← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء، حتى نزلت: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِن﴾ الآية (١). ونزلت فيهم أيضًا: ١٢٥ - ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا﴾ أي: أحكم دينًا، ﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ قال الكلبي (٢)، عن أبي صالح (٣)، عن ابن عباس: يعني أخلص عمله لله (٤)، وقيل: فوض أمره إلى الله، وقيل: خضع لله (٥) ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: موحد، ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني: دين إبراهيم ﴿حَنِيفًا﴾ أي: مسلمًا مخلصًا، قال ابن عباس: ومن دين إبراهيم الكعبة، والصلاة إليها، والطواف بها وحولها، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمرات، والموقفات، وحلق الرأس وسائر المناسك، فمن صلى نحو الكعبة، وأقر بهذه الصفة فقد اتبع دين (٦) إبراهيم.

стр. 5462

قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (قال الكلبي (١)، عن أبي صالح (٢)، عن ابن عباس) (٣) في قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ يقول: صفيًا، قال: وكان إبراهيم أبا ضيفان، يضيف من مر به من الناس، وكان منزله على ظهر الطريق فأصاب الناس سنة، جهدوا فيها، فحشر الناس إلى باب إبراهيم، يطلبون الطعام، وكانت الميرة (٤) له كل سنة من صديق له بمصر، فبعث غلمانه بالإبل إلى الخليل الذي له بمصر، يسأله الميرة، وكانت الميرة له منه كل سنة، فقال خليله لغلمانه: لو كان إبراهيم إنما يريده لنفسه لاحتملنا ذلك له، فقد دخل علينا ما دخل على الناس من الشدة، فرجع رسل إبراهيم إليه، فمروا ببطحاء -يعني: السهلة (٥) - فقالوا: لو أنا حملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة؛ إنا لنستحيي أن نمر بهم وإبلنا فارغة. قال: فملئوا تلك الغرائر (٦) سهلة، ثم أتوا بها (٧) إبراهيم، وسارة نائمة، فأعلموه ذلك، فاهتمَّ إبراهيم ﵇،

стр. 5463

لمكان الناس ببابه، فغلبته عيناه فنام، واستيقظت سارة، وقد ارتفع النهار، فقالت: سبحان الله، ما جاء الغلمان؟ قالوا لها: بلى. قالت: فما جاءوا بشيء؟ قالوا: بلى (١). فقامت إلى تلك الغرائر، ففتحتها، وإذا هي أجود حُوَّاري (٢) يكون، فأمرت الخبازين فخبزوا، وطعموا، قال: فاستيقظ إبراهيم، فوجد ريح الطعام، فقال: يا سارة، من أين هذا الطعام؟ فقالت: من عند خليلك المصري. فقال: هذا من عند خليلي الله (٣)، لا من عند خليلي المصري قال: فيومئذ اتخذ الله إبراهيم (٤) خليلًا، مصافيًا (٥). قال الزجاج: ومعنى الخليل: الذي ليس في محبته خلل، فجائز أن يكون سمي خليل الله بأنه الذي أحبه واصطفاه محبة تامة، وجائز أن يسمى: (خليل الله) (٦) أي: فقيرًا إلى الله، لأنه لم يجعل فقره وفاقته

стр. 5464

إلا إلى الله، مخلصًا في ذلك، قال الله تعالى: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١)، لأن معنى الخليل في اللغة قد قيل: هو الفقير، قال زهير يمدح هوم بن سنان (٢): وإن أتاه خليلٌ يوم مسألةٍ ... يقول لا غائبٌ مالي ولا حَرَمُ (أي: ولا ممنوع) (٣)، والخُلة: الصداقة، والخَلة: الحاجة، فإذا جعلنا اشتقاق الخليل من الخَلة فهو: الاختلال الذي يلحق الإنسان فيما يحتاج إليه، كان جعلناها من الخُلة فهو: أصل الصداقة، فمعناها جميعًا واحد، لأن كل واحد منهما يسد خلل صاحبه في المودة والحاجة إليه، والخلل كل فرجة تقع في شيء، والخلال الذي يتخلل به، وإنما سمي خلال لأنه يتتبع به الخلل بين الأسنان، والخِلُّ الطريق في الرمل، معناه: أنه انفرجت فيه فرجة فصارت طريقا في الأرض، والخَل الذي يؤكل، إنما سمي خلا لأنه اختل منه طعم الحلاوة (٤).

стр. 5465

١٢٦ - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ أي: أحاط علمه بجميع الأشياء. ١٢٧ - قوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ الآية. قال الكلبي (١)، عن أبي صالح (٢)، عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في بنات أم كجة وميراثهن من أبيهن (٣)، وقد مضت القصة في أول السورة. وقال معاوية بن صالح (٤)، عن علي بن أبي طلحة (٥)، عن (ابن عباس (٦) قال) (٧): كان الرجل في الجاهلية يكون عنده اليتيمة، فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل بها ذلك -لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدا، فإن كانت جميلة وهويها تزوجها، وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدًا، حتى تموت، فإذا ماتت ورثها، فحرم الله ذلك، ونهى عنه، وأنزل الله (٨) هذه الآية (٩).

стр. 5466

وقال مجاهد، والضحاك، وقتادة، وإبراهيم: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان شيئا، وكانت المرأة تكون يتيمة في الجاهلية دميمة ولها مال، فيكره وليها أن يتزوجها من أجل دمامتها، ويكره أن يزوجها غيره من أجل مالها، فكان وليها لا يتزوجها، ويحبسها عنده حتى تموت، فيرثها (١). وقال سعيد بن جبير: كان ولي اليتيمة إذا كانت ذا مال، وجمال رغب فيها، فنكحها واستأثرها، وإذا لم تكن ذات مال، (ولا جمال) (٢) أنكحها، ولم ينكحها، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال موسى بن عبيدة: أخبرني عبد الله بن عبيدة قال: جاءت امرأة من الأنصار يقال لها خولة بنت حكيم إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أخي توفي، وترك بنات، ليس عندهن من الحسن ما يرغب فيهن الرجال، ولا يقسم لهن من ميراث أبيهن شيء، فنزلت فيها: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾ (٣) أي: يستخبرونك، ﴿فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ أي: يخبركم فيهن (٤) ﴿وَمَا يُتْلَى﴾ أي: والذي يقرأ، ﴿عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ أي: من القرآن، وموضع ﴿ما﴾ رفع، معناه: قل الله

стр. 5467

يفتيكم فيهن، وما يتلى عليكم في الكتاب يفتيكم فيهن أيضًا، ويجوز أن يكون في موضع الخفض، فيكون معناه: قل الله يفتيكم فيهن، وفيما يتلى عليكم، وهو بعيد؛ لأن الظاهر لا يعطف على المضمر ووجه الرفع أبين، لأن ما يتلى في الكتاب هو الذي يبين ما سألوه عنه، فالمعنى: قل الله يفتيكم فيهن، وكتابه يفتيكم فيهن (١)، وهو قوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية (٢). وقوله: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ﴾ أي: لا تعطونهن، ﴿مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ يعني: فرض لهن من الميراث، ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ أي: وترغبون عن نكاحهن، لدمامتهن، وقيل معناه: وترغبون في نكاحهن لما لهن (٣)، ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ يعني: الصغار من الصبيان، وهو في موضع الخفض، المعنى: قل الله يفتيكم فيهن، وفي المستضعفين، ﴿وَأَنْ تَقُومُوا﴾ أي: ويفتيكم في أن تقوموا، ﴿لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل، ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾

стр. 5468

وروى شعبة (١)، عن أبي إسحاق (٢) قال: سمعت البراء بن عازب (٣) قال: آخر آية نزلت: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ وآخر سورة أنزلت براءة (٤). ١٢٨ - قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الآية نزلت هذه الآية في عميرة (٥)، ويقال: خويلة بنت محمد بن مسلمة، وفي زوجها سعد (٦) بن الربيع، ويقال: رافع بن خديج، تزوجها وهي شابة، فلما أدبرت وعلاها الكبر تزوج عليها امرأة شابة، وآثرها عليها، وجفى ابنة محمد بن مسلمة، فأتت رسول الله ﷺ فشكت إليه، فنزلت فيها هذه الآية (٧)، هذا قول الكلبي وجماعة

стр. 5469

من المفسرين. وقال سعيد بن جبير: كان رجل، وله امرأة قد كبرت، وكان له منها أولاد فأراد أن يطلقها، ويتزوج غيرها، فقالت: لا تطلقني، ودعني على ولدي، واقسم في في كل شهرين -إن شئت- أو أكثر، وإن شئت فلا تقسم في. فقال: إن كان يصلح ذلك فهو أحب إليَّ. فأتى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك، فقال: قد سمع الله ما تقول، فإن شاء أجابك، فأنزل الله تعالى ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ (١) أي: علمت ﴿مِنْ بَعْلِهَا﴾ أي: من زوجها، ﴿نُشُوزًا﴾ يعني: بغضًا، وقال الكلبي: يعني: تركا لمجامعتها ومضاجعتها، ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ بوجهه عنها، ويقل مجالستها ومحادثتها، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ يعني: على الزوج والمرأة، ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾ (٢) أي: يتصالحا، ﴿بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾

стр. 5470

يعني: في القسمة، والنفقة، وهو أن يقول لها: إنك امرأة دميمة، أو قد دخلت في السن، وأريد أن أتزوج عليك امرأة (١) شابة جميلة، وأؤثرها عليك في القسمة بالليل والنهار؛ لشبابها، فإن رضيت بهذا فأقيمي، كان كرهت خليت سبيلك. فإن رضيت بذلك كانت هي المحسنة، ولا تجبر على ذلك، كان لم ترض بدون حقها كان الواجب على الزوج أن يوفيها حقها من المقام والنفقة، أو يسرحها بإحسان، ولا يحبسها على الحيف (٢)، وإن أقام عليها ووفاها (٣) حقها مع كراهيته لصحبتها فهو المحسن الذي مدحه الله تعالى، وخبره أنه عالم بصنيعه، ومجازيه على فعله، ولا يجبر الزوج على وطء واحدة منهن، لأن الوطء لذة للزوج، وهو حقه، فإذا تركه لم يجبر عليه، وليس هو كالمقام والنفقة. قوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ يعني: إقامتها بعد تخييره إياها، ومصالحتها على شيء معلوم، في المقام والنفقة، وهكذا فعل رسول الله ﷺ مع زوجته سودة بنت زمعة (٤)، وذلك أنها كانت

стр. 5471

امرأة كبيرة، فأراد النبي ﷺ فراقها، فطلبت إليه ألا يفعل، وقالت: إنما بي أن أبعث في نسائك، وقد جعلت يومي وليلتي لعائشة (١). وقال علي بن أبي طالب (٢): في قوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قال: المرأة تكون عند الرجل، فتكون دميمة أو كبيرة، أو لا يحبها زوجها، فيصطلحان على صلح (٣). وقال سعيد بن جبير: هو أن يتراضيا على شيء معلوم، في نفسه وماله (٤). وقال الضحاك: الصلح أن ينتقصها من حقها إذا تزوج أشبَّ منها، وأعجب إليه (٥).

стр. 5472

وقال مقاتل بن حيان في هذه الآية: هو الرجل يكون تحته المرأة الكبيرة فيتزوج عليها الشابة، فيقول للمرأة الكبيرة: أعطيك من مالي نصيبًا، على أن أقسم لهذه الشابة أكثر مما أقسم لك من الليل والنهار، فترضى الأخرى بما اصطلحا عليه، وإن أبت أن ترضى فعليه أن يعدل بينهما في القسمة (١). وروى إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة (٢)، عن سليمان بن يسار (٣)، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قال: المرأة الكبيرة، أو الدميمة تكون عند الرجل، فيريد طلاقها، والاستبدال بها، فتصالحه هذه على بعض حقها من القسمة والنفقة، فذلك جائز ما رضيت، فإن أنكرت بعد الصلح فذلك لها، ولها (٤) حقها، أمسك أو طلق (٥). وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هي المرأة تكون عند الرجل، وله امرأة غيرها أحب إليه منها، فيؤثرها عليها، فأمر الله

стр. 5473

تعالى إذا كان ذلك أن يقول لها: يا هذه، إن شئت أن تقيمي على ما ترين من الأثرة فأواسيك وأنفق عليك فأقيمي، وإن كرهت خليت سبيلك، فإن هي رضيت أن تقيم بعد أن يخيرها فلا جناح عليه، وهو قوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ هو التخيير (١). وروى إسرائيل (٢)، عن سماك بن حرب (٣)، عن خالد بن عرعرة (٤) قال: سأل رجل عليًّا ﵁ (٥) عن قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾ الآية قال: تكون المرأة عند الرجل فتنبو عينه عنها من دمامة أو كبر، فتفتدي منه، تكره فرقته، فإن أعطته من مالها فهو له حل، وإن أعطته من أيامها فهو له حل (٦). ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ يقول (٧): شحت المرأة بنصيبها من زوجها، وشح الرجل بنصيبه من الأخرى، قال ابن عباس: والشح:

стр. 5474

هواه في الشيء يحرص عليه (١). ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا﴾ يعني: تصلحوا بينهما بالسوية ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الجور والميل، وقيل: هذا خطاب للأزواج، والمعنى: وإن تحسنوا بالإقامة عليها مع كراهتكم لصحبتها وتتقوا ظلمها ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فيجزيكم بأعمالكم. ١٢٩ - قوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ يقول: لن تقدروا أن تسووا بينهن في الحب ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ على العدل ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ إلى الشابة الجميلة التي تحبونها، يقول: (كل الميل) (٢) في النفقة والقسمة والإقبال عليها، ﴿فَتَذَرُوهَا﴾ فتدعوا الأخرى ﴿كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (أي كالمنوطة لا أيمًا، ولا ذات بعل. وقال قتادة، والكلبي: ﴿كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (٣) أي: كالمحبوسة، وهي قراءة أبي بن كعب، كأنها مسجونة (٤). وقال مجاهد: لن تستطيعوا العدل بينهن، فلا تتعمدوا الإساءة، وذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: اللهم أما قلبي فلا أملك،

стр. 5475

وأما ما سوى ذلك فأرجو أن أعدل (١). ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾ بالعدل (٢) في القسمة بينهن ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الجور ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لما ملت إلى التي تحبها بقلبك بعد العدل في القسمة. ١٣٠ - ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾ يعني: الزوج والمرأة بالطلاق، ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ أي: من رزقه، المرأة بزوج، والرجل بامرأة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ لهما في النكاح، ﴿حَكِيمًا﴾ حكم على الزوج إمساكًا بمعروف، أو تسريحًا بإحسان. ذكر حكم الآية: اعلم أن الله تعالى لرأفته بعباده، وعلمه بأحوالهم، نبههم على ما هو واجب عليهم من حقوق النساء، ونهاهم عن الميل في أفعالهم، إذ لم يكن لهم سبيل إلى التسوية بينهن في المحبة، ومتى جمع العبد بين الفعل وميل القلب إلى واحدة بعينها، دون غيرها، كان ذلك جورًا، وقد روي أن النبي ﷺ كان يقسم فيقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، وأنت أعلم بما لا أملك" (٣)،

стр. 5476

يعني به قلبه، والله أعلم، وكان يطاف به على نسائه في مرضه حتى حللنه، فأقام عند عائشة ﵂ (١).

стр. 5477

وعماد القسم بالليل؛ لأنه سكن (١)، وقد قال الله تعالى: ﴿أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ (٢) فمتى كان عند الرجل حرائر مسلمات وذميات فهن في القسم سواء، ويقسم للحرة ليلتين، وللأمة ليلة، إذا خلَّى المولى بينه وبينها في ليلها ويومها، ولا يدخل في الليل على التي لم يقسم لها، ولا بأس أن يدخل عليها بالنهار في حاجة، ويعودها في مرضها في ليلة غيرها، فإن ثقلت فلا بأس أن يقيم عندها (٣) حتى تخف أو تموت، ثم يوفي من بقي من نسائه مثل ما أقام عندها، كان أراد أن يقسم ليلتين ليلتين، وثلاثًا وثلاثًا كان له ذلك (٤). ذكر استدلال من استدل من هذه الآية على تكليف ما لا يطاق (٥):

стр. 5478

قالوا: قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ فأمرهم الله أن يعدلوا، وأخبر أنهم لا يستطيعون أن يعدلوا فقد أمرهم بما لا يستطيعون، وكلفهم ما لا يطيقون. إن قال قائل: هل كلف الله الكفار ما لا يطيقون؟ قيل له: إن أردت أنه كلفهم ما لا يطيقونه لعجز حائل، وآفة مانعة فلا، لأنه قد صحيح أبدانهم، وأكمل خلقهم، وأوجد لهم الآلات، ورفع عنهم العلل والآفات، كان أردت أنه كلفهم ما لا يقدرون عليه، بتركهم له، واشتغالهم بضده، فقد كلفهم ذلك. فإن قالوا: فيقدر الكافر ألا يتشاغل بالكفر؟ قيل لهم: إن معنى لا يتشاغل بالكفر هو أن يؤمن، فكأنكم قلتم يقدر أن يؤمن، وهو مقيم على كفره، فقد قلنا إنه ما دام مشغولًا بالكفر فليس بقادر على الإيمان، إلا على ما جوزت اللغة من أن الإنسان قادر على الفعل، بمعنى أنه لو لم يفرط واثر قدر، كما قالوا: فلان يقدر على حمل كذا، أي: يقدر عليه لو رامه وقصد إلى حمله، نظير قولهم: فلان يفهم، يذهبون إلى أنه يفهم الشيء إذا ورد عليه، وكذلك يقول: الطعام مشبع، والماء مروي، والمعنى (في ذلك) (١) أن الطعام يشبع إذا أكل، وأن الماء يروي إذا شرب، والذي يوضح ذلك ما لا يتدافع الناس بينهم، من قول الرجل: قم معي في حاجة كذا، فيقول: لا أقدر على المجيء معك، لما أنا فيه من الشغل، وقد

стр. 5479

قال الله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (١) بمعنى: القَبول، لاستثقالهم إياه. ومن المثبتة من يقول إذا سئل: هل يقدر الكافر على الإيمان؟ يقول: إن أراده كان قادرًا عليه، فإذا قيل له: فيقدر أن يريده؟ (قال: إن كره الكفر؟ فإذا قيل له: فيقدر أن يكره الكفر؟ ) (٢)، قال: يقدر على ذلك، إن أراد الإيمان، فكلما كرر عليه هذا السؤال كرر الجواب.

стр. 5480

١٣١ - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ عبيدًا، وملكًا ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني: أهل التوراة والإنجيل، وسائر الكتب المتقدمة في كتبهم، ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ يا أهل القرآن في كتابكم، ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: وحدوا الله، وأطيعوا، ولا تشركوا به شيئًا، ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ بما أوصاكم الله به ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: فإن لله ملائكة، هم أطوع له منكم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ غنيًا عن جميع خلقه، غير محتاج إلى طاعتهم، وإلى ما في الأرض، وما في أيديهم. وحقيقة الغنى عند أصحاب الصفات (١): من له غنى، والغنى هو: القدرة على ما تريد، والغني: القادر على ما يريد، ثم ينظر فإن كان القادر ممن تجوز الحاجة عليه وسمناه (٢) بذلك، وإن كان ممن لا يجوز الوصف بالحاجة عليه لم نصفه به (٣)، والفقر: العجز عن ذلك، وعدمه، وإلى هذا ذهب الكعبي أيضًا. وقال الجبائي: إن معنى الوصف لله بأنه غني هو أنه لا تصل إليه المنافع والمضار، ولا تجوز عليه اللَّذات، والسرور، والآلام، والأول أصوب، لانطلاق ذلك في الشاهد، والغائب، وإطلاق المسلمين بعضهم لبعض أنه غني، وفقير (٤)، والله أعلم.

стр. 5481

١٣٢ - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢)﴾. قال الضحاك عن ابن عباس: يعني دافعًا، ومجيرًا (١). وقال عكرمة عن ابن عباس: يعني شهيدًا أن فيها (٢) عبيده. ١٣٣ - قوله : ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فيميتكم، يعني: الكفار ﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ يقول: بغيركم، خير منكم، وأطوع، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ أي: قادرًا. وحقيقة القادر، والقدير عند أصحاب الصفات: من له قدرة قائمة به، بَانَ فيها من العاجز (٣)، ثم يختلف القادرون بعد ذلك، فمنهم من تكون قدرته حالة في بعضه، ومنهم من تكون قدرته غير موصوفة بالحلول. والقدرة هي التي يكون بها الفعل من غير أن تكون مسموعة (٤)، ولا يجوز وجود العجز معها.

стр. 5482

وقالت المعتزلة: القادر هو الذي يجوز منه الفعل (١). والدليل على صحة ما قال أصحاب الصفات أن القادر رأيناه مخالفًا للعاجز فيما قدر عليه، وقد بطل أن يخالفه من أجل أنه صفة لموصوف، يخالف سائر الموصوفين بها، أو يخالفه من أجل أنه محدث، خلاف العاجز، فلما بطلت هذه الأقسام صح أنه إنما يخالفه؛ لأن له قدرة ليست للعاجز، فلذلك قلنا: إن القديم ﷻ قادر بقدرته، دون أن يكون قادرًا بنفسه.

стр. 5483

١٣٤ - قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ يقول: من كان يريد بعمله الذي افترضه الله عليه عرضًا من الدنيا، ولا يريد به الله أثابه الله عليه ما أحب الله من عرض الدنيا، أو دفع عنه فيها ما أحب الله، وليس له في الآخرة من ثواب، لأنه عمل لغير الله، ومن أراد بعمله الذي افترضه الله عليه في الدنيا ثواب الآخرة أثابه الله عليه من عرض الدنيا ما أحب الله، ودفع عنه فيها ما أحب، وجزاؤه في الآخرة الجنة بعمله في الدنيا. وروى سليمان (١) بن عمر، عن أبي حازم (٢)، عن سهل بن سعد (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن نيته خير من عمله، وعمل المنافق خير من نيته، وكل يعمل على نيته، وليس من مؤمن يعمل عملًا إلا سار في قلبه سورتان (٤) فإن كان الأولى لله فلا تهده الآخرة" (٥).

стр. 5484

﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ١٣٥ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ يعني: كونوا قوامين بالشهادة بالقسط أي: بالعدل. وقال ابن عباس معناه: كونوا قوالين بالعدل في الشهادة، على من كانت (١).

стр. 5485

﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ في الرحم، فأقيموها عليهم لله، ولا تحابوا غنيًا لغناه، ولا ترحموا فقيرًا لفقره، فذلك قوله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ منكم، وهو يتولى ذلك منهم، ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ أي: أن تتركوا الحق، وتجوروا. قال الفراء: ويقال (١) معناه: لا تتبعوا الهوى لتعدلوا، كما تقول: لا تتبعنَّ هواك لترضي ربك، أي: أنهاك عن هذا، كيما يرضى ربك. ويقال: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾ (٢) فرارًا من إقامة الشهادة (٣). ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ باللسان، فتحرفوا الشهادة، لتبطلوا الحق، ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ عنها، فتكتمونها، ولا تقيمونها عند الحكام (٤)، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من إقامتها، وكتمانها ﴿خَبِيرًا﴾. ويقال: معناه ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ أي: تدافعوا في إقامة الشهادة، يقال: لويته حقه، أي: دافعته، ومطلته (٥). وقال ابن عباس: هذه الآية في القاضي، وليه شدقه وإعراضه عن أحد الخصمين (٦).

стр. 5486

وقال رسول الله ﷺ عند نزول هذه الآية: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقم شهادته على من كانت، ومن كان يؤمن بالله واليوم والآخر فلا يجحد حقًا هو عليه، وليؤده عفوًا، ولا يلجئه إلى سلطان وخصومة ليقطع بها حقه، وأيما رجل خاصم إليَّ قضيت له على حق أخيه بحق ليس هو له عليه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من جهنم" (١). (مسألة في اللغة) (٢): قال أهل المعاني: معنى القسط: العدل، يقال: أقسط الرجل يقسط إقساطًا، إذا عدل، وقسط، يقسط، قسوطًا إذا جار، قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٣)،

стр. 5487

وقال: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ (١) ويقال: قسط البعير، يقسط، قسطًا إذا يبست يده، ويد قسطاء، أي: يابسة، فكأن أقسط (٢) أقام الشيء على حقيقته في العدل، وكأن معنى قسط: جار، أي: يبس الشيء، وأفسد جهته المستقيمة (٣). ١٣٦ - قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال الكلبي (٤): عن أبي صالح (٥)، عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن سلام، وأسد، وأسيد ابني كعب، وثعلبة بن قيس، وسلام بن أخت عبد الله بن سلام، وسلمة بن أخيه، ويامين بن يامين، فهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب، أتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، إنا نؤمن بك، وبكتابك، وبموسى، والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل، فقال لهم النبي ﷺ : "بل امنوا بالله، ورسوله محمد، وكتابه القرآن، وبكل كتاب كان قبله". فقالوا: (يا رسول الله) (٦) لا نفعل، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ بمحمد، والقرآن، وموسى، والتوراة، ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ محمد، ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ يعني: القرآن،

стр. 5488

﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: الكتب المتقدمة، التوراة، والإنجيل، والزبور، وسائر الكتب المنزلة، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أي: أخطأ خطأ بعيدًا، فلما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله، فإنا نؤمن بالله، ورسوله، وبالقرآن، وبكل رسول وكتاب كان قبل القرآن، والملائكة واليوم الآخر، لا نفرق بين أحد منهم كما فعلت اليهود والنصارى، ونحن له مسلمون، فدخلوا في الإسلام (١). وقال الضحاك: هو في اليهود، والنصارى، ومعنى الآية: يا أيها الذين آمنوا بموسى، والتوراة، وعيسى، والإنجيل، آمنوا بمحمد، والقرآن (٢). وقيل: إنه ورد في اليهود خاصة (٣)، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا

стр. 5489

في وجه النهار آمنوا في آخر النهار، وذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ (١). وقال أبو العالية وجماعة من المفسرين: هذه الآية خطاب للمؤمنين (٢) وتأويله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: أقيموا واثبتوا على الإيمان، كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣). (معناه: وعد الله الذين أقاموا على الإيمان من أصحاب النبي ﷺ ، الذين ذكروا في هذه القصة، مغفرة، وأجرًا عظيمًا) (٤)، ويقال في الكلام للقائم: قم، وللقاعد: اقعد، والمراد منه الاستدامة. وقال بعضهم: إنها خطاب للمنافقين، الذين أظهروا التصديق، وأسروا التكذيب (٥)، ومعناها: يا أيها الذين آمنوا في الملأ آمنوا في الخلاء. وقال آخرون: المراد به الكفار (٦)، يعني: يا أيها الذين آمنوا

стр. 5490

باللات والعزى والطاغوت آمنوا بالله، ومعناه: إن كان لابد من الإيمان بشيء، فالإيمان بالله تعالى وبالرسل والكتب أحق وأولى من الإيمان بما لا يضر ولا ينفع، ولا يخلق ولا يرزق، ولا يحمي ولا يميت، والله أعلم. ثم ذكر من لم يؤمن من أهل الكتاب، فقال تعالى: ١٣٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بموسى، ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بموسى، ﴿ثُمَّ آمَنُوا﴾ بعزير، ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بعد عزير بالمسيح، وكفرت النصارى بما جاء به موسى، وآمنوا بعيسى ابن مريم، ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [٣٧٣] بمحمد، وما جاء به. وقال قتادة: هم اليهود والنصارى، آمنت اليهود بالتوراة ثم كفروا، وآمنت النصارى بالإنجيل ثم كفرت، وكفرهم به تركهم إياه، ثم ازدادوا كفرًا بالفرقان وبمحمد ﷺ (١). وقال مجاهد: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ أي: ماتوا عليه (٢)، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ما أقاموا على ذلك، ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ سبيل هدى. قال ابن عباس: فدخل في هذه الآية كل منافق كان على عهد رسول ﷺ في بر أو بحر (٣). ذكر ما في هذه الآية من الرد على أهل القدر:

стр. 5491

يقال لأهل القدر: خبرونا عن الكفار هل هداهم الله إلى الإسلام؟ فإن قالوا: نعم. قيل: فكيف يجوز أن يقال: إن الله تعالى هداهم، وقد قال: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾؟ فإن قالوا: معناه: أنَّه لا يهديهم إلى طريق الجنّة. يقال لهم: كيف لا يهديهم إلى طريق الجنّة، وقد هداهم عندك؟ لأن من أصلك أن العبد إنما يدخل الجنّة بفعله، ويدخل النار بفعله، وقد هداه إلى طريق الجنّة بهدايته إلى الإسلام، فكيف يصح هذا التأويل على أصلك؟ واعلم أنهم إذا ألزمتهم الشيء احتالوا في التأويل، فإذا فحصت عن تأويلهم بأن لك فساد قولهم، واعلم أن الله تعالى قد بيَّن أنَّه لا يهديهم سبيلًا، ليعلم أن العبد إنما ينال الهدى بالله تعالى، ويحرم الهدى بإرادة الله تعالى، ثم لا يكون لهم عاذرًا بنفي الهدي عنهم، ولا مزيلًا للحجة. ١٣٨ - قوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ أي: أخبرهم يا محمد، ﴿بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. وقال الزجاج: ﴿بَشَرٌ﴾، أي: أجعل في موضع بشارتك لهم العذاب، والعرب تقول: تحيتك الضرب، وعتابك السيف، أي: بدل لك من التحية، وقال الشاعر: وخيل قد دَلَفْت لها بخيلٍ ... تحية بينهم ضرب وجيعُ (١)

стр. 5492

ثم وصف المنافقين فقال: ١٣٩ - ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ﴾ يعني: اليهود ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: أنصارًا وبطانة، ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ يعني: الرفد والمعونة، والظهور على محمد وأصحابه. وقال الزجاج: العزة: المنعة وشدة الغلبة، مأخوذة من قولهم: أرض عزاز، أي: صلب لا نبت عليها، ويقال: استعز على المريض، إذا أشتد وجعه، وقولهم: يعز على، أي: يشتد، وقولهم: قد عز الشيء إذا لم يوجد، فتأويله: قد اشتد وجوده، وصعب أن يوجد (١). ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أي: القدرة لله جميعًا، وهو سيد الأرباب. ١٤٠ - ثم قال: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾. يا معشر المسلمين بمكة، ﴿فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ يعني: القرآن، ﴿يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أي: يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بمحمد والقرآن، وذلك أن المنافقين كانوا يجلسون إلى أحبار اليهود،

стр. 5493

فيسخرون من القرآن، ويكذبون به ويحرفونه عن مواضعه، فنهى الله المسلمين عن مجالستهم ومخالطتهم، والذي نزل في الكتاب بمكة قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١). قال الضحاك عن ابن عباس: ودخل في هذه الآية كل محدث في الدين، وكل مبتدع إلى يوم القيامة (٢). قال الكلبي (٣): عن أبي صالح (٤)، عن ابن عباس: نسخ هذا كله بقوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ أي: ذكروهم، وعظوهم بالقرآن (٥) ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٦) الاستهزاء بمحمد والقرآن.

стр. 5494

وقوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ أي: إن قعدتم عندهم فأنتم إذا مثلهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾. ١٤١ - ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ أي: ينتظرون بكم الدوائر، يعني: المنافقين، ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: النصر والغنيمة، ﴿قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ على دينكم، فأعطونا من الغنيمة، ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ عني: دولة وظهورًا على المسلمين، ﴿قَالُوَاْ﴾ يعني المنافقين ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: ألم نخبركم بعزيمة محمد ﷺ وأصحابه، ونطلعكم على سرهم. وقال أهل اللغة: يعني: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: ألم نغلب عليكم، يقال استحوذ، أي: غلب، وفي الحديث: كان عمر أحوذيًّا، غالبًا مبرزًا في الحق (١). قال العجاج: يحوذهن وله حوذي (٢) أي: يغلب عليها ويجمعها، ويروى بالزاي منهما. وقال النحويون: استحوذ: خرج على أصله، فمن قال: حاذ،

стр. 5495

يحوذ، لم يقل إلَّا استحاذ، يستحيذ، ومن قال أحوذ، يحوذ -كما قال أجودْت، وأطْيبت، بمعنى أطبْت، وأجدْت، فأخرجه على الأصل، قال: استحوذ (١). ﴿وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: وندفع عنكم صولة المؤمنين، ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يعني: بين أهل الإيمان، وأهل النفاق، ثم يفصل بينهم ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. قال عكرمة والضحاك عن ابن عباس: يعني: حجة (٢). وقال الكلبي (٣): عن أبي صالح (٤)، عن ابن عباس: يعني ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين، يعني: أصحاب رسول الله ﷺ ﴿سَبِيلًا﴾ يعني: ظهورًا عليهم (٥).

стр. 5496

وقال علي ﵁: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ في الآخرة (١). وفي هذه الآية دليل على أن المنافق ليس بمؤمن، وليس الإيمان هو الإقرار فقط، إذ لو كان الإيمان هو الإقرار فقط لكانوا بإقرارهم مؤمنين (٢)، وفيه دليل أيضًا (٣) على صحة نبوة محمد ﷺ ، لأن القوم كانوا كاتمين لاعتقادهم فأظهر الله رسوله ﷺ على اعتقادهم، وكان ذلك حجة له عليهم، إذ علموا أنَّه لا يطلع على ضمائر القلوب غير الباري جل وعز. ١٤٢ - قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ قد مر تفسيره، ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ أي: مجازيهم جزاء خداعهم، وذلك أنهم على الصراط يعطون نورًا كما يعطي المؤمنين، فإذا مضوا به على الصراط طفئ نورهم، ويبقى المؤمنون يمضون بنورهم، فينادون المؤمنين ﴿انْظُرُوْنَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾، فتناديهم

стр. 5497

الملائكة على الصراط: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ (١)، وقد علموا أنهم لا يستطيعون الرجوع، قال: فيشفق المؤمنون، حينئذ، من نورهم أن يطفأ، فيقولون: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢). ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ﴾ يعني: المنافقين، ﴿قَامُواْ كُسُالَى﴾ يعني: متثاقلين، لا يريدون بها الله، فإن (٣) رآهم أحد صلوا، وإلا انصرفوا فلم يصلوا ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ يعني: المؤمنين بالصلاة، ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال ابن عباس، والحسن: إنما قلَّ ذلك لأنهم يفعلونها رياء وسمعة، ولو كانوا يريدون بذلك القليل وجه الله لكان كثيرًا (٤). وقال قتادة: إنما قل ذكر المنافق؛ لأن الله تعالى لم يقبله، وكل ما رد الله فهو قليل، وكل ما قبل الله فهو كثير (٥).

стр. 5498

١٤٣ - ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: متحيرين، مترددين بين الكفر والإيمان، ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ يقول: ليسوا من المؤمنين، فيجب لهم ما يجب للمسلمين، وليسوا من الكفار فيؤخذ منهم ما يؤخذ من الكفار، فلا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء. [١٢٠٣] وأخبرنا أبو الحسين الحسن بن محمد (بن محمد) (١) بن إبراهيم المحمودي (٢)، أنا أبو حامد أحمد بن محمد (بن يحيى) (٣) بن بلال البزاز (٤)، حدثنا أحمد بن حفص (٥) قال: حدثني أبي (٦) قال: حدثني إبراهيم بن طهمان (٧)، عن قتادة (٨): ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ قال: ما هم بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين بالشرك (٩).

стр. 5499

﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا إلى الهدى. وذكر (١) أن نبي الله ﷺ كان يضرب مثلًا للمؤمن والمنافق والكافر، كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر، فوقع المؤمن وقطع (٢)، ثم وقع المنافق، حتَّى إذا كاد يصل إلى المؤمن ناداه الكافر: أن هلم إلي، فإني أخشى عليك. وناداه المؤمن: أن هلم إلي؛ فإن عندي وعندي. يحصي له ما عنده، فما زال المنافق يتردد بينهما، حتَّى (٣) أتى على آذي (٤) فغرقه، وإن المنافق لم يزل في شك وشبهة، حتَّى أتى عليه الموت وهو كذلك (٥). وروى عبيد الله بن عمر (٦)، عن نافع (٧)، عن ابن عمر (٨) أن رسول الله ﷺ قال: "إنما مثل المنافق مثل الشاة العايرة بين الغنمين، تفر إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة لا تدري أيهما تتبع" (٩).

стр. 5500

ثم ذكر المؤمنين، فنهاهم عن إتيان ما كان يأتيه المنافقون، فقال: ١٤٤ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤)﴾ (١). ثم ذكر منازل المنافقين، فقال: ١٤٥ - ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ يعني: في أسفل درج النار، والدرْك والدرَك لغتان (٢)، مثل الظعْن والظعَن، والنهْر والنهَر، واليبْس واليبَس. وقال عبد الله بن مسعود: ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: توابيت من حديد مقفلة في النار تطبق عليهم (٣). ﴿وَلَن تِجَدَ لَهمْ نَصِيرًا﴾. وروى عوف عن (٤) أبي المغيرة القواس (٥)، عن عبد الله بن عمرو
следующие страницы →