفرية لليهودي بالسرقة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ

стр. 5429

بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾. يقول: قد أحاط الله بأعمالهم (١) الخبيثة. وتعلقت الجهمية (٢)، والمعتزلة بهذه الآية، واستدلوا منها على أن الله بكل مكان، قالوا: لما قال ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ ثبت أنَّه بكل مكان؛ لأنه قد أثبت كونه معهم (٣). فيقال لهم: معنى قوله ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ أنَّه يعلم ما يقولون، ولا يخفى عليه فعلهم؛ لأنه العالم بما يظهره الخلق ويستره، وليس في قوله ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ ما يوجب أنَّه بكل مكان، لأنه قال ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ (٤) ولم يرد بقوله إنه في السماء، معنى غير الذات؛ لأن القول بأن زيدًا في موضع كذا، من غير أن يقيد بذكر فعل، أو شيء من الأشياء لا يكون إلا بالذات، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (٥)، وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (٦) فأخبر أنَّه يدبر الأشياء من السماء، ولا يجوز أن يكون

стр. 5430

معهم بذاته، ثم يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، وإليه يصعد الكلم الطيب، ولو كان قوله ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ بمعنى المكان؛ لوجب ألا يكون معهم إذ لم يبيتوا؛ لأنه جعل كونه معهم بشرط أن يبيتوا ما لا يرضاه من القول (١). ثم أقبل على قوم طعمة، فقال: ١٠٩ - ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ أي: يا هؤلاء، وها للتنبيه، ﴿جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ أي خاصمتم ﴿عَنْهُمُ﴾ عن طعمة، وهو في قراءة أبي بن كعب: (جادلتم عنهم في الدنيا (٢). والجدال في اللغة: شدة المخاصمة، وهو من الجدل، وهو شدة الفتل، ورجل مجدول كأنه قد فتل، والأجدل: الصقر؛ لأنه من أشد الطيور قوة (٣). ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ﴾ أي: عن طعمة، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إذا أخذه الله بعذابه، وأدخله النار، ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ يعني كفيلًا. ثم استأنف فقال:

стр. 5431

١١٠ - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ يعني سرقة الدرع، ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ برميه البريء بالسرقة، ويقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ أي: شركًا ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ يعني: إثمًا دون الشرك (١)، ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي: يتوب إلى الله ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا﴾ متجاوزًا، ﴿رَحِيمًا﴾، حين قبل توبته. ١١١ - ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا﴾ يعني: يمينه بالباطل، ﴿فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ يقول (٢): فإنما يضر به نفسه، ولا يؤخذ غير الآثم بإثم الآثم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بسارق الدرع، ﴿حَكِيمًا﴾ حكم بالقطع على طعمة في السرقة. ١١٢ - ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ أي: بيمينه (٣) الكاذبة، ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ بسرقة الدرع، ورميه اليهودي ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾ أي: يقذف بما جناه ﴿بَرِيئًا﴾ منه، ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا﴾ والبهتان: أن يبهت الرجل بما لم يفعل. وقال الزجاج: البهتان: الكذب الَّذي يتحير من عظمه (٤). ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: ذنبًا بينًا، وقال جويبر (٥)، عن الضحاك (٦)،

стр. 5432

عن ابن عباس: قوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾ يعني به: عبد الله بن أبي بن سلول، ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ يعني: عائشة أم المؤمنين، حين كَذَب عليها، وكان من أهل الإفك (١). قوله: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ ولم يقل بهما، وقد ذكر الخطيئة والإثم. قال الفراء: يجوز أن يكنى عن الفعلين والثلاثة والأكثر وأحدها مؤنث بالتذكير والتوحيد، لأن الأفاعيل يقع عليها فعل واحد، فلذلك جاز، وإن شئت ضممت الخطيئة والإثم، فجعلتهما كالواحد، وإن شئت جعلت الهاء للإثم خاصة، كما قال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (٢) فجعله للتجارة، ولو أتى بالتذكير فجعل كالفعل الواحد لجاز (٣). ثم قال لمحمد ﷺ ١١٣ - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ﴾ بالنبوة، ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ بنصرك بالوحي ﴿لَهَمَّتْ﴾ يقول: لقد همت، أي: أضمرت، ﴿طَائِفَةٌ﴾ يقول: جماعة، ﴿مِنْهُمْ﴾ يعني: قوم طعمة، ﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ يعني: أن يخطئوك في الحكم، ﴿وَمَا

стр. 5433

يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ يقول: وما يخطئون إلا أنفسهم، ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ وكان ضره على من شهد بغير حق، ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ يعني: القرآن، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني: القضاء بالوحي، ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ قبل الوحي، ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ يقول: كان (١) من الله عليك بالنبوة عظيما (٢)، وهذا قول الكلبي (٣)، عن أبي صالح (٤)، عن ابن عباس (٥). وقال جويبر (٦)، عن الضحاك (٧)، عن ابن عباس: ثم قال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ يعني به: الإسلام والقرآن ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ يعني: من ثقيف، ﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ وذلك أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد، جئناك نبايعك على ألا نُحشَر، ولا نُعْشَر (٨)، ولا نكسر أصنامنا بأيدينا، وعلى أن تمتعنا بالعزى سنة (٩). فلم يجبهم إلى ذلك، وعصمه الله تعالى

стр. 5434

بمنه، وأخبره بنعمته عليه، وأنه في حفظه، وكلاءته، فلا يخلص إليه أمر يكرهه فقال: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ يعني: وفد ثقيف، ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: لا يستطيعون أن يزيلوا عنك النبوة، وقد جعلك الله لها أهلًا، ثم قال: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني: الأحكام، ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ يعني: من الشرائع، ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ﴾ أي: من الله عليك بالإيمان، ﴿عَظِيمًا﴾. ١١٤ - قوله: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ قال الكلبي (١): عن أبي صالح (٢)، عن ابن عباس: يعني: قوم طعمة (٣)، ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ أي: حث عليها، ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ يقول: أقرض إنسانًا، ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ يعني: بين طعمة واليهودي، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ القرض والإصلاح والصدقة ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ أي: طلب رضاه، ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ (٤) في الآخرة،

стр. 5435

﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وقال ابن السري (١): معنى النجوى في الكلام: ما ينفرد به الجماعة والاثنان، سرًّا كان أو ظاهرًا (٢). ومعنى نجوت في اللغة: خلصت، وألقيت، يقال: نجوت الجلد عن البعير، وغيره، أي: ألقيته عنه، ويقال: نجوت فلانًا، إذا استنكهته (٣)، قال الشاعر: نجوتُ مجالدا فوجدتُ منه ... كريح الكلب مات حديث عهدِ (٤) ونجوت الوتر، واستنجيته: إذا خلصته، قال: فتبارزت فتبازخت (٥) لها ... جلسة الأعسر يستنجي الوتر

стр. 5436

وأصله كله من النجوة وهي: ما ارتفع من الأرض، قال الشاعر: فمن بنجوته كمن بعقوته ... والمستكن كمن يمشي بقرواحِ (١) فمعنى ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ أي: مما يدبرونه بينهم من الكلام. ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ يجوز أن تكون (مَنْ) في موضع الخفض، والنصب، والرفع، فوجه الخفض على قولك: لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة، والنجوى هاهنا: الرجال المتناجون، كما قال: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ (٢)، وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ (٣).

стр. 5437

وأما النصب فعلى أن يجعل النجوى فعلًا، ويكون قوله ﴿إِلَّا﴾ استثناء من غير الجنس، فيكون وجهه النصب، كما قال النابغة: إلا أواري لأيا (١) .. البيت. وقد يكون من (٢) في موضع رفع، وإن رددت على خلافها، كما قال: وبلدة ليس بها أنيسِ ... إلا اليعافير وإلا العيسِ (٣) ١١٥ - قوله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ نزلت في طعمة بن أبيرق أيضًا، وذلك أنَّه لما نزل القرآن فيه، وعلم قومه أنَّه ظالم، خاف هو على نفسه من القطع والفضيحة هرب إلى مكة، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ أي: يخالفه، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ أي: التوحيد والحدود، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول: غير دين المؤمنين، دين أهل مكة عبادة الأوثان، ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ أي: نكله في الآخرة إلى ما تولى في الدنيا، ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، فلم يتب طعمة ولم يراجع

стр. 5438

وتعمَّد، فادَّلج على رجل من بني سليم من أهل مكة، يقال له: الحجاج بن علاط، فنقب بيته، فسقط عليه حجر من البيت، فنشب فيه، فلم يستطع أن يدخل، ولا أن يخرج، حتى أصبح، فأخذ ليقتل، ثم قال بعضهم: دعوه، فإنه لجأ إليكم. فتركوه، وأخرجوه من مكة، فخرج مع تجار من قضاعة نحو الشام، فنزلوا منزلًا، فسرق بعض متاعهم، فهرب، فطلبوه، فأخذوه فرموه بالحجارة، حتى قتلوه، فصار قبره تلك الحجارة (١). ويقال: إنه ركب سفينة إلى جدة، فسرق فيها كيسًا فيه دنانير، فعلم به، فأخذ وألقي في البحر (٢). ويقال: إنه نزل في حرة بني سليم (٣)، فكان يعبد صنمًا لهم، إلى أن مات، وأنزل الله تعالى فيه:

стр. 5439

١١٦ - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ وأنزل فيه أيضًا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ الآية (١). وقال جويبر (٢)، عن الضحاك (٣)، عن ابن عباس في قوله ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾: نزلت هذه الآية في نفر من قريش، قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، ودخلوا في الإسلام، فأعطاهم رسول الله ﷺ ، ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين، ورجعوا إلى عبادة الأصنام، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية (٤). ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾ أي: يفارق الرسول، ويعاده، وينصب له ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ يعني: من بعد ما وضح له أن محمدًا عبده ورسوله ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: غير طريق المسلمين ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ أي: نكله إلى الأصنام يوم القيامة، وهي لا تملك لهم ضرًّا ولا نفعًا، ولا تنجيهم من عذاب الله، ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ بعبادة

стр. 5440

الأصنام، ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ يعني: وبئس المنزل حلوا به يوم القيامة. وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية قال: إن شيخًا من الأعراب جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا نبي الله، إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا، إلا أني لم أشرك بالله شيئًا، منذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه وليًا، ولم أواقع المعاصي جرأة على الله، ولا مكابرة له، وما توهَّمت طرفة عين أني أعجز الله هربًا، وإني لنادم تائب مستغفر، فما حالي عند الله تعالى؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (١). والشرك ذنب لا يغفر لمن مات عليه ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ يعني: ما دون الشرك، ﴿لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ يعني: فقد ذهب عن الطريق، وحرم الخير كله. واعلم أن قوله ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ الآية دليل على ثبوت حجة الإجماع (٢)، وفي قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ دليل على فساد قول الخوارج، حين زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر، وذلك

стр. 5441

أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: ما دون الشرك، ففرق بين الشرك وسائره (١)، وحتم على نفسه أن لا يغفر الشرك، فلو كانت الكبيرة كفرًا، لكان قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ مستوعبًا، فلما فرق بين الشرك وسائر الذنوب بأن فساد قولهم. وقد بين الله تعالى في آخر القصة ماهية الشرك، وهو قوله تعالى: ١١٧ - ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾ وقد علم أن صاحب الكبيرة غير مستحل لها، فلم يجز أن يكون حكمه حكم الكافر، وفيه دليل على فساد قول المعتزلة في المنزلة بين المنزلتين (٢)، إذ الله تعالى لم يجعل بين الشرك والإيمان منزلة، ولم يجعل الذنوب ضد الإيمان (٣)، فكان فيه فساد قول من جعل الكبيرة ضدًا للإيمان، وفيه دليل على فساد قول المرجئة، حين قالوا: إن المؤمن لا يعذب، كان كان مرتكبًا للذنوب، لأن الله تعالى أخرج الشرك من المشيئة، وجعل الحكم فيه حتمًا، فلو لم

стр. 5442

يجز تعذيب المؤمن المذنب، لأخرجه من باب الاستثناء، وأطلق الحكم فيه كما أطلقه في المشرك، وفيه دليل أيضًا على فساد قول الوعيدية، وقد ذكرناه قبل. ثم نزلت في أهل مكة ﴿إِنْ يَدْعُونَ﴾ أي: ما يعبدون، كقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١) أي: اعبدوني (٢)، يدل عليه قوله (٣): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ (٤). ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من دون الله ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ يعني: اللات، والعزى، ومناة، وأشباهها، من الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله، وكان في كل واحد منهن شيطان، يتراءى للسدنة والكهنة يكلمهم، فذلك قوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾، وكان المشركون يسمون أصنامهم باسم الإناث، هذا قول مجاهد (٥)، والكلبي، وأكثر المفسرين، ويدل على صحة هذا التأويل قراءة ابن

стр. 5443

عباس: (إن يدعون من دونه إلا أُثُنا) جمع الوثن، فتصير الواو همزة كقوله ﴿أُقّتتَ﴾، وقتت، وأصله وثن، وقرئت: (أنثا) (١) على جمع الإناث، مثل: مثال ومُثُل، وثمار وثمر (٢). وقال الحسن، وقتادة، وأبو عبيدة: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ يعني: مواتًا لا روح فيها، خشبة وحجرًا (٣) مدرًا، ونحوها، وذلك أن الموات كلها يخبر عنها كما يخبر عن المؤنث، تقول من ذلك: الأحجار تعجبني (٤)، هوَإِن يَذعُوتَ أي: ما يعبدون، ﴿إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾، المريد: المارد، فعيل، بمعنى فاعل، نحو قدير، وقادر، وهو: الشديد العاتي، الخارج من الطاعة (٥)، يقال: مرد الرجل، يمرد، مرودًا، ومرادة: إذا عتا، وخرج من الطاعة، وأصل المريد من قول العرب: حائط ممرد، أي: مملس، ويقال شجرة مرداء، إذا تناثر ورقها، ولذلك سمي من لم تنبت لحيته: أمرد، أي: أملس موضع اللحية (٦)، فالمريد: الخارج من الطاعة، المتملس منها.

стр. 5444

الكشف والبيان عن تفسير القرآن تأليف أبي إسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبي المتوفى سنة ٤٢٧ هـ أشرف على إخراجه د/ صلاح باعثمان - د/ حسن الغزالي - أ. د/ زيد مهارش - أ. د/ أمين باشه [المجلد الحادي عشر] [سورة النساء ١١٨ - ١٧٦ * المائدة] تحقيق د/ خالد بن علي الغامدي

стр. 5445

السيرة الذاتية للمحقق د/ خالد بْن علِيّ الغامدي أستاذ مشارك بجامعة أم القرى -كلية الدعوة وأصول الدين- قسم القراءات حصل على درجة الدكتوراه عام ١٤٢١ هـ في تخصص القرآن وعلومه من جامعة أم القرى - كلية الدعوة وأصول. بعض من المناصب الإدارية التي شغلها: إمام المسجد الحرام. وكيلًا لكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى. عضو مجلس كرسي الملك عبد الله بن عبد العزيز للقرآن الكريم بجامعة أم القرى. عضوية الهيئات العلمية منها: عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه. له مؤلفات منشورة أهمها: ١ - القراءات الشاذة - مفهومها وأحكامها. (بحث لدورية كلية البنات بطنطا) ٢ - العناصر المشتركة بين سور الـ حم وتفرداتها. (بحث لدورية كلية أصول الدين بالأزهر) ٣ - جامع البيان في القراءات السبع. (بحث لدورية جامعة الشارقة) ٤ - عناية شيخ الإسلام بالقراءات. (مخطوط) ٥ - التغني بالقرآن مفهومه وآدابه. (مخطوط) ٦ - حكم لزوم الجماعة والآثار المترتبة على ذلك ٧ - منهج أبي بن كعب في التفسير ٨ - طبائع الإنسان في القرآن ٩ - آثار تدبر القرآن ١٠ - القراءات التفسيرية مفهومها وأنواعها. (تحت الطبع) ١١ - المقاصد المشتركة بين سور آل حم. (تحت الطبع) * * *

стр. 5446

الْكَشْفُ وَالْبَيَانُ عَن تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ [١١]

стр. 5447

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة رَقم الْإِيدَاع بدَارِ الْكتب ١٥١٩٢/ ٢٠١٣ الطَّبعَةُ الأولى ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م دَار التَّفْسِير جدة - المملكة الْعَرَبيَّة السَعوديَّة شَارِع مَحْمُود نصيف - حَيّ الأندلس ص. ب: ١٢٢٤٩٧ - جدة: ٢١٣٣٢ تلفاكس: ٦٦٨٨٨٢٣ - ٠١٢

стр. 5448

١١٨ - قوله: ﴿لعَنَهُ اللَّهُ﴾ يعني: إبليس (١)، ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أي (٢): حظًا معلومًا، فما أُطيع فيه إبليس (٣)، فهو مفروضه. وقال الفراء: يعني ما جعل له عليه السبيل فهو كالمفروض (٤). وفي بعض التفاسير: من كل ألف واحد لله، وسائرهم لإبليس (٥). وأصل (٦) الفرض في اللغة: القطع، ومنه الفرضة في النهر وهي الثلمة تكون فيه، يقال: سقاها بالفراض، والفُرض، والفرض: الحز الذي يكون في السواك، يشد فيه الخيط، والفرضة في القوس: الحز الذي يشد فيه الوتر، والفريضة في سائر ما افترض مما أمر الله به العباد، فجعله أمرًا حتمًا عليهم قاطعًا، كذلك قوله: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (٧) أي: جعلتم لهن قطعة من المال، وقد فرضت للرجل: إذا جعلت له قطعة من المال، وأما قول الشاعر:

стр. 5449

إذا أكلت سمكا وفَرْضَا ... ذهبت طولا وذهبت عرضا فالفرض هنا التمر، وإنما سمي التمر فرضًا لأنه يؤخذ في فرائض الصدقة (١). ١١٩ - ثم قال إبليس: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ يعني: عن الحق، ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أنه لا جنة ولا نار ولا بعث. وقال بعضهم: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أي: ألقي في قلوبهم الهموم (٢). ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ أي: يقطعونها ويشقونها، وهي البحيرة (٣). ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد، والضحاك، وسعيد بن جبير: يعني: دين الله (٤).

стр. 5450

نظيره قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (١) أي: لدين الله. وقال عكرمة وقوم من المفسرين: معناه: فليغيرن خلق الله بالخصاء، والوشم، وقطع الآذان، وفقء العيون (٢). وقال أهل المعاني: يعني بقوله: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ أن الله خلق الأنعام ليركبوها، ويأكلوها، فحرموها على أنفسهم، وخلق (٣) الشمس، والقمر، والحجارة سُخْرَة للناس، ينتفعون بها، فعبدها المشركون، فغيروا خلق الله (٤).

стр. 5451

﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا﴾ أي: ربا، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فيطيعه، ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ ١٢٠ - ﴿يَعِدُهُمْ﴾ ألا يلقون خيرًا، ﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ الفقر، فلا ينفقون في خير، ولا يصلون رحمًا، ويقال: ﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ ألا بعث، ولا جنة، ولا نار ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ أي: باطلًا. ١٢١ - ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ﴾ يعني: مصيرهم ﴿جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ أي: مفرًا. قال عوف: بلغني أن المؤمن يكيده من الشياطين أكثر من مضر، لو أبداهم الله له لمات (١). فإن قيل: خبرونا عن قول إبليس: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ الآيات، كيف علم ذلك؟ يقال: قد قيل في هذا أجوبة: منها: أن قالوا: إن الله ﵎ كان خاطبه بقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٢) فعلم إبليس أنه ينال من ذريته، ومن ذرلة آدم ما يتمناه. ومنها: أن قالوا: أنه لما وسوس لآدم، فنال منه ما قال، طمع في ولده، ولما لم ينل من آدم جميع ما تمنى (٣) من الغواية، كذلك طمع في

стр. 5452

بعض ولده، وأيس من جميعهم. ومنها أن قالوا: إن إبليس قد عاين الجنة والنار، وعلم أن الله تعالى خلقهما لأن يسكنهما من الناس والشياطين، فعلى هذا التأويل قال: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. فإن قيل: فأخبرونا عن إضلال الشيطان هل إليه نجح فعله، وإنفاذ أمره، أم لا؟ يقال له: معنى إضلاله: الدعاء إلى الضلالة، والتزيين لها، ولو كانت الضلالة إليه لأضل الخلق جميعًا، وكذلك تمنيته إياهم. ١٢٢ - قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت الغرف والمساكن، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [٣٦١] أي: وعدًا. ١٢٣ - قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ الآية، قال قتادة، والضحاك: إن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم. وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم، ونبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية (١).

стр. 5453

وقال مجاهد: قالت قريش: لا نبعث، ولا نحاسب. وقال أهل الكتاب: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (١). (واسم (ليس) مضمر، المعنى: ليس ثواب الله تعالى بأمانيكم، ولا بأماني أهل الكتاب) (٢). ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ولا ينفعه تمنيه، ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. قال الكلبي (٣)، عن أبي صالح (٤)، عن ابن عباس: لما نزلت هذه الآية شقت على المسلمين مشقة شديدة، وقالوا: يا رسول الله، وأينا لم يعمل سوءًا غيرك، فكيف الجزاء؟ قال: "منه ما يكون في الدنيا، فمن يعمل حسنة فله عشر حسنات، ومن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة، وبقيت له تسع حسنات، فويل لمن غلب (٥) آحاده أعشاره،

стр. 5454

وأما ما كان جزاءً في الآخرة فإنه يؤخر إلى يوم القيامة، فيقابل بين حسناته وسيئاته، فيلقى مكان كل سيئة حسنة وينظر في الفضل، فيعطى الجزاء في الجنة، فيعطي كل ذي فضل فضله" (١). وروى إسماعيل بن أبي خالد (٢)، عن أبيْ بكر بن أبي زهير (٣)، عن أبي بكر الصديق ﵄ قال: قلت: يا رسول الله، كيف الصلاح (٤) بعد هذه الآية؟ فقال النبي ﷺ : "آية آية؟ " فقال: يقول الله : ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ما عملنا جزينا به، فقال له النبي ﷺ : "غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ ألست تنصب؟ أليس يصيبك اللأواء؟ " قال: بلى. قال: "فهو ما تجزون به" (٥).

стр. 5455

وقال موسى بن عبيدة (١): أخبرني مولى ابن سباع (٢) قال: سمعت عبد الله بن عمر يحدث عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: كنت عند رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية في سورة النساء: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا بكر، ألا أقرئك آية نزلت علي؟ " قلت: بلى يا رسول الله. قال (٣):

стр. 5456

فأقرأنيها، قال: فلا أعلم أني وجدت انقصامًا في ظهري حتى (١) إني لأتمطى لها. فقال: "مالك يا أبا بكر؟ " قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله (٢)، وأينا لم يعمل سوءًا؟ وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه. فقال النبي ﷺ : "أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا، حتى تلقوا الله وليست لكم ذنوب، وأما الآخرون فتجمع ذنوبهم، حتى يجزوا (٣) بها يوم القيامة" (٤). وقال عطاء: لما نزلت ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقال أبو بكر: هذه قاصمة الظهر يا رسول الله. قال النبي ﷺ : "إنما هي المصيبات، تكون في الدنيا" (٥).

стр. 5457

وروى عبد الله بن أبي مليكة (١)، عن القاسم بن محمد (٢)، عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله، إني لأعلم أي آية في كتاب الله أشد. قال: "أي آية؟ " قلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال: "إن المؤمن يجازى بأسوأ أعماله في الدنيا"، ثم ذكر أشياء منها المرض والنصب وكان آخره أن ذكر مصيبة النكبة (٣)، "كل ذلك يجزى بعمله يا عائشة، إنه ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا يعذب". قالت: فقلت: أليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ (٤) قال: "ذلك العرض، إنه من نوقش الحساب يعذب"، وقال بيده على أصبعه كأنه ينكت (٥).

стр. 5458

وروى إبراهيم بن بريدة (١)، ثنا عبد الله بن إبراهيم (٢) قال: سمعت أبا هريرة يقول: لما أنزلت ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال: فبكينا وحزنا، وقلنا: يا رسول الله، ما أبقت هذه الآية من شيء. قال: "أما والذي نفسي بيده، إنها لكما أنزلت، ولكن أبشروا، وقاربوا، وسددوا، إنه لا يصيب أحدا منكم مصيبة في الدنيا، إلا كفر الله بها خطيئة، حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه" (٣).

стр. 5459

وقال الحسن في قوله ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال: هو الكافر، لا يجزي الله المؤمن بسيِّئ عمله (يوم القيامة) (١)، ولكن المؤمن يجزى بأحسن عمله، ويتجاوز عن سيئاته، ثم قرأ: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، وقرأ أيضًا: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ (٣).

стр. 5460

قلت: لولا السنة لأمكن أن يقال: إن الآية نزلت في الكفار، لقوله في سياق الآية: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ ومن لم يكن له في القيامة نصير ولا ولي كان كافرًا، لأن الله تعالى قد ضمن نصرة المؤمنين في الدارين، بقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ (١)، ولكن الخطاب متى ورد مجملا، وبين الرسول كان الحكم لبيانه ﷺ ، إذ البيان إليه، قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢). ثم بين الله تعالى فضل المؤمنين على مخالفيهم فقال: ١٢٤ - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ وهو النقرة التي تكون في ظهر النواة. وروى سفيان (٣)، عن الأعمش (٤)، عن أبي الضحى (٥)، عن مسروق (٦) قال: لما نزلت هذه الآية ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ

стр. 5461

أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء، حتى نزلت: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِن﴾ الآية (١). ونزلت فيهم أيضًا: ١٢٥ - ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا﴾ أي: أحكم دينًا، ﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ قال الكلبي (٢)، عن أبي صالح (٣)، عن ابن عباس: يعني أخلص عمله لله (٤)، وقيل: فوض أمره إلى الله، وقيل: خضع لله (٥) ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: موحد، ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني: دين إبراهيم ﴿حَنِيفًا﴾ أي: مسلمًا مخلصًا، قال ابن عباس: ومن دين إبراهيم الكعبة، والصلاة إليها، والطواف بها وحولها، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمرات، والموقفات، وحلق الرأس وسائر المناسك، فمن صلى نحو الكعبة، وأقر بهذه الصفة فقد اتبع دين (٦) إبراهيم.

стр. 5462

قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (قال الكلبي (١)، عن أبي صالح (٢)، عن ابن عباس) (٣) في قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ يقول: صفيًا، قال: وكان إبراهيم أبا ضيفان، يضيف من مر به من الناس، وكان منزله على ظهر الطريق فأصاب الناس سنة، جهدوا فيها، فحشر الناس إلى باب إبراهيم، يطلبون الطعام، وكانت الميرة (٤) له كل سنة من صديق له بمصر، فبعث غلمانه بالإبل إلى الخليل الذي له بمصر، يسأله الميرة، وكانت الميرة له منه كل سنة، فقال خليله لغلمانه: لو كان إبراهيم إنما يريده لنفسه لاحتملنا ذلك له، فقد دخل علينا ما دخل على الناس من الشدة، فرجع رسل إبراهيم إليه، فمروا ببطحاء -يعني: السهلة (٥) - فقالوا: لو أنا حملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة؛ إنا لنستحيي أن نمر بهم وإبلنا فارغة. قال: فملئوا تلك الغرائر (٦) سهلة، ثم أتوا بها (٧) إبراهيم، وسارة نائمة، فأعلموه ذلك، فاهتمَّ إبراهيم ﵇،

стр. 5463

لمكان الناس ببابه، فغلبته عيناه فنام، واستيقظت سارة، وقد ارتفع النهار، فقالت: سبحان الله، ما جاء الغلمان؟ قالوا لها: بلى. قالت: فما جاءوا بشيء؟ قالوا: بلى (١). فقامت إلى تلك الغرائر، ففتحتها، وإذا هي أجود حُوَّاري (٢) يكون، فأمرت الخبازين فخبزوا، وطعموا، قال: فاستيقظ إبراهيم، فوجد ريح الطعام، فقال: يا سارة، من أين هذا الطعام؟ فقالت: من عند خليلك المصري. فقال: هذا من عند خليلي الله (٣)، لا من عند خليلي المصري قال: فيومئذ اتخذ الله إبراهيم (٤) خليلًا، مصافيًا (٥). قال الزجاج: ومعنى الخليل: الذي ليس في محبته خلل، فجائز أن يكون سمي خليل الله بأنه الذي أحبه واصطفاه محبة تامة، وجائز أن يسمى: (خليل الله) (٦) أي: فقيرًا إلى الله، لأنه لم يجعل فقره وفاقته

стр. 5464

إلا إلى الله، مخلصًا في ذلك، قال الله تعالى: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١)، لأن معنى الخليل في اللغة قد قيل: هو الفقير، قال زهير يمدح هوم بن سنان (٢): وإن أتاه خليلٌ يوم مسألةٍ ... يقول لا غائبٌ مالي ولا حَرَمُ (أي: ولا ممنوع) (٣)، والخُلة: الصداقة، والخَلة: الحاجة، فإذا جعلنا اشتقاق الخليل من الخَلة فهو: الاختلال الذي يلحق الإنسان فيما يحتاج إليه، كان جعلناها من الخُلة فهو: أصل الصداقة، فمعناها جميعًا واحد، لأن كل واحد منهما يسد خلل صاحبه في المودة والحاجة إليه، والخلل كل فرجة تقع في شيء، والخلال الذي يتخلل به، وإنما سمي خلال لأنه يتتبع به الخلل بين الأسنان، والخِلُّ الطريق في الرمل، معناه: أنه انفرجت فيه فرجة فصارت طريقا في الأرض، والخَل الذي يؤكل، إنما سمي خلا لأنه اختل منه طعم الحلاوة (٤).

стр. 5465

١٢٦ - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ أي: أحاط علمه بجميع الأشياء. ١٢٧ - قوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ الآية. قال الكلبي (١)، عن أبي صالح (٢)، عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في بنات أم كجة وميراثهن من أبيهن (٣)، وقد مضت القصة في أول السورة. وقال معاوية بن صالح (٤)، عن علي بن أبي طلحة (٥)، عن (ابن عباس (٦) قال) (٧): كان الرجل في الجاهلية يكون عنده اليتيمة، فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل بها ذلك -لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدا، فإن كانت جميلة وهويها تزوجها، وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدًا، حتى تموت، فإذا ماتت ورثها، فحرم الله ذلك، ونهى عنه، وأنزل الله (٨) هذه الآية (٩).
следующие страницы →