← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

يوشع فلما جاء يوشع بالقميص، أخذته بنو إسرائيل، وقالوا: قتلت نبي الله؟ قال: لا والله ما قتلته، ولكن استل مني، فلم يصدقوا، وأرادوا قتله، قال: فإذا لم تصدقوني فأخروني ثلاثة أيام، فدعا الله، فأتى كل رجل ممن كان يحرسه في المنام، فأخبر أن يوشع لم يقتل موسى، وأنا قد رفعناه إلينا، فتركوه. وقال وهب: خرج موسى ﵇ لبعض حاجته، فمر برهط من الملائكة يحفرون قبرًا، فعرفهم، فأقبل إليهم، حتى وقف عليهم، فإذا هم يحفرون قبرًا لم ير شيئًا قط أحسن منه، ولم ير مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة، فقال لهم: يا ملائكة الله، لمن تحفرون هذا القبر؟ قالوا: نحفر والله لعبد كريم على ربه، قال: (إن العبد من الله لبمنزل) (١)، ما رأيت كاليوم مضجعًا، فقالت الملائكة: يا صفي الله، تحب أن يكون لك؟ قال: وددت، قالوا: فانزل فاضطجع فيه، وتوجه إلى ربك، ثم تنفس أسهل تنفس تنفسته قط، فنزل فاضطجع فيه، وتوجه إلى ربه، ثم تنفس، فقبض الله روحه، ثم سوت عليه الملائكة (٢). وقيل: إن ملك الموت أتاه، فقال له: يا موسى أشربت الخمر؟ قال: لا فاستنكهه، فقبض روحه (٣).

стр. 5707

وقيل: بل أتاه (١) بتفاحة من الجنة، فشمها، فقبض روحه. ويروى: أن يوشع بن نون رآه بعد موته في المنام فقال له: كيف وجدت الموت؟ قال: كشاة تسلخ وهي حية (٢). وكان عمر موسى ﵇ مائة وعشرين سنة، عشرون سنة منها في ملك أفريدون، ومائة في ملك منوجهر، فلما انقضت الأربعون سنة، ومات موسى ﵇، بحث الله تعالى يوشع نبيًّا، فأخبرهم أنه نبي الله، وأن الله قد أمره بقتال الجبارين فصدقوه وبايعوه، فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحا، ومعه تابوت الميثاق، فأحاط بمدينة أريحا ستة أشهر، فلما كان السابع نفخوا في القرون، وضج الشعب ضجة واحدة، فسقط سور المدينة، ودخلوا وقاتلوا الجبارين، وهزموهم، وهجموا عليهم يقتلونهم، فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها، فكان القتال يوم الجمعة، فبقيت منهم بقية، وكادت الشمس تغرب، وتدخل ليلة السبت، فخشي أن يعجزوه، فقال: اللهم أردد الشمس علي، وقال للشمس:

стр. 5708

إنك في طاعة الله، وأنا في طاعة الله، فسأل الشمس أن تقف والقمر أن يقيم حتى ينتقم من أعداء الله قبل دخول السبت، فرُدَّتْ عليه الشمس، وزيد له في النهار ساعة حتى قتلهم أجمعين، ثم أرسل ملوك الأرمانيين بعضهم إلى بعض، وكانوا خمسة فجمعوا كلمتهم على يوشع وقومه، فهزمت بنو إسرائيل الملوك، حتى أهبطوهم إلى ثنية حوران (١)، ورماهم الله تعالى بأحجار البرد، فكان من قتله البرد أكثر ممن قتله بنو إسرائيل بالسيف، وهرب الخمسة الملوك فاختفوا في غار، فأمر بهم يوشع ﵇ فأخرجوا فقتلهم، وصلبهم، ثم أنزلهم فطرحهم في ذلك الغار، وتتبع سائر ملوك الشام، فاستباح منهم واحدًا وثلاثين ملكًا، حتى غلب على جميع أرض الشام، فصارت كلها لبني إسرائيل، وفرق عمالة في نواحيها، ثم جمع الغنائم، فلم تنزل النار، فأوحى الله إلى يوشع ﵇ أن فيها غلولًا، فمرهم فليبايعوك، فبايعوه، فالتصقت يد رجل منهم بيده، فقال: هلم ما عندك، فأتاه برأس (٢) ثور من ذهب، مكلل بالياقوت والجوهر، كان قد غله، فجعله في القربان، وجعل الرجل معه فجاءت النار، وأكلت الرجل والقربان.

стр. 5709

[١٢٥٨] أخبرنا محمَّد بن عبد الله بن حمدون (١) قال: أخبرنا أحمد بن محمَّد بن الحسن (٢) قال: ثنا محمَّد بن يحيى (٣)، وعبد الرحمن بن بشر (٤)، وأحمد بن يوسف (٥)، قالوا: ثنا عبد الرزاق (٦)، أنا معمر (٧)، عن همام بن منبه (٨)، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "غزا نبي من الأنبياء فقال للقوم: لا يتبعني رجل قد كان ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها، ولما يبن، ولا آخر قد بني بناء له، ولما يرفع سقفه، ولا أحد قد اشترى غنمًا، أو خلفات، وهو ينتظر ولادها، قال: فغزا، فدنا من تلك القرية حين صلى العصر أو قريبًا من ذلك، فقال للشمس: أنت مأمورة، وأنا مأمور، اللهم احبسها عليّ ساعة، فحبست له ساعة، حتى فتح الله عليه" (٩).

стр. 5710

قال: وزعموا أنها لم (١) تحبس لأحد قبله ولا بعده، قال: ثم وضعت الغنيمة فجمعوا، فجاءت النار فلم تأكلها النار (٢)، فقال: إن فيكم غلولًا فليبايعني من كل قبيلة منكم رجل، فبايعوه، فلصقت يد رجل بيده فقال: فيكم الغلول، أنتم غللتم، قال: فأخرجوا مثل رأس بقرة من ذهب فألقوه في الغنيمة وهو بالصعيد، فأقبلت النار فأكلتها، قال النبي ﷺ : لم تحل الغنائم لأحد من قبلنا، ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا". قال: ثم مات يوشع ﵇ ودفن في جبل أفرائيم، وكان عمره مائة وستا وعشرين سنة، وتدبيره أمر بني إسرائيل بعد وفاة موسى ﵇ سبعًا وعشرين سنة. * * *

стр. 5711

٢٧ - قوله : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ﴾ خبر ﴿ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ وهما هابيل -وفي اسمه ثلاث لغات: هابيل، وهابل، وهابن- وقابيل، وفي اسمه خمس لغات: قابيل، وقابين، وقابلْ، وقابنْ، وقبن (١) ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ وكان سبب تقريبهما القربان، على ما ذكره أهل العلم بالقرآن، أن حواء كانت قلد لآدم ﵇ توأما، في كل بطن غلامًا وجارية، إلا شيئًا، فإنها ولدته مفردًا، وكان جميع ما ولدته حواء أربعين، من ذكر وأنثى، في عشرين بطنًا، أولهم قابيل، وتوأمته إقليما، وآخرهم عبد المغيث وتوأمته أمة المغيث، ثم بارك الله في نسل آدم ﵇، قال ابن عباس: لم يمت آدم حتى بلغ ولده، وولد ولده أربعين ألفا (٢) بنوذ (٣)، وراى فيهم الزنا، وشرب الخمر، والفساد.

стр. 5712

واختلف العلماء في وقت مولد قابيل وهابيل، وموضع مولدهما: فقال بعضهم: غشي آدم حواء بعد مهبطهما (إلى الأرض) (١) بمائة سنة، فولدت له قابيل، وتوأمته إقليما في بطن، ثم هابيل وتوأمته ليوذا (٢) في بطن. وقال محمَّد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: إن آدم ﵇ كان يغشى حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة، فحملت له فيها بقابيل وتوأمته، فلم تجد عليهما وحمًا ولا وصبًا, ولم تجد عليهما طلقًا حين ولدتهما, ولم تر معهما دمًا، لطهرة الجنة، فلما هبطا إلى الأرض، واطمأنا بها تغشاها، فحملت بهابيل وتوأمته، فوجدت عليهما الوحم (٣)، والوصب، والطلق , والدم (٤). وكان آدم ﵇ إذا شب أولاده يزوج غلام هذا البطن جارية البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام البطن الآخر (٥)، وكان الرجل منهم يتزوج آية أخواته شاء، إلا توأمته التي ولدت معه، فإنها لا تحل له، وذلك أنه لم يكن نساء يومئذ، إلا أخواتهم، وأمهم حواء.

стр. 5713

فلما ولد قابيل وإقليما في بطن، ثم هابيل وتوأمته ليوذا في بطن، وكان بينهما سنتين، في قول الكلبي، وأدركوا، أمر الله آدم ﵇ أن ينكح قابيل ليوذا، أخت هابيل، وينكح هابيل إقليما، أخت قابيل، وكانت أخت قابيل من أحسن الناس، فذكر آدم ذلك لولده، فرضي هابيل، وسخط قابيل، وقال: هي أختي ولدت معي في بطن، وهي أحسن من أخت هابيل، فأنا أحق بها، ونحن من ولادة الجنة، وهما من ولادة الأرض، فأنا أحق بأختي، فقال له أبوه: إنها لا تحل لك، فأبى أن يقبل ذلك منه، وقال: إن الله لم يأمره بهذا، وإنما هو من رأيه، فقال لهما آدم: فقربا قربانا فأيكما يقبل قربانه فهو أحق بها (١). وقال معاوية بن عمار (٢): سألت الصادق ﵀ عن آدم ﵇ أكان زوَّج ابنته من ابنه؟ فقال: معاذ الله، لو فعل ذلك آدم ما رغب عنه رسول الله ﷺ ، ولا كان دين آدم إلا دين رسول الله ﷺ ، إن الله تعالى لما أهبط آدم وحواء إلى الأرض، وجمع بينهما, ولدت حواء

стр. 5714

بنتًا، فسماها عناقًا فبغت، وهي أول من بغت على وجه الأرض، فسلط الله عليها من قلتها، فولد لآدم على إثرها قابيل، ثم ولد له هابيل، فلما أدرك قابيل أظهر الله له جنية من ولد الجان، يقال لها: جمانة، في صورة إنسية، وأوحى الله تعالى إلى آدم أن زوجها من قابيل، فزوجها منه، فلما أدرك هابيل أهبط الله إلى آدم حورًا في صورة إنسية، وخلق لها رحمًا، وكان اسمها نُزلة، فلما نظر إليها هابيل وَمِقَها، وأوحى الله إلى آدم أن وزوج نزلة من هابيل ففعل ذلك. فقال قابيل: يا أبت، ألستُ أكبر من أخي، وأحق بما فعلت به منه؟ فقال له آدم: يا بني، إن الفضل بيد الله، فقال: لا, ولكنك آثرته على هواك، فقال له آدم: إن كنت تريد أن تعلم ذلك فقربا قربانًا، فأيكما يقبل قربانه فهو أولى بالفضل من صاحبه (١).

стр. 5715

قالوا: وكانت القرابين إذا كانت مقبولة نزلت نار بيضاء من السماء فأكلتها، وإذا لم تكن مقبولة لم تنزل النار، وأكلتها الطير والسباع، فخرجا ليقربا، وكان قابيل صاحب زرع، فقرب صبرة من طعام، من أردأ زرعه، وأضمر في نفسه: لا أبالي، أيقبل مني أم لا؟ لا يتزوج أختي أبدا. وكان هابيل راعيًا، صاحب ماشية فقرب حملًا سمينًا، من خير غنمه ولبنًا وزبدًا، وأضمر في نفسه الرضا لله (١). وقال إسماعيل بن رافع: بلغني أن هابيل نتج له حمل في غنمه، فأحبه حتى لم يكن له مال أحب إليه منه، وكان يحمله على ظهره، فلما أمر بالقربان قربه (٢). قالوا: فوضعا قربانيهما على الجبل، ثم دعا آدم ﵇ فنزلت نار من السماء، فأكلت الحمل، والزبد، واللبن، ولم تأكل من قربان قابيل حبًّا؛ لأنه لم يكن زاكي القلب، وقبل قربان هابيل؛ لأنه كان زاكي القلب، فما زال يرتع في الجنة، حتى فدي به ابن إبراهيم ﵇، فذلك قوله ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَر﴾، فنزلوا عن الجبل، وتفرقوا، وقد غضب قابيل لما رد الله قربانه، وظهر فيه

стр. 5716

الحسد والبغي، كان يضمر ذلك قابيل في نفسه، إلى أن أتى آدم مكة ليزور البيت. فلما أراد أن يأتي مكة قال للسماء: احفظي ولدي بالأمانة، فأبت، وقال ذلك للأرض فأبت، وللجبال فأبت، فقال ذلك لقابيل فقبل، وقال: نعم، ترجع وترى أهلك كما يسرك، فرجع آدم وقد قتل قابيل أخاه (١). فذلك قوله : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ يعني: قابيل، ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (٢) حين حمل أمانة أبيه ثم خانه. قالوا: فلما غاب آدم ﵇ أتى قابيل هابيل، وهو في غنمه، فقال له ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ قال: ولم؟ قال (٣): لأن الله قبل قربانك، ورد علي قرباني، وتنكح أختي الحسناء، وأنكح أختك الدميمة، فيتحدث الناس أنك خير مني وأفضل، ويفتخر ولدك على ولدي (٤). فقال له هابيل: وما ذنبي؟ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. ٢٨ - ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ﴾

стр. 5717

مددت ﴿إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ﴾ بماد ﴿يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. قال عبد الله بن عمرو: وأيم الله، إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط إلى أخيه يده (١). وقال مجاهد: كتب عليهم في ذلك الوقت إذا أراد الرجل قتل رجل أن يتركه، ولا يمتنع منه (٢). ٢٩ - قوله- ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ﴾ ترجع (٣) ﴿بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ يعني: بإثم قتلي إلى إثمك الذي عملته قبل قتلي، هذا قول عامة المفسرين (٤). روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: معناه: إني أريد أن يكون عليك خطيئتي التي عملتها أنا إذا قتلتني، وإثمك، فتبوء بخطيئتي، ودمي جميعًا (٥). ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ وفي هذا دليل على

стр. 5718

أنهم كانوا في ذلك الوقت مكلفين، قد لحقهم الوعد والوعيد. ٣٠ - قوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ أي: طاوعته وشايعته في ﴿قَتْلَ أَخِيهِ﴾ وقال مجاهد: فشجعت (١)، وقال قتادة: فزينت (٢). ﴿فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. قال السدي: فلما قصد قابيل قتل هابيل راغ هابيل في رؤوس الجبال، ثم أتاه يومًا من الأيام، وهو نائم، فرفع صخرة، فشدخ رأسه، فمات (٣). وقال ابن جريج: لم يدر قابيل كيف يقتل هابيل، فتمثل له إبليس، وأخذ طيرًا، فوضع رأسه على حجر ثم شدخ رأسه بحجر آخر، وقابيل ينظر، فعلمه القتل، فرضخ قابيل رأس أخيه بين حجرين (٤)، وكان لهابيل يوم قتل عشرون سنة (٥).

стр. 5719

واختلفوا في مصرعه وموضع قتله: قال ابن عباس: على جبل نوذ (١). وقال بعضهم: عند عقبة حرا، حكاه محمَّد بن جرير (٢). وقال جعفر الصادق: بالبصرة، في موضع المسجد الأعظم (٣). فلما قتله تركه بالعراء، ولم يدر ما يصنع به, لأنه كان أول ميت على وجه الأرض من بني آدم، فقصده السباع، فحمله في جراب على ظهره سنة، حتى أروح، وعكفت عليه الطير، والسباع، تنتظر متى يرمي به، فتأكله (٤). ٣١ - قوله- ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ فبعث الله غرابين، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، ثم حفر له بمنقاره وبرجله، حتى مكَّن له، ثم ألقاه في الحفرة، وواراه، وقابيل ينظر إليه، فلما رأى ذلك ﴿قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ أي: جيفته، وفيه دليل على أن الميت كله عورة. ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِين﴾ على حمله، لا على قتله. وقيل: على فوات أخيه، لا على ركوب الذنب (٥)، يدل عليه:

стр. 5720

[١٢٥٩] ما أخبرنا أبو عبد الله بن حامد (١) قال: أنا أحمد بن محمَّد بن يوسف (٢) قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان (٣) قال: ثنا يعقوب بن سفيان (٤)، قال: ثنا صفوان بن صالح (٥)، قال: حدثنا عمر بن عبد الواحد (٦)، عن الأوزاعي (٧) قال: حدثني المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي (٨) قال: لما قتل ابن آدم

стр. 5721

أخاه رجفت الأرض بما عليها سبعة أيام ثم شربت الأرض دمه، كما تشرب الماء، فناداه الله: أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري، ما كنت عليه رقيبًا، فقال الله : إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض، فلم قتلت أخاك؟ قال: فأين دمه، إن كنت قتلته؟ فحرم الله على الأرض يومئذ أن تشرب دمًا بعده أبدا (١). [١٢٦٠] وأخبرنا أبو القاسم بن حبيب (٢) قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين بن علي الكراعي (٣) -بمرو- قال: ثنا عبد الله بن محمود السعدي (٤) أن مطهر بن الحكم الكرابيسي (٥) حدثهم قال: ثنا

стр. 5722

علي بن الحسين بن واقد (١)، عن أبيه (٢)، عن مقاتل بن سليمان (٣)، عن الضحاك (٤)، عن ابن عباس قال: لما قتل قابيل هابيل، وآدم بمكة، اشتاك الشجر، وتغيرت الأطعمة، وحمضت الفواكه، وأمرَّ الماء، وأغبرت الأرض، فقال آدم: قد حدث في الأرض شيء، فأتى الهند فإذا قابيل قد قتل هابيل، فأنشأ يقول -وهو أول من قال الشعر: تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيحُ تغير كل ذي لون وطعم ... وقيل بشاشة الوجه الصبيحُ (٥) [١٢٦١] وحدثنا أبو القاسم بن حبيب (٦) قال: ثنا أبو عبد الرحمن

стр. 5723

ابن عمر بن أحمد بن مالك الجوهري (١) -بمرو- قال: ثنا أبو عبد الله محمَّد بن إبراهيم بن سعيد العبدي (٢)، ثنا أبو جعفر عبد الله بن محمَّد ابن نفيل الحراني (٣)، قال: ثنا النضر بن عربي (٤)، عن ميمون بن مهران (٥)، عن ابن عباس قال: من قال: إن آدم قال شعرًا فقد كذب على الله ورسوله، ورمى آدم بالمآثم، إن محمدًا والأنبياء كلهم في النهي عن الشعر سواء، قال الله جل ذكره: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ (٦)، ولكن لما قتل قابيل هابيل رثاه آدم، وهو سرياني، وإنما يقول الشعر من تكلم بالعربية، فلما قال آدم مرثيته في ابنه هابيل، وهو أول شهيد كان على وجه الأرض، قال آدم لشيث: يا بني إنك وصيتي، احفظ هذا الكلام ليتوارث، فيرق الناس عليه، فلم يزل ينقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان، وكان يتكلم بالعربية والسريانية، وهو أول من خط بالعربية، وكان يقول الشعر، فنظر في المرثية فإذا هو سجع، فقال: إن هذا ليقوم شعرًا، فرد المقدم إلى المؤخر، والمؤخر إلى المقدم فوزنه شعرًا وما زاد فيه وما نقص، تحريا من ذلك:

стр. 5724

تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيحُ تغير كل ذي طعم ولون ... وقيل بشاشة الوجه الصبيحُ فقابيل أذاق الموت هابيلا ... فواحزنا لقد فُقد المليحُ وما لي لا أجود بسكب دمع ... وهابيل تضمنه الضريحُ وجاءت شهلة ولها رنين ... لهابلها وقابلها تصيحُ لقتل ابن النبي بغير جرم ... فقلبي عند قتلته جريحُ أرى طول الحياة علي غما ... فهل أنا من حياتي مستريحُ وجاورنا عدو ليس يفنى ... لعين ما يموت فنستريحُ وقالت حواء: دع الشكوى فقد هلكا جميعًا ... بهلك ليس بالثمن الربيحِ وما يغني البكاء عن البواكي ... إذا ما المرء غيب في الضريحِ

стр. 5725

فبكِّ النفس منك ودع هواها ... فلست مخلدًا بعد الذبيحِ فأجابه إبليس في جوف الليل، شامتًا به: تنح عن البلاد وساكنيها ... فبي في الخلد ضاق بك الفسيحُ وكنت بها وزوجك في رخاء ... وقلبك من أذى الدنيا مريحُ فما زالت مكايدتي ومكري ... إلى أن فاتك الخلد الربيحُ فلولا رحمة الجبار أضحى ... بكفك من جنان الخلد ريحُ (١) وقال سالم بن أبي الجعد: لما قتل هابيل مكث آدم ﵇ مائة سنة

стр. 5726

حزينًا، لا يضحك، ثم أتى فقيل له: حياك الله وبياك، أي أضحكك (١). ولما مضى من عمر آدم ﵇ مائة وثلاثون سنة، وذلك بعد أن قتل هابيل بخمس سنين ولدت له حواء شيثا، وقيل: شتا، وتفسيره: هبة الله، يعني: أنه خلف من هابيل، وعلمه الله ساعات الليل والنهار، وأعلمه عبادة الخلق في كل ساعة منها، وأنزل عليه خمسين صحيفة، وصار وصي آدم وولي عهده. وأما قابيل فقيل له: اذهب طريدًا شريدًا فزعًا مرعوبًا، لا تأمن من تراه، فأخذ بيد أخته إقليما وهرب بها إلى عدن، من أرض اليمن، فأتاه إبليس فقال له: إنما أكلت النار قربان هابيل؛ لأنه كان يخدم النار، ويعبدها، فانصب أنت أيضًا نارًا، تكون لك ولعقبك، فبنى بيت نار، فهو أول من نصب النار وعبدها، قالوا: وكان لا يمر به أحد من ولده إلا رماه، فأقبل ابن لقابيل أعمى ومعه ابن له، فقال للأعمى ابنه: هذا أبوك قابيل، فرمى الأعمى أباه قابيل فقتله، فقال ابن الأعمى: قتلت أباك؟ فرفع يده فلطم ابنه، فمات، فقال الأعمى ويل لي قتلت أبي برميتي، وقتلت ابني بلطمتي (٢).

стр. 5727

قال مجاهد: فعلقت إحدى رجلي قابيل إلى فخذها وساقها، وعلقت من يومئذ إلى يوم القيامة، ووجهه إلى الشمس، حيث ما دارت عليه، في الصيف حظيرة من نارة، وفي الشتاء حظيرة من ثلج (١). قالوا: واتخذ أولاد قابيل آلات اللهو من اليراع، والطبول، والمزامير، والعيدان، والطنابير، وانهمكوا في اللهو، وشرب الخمر، وعبادة النار، والزنا والفواحش، حتى غرقهم الله بالطوفان أيام نوح، وبقي نسل شيث (٢). قال عبد الله بن عمرو: وإنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار العذاب قسمة صحيحة، عليه شطر عذابهم (٣). [١٢٦٢] أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان (٤) قال: ثنا مكي بن عبدان (٥)، ثنا عبد الله بن هاشم (٦)، قال ثنا عبد الرحمن (٧)، ثنا

стр. 5728

سفيان (١)، عن الأعمش (٢)، عن عبد الله بن مرة (٣)، عن مسروق (٤)، عن عبد الله (٥)، عن النبي ﷺ قال: "لا تقتل نفس مسلمة إلا كان على ابن آدم كفل من دمه؛ لأنه أول من سن القتل" (٦). [١٢٦٣] أخبرنا الحسين بن محمَّد بن الحسين الدينوري (٧) قال: ثنا عمر بن محمَّد بن عبد الله بن قيوما النهرواني (٨)، ثنا علي بن محمَّد ابن مهرويه القزويني (٩)،

стр. 5729

ثنا علي بن أحمد الصباح (١) قال: ثنا أبو تقي هشام بن عبد الملك (٢) قال: ثنا يزيد بن خالد القرشي (٣)، ثنا عبد الرحمن ابن كسرى (٤)، عن مسلم بن عبد الله (٥)، عن سعيد بن صور (٦)، عن أنس بن مالك قال: سئل رسول الله ﷺ عن يوم الثلاثاء فقال: "يوم دم"، قالوا: كيف ذاك يا رسول الله؟ قال: "فيه حاضت حواء" وقتل ابن آدم أخاه" (٧).

стр. 5730

[١٢٦٤] وأخبرنا الحسين بن محمَّد (١) قال: ثنا أحمد بن جعفر بن حمدان (٢) قال: ثنا محمَّد بن حمدان بن سفيان الطرائفي (٣)، ثنا أحمد ابن علي بن الأفطح الإفريقي (٤)، حدثنا يحيى بن زَهْدَم (٥)، حدثني أبي (٦)، عن أبيه (٧)، عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "امتن الله على ابن آدم بثلاث بعد ثلاث، بالريح بعد الروح، فلولا أن الريح تقع بعد الروح ما دفن حميم حميما، وبالدودة في الحبة، فلولا أن الدودة تقع في الحبة لاكتنزها الملوك، فكان خيرًا لهم من الدنانير والدراهم، وبالموت بعد الكبر، فإن الرجل ليكبر حتى يمل نفسه، ويمله أهله، وولده وأقرباؤه، فكان الموت أستر له" (٨). ٣٢ - قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ أي: من جراء ذلك القاتل، وجنايته، يقال: أَجَل يأْجَل، أي:

стр. 5731

جنى، مثل أخذ يأخذ أخذا (١)، قال الشاعر (٢): وأهل خباء صالح ذات بينهم ... قد احتربوا في عاجل أنا آجله أي: جانيه. ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ قتله، فيقاد منه، ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ وهو قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ اختلفوا في تأويلها: فقال ابن عباس -في رواية عكرمة، وعطية-: من قتل نبيًّا، أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن شد على عضد نبي أو إمام عادل

стр. 5732

فكأنما أحيا الناس جميعًا (١). مجاهد: من قتل نفسًا محرمة يصلى النار بقتلها، كما يصلاها لو قتل الناس جميعًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ من سلم من قتلها فقد سلم من قتل الناس جميعا (٢). السدي: من قتل فكأنما قتل الناس جميعًا، عند المقتول في الإثم، ومن أحياها واستنقذها من هلكة من غرق، أو حرق، أو هدم، أو غير ذلك فكأنما أحيا الناس جميعًا عند المستنقذ (٣). الحسن، وابن زيد: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ يعني: أنه يجب عليه من القصاص بقتلها، مثل الذي يجب عليه لو قتل الناس جميعًا, ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ ومن عما عمن وجب له القصاص منه فلم يقتله ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٤).

стр. 5733

قتادة، والضحاك: عظم والله أجرها، وعظم وزرها (١)، فمعناها: من استحل قتل مسلم بغير حقه فكأنما قتل الناس جميعًا, لأنهم لا يسلمون منه، ومن أحياها فحرمها، وتورع عن قتلها، فكأنما أحيا الناس جميعًا؛ لسلامتهم عنه (٢). وقال سليمان بن علي الربعي: قلت للحسن: أهي لنا يا أبا سعيد كما كانت لبني إسرائيل؟ قال: إي والذي لا إله غيره، وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا (٣)؟ ! ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾. [١٢٦٥] أخبرني ابن فنجويه (٤) قال: ثنا أحمد بن محمَّد بن علي ابن الحسين الهمذاني (٥) قال: ثنا أبو بكر محمَّد بن إبراهيم بن إسحاق الأصفهاني (٦)،

стр. 5734

قال: ثنا هارون بن سليمان (١)، قال: ثنا (٢) عبد الله بن داود (٣)، ثنا محمَّد بن الفضل (٤)، عن الزيال (٥) بن عمرو، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من سقى مؤمنًا شربة من ماء والماء موجود فكأنما أعتق سبعين رقبة، ومن سقى في غير موطنها (٦) فكأنما أحيا نفسًا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا" (٧).

стр. 5735

٣٣ - قوله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال الضحاك: نزلت في قوم من أهل الكتاب، كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد فنقضوا العهد، وقطعوا السبيل، وأفسدوا في الأرض (١). الكلبي: نزلت في قوم هلال بن عويمر، وذلك أن رسول الله ﷺ وادع هلال بن عويمر -وهو أبو بردة الأسلمي- على ألا يعينه، ولا يعين عليه، ومن أتاه من المسلمين فهو آمن من أن يهاج، ومن أتاه من المسلمين منهم فهو آمن لا يهاج، ومن مر بهلال بن عويمر على رسول الله ﷺ فهو آمن لا يهاج. قال: فمر قوم من بني كنانة يريدون الإِسلام بناس من أسلم، من قوم هلال بن عويمر، ولم يكن هلال يومئذ شاهدًا، فنهدوا (٢) إليهم فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، ونزل عليه (٣) جبريل بالقضية فيهم.

стр. 5736

سعيد بن جبير: نزلت في ناس من عرينة، وعكل (١)، أتوا رسول الله ﷺ ، وبايعوه على الإِسلام، وهم كذبة وليس الإِسلام يريدون، ثم قالوا: إنَّا نجتوي (٢) المدينة، فقال النَّبِيّ ﷺ : "اخرجوا إلى لقاحنا، فاشربوا من أبوالها وألبانها"، فذهبوا فقتلوا الرعاة، واستاقوا الإبل، وارتدوا عن الإِسلام فنودي في النَّاس: يَا خيل الله اركبي، فركبوا لا ينتظر فارس فارسًا، فخرجوا في طلبهم، فجيء بهم، فأمر رسول الله ﷺ بقطع أيديهم، وأرجلهم، وسمل (٣) أعينهم، وتركهم بالحرة حتَّى ماتوا (٤). ثم اختلفوا في حكم حديث العرنيين، فقال بعضهم: هي منسوخة،

стр. 5737

لأن المثلة لا تجوز، وشرب بول الإبل لا يجوز (١). وقال آخرون: حكمه ثابت إلَّا السمل والمثلة (٢). وقال الليث بن سعد: نزلت هذِه الآية معاتبة لرسول الله ﷺ ، وتعليمًا منه إياه عقوبتهم، فقال: إنما جزاؤهم هذا، لا المثلة، فلذلك ما قام رسول الله ﷺ خطيبًا إلَّا نهى عن المثلة (٣). واختلفوا في المحارب الذي يستحق هذا الحد، فقال بعضهم: هو اللص الذي يقطع الطريق، والمكابر في الأمصار، والذي يحمل السلاح على المسلمين ويقصدهم في أي موضع كان، حتَّى قتل الغيلة، وهو: الرَّجل يخدع الرَّجل والمرأة والصبي، فيدخله بيتًا، ويخلو به فيقتله ويأخذ ماله. وهذا قول الأَوْزَاعِيّ، ومالك، والليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة، والشافعي (٤).

стр. 5738

وقال بعضهم: هو قاطع الطريق، فأما المكابر في الأمصار فليس بالمحارب وإليه ذهب أبو حنيفة، وأصحابه (١). ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ بالفساد، أي: بالزنا والقتل وإهلاك الحرث والنسل، ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ اختلفوا في حكم الآية: فقال قوم: الإِمام فيهم بالخيار، وأي شيء من هذِه الأشياء شاء فعل، وهو قول الحسن، وسعيد بن المسيّب، والنخعي، ومجاهد، ورواية الوالبي عن ابن عباس (٢)، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٣)، وبقوله في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (٤) (٥) الآية.

стр. 5739

وقال آخرون: هذا حكم مختلف باختلاف الجناية، فإن قتل قتل، وإن قتل وأخذ المال صلب، وإن أخذ المال ولم يقتل قطع، وإن أخاف السبيل ولم يقتل، ولم يأخذ المال نفي، وهذا قول سعيد بن جبير، وقتادة، والسدي، والقرظي، والربيع، ورواية العوفي عن ابن عباس (١). واختلف العلماء في معنى النفي، فقال ابن عباس: هو (٢) حكم من أعجز، فإذا أعجزك أن تدركه فهو بهرج، ومن لقيه قتله (٣). وقال الآخرون: هو للمقبوض عليه. ثم اختلفوا في معناه، فقالت طائفة: هو أن ينفى من بلدته إلى بلدة أخرى غيرها، وهو قول سعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز (٤)، وإليه ذهب الشَّافعيّ (٥).

стр. 5740

وقال الآخرون: هو الحبس، وهو مذهب أبي حنيفة (١). وقال محمَّد بن جرير: هو نفيه من بلده إلى غيره، وحبسه في السجن في البلد الذي نفي إليه، حتَّى تظهر توبته (٢)، وهو الاختيار، يدل عليه ما روى ابن وهب (٣) عن ابن لهيعة (٤)، عن يزيد بن أبي حبيب (٥): أن حيان بن سريج (٦) كتب إلى عمر بن عبد العزيز (٧) أن ناسًا من القبط قامت عليهم البينة بأنهم حاربوا الله ورسوله، وسعوا في الأرض فسادًا، وأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ وسكت عن النفي، فإن رأى أمير المُؤْمنين بأن يمضي قضاء الله فيهم، فليكتب بذلك. فلما قرأ عمر كتابه قال: لقد اجتزأ حيان، ثم كتب إليه أنَّه: بلغني كتابك، وفهمت، ولقد اجتزأت حين كتبت بأول الآية، وسكت عن

стр. 5741

آخرها تريد أن تتجرد للقتل، والصلب، كأنك عبد بني عقيل (١)، وإن الله يقول ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ فإن كانت قامت عليهم البينة فاعقد في أعناقهم حديدًا، وألقهم إلى شعب ويدا (٢) (٣). وأصل النفي: الطرد. قال أوس بن حَجَر (٤):

стр. 5742

ينفون عن طرق الكرام كما ... تنفي المطارق ما بلي القَرَدُ ومنه قيل للدراهم الردية: نفاية، ولما تطاير من الماء عن الدلو: نفي (١)، قال آخر (٢): كأن متنيه من النفي مواقع الطير على الصفي ﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت من الحد ﴿لَهُمْ خِزْيٌ﴾ عذاب وهوان ﴿فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ثم قال: ٣٤ - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾. قال أكثر العلماء: يعني: إلَّا الذين تابوا من شركهم وحربهم وفسادهم، وآمنوا وأصلحوا من قبل القدرة عليهم، فإنَّه لا سبيل عليهم بشيء من الحدود التي ذكرها الله في هذِه الآية، ولا تبعة لأحد قبله فيما أصاب حال كفره، لا في مال، ولا دم، ولا حرمة، فهذا حكم المشركين المحاربين، فأما المسلمون المحاربون، فاختلفوا فيهم.

стр. 5743

فقال بعضهم: يسقط عنه بتوبته من قبل أن يقدر عليه حد الله، ولا يسقط عنه بها حقوق بني آدم، وهو قول الشَّافعيّ (١). وقال بعضهم: يسقط عنه جميع ذلك، ولا يؤخذ بشيء من أحداثه، إلَّا أن يوجد معه مال بعينه، فيرد إلى صاحبه، أو يطلبه ولي دم بدم تقوم عليه البينة فيه فيقاد به، وأما الدماء والأموال التي أصابها, ولم يطلبها أولياؤها فلا يتبعه الإِمام بشيء، وهذا قول مالك والأوزاعي، والليث بن سعد (٢). وقال بعضهم: إذا استأمن, وجاء تائبًا من قبل القدرة عليه قبل أمانه وتوبته، ولا يؤخذ بشيء من جناياته التي سلفت، ولا يكون لأحد قبله تبعة في دم ولا مال، وهو قول السدي (٣)، يدل عليه: ما روى الشعبي أن حارثة بن بدر (٤) خرج محاربًا في عهد علي بن

стр. 5744

أبي طالب فأخاف السبيل، وسفك الدماء وأخذ الأموال، ثم جاء تائبًا من قبل أن يقدر عليه، فأتى الحسن بن عليّ فطلب إليه أن يستأمن له من علي، فأبى، فأتى ابن جعفر، فأبى عليه، فأتى سعيد بن قيس الهمداني، فقبله وضمه إليه، فلما صلى علي الغداة، أتاه سعيد بن قيس، فقال: يَا أمير المُؤْمنين، ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله؟ قال: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، فقال: ما تقول فيمن تاب من قبل أن يقدر عليه؟ فقال: أقول كما قال الله : ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية، فقال سعيد: وإن كان حارثة بن بدر؟ قال: نعم، فجاء به إليه، فبايعه، وأمنه، وكتب إليه أمانًا مستورًا (١). فقال حارثة: ألا أبلغا همدان إما لقيتها ... على النأي لا يسلم عدو يعيبُها لعمر أبيها إن همدان تتقي الـ ... إله ويقضي بالكتاب خطيبُها (٢) وقال الشعبي: جاء رجل من مراد (٣) إلى أبي موسى، وهو على

стр. 5745

الكوفة في إمرة عثمان بعد ما صلى المكتوبة، فقال: يَا أَبا موسى (١)، هذا مقام العائذ بك، أنا فلان بن فلان المرادي، وإني كنت حاربت الله ورسوله، وسعيت في الأرض بالفساد، وإني تبت من قبل أن يقدر علي، فقام أبو موسى فقال: إن هذا فلان بن فلان، وإنه كان حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فسادًا، وإنه تاب من قبل أن يقدر عليه، فمن لقيه فلا يعرض له إلَّا بخير، فإن يك صادقًا فسبيل من صدق، وإن يك كاذبًا تدركه ذنوبه، فأقام الرَّجل ما شاء الله ثم إنه خرج، فأدركه الله بذنوبه فقتله (٢). وقال الليث بن سعد: حَدَّثني موسى بن إسحاق المدنِيُّ: أن عليًّا الأسدي (٣) حارب، وأخاف السبيل، وأصاب المال، والدم، فطلبته الأئمة، والعامة، فلم يقدر عليه، حتَّى جاء تائبًا، وذلك أنَّه سمع رجلًا يقرأ هذِه الآية ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (٤) الآية، فوقف عليه، فقال: يَا عبد الله، أعد، فأعادها عليه، فغمد سيفه، ثم جاء تائبًا، حتَّى قدم المدينة من السحر، ثم اغتسل، وأتى مسجد رسول الله ﷺ ، فصلى الصبح، ثم مضى إلى أبي هريرة،
следующие страницы →