← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

اعترفت لك، ولكن كيف هي في كتابك، يَا محمدُ؟ قال: "إذا شهد أربعة رهط عدول، أنَّه قد أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه الرَّجم"، فقال ابن صوريا: والذي أنزل التوراة على موسى! هكذا أنزل الله في التوراة على موسى، فقال له النَّبِيّ ﷺ : "فماذا كان أول ما ترخَّصتم به أمر الله؟ ". قال: كنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحدَّ، فكثر الزنا في أشرافنا، حتَّى زنى ابن عم ملك لنا، فلم ترجمة، ثم زنى رجل آخر في أسوة الناس، فأراد ذلك الملك رجمه، فقام دونه قومه، فقالوا: والله لا ترجمة حتَّى ترجم فلانًا، لابن عم الملك، فقلنا: تعالوا نجتمع، فلنضع شيئًا دون الرَّجم، يكون مكان الرَّجم، فيكون على الشريف والوضيع، فوضعنا الجلد والتحميم، وهو أن يجلد أربعين جلدةً، بحبل مطليٍّ بالقار (١) ثم يُسوَّد وجوههما، ثم يُحملا على حمارين، ويُحوَّل وجوههما من قبل دُبُر الحمار، ويُطاف بهما، فجعلوا هذا مكان الرَّجم. فقالت اليهود لابن صوريا: ما أسرع ما أخبرته به! وما كنتَ كما أثنينا عليك بأهلٍ، ولكنَّك كنت غائبًا فكرهنا أن نغتابك. فقال لهم: إنه نشدني بالتوراة، ولولا خشية التوراة أن تهلكني لما أخبرته به. فأمر بهما النَّبِيّ ﷺ ، فرُجما عند باب مسجده، وقال: "أنا أوَّل من أحيا أمرك

стр. 5777

إذ أماتوه" (١). قال عبد الله بن عمر: شهدت رسول الله ﷺ لما أمر برجم اليهوديَّين، فرأيته يحنأ بيده عليها, ليقيها الحجارة (٢). ونزلت: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ يخبركم فلا يخبروكم به, فوضع ابن صوريا يده على ركبة رسول الله ﷺ ، وقال: أنشدك بالله، وأعيذك بالله أن تخبرنا (بالكثير الذي أمرت أن تعفو عنه، فأعرض رسول الله ﷺ ، فقال له ابن صوريا: أخبرني عن خصال ثلاث أسألك عنهن) (٣)، قال: "ما (٤) هي؟ " قال:

стр. 5778

أخبرني عن نومك؟ فقال ﵇: "تنام عيناي، وقلبي يقظان" فقال له: صدقت، فأخبرنا عن شبه الولد بأبيه، ليس فيه من شبه أمه شيء، أو شبه أمه، ليس فيه من شبه أَبيه شيء؟ قال: "أيهما علا، وسبق ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له" قال: صدقت، فأخبرني ما للرجل من الولد، وما للمرأة منه؟ قال: فأغمي على رسول الله ﷺ طويلًا، ثم جُلي عنه محمرًّا وجهه، يفيض عرقًا، فقال له رسول الله ﷺ : "اللحم، والدم، والظفر، والشعر للمرأة، والعظم، والعصب، والعروق للرجل"، فقال له: صدقت، أمرك أمر نبي، فأسلم ابن صوريا عند ذلك، وقال: يَا محمَّد، من يأتيك من الملائكة؟ فقال له: "جبريل" قال: صفه لي، فوصفه له النَّبِيّ ﷺ فقال: أشهد أنَّه في التوراة كما قلت، وإنَّك رسول الله حقًّا، فلما أسلم ابن صوريا وقعت فيه اليهود، وشتموه، فلما أرادوا أن ينهضوا تعلَّقت بنو قريظة ببني النضير، فقالوا: يَا محمدُ، إخواننا بنو النضير، أبونا واحد، وديننا واحد، ونبينا واحد، إذا قتلوا منا قتيلًا لم يقيدونا، وأعطونا ديته سبعين وسقًا من تمر، وإذا قتلنا منهم قتلوا القاتل، وأخذوا منا الضعف: مائة وأربعين وسقًا من تمر، وإن كان القتيل امرأة قتلوا بها الرَّجل منَّا، وبالرجل منهم الرجلين منَّا، وبالعبد منهم الحرَّ منَّا، وجراحاتنا على النصف من جراحاتهم، فاقض بيننا، وبينهم (١)، فأنزل الله تعالى في الرَّجم، والقصاص. قوله: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 5779

الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ (١). ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ﴾: رفع بخبر حرف الصفة (٢)، يعني: ومن الذين هادوا قوم سماعون، وإن شئتَ جعلته خبر ابتداء مضمر -أي: هم سماعون، ﴿لِلْكَذِبِ﴾ قيل: اللام بمعنى إلى، وكان أبو حاتم يقول: اللام في: ﴿لِلْكَذِبِ﴾ لام كي، أي: يسمعون لكي يكذبوا عليك، والسلام في قوله: ﴿لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ لام أَجل -أي: من أَجل قوم آخرين. ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ وهم أهل خيبر ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ جمع: الكلمة ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: من بعد وضعه (٣) كقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ (٤)، وإنما ذكر الكناية ردًّا إلى لفظ الكلم (٥)، وقرأ علي ﵁

стр. 5780

(يحرفون الكلام من بعد مواضعه) (١). ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ إن أفتاكم محمَّد بالجلد والتحميم فاقبلوه، ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ أي: كفره وضلالته، قاله مجاهد (٢)، دليله قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٣). وقال الضحاك: هلاكه (٤). وقال قتادة: عذابه (٥)، نظيره قوله: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ (٦). ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ وهذِه أشدُّ آيةٍ على القدرية ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ للمنافقين الفضيحة، وهتك السِّتْر، وخوف القتل، ولليهود الجزية (والسبي والنفي) (٧)، والقتل، ورؤيتهم من محمَّد وأصحابه فيهم ما يكرهون

стр. 5781

﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ الخلود في النَّار. ٤٢ - ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ فيه لغات: السُّحُت بضم السين والحاء، وهي قراءة أهل الحجاز، والبصرة، واختيار الكسائي، والسُّحْت مخفَّف، وهي قراءة أهل الشَّام، وعاصم وحمزة، وخلف (١). والسَّحْت بفتح السين وجزم الحاء. رواه العباس (٢) عن نافع، والسِّحْت بكسر السين وجزم الحاء، وهي قراءة عبيد بن عمر، وهو الحرام، قال رسول الله ﷺ : "كل لحم نبت من سمعت فالنار أولى به" (٣).

стр. 5782

وأصله الهلاك والشدة (١)، قال الله تعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ (٢)، وقال الفرزدق: وعض زمانٍ، يَا ابن مروانَ، لم يدعْ ... من المال إلَّا مسحتًا أو مُجَلَّفُ (٣) ويقال للحالق إذا استأصل الشعر: سحت. وقال الفراء: أصله كلب الجوع، يقال: رجل مسحوت المعدة، إذا كان أكولًا، لا يلقى أبدًا إلَّا جائعًا، وكأن المسترشي (٤)، وآكل الحرام به من الشره إلى ما يعطى مثل الذي بالمسحوت من النَّهَم (٥). ونزلت هذِه الآية في حكَّام اليهود: كعب بن الأشرف، وأمثاله، كانوا يرتشون، ويقضون لمن رشاهم. [١٢٨٣] أخبرنا الحسين بن محمَّد (٦) قال: ثنا عبد الله بن يوسف

стр. 5783

ابن أَحْمد بن مالك (١) قال: ثنا أبو العباس أَحْمد بن نعيم (٢)، قال: ثنا أبو بشر يحيى دبن محمَّد البَصْرِيّ (٣)، قال: أخبرنا عثمان بن عمر (٤)، قال: أخبرنا أبو عقيل (٥)، عن الحسن (٦) في قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ قال: تلك الحكام، سمع كذبةٍ، وأكل رِشوةٍ (٧). وعنه في غير هذِه الرواية (٨)، قال: كان الحاكم منهم إذا أتاه أحد برشوة جعلها في كمِّه، فيريه إياها، فينظر إليها، ويتكلم بحاجته، فيسمع منه، ولا ينظر إلى خصمه، فيأكل الرِّشوة، ويسمع الكذب (٩).

стр. 5784

وعنه أَيضًا قال: إنما ذلك في الحكم إذا رشوته ليُحقَّ لك باطلًا، أو يُبْطِل عنك حقًّا، فأما أن يعطي الرَّجل الوالي يخاف ظلمه شيئًا؛ ليدرأ به عن نفسه، فلا بأس (١). فالسحت هو الرشوة في الحكم، على قول الحسن، ومقاتل، وقتادة، والضحاك، والسدي (٢). وقال ابن مسعود: هو الرِّشوة في كل شيء (٣). قال مسلم بن صبيح: شفع مسروق لرجل في حاجة (٤)، فأهدى له جارية, فغضب غضبًا شديدًا، وقال: لو علمتُ أنك تفعل هذا ما كلَّمتُ في حاجتك، ولا أكلِّم فيما بقي من حاجتك؛ سمعت ابن مسعود يقول: من شفع شفاعة ليردَّ بها حقًّا، أو يدفع بها ظلمًا، فأهدي له، فقبل، فهو سحت. فقيل له: يَا أَبا عبد الرَّحْمَن، ما كنَّا نرى ذلك إلَّا الأخذ على الحكم، فقال: الأخذ على الحكم كفر، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٥) (٦). وقال أبو حنيفة: إذا ارتشى الحاكم انعزل في الوقت، وإن لم

стр. 5785

يعزل (١). وقال عمر، وعلي، وابن عباس: السحت خمسة عشر: الرِّشوة في الحكم، ومهر البغيِّ، وحلوان الكاهن، وثمن الكلب، والقرد، والخمر، والخنزير، والميتة، والدم، وعسْب الفحل (٢)، وأجر النائحة، والمغنية، والساحر (٣)، وأجر صور التماثيل، وهدية الشفاعة (٤). [١٢٨٤] قال (٥) ابن فنجويه (٦) قال: ثنا أبو بكر مالك القطيعي (٧)

стр. 5786

قال: ثنا بشر بن موسى (١) قال: ثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني (٢)، أخبرنا جعفر بن كيسان (٣) قال: سمعت الحسن (٤) يقول: إذا كان لك على رجل دين فما أكلت في بيته فهو السحت (٥). [١٢٨٥] وأخبرنا ابن فنجويه (٦) قال ثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ابن عبد الله (٧) قال: ثنا إبراهيم بن الحسين بن ديزيل (٨) (بقراءتي

стр. 5787

عليه) (١) قال: ثنا آدم بن أبي إياس (٢) قال: ثنا ابن أبي ذئب (٣) قال: ثنا الحارث بن عبد الرحمن (٤) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (٥)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "لعنة الله على الراشي والمرتشي" (٦).

стр. 5788

وقال الأخفش: السحت كل كسب (١) لا يحل. ثم قال: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾ يا محمد ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾. خيَّر اللهُ تعالى رسولَه في الحكم بينهم، إن شاء حكم، وإن شاء ترك. واختلفوا في حكم هذِه الآية، هل هو ثابت؟ وهل للحكام اليوم من الخيار في الحكم بين أهل الذمة إذا احتكموا إليهم، مثل ما جعل الله لنبيه ﷺ ، أم هو منسوخ؟ فقال أكثر العلماء: هو حكم (٢) ثابت لم ينسخه شيء، وحكام الإسلام في ذلك بالخيار، إن شاءوا حكموا بين أهل الكتاب، وجميع أهل الذمة، وإن شاءوا أعرضوا ولم يحكموا بينهم، وإن حكموا حكموا بينهم بحكم الإسلام، وهو قوله ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّين كلّه﴾ (٣) وهو جريان حكمنا عليهم. وهذا قول النخعي (٤)،

стр. 5789

والشعبي (١)، وعطاء (٢)، وقتادة (٣). وقال آخر (٤): هو منسوخ، نسخه قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احكمُ بَينَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ وإليه ذهب الحسن (٥)، ومجاهد (٦)، وعكرمة (٧)، والسدي، وروى ذلك عن ابن عباس، قال: لم ينسخ من المائدة إلا هاتان الآيتان، قوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية، نسخها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٨)، وقوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ نسختها: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٩).

стр. 5790

فأما إقامة الحدود عليهم: فأهل العراق يرون إقامة الحدود عليهم، إلا أنَّهم لا يرون الرَّجم، وقالوا: لأنَّهم لا يكونون محصنين، وتأوَّلوا رجم النبي ﷺ اليهوديَّين أنَّه رجمهما بكتابهم التوراة، لما اتفقوا على رضاهم بحكم التوراة، ثم أنكروا الرجم، وكان في التوراة فأخفوه، فأظهر رسول الله ﷺ ما كتموه (من ذلك) (١). وأهل الحجاز لا يرون إقامة الحدود عليهم، ويذهبون إلى أنَّهم صولحوا على شركهم، وهو أعظم من الحدود التي يأتون، وتأوَّلوا رجم النبي ﷺ اليهوديَّين أنَّ ذلك قبل أن تؤخذ منهم الجزية، إلا أنَّ على الإمام أن يمنعهم من المظالم والفساد، فأمَّا إذا كان أحد الطرفين مسلمًا، مثل أن يزني رجل من أهل الذمة بمسلمة، أو بسرق من مسلم أقيم عليه الحد، ويحكم عليه بحكم الإسلام (٢). ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ العادلين. ٤٣ - ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ تعجيب، وفيه اختصار -أي: وكيف يجعلونك حاكمًا

стр. 5791

فيرضون بحكمك ﴿وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ وهو الرَّجم، ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾. ٤٤ - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ فإن قيل: فهل كان نبي غير مسلم؟ فالجواب عنه: أنَّ الله تعالى وصف هؤلاء النبيين بالإسلام لا على أنَّ غيرهم من النبيين لم يكونوا مسلمين، وهذا كقوله سبحانه لمحمد: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ (١) لا على أن غيره من الأنبياء لم يؤمنوا بالله وكلماته. وقيل: لم يرد به الإسلام الذي هو ضد الكفر، وإنَّما المراد به: الذين انقادوا لحكم الله فلم يكتموه، كما كتم هؤلاء (٢)، يعرِّض بأهل الكتاب، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣)، وقال زيد بن عمرو بن نفيل (٤):

стр. 5792

أسلمت وجهي لمن أسلمت .. الأبيات (١). وقيل: معناه الذين أسلموا أنفسهم إلى الله، كما روي أنَّ النبي ﷺ كان يقول إذا أوى إلى فراشه: "أسلمت نفسي إليك" (٢). وقيل: معناه يحكم بها النبيون الذين أسلموا لما في التوراة، ودانوا، وحكموا بها، فلذلك خصَّهم، لأنَّه قد كان من النبيين من لم يسلم لما في التوراة من الشرائع ولم يعمل به، منهم: عيسى (ابن مريم (٣) ﵇ وهو كقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٤)، وهو معنى قول ابن حيَّان (٥): يحكم بما في التوراة من لدن موسى إلى عيسى، ﵉. وقال الحسن، والسدي (٦): أراد به محمدًا ﷺ ، حكم على اليهود

стр. 5793

بالرَّجم، فذكره بلفظ الجمع، كما قال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ (١) وقال: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ (٢) ونحوه. ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ يعني: العلماء، وهم ولد هارون عيله السلام، واحدهم: حَبْر وحِبْر، وهو العالم المحكم للشيء، ومنه قيل لكعب بن ماتع (٣): كعب الأحبار، وكعب الحبر. وقال الفراء: أكثر ما سمعت العرب تقول في واحد الأحبار: حِبْر، بكسر الحاء (٤). واختلفوا في اشتقاق هذا الاسم، فقال الكسائي، وأبو عبيد (٥): هو من الحبر الذي يكتب به. وقال النضر بن شميل: سألت الخليل عنه، فقال: هو من الحبار، وهو الأثر الحسن، وأنشد:

стр. 5794

لا تملأِ الدَّلوَ، وعرِّقْ فيها ... ألا ترى حبار من تَسْقيها (١)؟ ! قطرب: هو من الحبر والحبر معًا، وهو الجمال والهيئة (٢)، يدل عليه قوله ﷺ : "يخرج من النار رجل قد ذهب حَبْره وسَبْره" (٣)، فالعالم بهي بجمال العلم. وسأل العباس رسول الله ﷺ : يا ابن أخي فيم الجمال؟ قال: "في اللسان" (٤). وقال مصعب بن الزبير لابنه: يا بني، تعلم العلم، فإن كان لك مال كان جمالاً، وإن لم يكن لك مال كان ما، وجمالًا (٥).

стр. 5795

﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ استودعوا ﴿مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ أنه كذلك ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُو﴾. اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها: فقال الضحاك، وأبو مجلز، وأبو صالح، وقتادة: نزلت هذِه الآيات الثلاث في اليهود، وليس في أهل الإسلام منها شيء، فأما هذِه الأمَّة فمن أساء منهم، وهو يعلم أنه قد أساء، فليس بدين (١). يدل على صحة هذا التأويل ما روى الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ والظالمون والفاسقون. قال: في الكافرين كلها (٢). وقال النخعي، والحسن: نزلت هذِه الآيات في بني إسرائيل، ورضي لهذِه الأمة بها، فهي على الناس كلهم واجبة (٣). ابن عباس، وطاوس: ليس بكفر ينقل عن الملة، بل إذا فعل ذلك

стр. 5796

فهو به كفر، وليس كمن يكفر (١) بالله واليوم الآخر. عطاء: هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق (٢). عكرمة: معناه: ومن لم يحكم بما أنزل الله، جاحدًا به فقد كفر، ومن أقرَّ به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق. وهي رواية الوالبي عن ابن عباس (٣). وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن عبدش (٤) يحكي عن الحسين بن الفضل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ جاحداً (٥) ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال: عقدًا لا إنفاذًا. وسمعت أبا القاسم الحبيبي (٦) يقول: سمعت أبا زكريا العنبري (٧) يحكي عن عبد العزيز بن يحيى الكناني أنه سئل عن هذِه الآيات فقال:

стр. 5797

إنَّها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه، فكلُّ من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر، ظالم فاسق، فأمَّا من حكم بما أنزل الله من التوحيد، فترك الشرك ثم لم يحكم ببعض ما أنزل الله من الشرائع استوجب حكم هذِه الآيات (١). قالت العلماء: هذا إذا ترك نصَّ حكم الله عيانًا عمدًا، فأمَّا من جهله، أو خفي عليه، أو أخطأ في تأويلٍ انتزعه أو دليل اتجه له، فلا. وأجراها بعضهم على الظاهر، قال ابن مسعود، والسدي: من ارتشى في الحكم، وجار فيه، وبدَّله عمدًا، فهو كافر (٢). ٤٥ - قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ أي: وأوجبنا على بني إسرائيل في التوراة ﴿أَنَّ النَّفْسَ

стр. 5798

بِالنَّفْسِ﴾ يعني: النفس القاتلة بالنفس المقتولة، وما يقتل به ﴿الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ تُفْقأ بها ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ يُجْدع به ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ يُقْطع به، وخفَّف نافع: ﴿وَالْأُذُنَ﴾ في جميع القرآن، وثقَّله الباقون (١) ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ يُقلع به، وسائر الجوارح قياسًا على العين، والأنف، والأذن ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. وهذا مخصوص فيما يمكن القصاص فيه، فأمَّا ما كان من رضَّة لحم، أو هَيْضة عظم، أو هدَّة ركن، لا يحيط به العلم، ففيه أَرْش، أو حكومة (٢).

стр. 5799

واختلف القراء في هذِه الآية، فقرأ الكسائي ﴿وَالْعَيْنَ﴾ رفعًا إلى آخره، واختاره أبو عبيد، لما: [١٢٨٧] أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف بن أحمد الأصبهاني (بقراءتي في المحرم سنة تسع وثمانين وثلاثمائة) (١) قال أخبرنا أبو رجاء محمد بن حامد بن محمد التميمي (٢) المقرئ بمكة (سنة أربعين وثلاثمائة) (٣)، قال ثنا أبو عبد الله محمد بن الجهم السمري (٤)، ثنا عبد الله بن عمرو بن أمية (٥)، عن عبد الله بن المبارك (٦)، عن يونس بن يزيد الأيلي (٧)، عن ابن شهاب (٨)، عن أنس: أن رسول الله ﷺ قرأ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ نصبًا، ورفع ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ

стр. 5800

﴿الْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ رفع كله (١). وأما أبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو فكانوا يرفعون ﴿وَالْجُرُوحَ﴾ وينصبون سائرها، واختاره أبو حاتم، قال: لأن لها نظائر في القرآن، منها قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (٢)، ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣)، ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ (٤). وقرأ نافع، وعاصم، والأعمش، وحمزة، ويعقوب، وأيوب كلها نصبًا (٥)، ودليلهم قراءة أبي: (إن النفس بالنفس، وإن العين بالعين،

стр. 5801

وإن الأنف (وإن الأذن) (١)، وإن السن، وإن الجروح قصاص). ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي: بالقصاص ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾، اختلفوا في الهاء التي في قوله ﴿بِهِ﴾، فقال قوم: هي كناية عن المجروح وولي القتيل، ومعناه: فمن تصدق به فهو كفارة للمتصدق، يهدم عنه ذنوبه بقدر ما تصدق به، وهو قول. عبد الله بن عمرو، والحسن، والشعبي، وقتادة، وجابر بن زيد (٢). ودليل هذا التأويل: [١٢٨٨] ما أخبرني ابن فنجويه (٣) قال: ثنا عمر بن الخطاب (٤)، ثنا عبد الله بن الفضل (٥)، قال: ثنا أبو خيثمة (٦)، ثنا جرير (٧)، عن مغيرة (٨)، عن الشعبي (٩)، عن عبادة بن الصامت (١٠)، قال: قال رسول الله ﷺ : "من تصدق من جسده بشيء كفَّر الله عنه بقدره من

стр. 5802

ذنوبه" (١). [١٢٨٩] وأخبرني الحسين بن محمد (٢) قال: ثنا أبو بكر (بن مالك) (٣) القطيعي (٤)، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل (٥) قال: حدثني أبي (٦)، ثنا وكيع (٧)، ثنا يونس بن أبي إسحاق (٨)، عن أبي السَّفَر (٩) قال: كسر رجل من قريش سنَّ رجل من الأنصار،

стр. 5803

فاستعدى عليه معاوية (١)، فقال القرشي: إن هذا داق سني. قال معاوية: كلا، إنا سنرضيه، فلما ألح عليه الأنصاري قال معاوية: شأنك لصاحبك (٢)، وأبو الدرداء جالس، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فتصدق به إلا رفعه الله به درجة، وحط عنه به خطيئة"، فقال الأنصاري: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، فعفا عنه (٣). [١٢٩٠] وأخبرني الحسين بن محمد (٤) قال: ثنا هارون بن محمد ابن هارون العطار (٥)، قال: ثنا الحسن بن علي بن عيسى السيسري (٦)

стр. 5804

قال: أخبرنا إسحاق الأزرق (١)، عن عوف (٢)، عن علقمة بن وائل الحضرمي (٣)، عن أبيه (٤) قال: جيء بالقاتل الذي قتل إلى رسول الله ﷺ ، جاء به ولي المقتول فقال له رسول الله ﷺ : "أتعفو؟ "قال: لا، قال: "أتأخذ الدية؟ "قال: لا، قال: "أتقتل؟ " قال: نعم، قال: "فاذهب". فلما ذهب دعاه فقال له: "أتعفو؟ "قال: لا، قال: "أتأخذ الدية؟ " قال: لا، قال: "أتقتل؟ " قال: نعم، قال: "فاذهب". فلما ذهب دعاه فقال له: "أما إنك إن عفوت عنه فإنه يبوء بإثمك، وإثم صاحبك"، قال: فعفا عنه، فأرسله، فرأيته وهو يجر نَسْعَتَه (٥).

стр. 5805

[١٢٩١] وأخبرني الحسين بن محمد (١) قال [ثنا] محمد بن علي ابن الحسين القاضي (٢) قال: ثنا أبو نصر محمد بن حمدويه المروزي (٣) قال ثنا محمود بن آدم (٤) قال: ثنا سفيان (٥) قال: ثنا عمران (٦) عن عدي بن ثابت الأنصاري (٧) قال: طعن رجل رجلًا على عهد معاوية، فأعطوه ديتين على أن يرضى فلم يرض، فأعطوه ثلاث ديات، فلم يرض، فحدَّث رجل (٨) من أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ أنه قال: "من تصدق بدم فما دونه كان كفارة له من يوم ولد إلى يوم تصدق به"، قال: فتصدق به (٩).

стр. 5806

[١٢٩٢] وأخبرني الحسين (بن محمد) (١) قال: ثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك (٢)، قال: ثنا أبو يعقوب يوسف بن أحمد ابن كركا (٣)، قال: ثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم (٤) بمصر، قال: ثنا عبد الأعلى بن حماد (٥) قال ثنا بشر بن منصور (٦)، عن عمر بن نبهان (٧)، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاث من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة، من أي أبواب الجنة

стр. 5807

شاء، وزُوِّج من الحور العين حيث شاء، من أدى دينًا خفيًّا، وعفا عن قاتله، وقرأ دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ "، قال أبو بكر: أو إحداهن يا رسول الله، قال: "أو إحداهن" (١). وقال آخرون: عنى بذلك الجارح والقاتل يعني: إذا عفا المجني عليه عن الجاني فعفوه عن الجاني كفارة لذنب الجاني، لا يؤاخذ به في الآخرة، كما أن القصاص كفارة له، فأما أجر العافي المتصدق فعلي الله تعالى، قال الله تعالى ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (٢)، وهذا قول إبراهيم ومجاهد، وزيد بن أسلم، وروي ذلك عن ابن عباس (٣)،

стр. 5808

والقول الأول أجود؛ لأنه ربما تصدق المجني عليه ولم يتب الجارح من فعله (فلم تكن كفارة له) (١)، والدليل عليه قراءة أبي (فمن تُصُدِّق به فهو كفارة له) (٢). ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ٤٦ - ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾ أي: على آثار النبيين المسلمين للتوراة الحاكمين به. ﴿بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾. ٤٧ - قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ قراءة العامة بجزم اللام والميم على الأمر، وقرأ يحيى بن وثاب، والأعمش، وحمزة بكسر اللام وفتح الميم، أي: ولكي يحكم (٣). قال مقاتل بن حيان: أمر الله الأحبار، والربانيين أن يحكموا بما في التوراة، وأمر القسيسين، والرهبان أن يحكموا بما في الإنجيل، فكفروا وكذبوا بمحمد، وقالوا: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله (٤).

стр. 5809

﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفِاسقونَ﴾ الخارجون من أمر الله، وقال ابن زيد: الكاذبون (١)، نظيره: ﴿إِن جَاءَكم فَاسِق بِنَبَإٍ﴾ (٢). ٤٨ - قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ يا محمد ﴿بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: الكتب، ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ أي: شاهدًا، قاله السدي (٣)، والكسائي، وهي رواية الوالبي عن ابن عباس (٤). قال الشاعر (٥): إن الكتاب مهيمن لنبينا ... والحق يعرفه ذوو الألباب أي: شاهد. سعيد بن جبير (٦)، وأبو عبيدة (٧): مؤتمنا، وهي رواية أبي إسحاق

стр. 5810

عن التميمي، عن ابن عباس (١). الحسن: أمينا (٢)، وهي رواية العوفي عن ابن عباس (٣). ومعنى أمانة القرآن ما قال ابن جريج: القرآن أمين على ما قبله من الكتب، فما أخبر أهل الكتاب في كتابهم بأمر، فإن كان في القرآن فصدقوا، وإلا فكذِّبوا (٤)، وأصله على هذا القول مؤيمن، فقلبت

стр. 5811

الهمزة هاء، كما قيل: أرقت الماء وهرقت، وأبرية وهبرية، وأيهات وهيهات، وإياك وهياك، فهو مبني من أمين (١)، كما بنى بيطر، ومبيطر من بيطار، قال النابغة: طعن المبيطر إذ يشفي من العضد (٢) وقال الضحاك: قاضيًا (٣). عكرمة: دالا (٤). ابن زيد: مصدقًا (٥). الخليل: رقيبًا وحافظًا (٦). يقال: هيمن فلان على كذا، إذا شاهده وحفظه. [١٢٩٣] وسمعت أبا القاسم (٧) الحبيبي يقول: سمعت أبا منصور

стр. 5812

محمد بن أحمد بن منصور البستي (١) يقول: سمعت أبا عمر محمد بن عبد الواحد اللغوي (٢) يقول: تقول العرب للطائر إذا طار (٣) حول وكره، فيرفرف على فرخه صيانة له: هيمن الطائر يهيمن، وكذلك تقول للطائر إذا أرخى جناحيه وألبسهما بيضه وفرخه هيمن، وكل ذلك تفعله أشبالًا، ومنه قيل لله سبحانه: المهيمن. كأن معناه: الرقيب الرحيم، ورأيت في بعض الكتب أنها لغة العبرانية، فعربت (٤). وقرأ مجاهد، وابن محيصن (ومهيمنا) بفتح الميم، بالمفعول به (٥). ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ يا محمد، بين أهل الكتاب، إذا ترافعوا إليك ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ بالقرآن، ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أي: سبيلا وسنة، وجمع الشرعة شرع، وكل ما شرعت فيه فهو شريعة وشرعة، ومنه شريعة الماء،

стр. 5813

ومشرعته، ومنه شرائع الإسلام، لشروع أهلها فيها، ويقال: هم شرع سواء، إذا دخلوا في أمر وتساووا فيه (١). والمنهاج، والمنهج، والنهج الطريق البين الواضح، قال الراجز: من يك في شك فهذا فَلْجُ ماء رُواء وطريق نَهْجُ (٢) قال المفسرون: عنى بذلك جميع أهل الملل المختلفة، جعل الله تعالى لكل أهل ملة شريعة، ومنهاجا، فلأهل التوراة شريعة، ولأهل الإنجيل شريعة، ولأهل الفرقان شريعة، يحل الله فيها ما يشاء، ويحرم ما يشاء، فالدين واحد، والشرائع مختلفة (٣). ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً﴾ خلقكم (٤) كلكم ﴿أُمَّةً وَاحدَةً﴾ على ملة

стр. 5814

واحدة، ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ليختبركم وهو أعلم، وقد مضى معنى الابتلاء، ﴿فِي مَا آتَاكُمْ﴾ من الكتب، وبين لكم من الملل، فبين المطيع من العاصي، والموافق من المخالف، ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ فبادروا بالطاعات، وسارعوا إلى الأعمال الصالحات، ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. ٤٩ - ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. قال ابن عباس: قال كعب بن أسيد، وعبد الله بن صوريا، وشاس بن قيس بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد، لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنَّا أحبار اليهود وأشرافهم، وإنا إن اتبعناك اتبعتنا اليهود، ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونحن نؤمن لك ونصدقك، فأبى رسول الله ﷺ ذلك، وأنزل الله تعالى فيهم هذِه الآية (١). ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عن الإيمان والحكم بالقرآن، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ أي: فاعلم أن إعراضهم من أجل أن الله يريد

стр. 5815

أن يعجل لهم العقوبة في الدنيا ببعض ذنوبهم، بشؤم عصيانهم، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ يعني: اليهود ﴿لَفَاسِقُونَ﴾. ٥٠ - قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ بالتاء شامي، الباقون بالياء (١)، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. ٥١ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ اختلفوا في نزول هذِه الآية -وإن كان حكمها عامًّا لجميع المؤمنين- فقال العوفي، والزهري: لما انهزم أهل بدر، قال المسلمون لأوليائهم من اليهود: امنوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر، فقال مالك بن صيف: أغركم أن أصبتم رهطًا من قريش لا علم لهم بالقتال؟ أما لو أمررنا العزيمة أن نستجمع عليكم لم يكن لكم يدان بقتالنا. فجاء عبادة بن الصامت الخزرجي إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن لي أولياء من اليهود كثير عددهم، قوية أنفسهم، شديدة شوكتهم، كثير سلاحهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولايتهم، وولاية اليهود ولا مولي لي إلا الله ورسوله، فقال عبد الله ابن أبي: لكني لا أبرأ من ولاية اليهود لأني أخاف الدوائر، ولابد
следующие страницы →