← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

قال الأعمش: كان أصحاب عبد الله يقرءونه ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ نصبًا، ويغسلون (١). وقراءة ابن عباس ﵁، روى عكرمة عنه أنَّه قرأها ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب، وقال: عاد الأمر إلى الغسل (٢). واختيار أبي عبيد. وقرأ الباقون ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالكسر، وهي قراءة أنس، والحسن، وعلقمة، والشعبي، واختيار أبي حاتم (٣). فمن نصب فمعناه: واغسلوا أرجلكم، ومن خفض فله وجوه من التأويلات، أحدها: أن المسح بمعنى الغسل، والباء بمعنى التعميم، تقول العرب: تمسحت للصلاة. أي: توضأت، وذلك أن المتوضئ لا يرضى أن يصب الماء على وجهه، وذراعيه، وقدميه حتَّى يمسحها، ويغسلها، فلذلك سمي الغسل مسحًا، وهذأ قول أبي زيد الأنصاري

стр. 5637

وأبي حاتم السجستاني. وقال أبو عبيدة، والأخفش، وغيرهما: إن الأرجل معطوفة على الرءوس، على الإتباع والجوار لفظًا، لا معنى (١)، كقول العرب: جحر ضب خرب، وقولهم: أكلت الخبز واللبن، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ (٢). وقال الشاعر (٣): ورأيت زوجَك في الوغى ... متقلدًا سيفًا ورمحا والرمح لا يتقلد، وإنما يحمل. وقال لبيد: ...... وأطفلَت ... بالجلْهتين ظباؤها ونعامها (٤) والنعام لا تُطفِل، وإنما تفرخ.

стр. 5638

وقال بعضهم: أراد به المسح على الخفين لقرب الجوار، كقولهم: غمر الرداء، أي: واسع الصدر، ويقال: قبل رأس الأمير، ويده، ورجله، وإن كان في العمامة رأسه، وفي الكم يده، وفي الخف رجله. وفي الحديث: أن النبي ﷺ كان إذا ركع وضع يديه على ركبتيه (١)، وليس المراد أنَّه لم يكن بينهما حائل، وقال الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ قال كثير من المفسرين: أراد: وقلبك فطهر. قال همام بن الحارث (٢): باب (٣) جرير بن عبد الله فتوضأ، ومسح

стр. 5639

على خفيه، فقيل له في ذلك، فقال: رأيت رسول الله ﷺ يفعله. قال الأعمش: كان إبراهيم يعجبه هذا الحديث، ويقول: إن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة (١). وأجرى قوم من العلماء الآية على ظاهرها، وأجازوا المسح على القدمين وهو قول ابن عباس، قال: الوضوء: غسلتان، ومسحتان (٢). وقول أنس، روى ابن علية (٣) عن حميد (٤)، عن موسى بن أنس (٥) أنَّه قال لأنس -ونحن عنده-: إن الحجاج خطبنا بالأهواز (٦)، فذكر الطهر، فمال: اغسلوا وجوهكم، وأيديكم، وامسحوا برؤوسكم، وإنه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا

стр. 5640

بطونهما، وظهورهما، وعراقيبهما. قال أنس: صدق الله، وكذب الحجاج، قال الله ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾، قال: فكان أنس إذا مسح قدميه بلهما (١). وروى حماد (٢)، عن عاصم الأحول (٣)، عن أنس قال: نزل القرآن بالمسح، والسنة بالغسل (٤). وقول الحسن، والشعبي، قال الشعبي: نزل جبريل ﵇ بالمسح ثم قال: ألا ترى المتيمم يمسح ما كان غسلًا، ويلغي ما كان مسحًا (٥).

стр. 5641

وقول عكرمة، قال يونس: (صحبني رجل من أصحاب عكرمة إلى واسط) (١) قال: فما رأيته غسل رجليه، إنما قال يمسح عليهما حتَّى (٢) خرج منها. وقول قتادة، قال: افترض الله تعالى غسلين، ومسحين (٣). ومذهب داود بن علي الأصفهاني، ومحمد بن جرير الطبري (٤)، والقاشاني (٥). وذهب بعضهم إلى أن المتوضئ يتخير بين غسلهما، ومسحهما. فالدليل على وجوب غسل الرجلين في الوضوء قول الله تعالى

стр. 5642

﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فتحديده بالكعبين دليل على الغسل، كاليدين لما حدَّهما إلى المرفق كان فرضهما الغسل، دون المسح. ويدل عليه من السنة ما روي عن عثمان، وعلي، وأبي هريرة، ومعوذ بن عفراء، وعبد الله بن زيد (١) أنهم حكوا وضوء النبي ﷺ فغسلوا أرجلهم. وروى خلاد بن السائب، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال:

стр. 5643

"لا يقبل الله صلاة امرئ حتَّى يضع الوضوء مواضعه فيغسل وجهه ويديه، ويمسح برأسه ويغسل رجليه" (١). وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى (٢)، عن عطاء (٣)، عن جابر (٤) أنَّه قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نغسل أرجلنا إذا توضأنا (٥). وقال ابن أبي ليلى: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ على وجوب غسل الرجلين (٦).

стр. 5644

[١٢٣٧] أخبرنا عبد الله بن حامد الأصبهاني (١)، قال: أخبرنا محمد بن جعفر المطيري (٢)، قال: حدثنا الحسن بن علي بن عفان العامري (٣)، ثنا أبو داود (٤)، عن سفيان (٥)، عن منصور (٦)، عن هلال (٧)، عن أبي يحيى (٨)، عن عبد الله بن عمرو قال: مر النبي ﷺ على قوم وعراقيبهم تلوح فقال: "أسبغوا الوضوء، وبل للعراقيب من النار" (٩).

стр. 5645

وقال حميد الطويل: رأى رسول الله ﷺ أعمى يتوضأ، فقال: "اغسل باطن قدميك" فجعل يغسل، حتَّى سمي أبا غسيل (١). وروى أبو قلابة أن عمر رأى رجلًا توضأ فترك باطن قدميه، فأمره أن يعيد الوضوء، والصلاة (٢). وقالت عائشة: لأن تقطعا أحب إلى من أن أمسح على القدمين بغير خفين (٣). ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ هما الناتئان من جانبي الرجل، وهما مجتمع

стр. 5646

مفصل الساق، والقدم، وتسميهما العرب المنجمين (١)، وعليهما الغسل كالمرفقين، هذا مذهب الفقهاء، وخالفهم محمد بن الحسن في الكعب، فقال: هو الناتئ من ظهر القدم الَّذي يجري عليه الشراك، قال: وسمي بذلك لارتفاعه، ومنه الكعبة، فدليلنا: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فجمع الأرجل، وثنى الكعبين، فلو كان لكل رجل كعب واحد لجمعهما في الذكر، كالمرافق لما كان في كل يد مرفق واحد جمع المرافق، فلما جمع الأرجل وثنى الكعبين ثبت أن لكل رجل كعبين (٢)، ويدل عليه قوله ﷺ للمحرم: "فليلبس النعلين، فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين" (٣). فدل هذا على أن الكعبين على ما قلنا، إذ لو كان الكعب هو

стр. 5647

الناتئ من ظهر القدم لكان إذا قطع الخف من أسفله لم يمكن استعماله، ولا المشي فيه، والنبي ﷺ لا يأمر بإضاعة المال، وإتلافه، ويدل عليه أيضًا، ما روي أن رسول الله ﷺ كان يمر في سوق مكة، ويقول: "قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا"، وأبو لهب يرميه من ورائه بالحجارة، حتَّى أدمى كعبيه (١)، فلو كان الكعب ما ذهب إليه محمد بن الحسن لما كانت تدمى إذا رميت من ورائه. ويدل أيضًا ما روي أن رسول الله ﷺ قال: "أقيموا صفوفكم، أو ليخالفن الله بين قلوبكم"، قال: فكان الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه، ومنكبه بمنكبه (٢)، ويدل عليه قوله ﷺ : "ويل للأعقاب،

стр. 5648

والعراقيب من النار" (١)، وغسل الأعقاب، والعراقيب إنما يحصل لمن غسل المنجمين. روى أبو إدريس (٢) عن أبي ذر (٣)، عن علي رضي عنه (٤) قال: بينا رسول الله ﷺ في ملأ من المهاجرين، إذ أقبل إليه عشرة من أحبار اليهود، فقالوا: يا محمد، إنا أتيناك لنسألك عن أشياء لا يعلمها إلا من كان نبيًّا مرسلًا أو ملكًا مقربًا، فقال ﷺ : "سلوني تفقهًا، ولا تسألوني تعنتًا" فقالوا: يا محمد، أخبرنا لم أمر الله بغسل هذِه الأربعة المواضع، وهي أنظف الجسد؟ فقال النبي ﷺ : "إن آدم لم انظر إلى الشجرة قصد إليها بوجهه، ثم مشى إليها، وهي أول قدم مشت إلى المعصية، ثم تناول بيده، وشمها، وأكل منها، فطار عنه الحلي والحلل، فوضع يده الخاطئة على رأسه، فأمر الله تعالى بغسل الوجه، لما أن نظر إلى الشجرة وقصدها، وأمر بغسل الساعدين لما تناول بيده، وأمر بمسح رأسه لما أظلته الشجرة، ووضع يده على رأسه، وأمر بغسل القدمين، لما مشى إلى

стр. 5649

الخطيئة، فلما فعل آدم ذلك كفر الله عنه الخطيئة، فافترضهن الله تعالى على أمتي لتكفير ذنوبهم من الوضوء إلى الوضوء"، قالوا: صدقت، وأسلموا (١). واختلف الفقهاء في حكم الواوات المذكورة في الآية، فجعلها قوم بمعنى الترتيب، والتعقيب، وأوجبوا الترتيب في الوضوء، وهو: أن يأتي بأفعال الوضوء تباعًا واحدًا، بعد واحد، فيغسل وجهه، ثم يديه، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجليه، وهو اختيار الشافعي (٢)، واحتج بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٣)، قال جابر بن عبد الله: خرجنا مع رسول الله ﷺ في الحج .. وذكر الحديث، إلى أن قال: فخرج رسول الله ﷺ إلى الصفا، وقال: "ابدءوا بما بدأ الله به" (٤)، فدل هذا على شيئين: أحدهما: أن الواو توجب الترتيب (٥).

стр. 5650

والثاني: أن البداية باللفظ توجب البداية بالفعل، إلا أن يقوم الدليل. واحتج أيضًا بقوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (١)، والركوع قبل السجود. واحتج أيضًا بقول النبي ﷺ : "لا يقبل الله صلاة امرئ حتَّى يضع الوضوء مواضعه، فيغسل وجهه، ثم يغسل يديه، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجليه" (٢). و(ثم) في الكلام للتعقيب. [١٢٣٨] أخبرنا محمد بن نعيم (٣)، والحسين بن إبراهيم (٤)، وإسحاق بن علي (٥) قالوا: حدثنا محمد بن يعقوب بن يوسف (٦) قال: أخبرنا الربيع بن سليمان (٧) قال: أخبرنا الشافعي (٨)، عن

стр. 5651

مالك (١)، عن عمرو بن يحيى المازني (٢)، عن أبيه (٣)، أنَّه قال لعبد الله ابن زيد الأنصاري (٤): هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله: نعم، فدعا بوضوء فأفرغ على يديه فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه ثلاثًا، ومسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ذهب بهما إلى المكان الَّذي بدأ منه، ثم غسل رجليه (٥). وقال مالك: إن ترك الترتيب في الوضوء عامدًا أعاد وضوءه، وإن

стр. 5652

تركه ناسيًا لم يعد (١)، وهو اختيار المزني. وقال سفيان الثوري، وأبو حنيفة، وصاحباه: الترتيب في الوضوء سنة فإن تركه ناسئا، أو عامدًا فلا إعادة عليه (٢)، وجعلوا الواو بمعنى الجمع، واحتجوا بقوله : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية (٣)، ولا خلاف أن تقديم بعض أهل السهمان على بعففي الإعطاء جائز؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤)، ويجوز تقديم أحدهما على الآخر. فأما فضل الوضوء: [١٢٣٩] فأخبرنا الإمام أبو عمرو أحمد بن أبي الفراتي (٥)، قال:

стр. 5653

أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق (١)، قال: ثنا بشر بن موسى الأسدي (٢)، قال: ثنا أبو زكريا (٣)، قال: ثنا أبان بن يزيد (٤)، عن يحيى بن أبي كثير (٥)، عن زيد (٦)، عن أبي سلام (٧)، عن أبي مالك (٨) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الطهور شطر الإيمان" (٩).

стр. 5654

[١٢٤٠] وأخبرنا أحمد بن أبي (١)، قال: ثنا أبو عبد الرحمن القاضي (٢)، قال: ثنا [٤١٧] ابن عبد العزيز (٣)، قال: ثنا أبو عبيد (٤)، قال: ثنا قبيصة بن عقبة (٥)، عن حماد بن سلمة (٦)، عن علي بن زيد (٧)، عن أبي عثمان النهدي (٨) قال: كنت مع سلمان (٩) فأخذ غصنًا من شجرة يابسة فحتَّه، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من توضأ فأحسن الوضوء تحاتَّت عنه خطاياه كما تحاتّ هذا الورق" (١٠).

стр. 5655

[١٢٤١] وبه عن أبي عبيد (١) قال: حدثنا يزيد (٢)، عن حماد بن سلمة (٣)، عن عاصم بن أبي النجود (٤)، عن زر بن حبيش (٥)، عن عبد الله بن مسعود (٦) قال: قيل: يا رسول الله، كيف تعرف من لم تر من أمتك يوم القيامة؟ فقال: "هم غر محجلون من آثار الوضوء" (٧).

стр. 5656

[١٢٤٢] وأخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن محمد الجرشي الحيري (١) قال: أنا أبو عمران موسى بن العباس الجويني (٢) قال: حدثنا أحمد بن يوسف الأزدي (٣)، ثنا النضر بن محمد الجرشي (٤)، ثنا عكرمة بن عمار (٥) قال: حدثنا شداد بن عبد الله أبو عمار (٦)، ويحيى بن أبي كثير (٧)، عن أبي أمامة (٨) قال: قال عمرو بن عبسة (٩): قلت: يا رسول الله، فالوضوء، حدثني عنه، قال: "ما

стр. 5657

منكم من رجل يقرب وضوءه فتمضمض واستنشق واستنثر إلا خرت خطايا فيه وخياشيمه من الماء، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته من الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره من الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإذا هو قام فصلى حمد الله وأثنى عليه (١) وفرغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه" (٢). [١٢٤٣] وأخبرنا محمد بن القاسم بن أحمد (٣)، ثنا إبراهيم بن محمد بن أيوب (٤) قال: ثنا أبوجعفر محمد بن سليمان (٥) قال: (ثنا أحمد بن محمد بن القاسم) (٦)، ثنا محمد بن رافع (٧)، ثنا يزيد بن

стр. 5658

هارون (١)، أخبرنا العلاء (٢)، سمعت أنس بن مالك (٣) يقول: خدمت رسول الله ﷺ وأنا ابن ثمان سنين وكان أول ما علمني قال: "يا أنس، يا بني، أحسن وضوءك لصلاتك تحبك حفظتك، ويزاد في عمرك" (٤).

стр. 5659

[١٢٤٤] وأخبرنا محمد بن القاسم (١)، قال: ثنا إبراهيم بن أحمد ابن رجاء (٢)، ثنا أحمد بن عياش الرافقي (٣) -بحران- قال: ثنا (٤) عامر بن سيار (٥) قال: ثنا مخلد بن عبد الواحد (٦)، عن علي بن زيد ابن جدعان (٧)، عن سعيد بن المسيب (٨)، عن عبد الرحمن بن سمرة الأنصاري (٩) قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في مسجد

стр. 5660

المدينة فقال: "لقد رأيت البارحة عجبًا، رأيت رجلًا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر، فجاء وضوؤه فاستنقذه من ذلك" (١). ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ فاغتسلوا، روي عن أبي ذر، عن علي ﵁ قال: أقبل عشرة من أحبار اليهود، فقالوا: يا محمد، لماذا أمر الله بالغسل من الجنابة، ولم يأمر من البول والغائط وهما أقذر من النطفة؟ فقال النبي ﷺ : "إن آدم لما أكل الشجرة تحول في عروقه وشعره، فإذا جامع الإنسان نزل من أصل كل شعرة فافترضه الله عليَّ، وعلى أمتي تطهيرًا، وتكفيرًا، وشكرًا لما أنعم الله عليهم من اللذة التي يصيبونها منه"، فقالوا: صدقت يا محمد، فأخبرنا بثواب من اغتسل من الحلال؟ فقال ﷺ : "إن المؤمن إذا أراد أن يغتسل من الحلال بنى الله له قصرًا في الجنّة، وهي سريرة المؤمن بينه وبين ربه، والمنافق لا يغتسل من الجنابة، فما من عبد ولا أمة من

стр. 5661

أمتي قاما للغسل من الجنابة إلا باهى الله بهما الملائكة، فيقول: ملائكتي، انظروا إلى عبدي وأمتي قاما للغسل من الجنابة، تيقنًا أني ربهما، أشهدكم أني قد غفرت لهما، ونكتب له بكل شعرة على رأسه وجسده ألف حسنة، ومحي عنه مثل ذلك، ورفع له (١) مثل ذلك"، قالوا: صدقت، نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. [١٢٤٥] وأخبرني محمد بن القاسم (٢) قال: ثنا محمد بن يزيد (٣)، ثنا أبو يحيى البزاز (٤) قال: ثنا محمد بن رافع (٥)، ثنا يزيد بن هارون (٦) قال: ثنا العلاء أبو محمد الثقفي (٧) قال: سمعت أنس بن مالك (٨) ﵁ يقول: قال لي النبي ﷺ : "يا بني، الغسل من الجنابة فبالغ فيه، فإن تحت كل شعرة جنابة"، قلت: يا رسول الله: وكيف أبالغ؟ قال: "رو أصول الشعر، وأنق بشرتك، تخرج من مغتسلك وقد غفر لك كل ذنب" (٩).

стр. 5662

وقال عبد الرحمن بن سمرة: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم ونحن في مسجد المدينة، فقال: "إني رأيت البارحة عجبًا، رأيت رجلًا من أمتي، والنبيون قعود حلقًا حلقًا، كلما دنا إلى حلقة طرد، فجاء اغتساله من الجنابة، فأخذ بيده وأقعده إلى جنبي" (١). ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ من الصعيد، ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ﴾ بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ من ضيق ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ من الأحداث والجنايات والذنوب والخطيئات، ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ فيما أباح لكم من التيمم عند عدم الماء، وسائر نعمه التي لا تحصى، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الله عليها. [١٢٤٦] أخبرنا أحمد بن أبي الفراتي (٢)، قال: أخبرنا محمد بن عمران (٣)، قال: حدثنا الحسن بن سفيان (٤)، قال حدثنا حبان بن موسى (٥)، أخبرنا عبد الله بن المبارك (٦)، أخبرنا أبو معشر

стр. 5663

المدني (١)، ثنا محمد بن كعب القرظي (٢) قال: حدثني عبد الله بن دارة (٣) -مولى عثمان بن عفان- عن حمران (٤) -مولى عثمان- قال: مرت على عثمان ﵁ فخارة من ماء، فدعا به فتوضأ، فأسبغ وضوءه، ثم قال: لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة أو مرتين، أو ثلاثًا ما حدثتكم به، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما توضأ عبد فأسبغ وضوءه، ثم قام إلى الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى" (٥).

стр. 5664

قال محمد بن كعب: وكنت إذا سمعت الحديث من رجل من أصحاب النبي ﷺ التمسته في القرآن، فالتسمت هذا فوجدته: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ الآية، ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ (١) فعلمت أن الله لم يتم عليه النعمة حتَّى غفر له ذنوبه، ثم قرأت الآية التي في سورة المائدة ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ حتَّى بلغ ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ (٢) فعرفت أن الله تعالى لم يتم عليهم النعمة حتَّى غفر لهم. [١٢٤٧] وأخبرنا أحمد بن أبي (٣) قال: أخبرنا محمود بن محمد القاضي (٤) قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز (٥) قال: أخبرنا القاسم بن سلام (٦) قال: حدثنا أبو أيوب الدمشقي (٧)، عن شعيب بن إسحاق (٨)،

стр. 5665

عن سعيد بن أبي عروبة (١)، عن قتادة (٢)، عن شهر بن حوشب (٣)، عن الصدي بن عجلان (٤) -وهو أبو أمامة- عن النبي ﷺ قال: "الطهور يكفر ما قبله، وتصير الصلاة نافلة" (٥). ٧ - قوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ يعني النعم كلها، ﴿وَمِيثَاقَهُ﴾ وعهده ﴿الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ عاهدكم به، أيها المؤمنون، ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ وذلك حين بايعوا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة فيما أحبوا وكرهوا، وهذا قول أكثر المفسرين (٦). وقال مجاهد: يعني: الميثاق الَّذي أخذ الله تعالى على عباده حين أخرجهم من صلب آدم (٧).

стр. 5666

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بما في القلوب من خير أو شر. ٨ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ أمرهم بالعدل، والصدق في أقوالهم، وأفعالهم، ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ﴾ ولا يحملنكم بغض ﴿قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ أي: على ترك العدل فيهم لعداوتهم، ثم قال: ﴿اعْدِلُوا﴾ يعني: في أوليائكم وأعدائكم، ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ يعني: إلى التقوى، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ومجازيكم به (١). ٩ - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)﴾ تقديرها: وقال لهم مغفرة، لأن الوعد قول، فلذلك رفع الكلام. ١٠ - وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ١١ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بالدفع، ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ بالقتل، ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قال قتادة: نزلت هذِه الآية على رسول الله ﷺ -وهو ببطن النخل، في الغزوة السابعة، فأراد بنو ثعلبة، وبنو محارب أن يفتكوا به، وبأصحابه إذا اشتغلوا بالصلاة، وقالوا: إن لهم صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم، فإذا سجدوا فيها أوقعنا بهم، فاطلع الله

стр. 5667

نبيه على ذلك، وأنزل صلاة الخوف (١). وقال الحسن: كان النبي ﷺ محاصرًا غطفان بنخل، فقال رجل من المشركين: هل لكم في أن أقتل محمدًا؟ قالوا: وكيف تقتله؟ قال: أفتك به. قالوا: وددنا أنك قد فعلت ذلك. فأتى النبي ﷺ وهو متقلد سيفه، والنبي ﷺ متقلد سيفه، فقال: يا محمد، أرني سيفك، فأعطاه إياه، فجعل الرجل يهز السيف، وينظر مرة إلى السيف، ومرة إلى النبي ﷺ ، وقال: ما يمنعك مني يا محمد؟ فقال: "الله"، فتهدده أصحاب رسول الله ﷺ ، وأغلظوا له، فشام السيف (٢)، ومضى، وأنزل الله هذِه الآية (٣). [١٢٤٨] وأخبرنا عبد الله بن حامد (٤) قال: أخبرنا أحمد بن محمد ابن الحسن (٥) (قال: ثنا محمد بن يحيى) (٦)، قال: ثنا عبد الرزاق (٧)،

стр. 5668

عن معمر (١)، عن الزهري (٢)، عن أبي سلمة (٣)، عن جابر ﷺ أن النبي ﷺ نزل منزلًا، وتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها، فعلق النبي ﷺ سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله ﷺ فسله، ثم أقبل على النبي ﷺ (فقال: من يمنعك مني؟ ) (٤) قال: "الله"، قال الأعرابي مرتين، أو ثلاثًا: من يمنعك مني؟ والنبي ﷺ يقول "الله"، فشام الأعرابي السيف، فدعا النبي ﷺ أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي، وهو جالس إلى جنبه، لم يعاقبه (٥). وقال مجاهد، وعبد الله بن كثير، وعكرمة (٦)، والكلبي، وابن

стр. 5669

يسار عن رجاله (١): بعث رسول الله ﷺ المنذر بن عمرو الأنصاري (٢)، وهو أحد النقباء ليلة العقبة، وفي ثلاثين راكبًا من المهاجرين، والأنصار إلى بني عامر بن صعصعة فخرجوا، فلقوا عامر بن الطفيل ابن مالك بن جعفر على بئر معونة (٣) -وهي من مياه بني عامر- فاقتتلوا، فقتل المنذر وأصحابه إلا ثلاثة نفر، كانوا في طلب ضالة لهم، أحدهم عمرو بن أمية الضمري، فلم يرعهم إلا والطير تحوم في السماء، تسقط من بين خراطيمها علق الدم (٤)، فقال أحد النفر: قتل أصحابنا، ثم تولى يشتد (٥)، حتَّى لقي رجلًا، فاختلفا

стр. 5670

ضربتين، فلما خالطته الضربة رفع رأسه إلى السماء، وفتح عينيه، وقال: الله أكبر، الجنَّة، ورب العالمين، ورجع صاحباه، فلقيا رجلين من بني سليم، وبين النبي ﷺ وبين قومهما موادعة، فانتسبا لهما إلى بني عامر فقتلاهما وقدم قومهما إلى النبي ﷺ يطلبون الدية، فخرج، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة وعبد الرحمن بن عوف، حتَّى دخلوا على كعب بن الأشرف، وبني النضير، يستعينهم في عقلهما، فقالوا: نعم، يا أبا القاسم، قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة، أجلس حتَّى نطعمك، ونعطيك الَّذي تسألنا، فجلس رسول الله ﷺ وأصحابه، فخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوا محمدًا أقرب منه الآن، فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صحرة فيرحينا منه؟ فقال عمرو بن جحاش ابن كعب: أنا، فجاء إلى رحى عظيمة، ليطرحها عليه، فأمسك الله أيديهم وجاءه جبريل، وأخبره بذلك، فخرج رسول الله ﷺ ، ثم دعا عليًّا فقال: "لا تبرح مقامك، فمن خرج عليك من أصحابي فسألك عني، فقل: توجه إلى المدينة"، ففعل ذلك على، حتَّى تناهوا إليه، ثم تبعوه، وأنزل الله تعالى هذِه الآية. وهذا القول أولى بالصواب (١)، لأن الله تعالى عقب هذِه الآية بذم اليهود وذكر قبح أفعالهم، وخيانتهم، فقال :

стр. 5671

١٢ - ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ وذلك أن الله تعالى وعد موسى ﵇ أن يورثه وقومه الأرض المقدسة، وهي الشام، وكان يسكنها الكتعانيون الجبارون، ووعده أن يهلكهم، ويجعل له أرض الشام مساكن بني إسرائيل، فلما استقرت ببني إسرائيل الدار بمصر، أمرهم الله بالسير إلى أريحا بأرض الشام، وهي الأرض المقدسة، وقال: يا موسى، إني قد كتبتها لكم دارًا وقرارًا، فاخرج إليها، وجاهد من فيها من العدو، فإني ناصركم عليهم، وخذ من قومك اثني عشر نقيبًا، من كل سبط نقيبًا، يكون كفيلًا على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا به. فاختار موسى النقباء، وهذِه أسماؤهم، وهم: من سبط روبيل: شامل ركز (١)، ومن سبط شمعون: شافاط بن جدي (٢)، ومن سبط يهوذا: طالب بن يوفنا (٣)، ومن سبط أتين: خابل بن يوسف (٤)، ومن سبط يوسف، وهو سبط أفرائيم يوشع بن نون (٥)، ومن سبط بنيامين فلطم

стр. 5672

ابن رفون (١)، ومن سبط ديانون جدي بن سوري (٢)، ومن سبط يوسف، وهو فيشا بن يوسف، جدي بن سوسي، ومن سبط آشر شانور بن مليكك (٣)، ومن سبط نفتالي حي بن وقصي (٤)، ومن سبط دان حملايل بن حمل (٥)، ومن سبط لاون جولا بن مليكا (٦)، فسار (٧) ببني إسرائيل حتَّى إذا قربوا من أرض كعنان، وهي أريحا، بعث هؤلاء النقباء إليها يتجسسون له الأخبار، ويعلمون علمها، فلقيهم رجل من الجبارين يقال له: عوج بن عُنق، وكان طوله ثلاثة آلاف، وعشرين ألف (٨) ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث ذراعًا، قاله ابن عمر. وكان عوج يحتجر بالسحاب، ويشرب منه، ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس، يوفعه إليها، ثم يأكله، ويروى أنَّه أتى نوحًا ﵇ يوم الطوفان، فقال له: احملني معك في سفينتك، فقال له: اخرج، يا عدو الله، فإني لم أؤمر بك، وطبق الماء ما على الأرض من جبل، وما جاوز ركبتي عوج، وعاش عوج ثلاثة

стр. 5673

آلاف سنة، وأهلكه الله على يدي موسى (١). وكان لموسى عسكر، فرسخًا في فرسخ، فجاء عوج حتَّى نظر إليهم، ثم جاء الجبل وقور منه صخرة، على قدر العسكر ثم حملها ليطبقها عليهم، فبعث الله إليه الهدهد، ومعه المصن -يعني: منقاره- حتَّى قور الصحرة، فانتقبت، فوقعت في عنق عوج فطوقته فصرعته، وأقبل موسى عليه والسلام، وطوله عشرة أذرع، وطول عصاه عشرة أذرع، فنزا في السماء عشرة أذرع، فما أصاب إلا كعبه وهو مصروع بالأرض فقتله. قالوا: فأقبلت جماعة كثيرة، ومعهم الخناجر، حتَّى حزوا رأسه، فلما قتل وقع على نيل مصر، فحسر بهم سنة، وكانت أمه عنق، ويقال عناق إحدى بنات آدم، ويقال: إنها كانت أول من بغى على وجه الأرض، وكان كل أصبع من أصابعها ثلاثة أذرع (٢)، في كل أصبع

стр. 5674

ظفران حديدان، مثل المنجلين (١)، وكان موضع مجلسها من الأرض جريبًا (٢)، فلما بغت بعث الله عليها أسودًا كالفيلة، وذئابًا كالإبل، ونسورًا كالحمر، وسلطها عليها فقتلوها وأكلوها. فلما لقيهم عوج، وعلى رأسه حزمة حطب، أخذ الاثني عشر، وجعلهم في حجزته، وانطلق بهم إلى امرأته وقال: انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا، وطرحهم بين يديها، وقال: ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته: لا، بل خل عنهم حتَّى يخبروا قومهم بما رأوا. ففعل ذلك، فجعلوا يتعرفون أحوالهم، وكان لا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس بينهم، وفي خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس، أو أربعة. فلما خرج النقباء قال بعضهم لبعض: يا قوم، إنكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم ارتدوا عن نبي الله ولكن اكتموا، وأخبروا موسى وهارون، فيكونان هما يريان رأيهما، فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك، ثم انصرفوا إلى موسى، وجاءوا بحبة من عنبهم وقر (٣) رجلٍ، ثم إنهم نكثوا العهد، وجعل كل واحد منهم ينهى سبطه عن قتالهم، ويخبرهم ما رأى إلا رجلان منهم: كالب،

стр. 5675

ويوشع (١)، فذلك قوله ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾. ﴿وَقَالَ اللَّهُ﴾ يعني: لبني إسرائيل ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ ناصركم على عدوكم، ثم ابتدأ الكلام فقال : ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ يا معشر بني إسرائيل ﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أي: ونصرتموهم، ووقرتموهم، وأنشد أبو عبيدة (٢): وكم من ماجد لهم كريم ... ومن ليث يعزر في الندي ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ولم يقل إقراضًا، وهذا مما جاء من المصدر بخلاف الصدر، كقوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ (٣)، ونحوها (٤)، ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ لأسترن، ولأمحون، ﴿عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: أخطأ قصد الطريق، وسواء كل شيء وسطه، ومنه قيل للظهر: سواء (٥).
следующие страницы →