← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

كان ليؤمنا في صلاة الغداة، فنود أن يقرأ سورة البقرة من حسن صوته (١). ١٦٤ - ﴿وَرُسُلًا﴾ يعني: كما أوحينا إلى نوح وإلى الرسل، نصب بنزع حرف الصفة، وقيل: معناه: وقصصنا عليك رسلًا، نصب لعائد الذكر، وفي قراءة أبي: (ورسل). ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. ١٦٥ - قوله ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ الآية (سمى الله سبحانه جميع النبيين بهذين الأسمين، فقال: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (٢)، ثم سمى المرسلين خاصة بهذين الأسمين، فقال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، ثم سمى نبينا ﷺ خاصة بهذين الاسمين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ (٣)، وقال: ﴿إِنَّا

стр. 5532

﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١). ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ فيقولوا: ما أرسلت إلينا رسولًا، وما أنزلت علينا كتابًا، وقال في آية أخرى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢)، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلِيْنَا رَسُولًا﴾ (٣) قال النبي ﷺ : "ما أحد أغير من الله، لذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وما أحد أحب إليه المدح من الله، لذلك مدح نفسه، وما أحد أحب إليه العذر من الله، لذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب" (٤). ١٦٦ - ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ الآية. اعلم أن الله تعالى شهد على سبعة أشياء: على التوحيد، فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (٥). والثاني: على نبوة المصطفى ﷺ فقال: ﴿وَكَفَى باِللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ (٦)،

стр. 5533

وقال: ﴿قُل كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾ (١)، وقال: ﴿قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾ (٢)، وقال: ﴿فَاشْهَدُواْ وَأَنَا مَعَكُم مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٣). والثالث: على أعمال العباد، فقال: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)﴾ (٤)، وقال: ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيْهِ﴾ (٥)، وقال: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ (٦). والرابع: على جميع الأشياء، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٧). والخامس: على كذب المنافقين، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (٨). والسادس: على شريعة المصطفى ﷺ ، قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ (٩). والسابع: على القرآن، فقال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ الآية.

стр. 5534

وقال ابن عباس: إن رؤساء مكة أتوا رسول ﷺ فقالوا: يا محمد، سألنا عنك اليهود وعن صفتك ونعتك في كتابهم، فزعموا أنهم لا يعرفونك (١). ودخل على رسول الله ﷺ جماعة من اليهود، فقال لهم: "إني والله، أعلم أنكم لتعلمون أني رسول الله" فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل الله إن كذبوك، وجحدوك ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾ (٢). ١٦٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧)﴾ ١٦٨ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا﴾ يعني: اليهود الذين علم الله سبحانه منهم أنهم لا يؤمنون، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيْقًا﴾ يعني: دين الإسلام. ١٦٩ - ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ يعني: اليهودية، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾

стр. 5535

١٧٠ - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾ ١٧١ - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ الآية، نزلت في النسطورية (١)، والماريعقوبية (٢)، والملكانية (٣)، والمرقوسية (٤)، ومنهم (٥) نصارى أهل نجران، وذلك أن الماريعقوبية

стр. 5536

قالوا: عيسى هو الله، وقالت النسطورية: هو ابن الله (١)، وقالت المرقوسية: هو ثالث ثلاثة، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾، يعني: أهل الإنجيل، وهم النصارى، ﴿لَا تَغْلُوأْ﴾ لا تشددوا ﴿فِي دِينِكُمْ﴾ فتفتروا على الله، وأصل الغلو: مجاوزة الحد في كل شيء، يقال: غلا بالجارية لحمها، وعظمها، إذا أسرعت الشباب، فجاوزت لداتها، يغلو بها، غلوًا، وغلاء، قال الحارث بن خالد المخزومي: خُمْصانة قلق مُوشَّحُها ... رُؤدُ الشباب كلا بها عظمُ (٢) ﴿وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ لا تقولوا: إن له شريكًا وابنًا، ثم بين حال عيسى وصفته، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ﴾ هو الممسوح المطهر من

стр. 5537

الذنوب والعيوب والأدناس التي تكون في الناس، كما يُمسح الشيء من الأذى الَّذي يكون فيه فيطهر، ﴿عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ لا ابن الله، بل (١) ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ لا كما قالت اليهود، رد بهذا على اليهود والنصارى جميعًا، ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ يعني: قوله: كن، فكان بشرًا من غير أب، وذلك قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية (٢). وقيل: هي بشارة الله مريم بعيسى ﵇، ورسالته إليها على لسان جبريل، وذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ الآية (٣)، وقال: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٤) (٥). ﴿أَلْقَاهُا إِلَى مَرْيَمَ﴾ يعني: أعلمها وأخبرها بها، كما يقال: ألقيت إليك كلمة حسنة (٦)، ﴿وَروحٌ مِنْهُ﴾ قال بعضهم: معناه: ونفخه منه، وذلك أن جبريل ﵇ نفخ في درع مريم (٧)، فحملت بإذن الله فقال ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ لأنه بأمره كان، وسمى النفخ روحًا، لأنه ريح تخرج من الروح، وقال ذو الرمة:

стр. 5538

وقلتُ له ارفعها إليك وأحْيها ... بروحك واقتته لها قيتة قدرا أي: أحييها بنفخك (١). يدل عليه قوله: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ (٣)، وهذا القول معنى قول أبي روق (٤). وقال أبو عبيدة: معناه أنَّه كان إنسانًا بإحياء الله إياه (٥)، يدل عليه قول السدي: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: مخلوقًا منه، أي: من عنده. وقيل: معناه: ورحمة منه، جعل الله سبحانه عيسى ﵇ رحمة لمن تبعه، وآمن به، يدل عليه قوله تعالى في المجادلة ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (٦) أي: وقواهم برحمة منه. وقيل: الروح: الوحي، أوحى إلى مريم بالبشارة، وأوحى إلى جبريل بالنفخ، وأوحى إليه أن بن فكان، يدل عليه قوله في النحل: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ (٧) يعني: بالوحي، وقال في حم المؤمن: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (٨)، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا

стр. 5539

إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ (١) أي: وحيًا. وقيل: أراد بالروح جبريل ﵇، معناه: وكلمته ألقاها إلى مريم وألقاها أيضاً إليها، وروح منه، وهو جبريل-﵇، يدل عليه قوله في النحل: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (٢) نظيرها في الشعراء: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (٤)، وقال: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ (٥) يعني جبريل، وقال: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ (٦) يعني: جبريل ﵇. وقيل: أراد به الروح الذي يَحْيَى به الجسد، أضافه إليه على التخصيص كقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ (٧) لآدم ﵇ (٨). [١٢٠٧] سمعت أبا القاسم الحبيبي (٩) يقول: كان لهارون الرشيد (١٠) غلام نصراني متطبب، وكان أحسن خلق الله وجهًا،

стр. 5540

وأكملهم أدبًا، وأجمعهم للخصال التي يتوسل بها إلى الملوك، وكان الرشيد مولعًا بأن يسلم، وهو يمتنع، وكان الرشيد يمنيه الأماني، فيأبى، فقال له ذات يوم: مالك لا تؤمن؟ قال: لأنَّ في كتابكم حجة على ما أنتحله. قال: وما هو؟ قال: قوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أفغير هذا دين النصارى؟ إن عيسى جزء منه. فتقسم قلب الرشيد لذلك، ودعا العلماء والفقهاء، فلم يكن منهم من يزيل تلك الشبهة، حتَّى قيل له: قدم حجاج خراسان، وفيهم رجل يقال له: علي بن الحسين بن واقد، من أهل مرو إمام في علم القرآن، فدعاه وجمع بينه وبين الغلام، فسأل الغلام، فأعاد قوله، فاستعجم على علي بن الحسين في الوقت جوابها، فقال: يا أمير المؤمنين، قد علم الله سبحانه في سابق علمه أن مثل هذا الخبيث يسألني في مجلسك عن هذا، وأنَّه لم يخل كتابه عن جوابه، وليس يحضرني في الوقت، ولله على ألا أطعم حتَّى آتي الذي فيها من حقها إن شاء الله، فدخل بيتًا مظلمًا، وأغلق عليه بابه، واندفع في قراءة القرآن، حتَّى بلغ سورة الجاثية ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ فصاح بأعلى صوته: افتحوا الباب، فقد وجدت. ففتحوا، ودعا الغلام (١)، وقرأ عليه الآية بين يدي الرشيد، وقال: إن كان قوله: ﴿وَرُوحٌ منْه﴾ يوجب أن عيسى بعض

стр. 5541

منه، وجب أن يكون ما في السماوات وما في الأرض بعضًا منه، فانقطع النصراني، وأسلم، وفرح الرشيد فرحًا شديدًا، ووصل علي بن الحسين بصلة فاخرة، فلما عاد إلى مرو صنف كتاب "النظائر في القرآن" (١)، وهو كتاب لا يوازيه في بابه كتاب. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ قال أبو عبيدة: معناه ولا تقولوا: هم ثلاثة (٢). وقال الزجاج: ولا تقولوا: آلهتنا ثلاثة (٣)، وذلك أنهم قالوا: أبًا، وابنًا، وروحًا قدساً. ﴿انْتَهُوا﴾ عن كفركم، ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ يكن حْيرًا لكم، ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. ١٧٢ - ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ﴾ الآية، وذلك أن وفد نجران قالوا: يا محمَّد، لم تعيب صاحبنا؟ قال: "ومن صاحبكم؟ " قالوا: عيسى قال: "وأي شيء أقول فيه؟ " قالوا: تقول: إنه عبد الله ورسوله. فقال لهم: "إنه ليس بعار لعيسى

стр. 5542

أن يكون عبدًا لله"، قالوا: بلى، فنزل ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ﴾ (١) لن يأنف، ولن يتعظَّم، ولن يحتشم، وأصله الأنفة، والتجنُّب (٢)، وأصله من قولهم: نكفْت الدمع، إذا نحيته بأصبعك، قال الشاعر: فبانوا فلولا ما تذكّر منهم ... من الخلف لم يُنْكَفْ لعينك مَدمعُ (٣) ﴿أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وهم حملة العرش، لا يأنفون أن يكونوا عبيدًا لله، لأنَّ من الكفار من اتخذ الملائكة آلهة، فلذلك ذكرهم، ثم أوعدهم فقال: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ المستكبر، والمقر. ١٧٣ - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ من التضعيف ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا﴾ عن عبادته، ﴿وَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن السجود له، ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. ثم قال لك: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤).

стр. 5543

١٧٤ - قوله ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني: محمدًا ﷺ ، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾. ١٧٥ - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾. ١٧٦ - قوله : ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ الآية، روى محمَّد بن المنكدر، وأبو الزُّبير عن جابر بن عبد الله قال: مرضت فأتاني النَّبيّ ﷺ يعودني، هو وأبو بكر، وهما ماشيان، فوجدني قد أغمي عليَّ، فتوضأ رسول الله ﷺ ثم صب عليَّ من وضوئه، فأفقت، فقلت: يا رسول الله، كيف أصنع في مالي؟ وكان لي تسع أخوات، ولم يكن لي والد، ولا ولد، قال: فلم يجبني شيئًا، ثم خرج وتركني، ثم رجع إليَّ فقال: "يا جابر، إلى لا أراك ميتًا من وجعك هذا، وإن الله قد أنزل في أخواتك، وجعل لهن الثلثين"، وقرأ عليَّ هذه الآية: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ إلى آخر السورة، فكان جابر يقول: أنزلت هذه الآية فيَّ (١).

стр. 5544

وقال الكلبي (١)، عن أبي صالح (٢)، عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في جابر بن عبد الله، وفي أخته، أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنَّ لي أختًا، فمالي من مالها بعد موتها؟ فنزلت هذه الآية (٣)، وابتدأ بالرجل، فيقال: إنه مات قبل أخته. [١٢٠٨] وبإسناد روح (٤)، ثنا شعبة (٥)، عن قتادة (٦) قال: همهم شأن الكلالة فسألوا عنها نبي الله ﷺ فأنزل الله تعالى هذه الآية (٧).

стр. 5545

﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ أي: يستخبرونك، ويسألونك، ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ قال الشعبي: اختلف أبو بكر، وعمر ﵄ في الكلالة، فقال أبو بكر: هو ما عدا الولد، وقال عمر: هو ما عدا الوالد والولد، ثم قال عمر: إنِّي لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر (١). وقال عمر: ثلاث لأنَّ يكون النَّبيّ ﷺ بينهن لنا أحب إلينا من الدُّنيا وما فيها: الكلالة، والخلافة، وأبواب الرِّبا (٢). وقال محمَّد بن سيرين: نزلت هذه الآية والنبي ﷺ في مسيره إلى حجة الوداع، وإلى جنبه حذيفة بن اليمان، وإلى جنب حذيفة (بن

стр. 5546

اليمان) (١): عمر، فلقاها النَّبيّ ﷺ حذيفة، ولقاها حذيفة عمر، فلما استخلف عمر سأل حذيفة عنها رجاء أن يكون عنده تفسيرها، فقال له حذيفة: والله إنك لأحمق، إن ظننت أن أمارتك تحملني أن أحدثك فيها بما لم أحدثك يومئذٍ لقانيها رسول الله ﷺ ، فلقيكها كما لقَّانيها (رسول الله ﷺ ) (٢)، والله لا أزيد عليها شيئًا أبداً. فقال عمر: لم أرد هذا رحمك الله، ثم قال عمر: اللَّهم من كنت بينتها له فإنَّها لم تبن لي، ومن فهمها فإني لم أفهمها (٣). وقال طارق بن شهاب: أخذ عمر ﵁ كتفًا، وجمع أصحاب النَّبيّ ﷺ ، ثم قال: لأقضين في الكلالة قضاء تحدث به النساء في خدورها، فخرجت حينئذ حية من البيت فتفرقوا، فقال: لو أراد الله تعالى أن يتم هذا الأمر لأتمه (٤). وقال أبو الخير (٥): سألت عقبة عن الكلالة، فقال: ألا تعجبون

стр. 5547

من هذا يسألني عن الكلالة! وما أعضل بأصحاب النَّبيّ ﷺ شيء ما أعضلت بهم الكلالة؟ وخطب عمر ﵁ النَّاس يوم الجمعة، فقال: إنِّي والله، ما أدع بعدي شيئًا هو أهمَّ إليَّ من الكلالة، فقد سألت النَّبيّ ﷺ عنها، فما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها، حتَّى طعن في فخذي فقال: "تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء" (١). وقال أبو بكر الصِّديق ﵁ في خطبته: ألا إن الآية التي أنزل الله تعالى في أول سورة النساء من شأن الفرائض أنزلها في الولد والوالد، والآية الثَّانية أنزلها في الزوج والزوجة، والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام، بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، مما جرت به الرحم من العصبة (٢).

стр. 5548

وقال البراء بن عازب: آخر سورة أنزلت كاملة براءة، وآخر آية أنزلت خاتمة سورة النساء (١) ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ الآية. وقال السدي: آخر ما نزل من القرآن ثلاث آيات: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية (٢). ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣). * * *

стр. 5549

٥ - سُورَة المَائِدَة

стр. 5550

سورة المائدة مدنية، وقرأها رسول الله ﷺ في خطبته يوم حجة الوداع، وقال: "يا أيها النَّاس، إن سورة المائدة من آخر القرآن نزولًا، فأحلوا حلالها، وحرموا حرامها" (١). وهي أحد عشر ألفاً، وتسعمائة، وثلاثة وثلاثون حرفًا، وألفان وثمانمائة وأربع كلمات، ومائة وثلاث (٢) وعشرون آية. [١٢٠٩] أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه (٣)، ثنا أبو بكر بن مالك القطيعي (٤)، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل (٥) قال: حدثني أبي (٦)،

стр. 5551

ثنا حسن (١)، ثنا ابن لهيعة (٢)، ثنا يحيي بن عبد الله (٣) أن أبا عبد الرحمن الحبلي (٤) حديثه قال: سمعت عبد الله بن عمرو (٥) يقول: أنزلت على رسول الله ﷺ سُورَة المائدة، وهو على راحلته، فلم تستطع أن تحمله حتى نزل عنها (٦).

стр. 5552

[١٢١٠] وأخبرنا أبو (١) الحسين الخبازي (٢) -غير مرَّة- قال: حدّثنا أبو بكر الإسماعيلي (٣)، وأبو الشَّيخ الأصبهاني (٤) قالا: ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن شريك (٥) قال: ثنا أحمد بن يونس اليربوعي (٦) قال: ثنا سلام بن سليم المدائني (٧)، حدّثنا هارون بن كثير (٨)، عن زيد بن أسلم (٩)، عن أبيه (١٠)، عن أبي أمامة (١١)، عن أُبي بن كعب (١٢) قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة المائدة أعطي من الأجر بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في الدار الدُّنيا عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات" (١٣).

стр. 5553

(﴿﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾) (١): ١ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يا: نداء؛ أي: إشارة، ها: تنبيه، الذين آمنوا: في محل الرفع على البدل من: أيها، ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ يعني: العهود، قال الزجاج: هي أوكد العهود، يقال: عاقدت فلانًا، وعقدت عليه؛ أي: ألزمته ذلك باستيثاق (٢)، وأصله عقد الشيء بغيره، وهو وصله به، كما يعقد الحبل بالحبل، إذا وصل به شدا، قال الحطيئة: قوم إذا عقدوا عقدًا لجارهم ... شدَّوا العِناج وشدَّوا فوقه الكَرَبا (٣) واختلفوا في هذِه العقود ما هي؟

стр. 5554

فقال ابن جريج: هذا الخطاب خاص لأهل الكتاب (١)، يعني: يا أيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة، والرسل المتقدمين، أوفوا بالعهود التي عهدتها إليكم في شأن محمَّد ﷺ ، وهي قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ (٣). وقال الآخرون: هو عام، قال قتادة: أراد بها الحِلْف الذي تعاقدوا عليه في الجاهلية (٤)، دليله ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٥). ابن عباس: هي عهود الإيمان، والقرآن (٦). غيرهم: هي العقود التي يتعاقدها النَّاس بينهم (٧). ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ اختلفوا فيها:

стр. 5555

فقال الحسن، وقتادة، والربيع، والضَّحَّاك، والسدي: هي الأنعام كلها (١). الأنعام: اسم للبقر، والغنم، والإبل، يدل عليه قوله : ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ (٢)، ثم بين ما هي، فقال: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ الآيتين (٣)، وأراد بهذا تحليل ما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم من الأنعام. وقال الشعبي: بهيمة الأنعام: الأجنة، التي توجد ميتة في بطون أمهاتها إذا ذبحت، أو نحرت (٤). روى عطية العوفي عن ابن عمر في قوله ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ قال: ما في بطونها، قال: قلت: إن خرج ميتًا آكله؟ قال: نعم، هو بمنزلة رئتها، وكبدها (٥). وروى قابوس (٦)، عن أبيه (٧)، عن ابن عباس أن بقرة نحرت،

стр. 5556

فوجد في بطنها جنين، فأخذ ابن عباس بذنب الجنين وقال: هذا من بهيمة الأنعام التي أحلت لكم (١). وقال أبو سعيد الخدري: سألنا رسول الله ﷺ عن الجنين؟ فقال: "ذكاته ذكاة أمه" (٢).

стр. 5557

وقال الكلبي: بهيمة الأنعام، وحشها، كالظباء، وبقر الوحش، وحمر الوحش (١)، وإنَّما قيل لها: بهيمة (٢)، لأنَّ كل حي لا يميز فهو بهيمة، سميت بذلك لأنها أبهمت عن أن تميز (٣). ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يقرأ عليكم في القرآن، مما حرم عليكم، وهو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٤). ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ قال الأخفش: هو نصب على الحال (٥)، يعني: أوفوا بالعقود غير محلي الصيد، وفيه معنى النَّهي. وقال الكسائي: هو حال من قوله ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ كما تقول: أحل لكم الطَّعام، غير مفسدين فيه (٦). ومعنى الآية: أحلت لكم الأنعام كلها، إلَّا ما كان منها وحشيًّا، فإنَّه صيد، لا يحل لكم إذا كنتم محرمين، فذلك قوله ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ قراءة العامة بضم الراء، وقرأ يَحْيَى بن يعمر (حرم) بجزم الراء،

стр. 5558

لكثرة الحركات (١)، وهما جميعاً جمع حرام، يقال: رجل حرام، وحِرْم، ومُحْرِم، وحلال، وحِل، ومُحل. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ لا راد له عما أراد. ٢ - قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية، نزلت في الحطم، واسمه: شريح بن ضبيعة -ابن هند- بن شرحبيل البكري (٢). وذلك أنَّه أتى المدينة، فخلَّف خيله خارج المدينة، ودخل وحده على النَّبيّ ﷺ ، فقال له: إلى ما تدعو النَّاس؟ فقال: "إلى شهادة ألا إله إلَّا الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزكاة". فقال: حسن، إلَّا أن لي أمراء، لا أقطع أمرًا دونهم، ولعلي أسلم، وآتي بهم. وقد كان النَّبيّ ﷺ قال لأصحابه: "يدخل عليكم (٣) رجل من ربيعة، يتكلم بلسان شيطان". ثم خرج شريح من عنده، فلما خرج قال رسول الله ﷺ :

стр. 5559

"لقد دخل بوجه كافر، وخرج بعقبى غادر، وما الرجل بمسلم" فمر بسرح المدينة، فاستاقه، وانطلق، وهو يرتجز، ويقول: باتوا نيامًا وابن هندٍ لم ينم بات يقاسيها غلام كالزُّلم خدَلَّج الساقين خفَّاق القدم قد لفَّها الليل بسوَّاقٍ حطم ليس براعي إبلٍ ولا غنم ولا بجزارٍ على ظهر الوضم هذا أوان الشدِّ فاشتدي زيم (١) فلما كان في العام القابل، خرج حاجًّا في حجاج بكر بن وائل من اليمامة، ومعه تجارة عظيمة، وقد قلدوا الهدي، فقال المسلمون للنبي

стр. 5560

- ﷺ : هذا الحطم خرج حاجًّا، فخل بيننا وبينه. فقال النَّبيّ ﷺ : "إنه قد قلد الهدي" فقالوا: يا رسول الله، هذا شيء كُنَّا نفعله في الجاهلية. فأبى النَّبيّ ﷺ ، فأنزل الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ (١). قال ابن عباس، ومجاهد: هي مناسك الحج (٢)، وكان المشركون يحجون، ويهدون، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فنهاهم الله عنها، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٣). وروى عطية عن ابن عباس قال: هي أن تصيد وأنت محرم (٤)، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. عطاء: شعائر الله: حرمات الله، اجتناب سخطه، واتباع طاعته (٥). السدي: حرم الله (٦).

стр. 5561

أبو عبيدة: هي الهدايا المشعرة، وهو أن يطعن في سنامها، ويجلل، ويقلد، ليعلم أنها هدي (١). والإشعار: العلامة، ومنه الحديث حين شج عمر بن الخطاب: أشعر أمير المؤمنين دمًا (٢)، كأنه أعلم بعلامة، وهي على هذا القول فعيلة، بمعنى مفعلة (٣). قال الكميت: ونقتلهم جيلًا فجيلًا تراهُمُ ... شعائر قربانٍ بهم يتقربُ (٤) ودليل هذا التأويل قوله : ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ (٥). وقيل: الشعائر: المشاعر. وقال القتيبي: شعائر الله واحدتها شعيرة، وهي كل شيء جعل

стр. 5562

علمًا من أعلام طاعته (١). ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ بالقتال فيه، نظيره قوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ (٢). وقال ابن زيد: هو النسيء، وذلك أنَّه كانوا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا (٣)، دليله قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية (٤). ﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾ وهي: كل ما يهدى إلى بيت الله من بعير، أو بقرة، أو شاة، أو غيرها، ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ قال أكثر المفسرين: هي الهدايا (٥)، والمراد بها المقلدات، وكانوا في الجاهلية إذا خرجوا من الحرم قلدوا إبلهم من لحاء شجرة الحرم، فلا يتعرض لهم أحد، وإذا خرجوا إلى الحرم قلدوا هداياهم بقلائد، ليعلم أنها هدي، ولا يتعرض لهم، فنهي عن استحلال واحد منهما. وقال مطرف بن الشِّخِّير وعطاء: هي القلائد نفسها، وذلك أن المشركين كانوا يأخذون من لحاء سمرة مكّة وشجرها، فيقلدونها ويتقلدونها، فيأمنون بهامش النَّاس، فنهى الله ينزع شجرها،

стр. 5563

فيتقلدوه، كفعل أهل الجاهلية (١). ﴿وَلَا آمِّينَ﴾ قاصدين، ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ يعني: الكعبة، وقرأ الأعمش (ولا آمي البيت الحرام) (٢) بالإضافة، كقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾، ﴿يَبْتَغُونَ﴾ يطلبون، ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني: الرزق بالتجارة، ﴿وَرِضْوَانًا﴾ ومعناه: على زعمهم عندهم؛ لأنَّ الكافر لا نصيب له في الرضوان، وهذا كقوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ (٣)، ونحوها، فلا يررضي الله عنهم حتَّى يسلموا. وقال قتادة: هو أن يصلح معايشهم في الدُّنيا، ولا يعجل لهم العقوبة فيها (٤). وقيل: ابتغاء الفضل للمؤمنين والمشركين عامة، وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصة، لأنَّ النَّاس كانوا يحجون، بين مسلم وكافر، يدل عليه قراءة حميد بن قيس (تبتغون فضلاً من ربكم) (٥)، على

стр. 5564

الخطاب للمؤمنين، وهذِه الآية منسوخة بقوله : ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١)، وقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٢)، فلا يجوز أن يحج مشرك، ولا يأمن الكافر بالهدي والقلائد والحج (٣). ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ﴾ من إحرامكم ﴿فَاصْطَادُوا﴾ أمر إباحة، وتخيير، كقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٤) ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾. [١٢١١] أخبرنا أبو محمَّد الأصبهاني (٥)، وأبو صالح البيهقي (٦)، قالا: أنا أبو حاتم مكي بن عبدان التميمي (٧)، حدّثنا أحمد أبو الأزهر (٨)، ثنا روح بن عبادة (٩)،

стр. 5565

ثنا شبل (١)، عن ابن أبي نجيح (٢)، عن مجاهد (٣) قال: قتل رجل مؤمن حليفًا لأبي سفيان، من هذيل، يوم الفتح بعرفة؛ لأنَّه كان يقتل حلفاء محمَّد (٤)، فقال رسول الله ﷺ : "لعن الله من قتل (٥) بذحل (٦) الجاهلية" وأنزل الله هذِه الآية (٧).

стр. 5566

وقال ﷺ : "ألا إن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية فإنَّها تحت قدمي هاتين، إلَّا سدانة الكعبة، وسقاية الحاج" (١). وقال الآخرون: نزلت في حجاج كفار العرب. ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ قرأ الأعمش، وعيسى، ويحيى بن أبي كثير (يجرمنكم) بضم الياء (٢)، وقرأ الباقون بالفتح، وهما لغتان، إلَّا أن الفتح أجود، وأشهر، وهو اختيار أبي عبيد، وأبي حاتم (٣). قال أبو عبيد: لأنها اللغة الفاشية، وإن كانت الأخرى مقولة.

стр. 5567

واختلفوا في معناه، فقال ابن عباس، وقتادة: لا يحملنكم (١). قال أبو عبيدة: يقال: جرمني فلان على أن صنعت كذا؛ أي: حملني (٢). قال الشاعر: ولقد طعنت أبا عيينة طعنةً ... جَرَمت فزارة بعدها أن يغضبوا (٣) المورج: لا يدعونكم (٤). الفراء: لا يكسبنكم، ويقال: فلان جريمة أهله؛ أي: كاسبهم (٥). قال الهذلي يصف عقابًا: جريمة ناهض في رأس نيق ... ترى لعظام ما جمعت صليبا (٦)

стр. 5568

وقال بعضهم: لا يُحِقَّنَّ، ولا يجبن لكم (١)، دليله قوله ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ أي: حقَّ لهم النَّار. ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ أي: بغضهم وعداوتهم، وهو مصدر شنئت، وقرأ أهل المدينة والشام، وعاصم، والأعمش بجزم النون الأولى، وقرأ الآخرون بالفتح (٢)، وهما لغتان، إلَّا أن الفتح أجود؛ لأنَّه أفخم اللغتين، وهو اختيار أبي عبيد، وأبي حاتم، ولأن المصادر أكثرها يجيء على فعَلان، بفتح العين، مثل الضربان، والنزوان، والسيلان، والفسلان، والنسلان، ونحوها (٣). ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قرأ ابن كثير، وابن أبي إسحاق، وأبو عمرو ﴿إِن﴾ بكسر الألف، على الاستئناف، والجزاء، واختاره أبو عبيد اعتبارًا بقراءة عبد الله (إن يصدوكم)، وقرأ الباقون بفتح الألف؛ أي: لأنَّ صدوكم (٤)، ومعنى الآية: لا يحملنكم بغض قوم على الاعتداء؛ لأنهم صدوكم، واختاره أبو

стр. 5569

حاتم، (ومحمد بن جرير) (١). قال ابن جرير: لأنَّه لا تدافع بين أهل العلم أن هذِه السورة نزلت بعد قصة الحديبية، فإذا كان كذلك فالصد قد تقدم (٢). ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ عليهم فتقتلوهم، وتأخذوا أموالهم، ﴿وَتَعَاوَنُوا﴾ أي: وليُعِنْ بعضكم بعضاً، يقال للمرأة إذا كسا اللحم حجمها، وبراجمها: متعاونة (٣)، ﴿عَلَى الْبِرِّ﴾ وهو متابعة الأمر، ﴿وَالتَّقْوَى﴾ وهي مجانبة الهوى، ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ يعني: المعصية، والظلم. [١٢١٢] أخبرنا ابن فنجويه (٤)، ثنا أبو بكر بن مالك القطيعي (٥)، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل (٦) قال: حدثني أبي (٧)، حدثني عبد الرحمن بن مهدي (٨)، عن معاوية بن صالح (٩)، عن أبي

стр. 5570

عبد الرحمن السلمي (١) قال: سمعت وابصة بن معبد (٢)، صاحب النَّبيّ ﷺ ، قال: جئت إلى النَّبيّ ﷺ أسأله عن البر والإثم، فقال: "جئت تسأل عن البر والإثم؟ " فقلت: والذي بعثك بالحق، ما جئت أسألك عن غيره. فقال: "البر ما انشرح له صدرك، والإثم ما حاك في صدرك، وإن أفتاك عنه النَّاس" (٣).
следующие страницы →