← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

١٢ - ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ وذلك أن الله تعالى وعد موسى ﵇ أن يورثه وقومه الأرض المقدسة، وهي الشام، وكان يسكنها الكتعانيون الجبارون، ووعده أن يهلكهم، ويجعل له أرض الشام مساكن بني إسرائيل، فلما استقرت ببني إسرائيل الدار بمصر، أمرهم الله بالسير إلى أريحا بأرض الشام، وهي الأرض المقدسة، وقال: يا موسى، إني قد كتبتها لكم دارًا وقرارًا، فاخرج إليها، وجاهد من فيها من العدو، فإني ناصركم عليهم، وخذ من قومك اثني عشر نقيبًا، من كل سبط نقيبًا، يكون كفيلًا على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا به. فاختار موسى النقباء، وهذِه أسماؤهم، وهم: من سبط روبيل: شامل ركز (١)، ومن سبط شمعون: شافاط بن جدي (٢)، ومن سبط يهوذا: طالب بن يوفنا (٣)، ومن سبط أتين: خابل بن يوسف (٤)، ومن سبط يوسف، وهو سبط أفرائيم يوشع بن نون (٥)، ومن سبط بنيامين فلطم

стр. 5672

ابن رفون (١)، ومن سبط ديانون جدي بن سوري (٢)، ومن سبط يوسف، وهو فيشا بن يوسف، جدي بن سوسي، ومن سبط آشر شانور بن مليكك (٣)، ومن سبط نفتالي حي بن وقصي (٤)، ومن سبط دان حملايل بن حمل (٥)، ومن سبط لاون جولا بن مليكا (٦)، فسار (٧) ببني إسرائيل حتَّى إذا قربوا من أرض كعنان، وهي أريحا، بعث هؤلاء النقباء إليها يتجسسون له الأخبار، ويعلمون علمها، فلقيهم رجل من الجبارين يقال له: عوج بن عُنق، وكان طوله ثلاثة آلاف، وعشرين ألف (٨) ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث ذراعًا، قاله ابن عمر. وكان عوج يحتجر بالسحاب، ويشرب منه، ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس، يوفعه إليها، ثم يأكله، ويروى أنَّه أتى نوحًا ﵇ يوم الطوفان، فقال له: احملني معك في سفينتك، فقال له: اخرج، يا عدو الله، فإني لم أؤمر بك، وطبق الماء ما على الأرض من جبل، وما جاوز ركبتي عوج، وعاش عوج ثلاثة

стр. 5673

آلاف سنة، وأهلكه الله على يدي موسى (١). وكان لموسى عسكر، فرسخًا في فرسخ، فجاء عوج حتَّى نظر إليهم، ثم جاء الجبل وقور منه صخرة، على قدر العسكر ثم حملها ليطبقها عليهم، فبعث الله إليه الهدهد، ومعه المصن -يعني: منقاره- حتَّى قور الصحرة، فانتقبت، فوقعت في عنق عوج فطوقته فصرعته، وأقبل موسى عليه والسلام، وطوله عشرة أذرع، وطول عصاه عشرة أذرع، فنزا في السماء عشرة أذرع، فما أصاب إلا كعبه وهو مصروع بالأرض فقتله. قالوا: فأقبلت جماعة كثيرة، ومعهم الخناجر، حتَّى حزوا رأسه، فلما قتل وقع على نيل مصر، فحسر بهم سنة، وكانت أمه عنق، ويقال عناق إحدى بنات آدم، ويقال: إنها كانت أول من بغى على وجه الأرض، وكان كل أصبع من أصابعها ثلاثة أذرع (٢)، في كل أصبع

стр. 5674

ظفران حديدان، مثل المنجلين (١)، وكان موضع مجلسها من الأرض جريبًا (٢)، فلما بغت بعث الله عليها أسودًا كالفيلة، وذئابًا كالإبل، ونسورًا كالحمر، وسلطها عليها فقتلوها وأكلوها. فلما لقيهم عوج، وعلى رأسه حزمة حطب، أخذ الاثني عشر، وجعلهم في حجزته، وانطلق بهم إلى امرأته وقال: انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا، وطرحهم بين يديها، وقال: ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته: لا، بل خل عنهم حتَّى يخبروا قومهم بما رأوا. ففعل ذلك، فجعلوا يتعرفون أحوالهم، وكان لا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس بينهم، وفي خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس، أو أربعة. فلما خرج النقباء قال بعضهم لبعض: يا قوم، إنكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم ارتدوا عن نبي الله ولكن اكتموا، وأخبروا موسى وهارون، فيكونان هما يريان رأيهما، فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك، ثم انصرفوا إلى موسى، وجاءوا بحبة من عنبهم وقر (٣) رجلٍ، ثم إنهم نكثوا العهد، وجعل كل واحد منهم ينهى سبطه عن قتالهم، ويخبرهم ما رأى إلا رجلان منهم: كالب،

стр. 5675

ويوشع (١)، فذلك قوله ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾. ﴿وَقَالَ اللَّهُ﴾ يعني: لبني إسرائيل ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ ناصركم على عدوكم، ثم ابتدأ الكلام فقال : ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ يا معشر بني إسرائيل ﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أي: ونصرتموهم، ووقرتموهم، وأنشد أبو عبيدة (٢): وكم من ماجد لهم كريم ... ومن ليث يعزر في الندي ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ولم يقل إقراضًا، وهذا مما جاء من المصدر بخلاف الصدر، كقوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ (٣)، ونحوها (٤)، ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ لأسترن، ولأمحون، ﴿عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: أخطأ قصد الطريق، وسواء كل شيء وسطه، ومنه قيل للظهر: سواء (٥).

стр. 5676

١٣ - قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ أي: فبنقضهم، و (ما) فيه ما المصدر وكل ما ورد عليك من هذا الباب فهو سبيله، قال قتادة: نقضوه من وجوه: كذبوا الرسل الذين جاءوا بعد موسى، وقتلوا أنبياء الله، ونبذوا كتابه وضيعوا فرائضه (١). قال سلمان: إنما هلكت هذِه الأمة بنكثها عهودها (٢). ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾ قال ابن عباس: عذبناهم (٣) بالجزية. الحسن ومقاتل: بالمسخ. عطاء: أبعدناهم من رحمتنا (٤). ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ قرأ يحيى بن وثاب، وحمزة، والكسائي (قسية) بتشديد الياء من غير ألف، وهي قراءة ابن مسعود، والنخعي، وقرأ الأعمش (قسية) بتخفيف الياء على وزن فعلة نحو عمية وسجية، من قسي يقسى، لا من قسا يقسو، وقرأ الباقون ﴿قَاسِيَةً﴾ على وزن فاعلة، وهو اختيار أبي عبيد، وهما لغتان مثل: العلية والعالية، والزكية والزاكية (٥).

стр. 5677

قال ابن عباس: ﴿قَاسِيَةً﴾ يابسة، وقيل: غليظة، لا تلين، وقيل: متكبرة، لا تقبل الوعظ، وقيل: ردية فاسدة، من الدراهم القسية، وهي الردية المغشوشة. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ قراءة العامة بغير ألف، وقرأ السلمي، والنخعي (الكلام) بالألف (١)، ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ وتركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد، وبيان نعته، ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ﴾ يا محمد ﴿عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ اختلفوا في الخائنة: فقال المبرد: هي مصدر (٢)، كالكاذبة، واللاغية. وقيل: هي اسم، كالعافية، والعاقبة (٣). وقيل: هي بمعنى الفاعلة، والهاء فيها للمبالغة (٤)، مثل راوية، وعلامة، ونسابه. قال الشاعر:

стр. 5678

حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن ... للغدر خائنة مُغِلَّ الإصبعِ (١) ويجوز أن يكون جمع الخائن كقوله بفرقة كافرة، وطائفة خارجة. قال ابن عباس: ﴿عَلَى خَائِنَةٍ﴾ أي: معصية (٢). يمان: كذب، وفجور (٣)، وكانت خيانتهم نقضهم العهد، ومظاهرتهم المشركين على حرب رسول الله ﷺ ، وهمهم بقتله وسمه، ونحوها من خيانتهم، وجنايتهم التي ظهرت. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ لم يخونوا، ولم ينقضوا العهد، وقيل: هم مؤمنو أهل الكتاب (٤)، ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وهذا منسوخ بآية السيف (٥).

стр. 5679

١٤ - قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ في التوحيد، والنبوة ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا﴾ فألقينا ﴿بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ بالأهواء المختلفة، والجدال في الدين. قال معاوية بن قرة: الخصومات في الدين تحبط الأعمال (١). واختلفوا في المعني بالهاء والميم في قوله ﴿بَيْنَهُمْ﴾: فقال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد (٢): يعني: بين اليهود، والنصارى. قال ابن زيد: كما يغرى بين البهائم.

стр. 5680

وقال الربيع: هم النصارى وحدها (١)، وذلك راجع إلى فرق النصارى النسطورية، واليعقوبية، والملكية، بعضهم عدو، ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ في الآخرة، ويجازيهم به، وهذا وعيد من الله لهم. ١٥ - قوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (٢) التوراة والإنجيل، مثل صفة محمد، وآية الرجم، ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ويترك أخذكم بكثير مما تخفون، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ يعني: محمدًا ﷺ ، ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ وبين، وقيل: مبين، وهو القرآن. ١٦ - ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾ قرأ مجاهد، وعبيد بن عمير، ومسلم بن جندب (بهُ الله) بضم الهاء على الأصل (٣)، لأن أصل الهاء الضمة، وقرأ الآخرون بكسر الهاء، إتباعًا للياء، ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ رضاه، ومعنى رضى الله بالشيء قبوله له ومدحه، وإثابته عليه، وهو خلاف السخط، والغضب. ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ طرق السلام، وهو الله تعالى، وسبيله دينه الَّذي

стр. 5681

شرع لعباده، وبعث به رسله. ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بتوفيقه وهدايته وإرادته ومشيئته، ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ١٧ - ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: من يطيق أن يدفع من أمر الله شيئًا، فيرده إذا قضاه، وهو من قول القائل ملكت عن فلان أمره، إذا صار لا يقدر أن ينفذ أمرًا إلا به (١)، ﴿إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ ولم يقل: وما بينهن؛ لأن المعنى: وما بين هذين النوعين من الأشياء (٢) ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ١٨ - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ وقال السدي: قالت اليهود: إن الله تعالى أوحى إلى إسرائيل: أن ولدك بكري (٣) من الولد، فأدخلهم النار، فيكونون فيها أربعين يومًا، حتَّى تطهرهم وتأكل خطاياهم، ثم ينادي مناد: أن أخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل، فأخرجهم، فذلك قوله (٤): ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا

стр. 5682

أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ (١)، وأما النصارى فإن فرقة منهم قالت: المسيح ابن الله (٢)، فاخرج الخبر عن الجماعة. ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ إن كان الأمر كما زعمتم أنكم أبناؤه وأحباؤه، فإن الحبيب لا يعذب حبيبه، وأنتم مقرون أنَّه معذبكم، ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ كسائر بني آدم، مجزيون بالإحسان والإساءة، ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فضلًا، ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ عدلًا، قال السدي: يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت منكم من يشاء على كفره فيعذبه (٣)، ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.

стр. 5683

١٩ - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ (١) أعلام الهدى، وشرائع الدين، ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: انقطاع، واختلفوا في قدر مدة تلك الفترة: [١٢٤٩] فأخبرني ابن فنجويه (٢) قال: ثنا أحمد بن جعفر بن حمدان بن عبد الله (٣) قال: حدثنا محمد بن حمدان بن سفيان الطرائفي (٤) قال: ثنا جعفر بن هاشم السمار (٥) قال: ثنا أبو ربيعة (٦) قال: ثنا أبو عوانة (٧)، عن عاصم (٨)، عن أبي عثمان (٩)، عن سلمان (١٠) قال: الفترة فيما بين عيسى وبين النبي ﷺ ستمائة سنة (١١).

стр. 5684

[١٢٥٠] وأخبرني ابن فنجويه (١) قال: ابن حبش (٢) قال: ثنا ابن زنجويه (٣) قال: ثنا (٤) سلمة (٥) قال: ثنا عبد الرزاق (٦) قال: أخبرنا معمر (٧)، عن قتادة (٨): ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ قال: كان بين عيسى ومحمد ﷺ خمسمائة سنة وستون سنة (٩). قال معمر: وقال الكلبي: خمسمائة سنة (١٠) وأربعون سنة.

стр. 5685

وقال الضحاك: أربعمائة وبضع وثلاثون سنة (١). ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ كيلا تقولوا ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. [١٢٥١] أخبرنا (ابن فنجويه) (٢) قال: ثنا موسى بن محمد بن علي ابن عبد الله (٣) قال (٤): حدثنا الحسن بن علي القطان (٥) قال: ثنا أبو نصر عبد الملك بن عبد العزيز التمار (٦)، قال: ثنا حماد بن سلمة (٧)، عن علي بن زيد (٨)، عن أبي رافع (٩)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أربعة تدلي على الله (يوم القيامة) (١٠) بحجة وعذر، رجل

стр. 5686

مات في الفترة، ورجل أدرك الإسلام هرمًا، ورجل أصم أبكم، ورجل معتوه، فيبعث الله إليه رسولا فيقول: أطيعوه، فيأتيهم الرسول فيؤجج لهم نارًا، فيقول: اقتحموها فمن اقتحمها كانت عليه بردًا، وسلامًا، ومن لا (١) حقت عليه كلمة العذاب" (٢). ٢٠ - قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ واختلفوا في معنى الملوك:

стр. 5687

[١٢٥٢] فأخبرنا عبد الله بن حامد بن محمَّد (١) قال: أخبرنا أحمد ابن محمَّد بن يوسف (٢) قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان (٣)، ثنا يعقوب بن سفيان (٤) قال: حدثني عيسى (٥)، عن سعيد بن أبي مريم (٦)، عن ابن لهيعة (٧)، عن دراج (٨)، عن أبي الهيثم (٩)، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: "كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة يكتب ملكًا" (١٠).

стр. 5688

وقال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، والحكم: من كان له بيت وخادم وامرأة فهو ملك (١). وقال أبو عبد الرحمن الحبلي: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل فقال: ألسنا متفقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء، قال: إن لي خادمًا قال: فأنت من الملوك (٢). [١٢٥٣] أخبرنا أبو الطيب سهل بن محمَّد بن سليمان العجلي (٣)، أخبرني أبو علي الرفاء (٤) قال: حدثنا عبد الله بن وهب الحافظ (٥) قال: ثنا عبد الله بن هانئ (٦) قال: ثنا أبي (٧)، ثنا إبراهيم بن أبي عبلة (٨)، عن

стр. 5689

أم الدرداء (١)، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "من أصبح معاني في بدنه، آمنًا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها، يكفيك يا ابن آدم منها ما سد جوعتك، ووارى عورتك، فإن كان بيت يواريك فذاك (٢)، وإن كان دابة تركبها فبخ، فلق الخبز وماء الجر وما فوق الإزار حساب عليك" (٣).

стр. 5690

وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة، فيها مياه جارية، فمن كان مسكنه واسعًا، وفيه ماء جار فهو ملك (١). وقال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم، وأول من سخر لهم الخدم من بني آدم (٢). وقال السدي: يعني: وجعلكم أحرارًا، تملكون أنفسكم بعد ما كنتم في أيدي القبط بمنزلة أهل الجزية فينا، فأخرجكم الله تعالى من ذلك الذل (٣). ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يعني: عالمي زمانكم. وقال مجاهد: يعني المن والسلوى، والحجر، والغمام (٤). ٢١ - قوله- ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ اختلفوا في الأرض المقدسة ما هي؟

стр. 5691

فقال مجاهد: هي الطور وما حوله (١). وقال الضحاك: هي إيليا، وبيت المقدس (٢). وقال عبد الله بن عمرو ﵁: الحرم محرم مقداره من السموات والأرض، وبيت المقدس مقدس مقداره من السموات والأرض (٣). وقال عكرمة والسدي وابن زيد: هي أريحا (٤). وقال الكلبي: دمشق وفلسطين وبعض الأردن (٥). وقال قتادة: هي الشام كلها (٦). وقال زيد بن ثابت: بينما نحن حول رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع إذ قال: "طوبى لأهل الشام"، قيل: يا رسول الله، ولم ذاك؟ قال: "إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليهم" (٧).

стр. 5692

[١٢٥٤] وأخبرنا ابن المقرئ (١) الحافظ قال: حدثنا القاسم بن الحسن بن القاسم الهمداني (٢)، قال: ثنا أبو علي خفيف بن عبد الله الدينوري (٣)، حدثنا هشام بن عمار (٤)، حدثنا يحيى بن حمزة (٥)، قال: حدثنا نصر بن علقمة الحمصي (٦)، عن جبير بن

стр. 5693

نفير (١)، عن عبد الله بن حوالة (٢) قال: كنا عند النبي ﷺ فقال: "والله لا يزال هذا الأمر فيكم حتى يفتح الله لكم أرض فارس والروم، وأرض حمير، وحتى تكونوا أجنادًا ثلاثة، جندًا بالشام، وجندًا بالعراق، وجندًا باليمن"، فقلت: اختر لي يا رسول الله إن أدركني ذلك، فقال: "أختار لك الشام، فإنها صفوة الله من بلاده، وإليها يجتبى صفوته من عباده، يا أهل الإِسلام، فعليكم بالشام، فإن صفوة الله من أرض الشام، وإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله" (٣). [١٢٥٥] وأخبرنا ابن المقرئ (٤) قال: حدثنا (٥) محمَّد بن

стр. 5694

سمعان (١)، قال: حدثنا أبو الفضل محمَّد بن الفضل العدني (٢)، قال: حدثنا موسى بن إسحاق الأنصاري (٣)، قال: ثنا منجاب بن الحارث (٤)، قال: حدثنا ابن مسهر (٥)، عن الأعمش، عن عبد الله ابن ضرار (٦)، عن أبيه (٧)، عن عبد الله بن مسعود ﵁ (٨) قال: قسم الخير عشرة عرى، فجعل منه تسعة بالشام، وواحدًا بالعراق، وقسم الشر عشرة عرى، فجعل منه تسعة بالعراق، وواحدة بالشام، ودخل الشام عشرة آلاف عين رأت النبي ﷺ ، ونزل حمص تسعمائة من أصحاب رسول الله ﷺ ، فيهم سبعون بدريًّا (٩).

стр. 5695

قوله تعالى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يعني: كتب في اللوح المحفوظ أنها لكم مساكن. وقال ابن إسحاق: وهب الله لكم (١). السدي: أمركم الله تعالى بدخولها (٢). قتادة: أمروا بها كما أمروا بالصلاة (٣). ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أعقابكم (٤) بخلاف أمر الله ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. قال الكلبي: سعد إبراهيم ﵇ جبل لبنان، فقيل له: انظر، فما أدركه بصرك فهو مقدس، وهو ميراث لذريتك من بعدك (٥). ٢٢ - قوله- ﴿قَالُوا﴾ يعني: بني إسرائيل، ﴿يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ وذلك أن الجواسيس لما رجعوا إلى موسى ﵇ وأخبروه بما عاينوا، قال لهم موسى ﵇: اكتموا شأنهم، ولا تخبروا به أحدًا

стр. 5696

من أهل العسكر فتفشلوا. فذهب كل رجل منهم فأخبر قريبه، وابن عمته، إلا رجلان، وفيا بما قال لهم موسى ﵇، وهما يوشع بن نون بن أفرائيم بن يوسف، فتى موسى، وكالب بن يوفنا، ختن موسى على أخته مريم بنت عمران، وهما من النقباء، فعلمت جماعة بني إسرائيل ذلك، ورفعوا أصواتهم بالبكاء، وقالوا: يا ليتنا متنا في أرض مصر، وليتنا نموت في هذِه البرية، ولا يدخلنا الله أرضهم، فيكون نساؤنا وأولادنا وأثقالنا غنيمة لهم، وجعل الرجل يقول لأصحابه: تعالوا نجعل علينا رأسًا، وننصرف إلى مصر (١)، فذلك قوله إخبارًا عنهم: ﴿قَالُوا يَامُوسَى﴾ الآية. قال قتادة: كان لهم أجسام وخلق عجيب ليس لغيرهم (٢). ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾، فلما قالوا ذلك وهمُّوا بالانصراف إلى مصر خرَّ موسى وهارون ساجدين، وخرق يوشع وكالب ثيابهما، وهما اللذان أخبر الله تعالى عنهما في قوله: ٢٣ - قوله- ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ (٣) أي: يخافون الله، وقرأ سعيد بن جبير (يُخافون) بضم الياء،

стр. 5697

وقال: كانا من الجبارين، فأسلما، واتبعا موسى (١)، ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ بالتوفيق، والعصمة، ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ يعني: قرية الجبارين، ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ لأن الله منجز وعده، وانا رأيناهم، فكانت أجسامهم عظيمة قوية، وقلوبهم ضعيفة، فلا تخشوهم ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة، وعصوهما. ٢٤ - قوله- ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾. روي أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم الحديبية، حين صد عن البيت: "إني ذاهب بالهدي فناحره عند البيت" فقال المقداد بن الأسود: أما والله، لا نقول لك كما قال قوم موسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكنا نقاتل عن يمينك وشمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك، ولو خصت بحرًا لخضناه معك، ولو تسنمت جبلًا لعلوناه معك، ولو ذهبت بنا إلى برك الغماد (٢) لتابعناك، فلما سمعها أصحاب نبي الله ﷺ تابعوه على ذلك،

стр. 5698

ورأيت رسول الله أشرق وجهه لذلك، وسره، قال ابن مسعود: لأن أكون صاحب هذا المشهد أحب إلى مما عدل به (١). فلما فعلت بنو إسرائيل ما فعلت من معصيتهم نبيهم، ومخالفتهم أمر ربهم وهمهم بيوشع وكالب، غضب موسى ﵇ ودعا عليهم. ٢٥ - قوله- فـ ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ﴾ أي: فافصل واقض، قرأ عبيد بن عمير (فافرِق) بخفض الراء (٢)، ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ العاصين، وكانت عجلة عجلها موسى (٣)، فظهر الغمام على باب (٤) قبة الزمر، وأوحى الله إلى موسى ﵇: إلى متى يعصيني هذا الشعب؟ وإلى متى لا يصدقون بالآيات؟ لأهلكنهم جميعًا؛ ولأجعلن لك شعبًا أشد وأكثر منهم.

стр. 5699

فقال موسى: إلهي، لو أنك قتلت هذا الشعب كلهم كرجل واحد لقالت الأمم الذين سمعوا: إنما هذا الشعب من أجل أنه لم يستطع أن يدخلهم الأرض، فقتلهم في البرية، وإنك طويل صبرك، كثيرة نعمك، وأنت تغفر الذنوب، وتحفظ الآباء على الأبناء، وأبناء الأبناء (١)، فأغفر لهم ولا توبقهم. فقال الله تعالى لموسى: قد غفرت لهم بكلمتك، ولكن بعد ما سميتهم فاسقين، ودعوت عليهم، بي حلفت عليهم لأحرمن عليهم دخول الأرض المقدسة، غير عبدي يوشع وكالب، ولأتيهنهم في هذِه البرية أربعين سنة مكان كل يوم من الأيام التي تجسسوا فيها سنة، ولتلقين جيفهم في هذِه القفار، وأم ابن وهم الذين لم يعملوا الخير والشر، فإنهم يدخلون الأرض المقدسة. فذلك قوله : ٢٦ - قوله- ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يتحيرون في الأرض، ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، فلبثوا أربعين سنة، في ستة فراسخ، يسيرون كل يوم جادين، حتى إذا سئموا، وأمسوا فإذا هم في الموضع الذي ارتحلوا منه (٢)، وكانوا ستمائة ألف مقاتل، ومات من النقباء (في التيه) (٣) العشرة الذي

стр. 5700

أفشوا الخبر بغتة، وكل من دخل التيه ممن جاز عشرين سنة مات في التيه، غير يوشع وكالب، ولم يدخل أريحا أحد ممن قالوا ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا﴾، فلما هلكوا، وانقضت أربعون سنة، ونشأت النواشئ من ذراريهم ساروا إلى حرب الجبارين. واختلف العلماء فيمن تولى (من بقي من بني إسرائيل) (١) تلك الحرب، وعلى يد من كان الفتح: فقال قوم: إنما فتح أريحا موسى ﵇، وكان يوشع على مقدمته فسار موسى ﵇ إليهم بمن بقي من بني إسرائيل، فدخلها بهم يوشع، وقاتل الجبابرة الذين كانوا بها، ثم دخلها موسى ببني إسرائيل، فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم، ثم قبضه الله إليه، لا يعلم بقبره أحد من الخلائق (٢). وهذا أصح الأقاويل، لإجماع العلماء أن عوج بن عناق (٣) قتله موسى ﵇، والله أعلم. وقال الآخرون: إنما قاتل الجبارين يوشع، ولم يسر إليهم إلا بعد موت موسى، وهلاك جميع من كان أبي المسير إليها، وقالوا: مات موسى وهارون ﵉ في التيه (٤).

стр. 5701

قصة وفاة هارون ﵇: قال السدي: أوحى الله تعالى إلى موسى إني متوف هارون، فأت به جبل كذا وكذا، فانطلق موسى وهارون ﵉ نحو الجبل، فإذا هما بشجر لم ير شجر مثله، وإذا بيت مبني، وفيه سرير عليه فرش، وإذا فيه ريح طيبة، فلما نظر هارون إلى ذلك أعجبه، فقال: يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير، فقال: فنم عليه. فقال: فإني أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب عليَّ. قال له موسى ﵇: لا ترهب، أنا أكفيك رب هذا البيت، فنم. قال: يا موسى، بل ثم معي، فإن جاء رب البيت غضب عليَّ وعليك جميعًا، فلما ناما أخذ هارون ﵇ الموت، فلما وجد حسه قال: يا موسى خدعتني، فلما قبض رفع ذلك البيت، وذهبت تلك الشجر، ورفع السرير به إلى السماء، فلما رجع موسى ﵇ إلى بني إسرائيل، وليس معه هارون، قالوا: فإن موسى قتل هارون، وحسده لحب بني إسرائيل له، فقال موسى ﵇: ويحكم، كان أخي، أفتروني أقتله؟ فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين، ثم دعا الله فنزل السرير حتى نظروا إليه بين السماء

стр. 5702

والأرض، فصدقوه (١). وقال عمرو بن ميمون: مات موسى وهارون ﵉ في التيه، مات هارون قبل موسى، وكانا خرجا في التيه إلى بعض الكهوف، فمات هارون، فدفنه موسى ﵇، وانصرف إلى بني إسرائيل، فقالوا: ما فعل هارون؟ قال: مات. قالوا: كذبت، ولكنك قتلته لحبنا إياه -وكان محببًا في بني إسرائيل- فتضرع موسى ﵇ إلى ربه، وشكى ما لقي من بني إسرائيل، فأوحى الله إليه أن انطلق بهم إلى قبره، فإني باعثه حتى يخبرهم أنه مات موتًا ولم تقتله. فانطلق بهم إلى قبر هارون، فنادى: يا هارون، فخرج من قبره ينفض رأسه، فقال: أنا قتلتك؟ قال: لا والله (٢)، ولكني من، قال: فعد إلى مضجعك، وانصرفوا (٣). وأما وفاة موسى ﵇: فقال ابن إسحاق: إن صفي الله موسى ﵇ قد كره الموت، وأعظمه، فلما كرهه أراد الله جل اسمه أن يحبِّب إليه الموت، ويكرِّه إليه الحياة، فنبأ يوشع بن نون، فكان يغدو ويروح عليه،

стр. 5703

فيقول له موسى ﵇: يا نبي الله، ما أحدث الله إليك؟ فيقول له يوشع: يا نبي الله، ألم أصحبك كذا وكذا سنة، فهل كنت أسألك عن شيء مما أحدث الله إليك، حتى تكون أنت الذي تبتدئ به وتذكره؟ ، ولا يذكر له شيئًا، فلما رأى موسى ﵇ ذلك كره الحياة، وأحب الموت (١). ثم اختلفوا في صفة موته: [١٢٥٦] فأخبرنا أبو سعيد محمَّد بن عبد الله بن حمدون الثقفي الأمين (٢) بقراءتي عليه يوم الأربعاء، في صفر، سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، فأقر به (٣) قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمَّد بن الحسن بن الشرقي (٤)، ثنا محمَّد بن يحيى الذهلي (٥)، وعبد الرحمن بن بشر العبدي (٦)، وأحمد بن يوسف السلمي (٧)، قالوا: حدثنا عبد الرزاق بن همام (٨)، أخبرنا معمر بن راشد (٩)، عن همام ابن منبه (١٠) قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ عن محمَّد رسول الله

стр. 5704

- ﷺ قال: "جاء ملك الموت إلى موسى ﵇ فقال له: أحب ربك، قال: فلطم موسى عين ملك الموت، ففقأها، قال: فرجع ملك الموت إلى الله فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت، وقد فقأ عيني، قال: فرد الله عينه، وقال: ارجع إلى عبدي فقل له: الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور، فما وارت يدك من شعره فإنك تعيش بها سنة، قال: ثم مه؟ قال: ثم تموت، قال: فالآن من قريب، قال: رب، ادنني من الأرض المقدسة رمية بحجر"، فقال رسول الله ﷺ : "والله (١) لو أني عنده لأريتكم قبره، إلى جانب الطور (٢)، عند الكثيب الأحمر" (٣). [١٢٥٧] سمعت أبا سعيد بن حمدون (٤) يقول: سمعت أبا حامد

стр. 5705

ابن الشرقي (١) يقول: سمعت محمَّد بن يحيى (٢) يقول: قد صح هذا عن رسول الله ﷺ -يعني: قصة ملك الموت، وموسى ﵇ لا يردها إلا كل مبتدع ضال (٣). وفي حديث آخر أن رسول الله ﷺ قال: "إن ملك الموت كان يأتي الناس عيانًا، حتى أتى موسى ليقبضه فلطمه، ففقأ عينه، فجاء ملك الموت بعد ذلك خفية" (٤). وقال السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وأبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ قالوا: بينا موسى ﵇ يمشي وفتاه يوشع بن نون (٥)، إذ أقبلت ريح سوداء، فلما نظر إليها يوشع ظن أنها الساعة، فالتزم موسى، فقال: يا قوم، الساعة، وأنا ملتزم موسى نبي الله، فاستل موسى من تحت القميص، وترك القميص في يدي

стр. 5706

يوشع فلما جاء يوشع بالقميص، أخذته بنو إسرائيل، وقالوا: قتلت نبي الله؟ قال: لا والله ما قتلته، ولكن استل مني، فلم يصدقوا، وأرادوا قتله، قال: فإذا لم تصدقوني فأخروني ثلاثة أيام، فدعا الله، فأتى كل رجل ممن كان يحرسه في المنام، فأخبر أن يوشع لم يقتل موسى، وأنا قد رفعناه إلينا، فتركوه. وقال وهب: خرج موسى ﵇ لبعض حاجته، فمر برهط من الملائكة يحفرون قبرًا، فعرفهم، فأقبل إليهم، حتى وقف عليهم، فإذا هم يحفرون قبرًا لم ير شيئًا قط أحسن منه، ولم ير مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة، فقال لهم: يا ملائكة الله، لمن تحفرون هذا القبر؟ قالوا: نحفر والله لعبد كريم على ربه، قال: (إن العبد من الله لبمنزل) (١)، ما رأيت كاليوم مضجعًا، فقالت الملائكة: يا صفي الله، تحب أن يكون لك؟ قال: وددت، قالوا: فانزل فاضطجع فيه، وتوجه إلى ربك، ثم تنفس أسهل تنفس تنفسته قط، فنزل فاضطجع فيه، وتوجه إلى ربه، ثم تنفس، فقبض الله روحه، ثم سوت عليه الملائكة (٢). وقيل: إن ملك الموت أتاه، فقال له: يا موسى أشربت الخمر؟ قال: لا فاستنكهه، فقبض روحه (٣).

стр. 5707

وقيل: بل أتاه (١) بتفاحة من الجنة، فشمها، فقبض روحه. ويروى: أن يوشع بن نون رآه بعد موته في المنام فقال له: كيف وجدت الموت؟ قال: كشاة تسلخ وهي حية (٢). وكان عمر موسى ﵇ مائة وعشرين سنة، عشرون سنة منها في ملك أفريدون، ومائة في ملك منوجهر، فلما انقضت الأربعون سنة، ومات موسى ﵇، بحث الله تعالى يوشع نبيًّا، فأخبرهم أنه نبي الله، وأن الله قد أمره بقتال الجبارين فصدقوه وبايعوه، فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحا، ومعه تابوت الميثاق، فأحاط بمدينة أريحا ستة أشهر، فلما كان السابع نفخوا في القرون، وضج الشعب ضجة واحدة، فسقط سور المدينة، ودخلوا وقاتلوا الجبارين، وهزموهم، وهجموا عليهم يقتلونهم، فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها، فكان القتال يوم الجمعة، فبقيت منهم بقية، وكادت الشمس تغرب، وتدخل ليلة السبت، فخشي أن يعجزوه، فقال: اللهم أردد الشمس علي، وقال للشمس:

стр. 5708

إنك في طاعة الله، وأنا في طاعة الله، فسأل الشمس أن تقف والقمر أن يقيم حتى ينتقم من أعداء الله قبل دخول السبت، فرُدَّتْ عليه الشمس، وزيد له في النهار ساعة حتى قتلهم أجمعين، ثم أرسل ملوك الأرمانيين بعضهم إلى بعض، وكانوا خمسة فجمعوا كلمتهم على يوشع وقومه، فهزمت بنو إسرائيل الملوك، حتى أهبطوهم إلى ثنية حوران (١)، ورماهم الله تعالى بأحجار البرد، فكان من قتله البرد أكثر ممن قتله بنو إسرائيل بالسيف، وهرب الخمسة الملوك فاختفوا في غار، فأمر بهم يوشع ﵇ فأخرجوا فقتلهم، وصلبهم، ثم أنزلهم فطرحهم في ذلك الغار، وتتبع سائر ملوك الشام، فاستباح منهم واحدًا وثلاثين ملكًا، حتى غلب على جميع أرض الشام، فصارت كلها لبني إسرائيل، وفرق عمالة في نواحيها، ثم جمع الغنائم، فلم تنزل النار، فأوحى الله إلى يوشع ﵇ أن فيها غلولًا، فمرهم فليبايعوك، فبايعوه، فالتصقت يد رجل منهم بيده، فقال: هلم ما عندك، فأتاه برأس (٢) ثور من ذهب، مكلل بالياقوت والجوهر، كان قد غله، فجعله في القربان، وجعل الرجل معه فجاءت النار، وأكلت الرجل والقربان.

стр. 5709

[١٢٥٨] أخبرنا محمَّد بن عبد الله بن حمدون (١) قال: أخبرنا أحمد بن محمَّد بن الحسن (٢) قال: ثنا محمَّد بن يحيى (٣)، وعبد الرحمن بن بشر (٤)، وأحمد بن يوسف (٥)، قالوا: ثنا عبد الرزاق (٦)، أنا معمر (٧)، عن همام بن منبه (٨)، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "غزا نبي من الأنبياء فقال للقوم: لا يتبعني رجل قد كان ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها، ولما يبن، ولا آخر قد بني بناء له، ولما يرفع سقفه، ولا أحد قد اشترى غنمًا، أو خلفات، وهو ينتظر ولادها، قال: فغزا، فدنا من تلك القرية حين صلى العصر أو قريبًا من ذلك، فقال للشمس: أنت مأمورة، وأنا مأمور، اللهم احبسها عليّ ساعة، فحبست له ساعة، حتى فتح الله عليه" (٩).

стр. 5710

قال: وزعموا أنها لم (١) تحبس لأحد قبله ولا بعده، قال: ثم وضعت الغنيمة فجمعوا، فجاءت النار فلم تأكلها النار (٢)، فقال: إن فيكم غلولًا فليبايعني من كل قبيلة منكم رجل، فبايعوه، فلصقت يد رجل بيده فقال: فيكم الغلول، أنتم غللتم، قال: فأخرجوا مثل رأس بقرة من ذهب فألقوه في الغنيمة وهو بالصعيد، فأقبلت النار فأكلتها، قال النبي ﷺ : لم تحل الغنائم لأحد من قبلنا، ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا". قال: ثم مات يوشع ﵇ ودفن في جبل أفرائيم، وكان عمره مائة وستا وعشرين سنة، وتدبيره أمر بني إسرائيل بعد وفاة موسى ﵇ سبعًا وعشرين سنة. * * *
следующие страницы →