← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

وقال ﷺ : "ألا إن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية فإنَّها تحت قدمي هاتين، إلَّا سدانة الكعبة، وسقاية الحاج" (١). وقال الآخرون: نزلت في حجاج كفار العرب. ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ قرأ الأعمش، وعيسى، ويحيى بن أبي كثير (يجرمنكم) بضم الياء (٢)، وقرأ الباقون بالفتح، وهما لغتان، إلَّا أن الفتح أجود، وأشهر، وهو اختيار أبي عبيد، وأبي حاتم (٣). قال أبو عبيد: لأنها اللغة الفاشية، وإن كانت الأخرى مقولة.

стр. 5567

واختلفوا في معناه، فقال ابن عباس، وقتادة: لا يحملنكم (١). قال أبو عبيدة: يقال: جرمني فلان على أن صنعت كذا؛ أي: حملني (٢). قال الشاعر: ولقد طعنت أبا عيينة طعنةً ... جَرَمت فزارة بعدها أن يغضبوا (٣) المورج: لا يدعونكم (٤). الفراء: لا يكسبنكم، ويقال: فلان جريمة أهله؛ أي: كاسبهم (٥). قال الهذلي يصف عقابًا: جريمة ناهض في رأس نيق ... ترى لعظام ما جمعت صليبا (٦)

стр. 5568

وقال بعضهم: لا يُحِقَّنَّ، ولا يجبن لكم (١)، دليله قوله ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ أي: حقَّ لهم النَّار. ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ أي: بغضهم وعداوتهم، وهو مصدر شنئت، وقرأ أهل المدينة والشام، وعاصم، والأعمش بجزم النون الأولى، وقرأ الآخرون بالفتح (٢)، وهما لغتان، إلَّا أن الفتح أجود؛ لأنَّه أفخم اللغتين، وهو اختيار أبي عبيد، وأبي حاتم، ولأن المصادر أكثرها يجيء على فعَلان، بفتح العين، مثل الضربان، والنزوان، والسيلان، والفسلان، والنسلان، ونحوها (٣). ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قرأ ابن كثير، وابن أبي إسحاق، وأبو عمرو ﴿إِن﴾ بكسر الألف، على الاستئناف، والجزاء، واختاره أبو عبيد اعتبارًا بقراءة عبد الله (إن يصدوكم)، وقرأ الباقون بفتح الألف؛ أي: لأنَّ صدوكم (٤)، ومعنى الآية: لا يحملنكم بغض قوم على الاعتداء؛ لأنهم صدوكم، واختاره أبو

стр. 5569

حاتم، (ومحمد بن جرير) (١). قال ابن جرير: لأنَّه لا تدافع بين أهل العلم أن هذِه السورة نزلت بعد قصة الحديبية، فإذا كان كذلك فالصد قد تقدم (٢). ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ عليهم فتقتلوهم، وتأخذوا أموالهم، ﴿وَتَعَاوَنُوا﴾ أي: وليُعِنْ بعضكم بعضاً، يقال للمرأة إذا كسا اللحم حجمها، وبراجمها: متعاونة (٣)، ﴿عَلَى الْبِرِّ﴾ وهو متابعة الأمر، ﴿وَالتَّقْوَى﴾ وهي مجانبة الهوى، ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ يعني: المعصية، والظلم. [١٢١٢] أخبرنا ابن فنجويه (٤)، ثنا أبو بكر بن مالك القطيعي (٥)، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل (٦) قال: حدثني أبي (٧)، حدثني عبد الرحمن بن مهدي (٨)، عن معاوية بن صالح (٩)، عن أبي

стр. 5570

عبد الرحمن السلمي (١) قال: سمعت وابصة بن معبد (٢)، صاحب النَّبيّ ﷺ ، قال: جئت إلى النَّبيّ ﷺ أسأله عن البر والإثم، فقال: "جئت تسأل عن البر والإثم؟ " فقلت: والذي بعثك بالحق، ما جئت أسألك عن غيره. فقال: "البر ما انشرح له صدرك، والإثم ما حاك في صدرك، وإن أفتاك عنه النَّاس" (٣).

стр. 5571

[١٢١٣] وأخبرنا ابن فنجويه (١)، ثنا الفضل بن الفضل الكندي (٢) قال: ثنا أحمد بن مكرم البرتي (٣) -ببغداد- ثنا علي بن المديني (٤)، ثنا زيد بن الحباب (٥)، ثنا معاوية بن صالح (٦) قال: ثنا عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي (٧) قال: حدثني أبي (٨) قال: سمعت النواس ابن سمعان الأنصاري (٩) قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم، فقال: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك (١٠)، وكرهت أن يطلع عليه النَّاس" (١١).

стр. 5572

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. ٣ - قوله - غز وجل -: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وهي: كل ما له نفس سائلة، مما أباح الله أكلها، فارقها روحها بغير تذكية (١)، وإنَّما قلنا: نفس سائلة، لأنَّ السمك، والجراد ميتتان، وهما حلال (٢). ﴿وَالدَّمُ﴾ أُجمل هنا، وفسِّر في آية أخرى، فقال عز من قائل: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ (٣) لأنَّ الكبد، والطحال دمان، وهما حلال. [١٢١٤] أخبرنا (ابن فنجويه) (٤)، ثنا أبو سعيد أحمد بن علي بن

стр. 5573

عمر بن حبيش الرازي (١)، ثنا محمَّد بن أيوب الرازي (٢)، ثنا سعيد بن منصور (٣)، ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٤)، عن أبيه (٥)، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "أحلت لنا ميتتان ودمان، فأمَّا الميتتان فالحيتان والجراد، وأمَّا الدمان، الطحال والكبد" (٦). ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ وكل شيء منه حرام، وإنَّما خص اللحم؛ لأنَّه

стр. 5574

أعظم منافعه، ﴿وَمَا أُهِلَّ﴾ ذبح ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وذكر عليه غير اسم الله. ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ (١) قال أبو ميسرة (٢): في المائدة ثمان عشرة فريضة، ليست في سورة من الفرقان غيرها، وهي آخر سورة نزلت، ليس فيها منسوخ ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ * وَالْمَوْقُوذَةُ * وَالْمُتَرَدِّيَةُ * وَالنَّطِيحَةُ * وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ * وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ * وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾، ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾، ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وتمام الطهور، ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾، ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ إلى قوله ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾، وقوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [٣٩٩] الآية (٣). فأما ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ فهي التي تختنق، فتموت (٤)، قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يخنقون الشَّاةِ، حتَّى إذا ماتت أكلوها (٥).

стр. 5575

﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ التي تضرب بالخشب حتَّى تموت، قال قتادة: كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصا، حتَّى إذا ماتت أكلوها (١)، ويقال منه: وَقَذَهُ، يَقِذُهُ، وَقْذًا، إذا ضربه حتَّى أشفى على الهلاك (٢)، قال الفرزدق: شغَّارة تقذ الفصيل برجلها ... فطَّارة لقوادم الأبكارِ (٣) ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ التي تتردى من مكان عال، أو بئر فتموت. ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ التي تنطحها صاحبتها فتموت، وهاء التأنيث تدخل في الفعيل بمعنى الفاعل، فإذا كان بمعنى المفعول استوى فيه المذكر والمؤنث، نحو لحية دهين، وعين كحيل، وكف خضيب، وإنما أدخل الهاء هنا؛ لأنَّ الاسم لم يتقدمها، فلو أسقط الهاء منها لم يُدر أهي صفة لمؤنث، أو مذكر؟ والعرب تقول: لحية دهين، وعين كحيل، وكف خضيب، فإذا حذفوا الاسم، وأفردوا الصفة أدخلوا الهاء، فقالوا: رأينا كحيلة، وخضيبة، ودهينة، وأكيلة السبع، فأدخلوا الهاء، مثل: الذبيحة، والنسيكة (٤).

стр. 5576

﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ غير المعلم، قرأ ابن عباس (وأكيل السبع) (١)، وقرأ ابن أبي زائدة: (وأكيلة السبع)، وقرأ الحسن، وطلحة بن سليمان (٢) (وما أكل السبع) بسكون الباء، وهي لغة، قال حسَّان بن ثابت في عتبة بن أبي لهب (٣): من يرجع العام إلى أهله ... فما أكيل السبع بالراجعِ وقال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا قتل السبع شيئًا أو أكل منه أكلوا

стр. 5577

ما بقي (١). ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ يعني: إلَّا ما أدركتم ذكاته من هذِه الأشياء، والتذكية: تمام فري الأوداج، وإنهار الدم (٢)، ومنه الذكاء في السنن، وهو أن يأتي على قروحه سنة (٣)، وذلك تمام استكمال القوة، ومنه المثل السائر: جري المذكيات غلاب (٤)، وقال الشاعر (٥): يفضله إذا اجتهدوا عليها ... تمام السنن منه والذكاءُ ومنه الذكاء في الفهم، إذا كان قام العقل، سريع القبول، وتقول: ذكيت النَّار إذا أتممت إشعالها، فمعنى قوله ﴿ذَكَّيْتُمْ﴾ أي: أدركتم ذكاته على التمام. وقال ابن عباس، وعبيد بن عمير: إذا طرفت بعينها، أو مصعت

стр. 5578

بذنبها أو ركضت برجلها، أو تحركت فقد حلت لك (١). [١٢١٥] أخبرنا (ابن فنجويه) (٢) قال: أنا أبو بكر السني (٣) قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن النَّسائيّ (٤) قال: أنا محمَّد بن بشار (٥)، عن محمَّد (٦)، ثنا شعبة (٧) قال: سمعت حاضر بن المهاجر الباهلي (٨) قال: سمعت سليمان بن يسار (٩)، عن زيد بن ثابت (١٠) أن ذئبًا نيّب [٤٠٠] في شاة، فذبحوها بمروة، فرخص النَّبيّ ﷺ في أكله.

стр. 5579

[١٢١٦] وأخبرنا أبو بكر الجوزقي (١) قال: أخبرنا أحمد بن محمَّد ابن يَحْيَى البزاز (٢) قال: حدّثنا سختويه بن مازيار (٣)، ثنا محبوب بن

стр. 5580

الحسن (١)، ح (٢). [١٢١٧] وأخبرنا أبو عبد الله الثَّقفيُّ (٣)، أخبرنا أبو بكر محمَّد بن إسحاق (٤)، أخبرنا أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب (٥) قال: حدّثنا عبد الله بن محمَّد بن عبد الرحمن (٦) قال: ثنا غندر (٧)، حدّثنا شعبة (٨)، ح (٩). [١٢١٨] وأخبرنا ابن فنجويه (١٠) قال: أخبرنا أبو بكر السني (١١)،

стр. 5581

أخبرنا (١) النَّسائيّ، أنا محمَّد بن عبد الله بن بزيع (٢)، عن (٣) يزيد بن زريع (٤) قالوا: ثنا خالد الحذاء (٥)، عن أبي قلابة (٦)، عن أبي الأشعث الصنعاني (٧)، عن شداد بن أوس (٨) قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" (٩).

стр. 5582

[١٢١٩] وأخبرنا الحسين بن محمَّد بن الحسين (١)، حدّثنا أحمد ابن جعفر (٢)، حدّثنا يوسف بن عبد الله (٣)، ثنا أبو سلمة التبوذكي (٤)، ثنا حماد (٥)، عن عاصم (٦)، عن عكرمة (٧) أن رجلًا أضجع شاته، وجعل يحد شفرته، ليذبحها، فقال له النَّبيّ ﷺ : "تريد أن تميتها موتات قبل أن تذبحها؟ " (٨)

стр. 5583

﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ قال بعضهم: هو جمع، واحدها نصاب، وقيل: هو واحد، وجمعه أنصاب مثل عنق، وأعناق (١). وقرأ الحسن بن صالح، وطلحة بن مصرف (النصب) بجزم الصاد، وروى الحسين بن علي الجعفي عن أبي عمرو (النصب) بفتح النون، وسكون الصاد، وقرأ الجحدري بفتح النون والصاد، وجعله أسمًا موحدًا كالجبل، والجمل، والجمع أنصاب، كالأجمال، والأجبال، وكلها لغات (٢)، وهو: الشيء المنصوب، ومنه قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ (٣). واختلفوا في معنى النصب هاهنا، فقال مجاهد، وقتادة، وابن جريج: كانت حول البيت ثلاثمائة وستون حجرًا، كان أهل الجاهلية يذبحون لها (٤)، ويشرحون اللحم عليها، وكانوا يعظمون هذِه الحجارة، ويعبدونها، ويذبحون لها، وكانوا مع هذا يبدلونها،

стр. 5584

إذا شاؤوا (١)، بحجارة، هي أعجب إليهم منها، قالوا: وليست هي بأصنام، إنَّما الصنم ما يصور، وينقش (٢). وقال الآخرون: هي الأصنام المنصوبة (٣). قال الأعشى: وذا النَّصَب المنصوب لا تَنْسُكنَّهُ ... لعاقبة (٤) والله ربك فاعبدا (٥) ثم اختلفوا في معناها، فقال بعضهم: تقديره: وما ذبح على اسم النصب (٦). ابن زيد: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ هما واحد (٧).

стр. 5585

قطرب: معناه ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ أي: لأجلها، (على) بمعنى اللام وهما يتعاقبان في الكلام (١)، قال الله تعالى: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾ (٢) أي: عليك، ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (٣) أي: فعليها. ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا﴾ معطوف على ما قبله، و ﴿أَن﴾ في محل الرفع، أي: وحرم عليكم الاستقسام ﴿بِالْأَزْلَامِ﴾ والاستقسام: طلب القسم، والحكم من الأزلام (٤)، وهي القداح التي لا ريش لها، ولا نصل، واحدها زلم مثل عمر، وزلم مثل قلم، قال الشاعر: فلئن جذيمة قتَّلت سراوتها ... فنساؤها يضربن بالأزلامِ (٥) (وكان استقسامهم بالأزلام) (٦) على ما ذكره المفسرون أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا أراد سفرًا، أو غزوًا، أو تجارة، أو غير ذلك ضرب بالقداح، وكانت قداحًا مكتوبة على بعضها (نهاني ربي)، وعلى بعضها (أمرني ربي)، فإن خرج الآمر مضى لأمره وإن خرج الناهي أمسك (٧).

стр. 5586

وقال سعيد بن جبير: الأزلام حصى بيض، كانوا يضربون بها (١). [١٢٢٠] أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان (٢)، أخبرنا أَحْمد بن محمَّد بن يوسف (٣)، حدثنا أَحْمد بن إبراهيم (٤) قال: ثنا يعقوب (٥) قال: حَدَّثني عبد العزيز بن عمران (٦)، ثنا هشام (٧) بن زياد بن عبد الله (٨)، عن محمَّد بن إسحاق (٩) قال: كانت هبل أعظم أصنام

стр. 5587

قريش بمكة، وكانت على بئر فِي جوف الكعبة، وكانت تلك البئر التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة، وكان عند هبل قداح سبعة، كل قداح (١) منها فيه كتاب، قِدْحٌ فيه العقل (٢)، إذا اختلفوا فِي العقل من يحمله منهم، ضربوا بالقداح السبعة، فعلى من خرج العقل حمله، وقدح فيه (نعم) للأمر، إذا أرادوا يضربون به القداح، فإن خرج قدح نعم عملوا به، وقدح فيه (لا)، إذا أرادوا أمرًا ضربوا، فإن خرج قدح (لا) لم يفعلوا ذلك الأمر، وقدح فيه (منكم)، وقدح فيه ملصق، وقدح فيه (من غيركم)، وقدح فيه (المياه) إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح، وفيها ذلك القدح فحيث ما خرج عملوا به، وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلامًا، أو ينكحوا منكحًا (٣)، أو يدفنوا ميتًا، أو شكوا فِي نسب أحدهم، ذهبوا به إِلَى هبل بمائة درهم، وجزور، فأعطوها صاحب القداح الذي يضربها، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، فقالوا: يَا إلهنا، هذا فلان بن فلان، قد أردنا به كذا، وكذا فأخرج الحق. ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب، فإن خرج عليه (منكم) كان وسيطًا (٤) منهم، وإن خرج عليه (من غيركم) كان حليفًا، وإن خرج عليه (ملصق) كان على منزلته فيهم، لا نسب له ولا حلف، وإن خرج فيه شيء مما سوى هذا، مما

стр. 5588

يعملون به نعم عملوا به، وإن خرج (لا) أخروه عامة ذلك حتَّى يأتوه مرة أخرى، ينتهون فِي أمورهم إِلَى ذلك مما أخرجت به القداح (١). قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ وقال مجاهد: هي كعاب فارس، والروم التي يتقامرون بها (٢). وقال سفيان بن وكيع (٣): هي الشطرنج (٤).

стр. 5589

[١٢٢١] أخبرنا (ابن فنجويه) (١) قال: حدثنا الفضل بن الفضل الكندي (٢) قال: ثنا الحسن بن داود الخشاب (٣)، ثنا سويد بن سعيد (٤)، ثنا أبو المحياة (٥)، عن عبد الملك بن عمير (٦)، عن رجاء بن أبي حيوة (٧)، عن أبي الدَّرداء (٨) قال: قال رسول الله ﷺ : "من تكهن أو استقسم أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر إِلَى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة".

стр. 5590

﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ يعني (١): أن ترجعوا إِلَى دينهم كفارًا، وفيه لغتان، يقال: يئس، ييأس يأسًا، وأيس، يأيس، إياسًا، وإياسة (٢)، قاله النضر بن شميل.

стр. 5591

﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ نزلت هذِه الآية يوم الجمعة، وكان يوم عرفة، بعد العصر فِي حجة الوداع، سنة عشر، والنبي ﷺ واقف بعرفات على ناقته العضباء، فكادت عضد الناقة تندق، من ثقلها فبركت (١). وقال طارق بن شهاب: جاء رجل من اليهود إِلَى عمر بن الخطاب فقال له: آية تقرءونها، لو علينا نزلت وعلمنا ذلك اليوم لاتخذناه عيدًا. فقال له أية آية؟ فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فقال عمر: قد علمت فِي أي يوم نزلت، وفي أي مكان، إنها نزلت يوم عرفة، يوم جمعة، ونحن مع رسول الله ﷺ وقوف بعرفات، وكلاهما - بحمد الله- لنا عيد، ولا يزال ذلك اليوم عيدًا للمسلمين ما بقي منهم أحد (٢). وقال ابن عباس: كان ذلك اليوم خمسة أعياد، جمعة، وعرفة، وعيد اليهود، والنصارى، والمجوس، ولم تجتمع أعياد أهل الملل فِي يوم قبله، ولا بعده (٣).

стр. 5592

وروى هارون بن عنترة (١)، عن أَبيه (٢) قال: لما نزلت هذِه الآية بكى عمر ﵁، فقال له النَّبِيّ ﷺ : "ما يبكيك يَا عمر؟ " فقال: أبكاني أنا كنا فِي زيادة من ديننا، فأما إذا كمل، فإنَّه لم يكمل شيء إلَّا نقص. فقال: "صدقت" (٣). وكانت هذِه الآية نعي رسول الله ﷺ ، وعاش بعدها أحدًا وثمانين يومًا (٤). واختلف المفسرون فِي معنى هذِه الآية، فقال بعضهم: يعني ﴿الْيَوْمَ﴾ وهو يوم نزول هذِه الآية ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أي: الفرائض، والسنن، والحدود، والأحكام، والحلال، والحرام، فلم ينزل بعد هذِه الآية حلال ولا حرام، ولا شيء من الفرائض، وهذا معنى قول ابن عباس، والسدي (٥).

стр. 5593

وقال سعيد بن جبير، وقتادة، والحكم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فلم يحج معكم مشرك (١). وقيل: هو أن الله تعالى أعطى هذِه الأمة من أنواع العلم، والحكمة جميع ما أعطى سائر الرسل، والأمم وزادهم. وقيل: هو أن شرائع الأنبياء زالت، ونقصت، وشريعة هذِه الأمة باقية لا تنسخ، ولا تغير إِلَى يوم القيامة. وقيل: هو أن هذِه الأمة آمنوا بالكل ولم يفرقوا، ولم يكن هذا لغيرهم. وقيل: هو الإضعاف، ولم يكن إلَّا لهذِه الأمة. وقيل: هو أن الله تعالى جمع لهذِه الأمة جميع أبواب الولاية، وأسبابها (٢). [١٢٢٢] سمعت أَبا القاسم بن حبيب (٣) يقول: سمعت أَبا جعفر محمَّد بن أَحْمد بن سعيد الرَّازيّ (٤) يقول: سمعت العباس بن حمزة (٥) يقول: سمعت ذا النُّون (٦) يقول: تعلمنا من سياسة الملوك أربعة

стр. 5594

أشياء: الكتاب، والرسول، والخلعة، والولاية، فالكتاب جعله أشرف الكتب، وأكثرها يسرًا، وأخفها إصرًا (١)، وأغزرها علمًا، وأوفرها حكمًا، والرسول جعله أعظم الرسل، وأفضلهم، والخلعة جعلها عطاء، ولم يجعلها عارية، والولاية جعلها دائمة إِلَى نفخ الصور (٢). ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ يعني: وأنجزت وعدي فِي قولي ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ (٣)، فكان من تمام نعمته أن دخلوا مكة آمنين، وعليها ظاهرين، وحجوا مطمئنين، لم يخالطهم أحد من المشركين. وقال الشعبي: نزلت هذِه الآية بعرفات، حيث هدم منار الجاهلية ومناسكهم، واضمحل الشِّرك، ولم يحج معهم فِي ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان (٤). وقال السدي: أظهرتكم على العرب (٥). ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ مجاعة،

стр. 5595

ويقال: رجل خميص البطن، إذا كان طاويًا خاويًا، ورجل خمصان، وامرأة خمصانة، إذا كانا ضامرين، هضيمي البطن، والخمْص، والخمَص الجوع (١)، قال الشَّاعر: يرَ الخمص تعذيبًا وإن يلق شَبعةً ... يَبِتْ قلبه من قلة الهم مبهما (٢) ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ قال أبو عبيدة: متحرف (٣). قطرب: مائل (٤). والمبرد: زائغ (٥). وقرأ النَّخَعيّ: (متجنف) (٦)، وهما بمعنى واحد، يقال: تجنف، وتجانف، مثل تعهد، وتعاهد. قال قتادة: غير متعرض لمعصية فِي مقصده (٧)، وهو قول

стр. 5596

الشَّافعيّ (١). وقال أبو حنيفة: لا يأكل فوق الشبع (٢). ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فيه إضمار، تقديره: فأكله، فاكتفى بدلالة الكلام عليه، فإن الله غفور له (٣)، رحيم به. وقد فسر الرسول ﷺ المخمصة: [١٢٢٣] فأخبرنا عبد الله بن حامد (٤) قال: أخبرنا أَحْمد بن محمَّد بن يوسف (٥) قال: حدثنا أَحْمد بن إبراهيم بن شاذان (٦)، ثنا يعقوب بن سفيان (٧)، ثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد (٨)، عن الأَوْزَاعِيّ (٩)، عن حسان بن عطية (١٠)، عن أبي واقد (١١) ﵁ قال:

стр. 5597

سألت رسول الله ﷺ : إنَّا بأرض تصيبنا بها مخمصة، فمتى تحل لنا الميتة؟ قال: "إذا لم تغتبقوا (١)، ولم تصطبحوا (٢)، ولم تحتفئوا (٣) بقلا، فشأنكم بها" (٤).

стр. 5598

٤ - ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ الآية قال أبو رافع (١): جاء جبريل إِلَى النَّبِيّ ﷺ فاستأذن عليه فأذن له، فأبطأ، فأخذ رسول الله ﷺ رداء فخرج، فقال: "قد أذنا لك يَا رسول الله" فقال: أَجل يَا رسول الله، ولكنا لا ندخل بيتًا فيه صورة، ولا كلب. فنظروا فإذا فِي بعض بيوتهم جرو (٢).

стр. 5599

[١٢٢٤] أخبرني ابن فنجويه (١) قال: أخبرنا (السني، قال: أخبرنا النَّسائيّ (٢)) (٣)، أنا محمَّد بن بشار (٤) قال: حَدَّثني محمَّد (٥) ويحيى ابن (٦) سعيد (٧) قالا: حدثنا شعبة (٨)، عن علي بن مدرك (٩)، عن أبي زرعة (١٠)، عن عبد الله بن نجي (١١)،

стр. 5600

عن أَبيه (١)، عن علي بن أبي طالب، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، ولا كلب، ولا جنب" (٢). رجعنا إِلَى حديث أبي رافع، قال: فأمرني أن لا أدع كلبًا بالمدينة إلَّا قتلته، ففعلت، حتَّى بلغت العوالي، فانتهيت إِلَى امرأة فِي ناحية المدينة، عندها كلب يحرس عنها، فرحمته، فتركته، فأتيت النَّبِيّ ﷺ ، فأخبرته بأمري، فأمرني بقتله، فرجعت إِلَى الكلب فقتلته. وقال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ رافعًا صوته-: "اقتلوا الكلاب" قال: فكنا نلقى المرأة الأعرابية، تدخل المدينة بكلبها، فنقتله، فأمر رسول الله ﷺ بقتلها، وحرم ثمنها (٣).

стр. 5601

[١٢٢٥] وأخبرنا الحسين بن محمَّد بن الحسين (١) قال: أخبرنا أَحْمد بن محمَّد بن إسحاق (٢) قال: أنا أَحْمد بن عليّ بن شعيب (٣)، قال: أنا يونس بن عبد الأعلى (٤) قال: ثنا ابن (٥) وهب (٦) قال: أخبرنا معروف (٧) بن سويد الجذامي (٨) أن علي بن

стр. 5602

رباح اللخمي (١) حدثه أنَّه سمع أَبا هريرة يقول: قال النَّبِيّ ﷺ : "لا يحل ثمن الكلب، ولا حلوان الكاهن، ولا مهر البغي" (٢).

стр. 5603

ونهى عن اقتنائها، وإمساكها، وأمر بغسل الإناء من ولوغها سبع مرات أولاهن، أو أخراهن بالتراب (١). رجع إِلَى الحديث الأول، قال: فلما أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب جاء ناس، فقالوا: يَا رسول الله، ماذا يحل لنا من هذِه الأمة التي نقتلها؟ فسكت رسول الله ﷺ (فلما نزلت) (٢) هذِه الآية أذن رسول الله ﷺ فِي اقتناء الكلاب التي ينتفع بها، ونهى عن إمساك ما لا نفع فيه منها، وأمر بقتل الكلب العقور، وما يضر ويؤذي، ورفع القتل (٣) عما سواها. [١٢٢٦] وأخبرنا الحسين بن محمَّد بن الحسين (٤)، أنا أَحْمد بن محمَّد بن إسحاق (٥)، أنا أَحْمد بن عليّ بن شعيب (٦)، أنا عمران بن

стр. 5604

موسى (١)، ثنا يزيد بن زريع (٢)، ثنا يونس (٣)، عن الحسن (٤)، عن عبد الله بن مغفل (٥) قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها الأسود البهيم، وأيما قوم اتخذوا كلبًا ليس بكلب حرث، أو صيد، أو ماشية فإنَّه ينقص من أجورهم كل يوم قيراط" (٦).

стр. 5605

[١٢٢٧] وبه عن ابن شعيب (١) قال: أخبرنا وهب بن بيان (٢) قال: أنا ابن وهب (٣) قال: أخبرني يونس (٤)، ثنا ابن شهاب (٥)، عن سعيد
следующие страницы →