← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

يحيى (١)، ثنا أبي (٢) قال: ثنا جعفر بن عبد الله بن الصباح (٣)، ثنا أبو عمر الدوري (٤)، ثنا أبو إبراهيم الترجماني (٥)، عن سعد بن سعيد (٦)، عن نهشل أبي عبد الله القرشي (٧)، عن الضحاك (٨)، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يكترثون للحساب، ولا يفزعهم الصيحة (٩)، ولا يحزنهم الفزع الأكبر، حامل القرآن المؤدّي إلى الله بما فيه، يقدم على الله سيدًا شريفا، ومؤذن أذن تسع (١٠) سنين، لا يأخذ على أذانه طمعًا، وعبد مملوك أحسن عبادة ربه وأدى حق مولاه".

стр. 5847

[١٣٠٥] وأخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن جعفر (١) قال: ثنا أبو الحسن علي بن محمد الفامي (٢) قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز (٣) أن عمرو بن عثمان (٤) حدثهم قال: ثنا أبو تميلة (٥)، عن أبي حمزة (٦)، عن جابر (٧)، عن مجاهد (٨) عن ابن عباس قال: قال رسول الله

стр. 5848

- ﷺ : "من أذن سبع سنين محتسبًا كتب له براءة من النار" (١). [١٣٠٦] وأخبرنا أبو الحسن الفارسي، قال: ثنا أبو العلاء أحمد ابن محمد بن كثير (٢)، قال: ثنا عيسى بن محمد بن عيسى (٣)، ثنا محمد بن مسلمة الواسطي (٤) قال: ثنا موسى الطويل (٥)، عن أنس ابن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "من أذن سنة من نية صادقة حبس يوم القيامة على باب الجنة فقيل له: اشفع لمن شئت" (٦).

стр. 5849

[١٣٠٧] وأخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد التمار (١)، قال: ثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن دينار (٢)، ثنا محمد بن الحجاج بن عيسى (٣)، ثنا إبراهيم بن رستم (٤)، ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو (٥)، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أذن خمس صلوات إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن أم خمس صلوات إيماناً واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (٦).

стр. 5850

[١٣٠٨] وأخبرنا أبو العباس سهل بن محمد بن سعيد المروزي (١)، قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن حكيم، أخبرنا أبو الموجه (٢)، قال: أخبرنا عبدان (٣)، ثنا الحارث بن مرة الحنفي (٤)، ثنا يزيد الرقاشي (٥)، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا كان عند الأذان فتحت أبواب السماء، واستجيب الدعاء، وإذا كلان عند الإقامة لم ترد دعوة" (٦).

стр. 5851

[١٣٠٩] وأخبرنا أبو القاسم طاهر بن علي المقرئ (١)، قال: ثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد المقرئ (٢) بالبصرة، قال: ثنا عبد الله بن أحمد الجصاص (٣) قال: ثنا يزيد بن عمرو بن البراء الغنوي (٤)، حدثنا نائل بن نجيح (٥) قال: ثنا محمد بن الفضل (٦)، عن سالم (٧)، عن مجاهد (٨)، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "المؤذن المحتسب كالشهيد المتشحِّط ما دام في أذانه، وشهد له كل رطب ويابس،

стр. 5852

فإذا مات لم يدوَّد في قبره" (١). [١٣١٠] وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد الأصبهاني (٢)، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر المطيري (٣)، قال: ثنا حماد بن

стр. 5853

الحسن (١)، ثنا صالح بن سليمان صاحب القراطيس (٢) قال: حدثني غياث بن عبد الحميد السدوسي (٣)، عن مطر (٤)، عن الحسن (٥)، عن أبي الوقاص (٦) أنه قال: سهام المؤذنين عند الله يوم القيامة كسهام المهاجرين. قال: وقال عبد الله بن مسعود: لو كنت مؤذنًا لما باليت أن لا أحج، ولا أعتمر، ولا أجاهد. قال: وقال عمر بن الخطاب: لو كنت مؤذنًا لكمُل أمري وما باليت ألا أنتصب لقيام ليل، ولصيام نهار، سمعت رسول الله ﷺ

стр. 5854

يقول: "اللهم اغفر للمؤذنين، اللهم أغفر للمؤذنين، اللهم اغفر للمؤذنين" فقلت: يا رسول الله، لقد تركتنا ونحن نجتلد على الأذان بالسيوف. قال: "كلا يا عمر، إنه سيأتي على الناس زمان يتركون الأذان على ضعفائهم، وتلك لحوم حرمها الله على النار، لحوم المؤذنين" (١). ٥٩ - قوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)﴾ قال ابن عباس: أتى رسول الله ﷺ -نفر من اليهود -أبو ياسر ابن أخطب ورا فع بن أبي رافع، وعازارا، وزيد، وخالد، وأزار بن أبي أزار، وأشيع- فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟ فقال: أؤمن بالله، وما

стр. 5855

أنزل إلينا، وإلى إبراهيم، وإسماعيل، إلى قوله ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١). فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظًّا في الدنيا، والآخرة منكم، ولا دينًا شرًّا من دينكم، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٢). ثم قال: ٦٠ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ أخبركم ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت، يعني: قولهم: لم نر أهل دين أقل حظًّا في الدنيا والآخرة منكم، ولا دينًا شرّا من دينكم، فذكر الجواب بلفظ الابتداء، وإن لم يكن الابتداء شرًّا كقوله تعالى للكفار: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣)، ﴿مَثُوبَةً﴾ ثوابًا، وجزاءً، وهو نصب على التفسير (٤) كقوله: ﴿أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ (٥)، وأصلها: مثووبة على وزن مفعولة، فقد جاءت مصادر على وزن المفعول نحو: المعقول، والميسور فأسقط عين الفعل، استثقالًا للضمة على الواو، ونقلت

стр. 5856

حركتها إلى فاء الفعل، وهي الثاء، فصار مثوبة، مثل معونة، ومغوثة، ومقولة (١). ﴿عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ يجوز أن يكون محل "من" خفضًا على البدل من قوله ﴿بِشَرٍّ﴾، أو على معنى لمن لعنه الله، ويجوز أن يكون رفعًا على إضمار هو، ويجوز أن يكون نصبًا على إيقاع ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾ عليه (٢). ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ والقردة أصحاب السبت والخنازير كفار أهل مائدة عيسى ﵇. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أن المسخين كليهما من أصحاب السبت، فشبانهم مسخوا قردة، ومشايخهم مسخوا خنازير (٣). ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ فيه عشر قراءات: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ بفتح العين، والباء، والتاء على الفعل، وهي قراءة العامة، بمعنى: وجعل منهم من عبد الطاغوت، وتصديقها قراءة ابن مسعود (ومن عبدوا الطاغوت)، وقرأ يحيى بن وثاب، وحمزة ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ بفتح العين، وضم الباء، وكسر التاء (٤)،

стр. 5857

أراد العبد، وهما لغتان: عبد، وعبُد (١) مثل سبع وسبع، وفرد وفرد. وأنشد حمزة هذا البيت: كسيف الصَّيقل الفرُد (٢). . بضم الراء. ووجه آخر وهو أنه أراد الجمع، أي: خدم الطاغوت، فجمع العبد عبيدًا، ثم جمع العبيد عبدًا، جمع الجمع مثل ثمار وثمر (٣)، ثم استثقل الضمتين المتواليتين، فعوض من الأولى فتحة، وكذلك هو في قراءة الأعمش (وعُبُد الطاغوت)، بضم الباء، والعين، وكسر التاء (٤)، قال الشاعر (٥): انسب العبدَ إلى آبائه ... أسود الجلدة من قوم عُبُدْ

стр. 5858

وذكر عن أبي جعفر القارئ أنه قرأ: (وعُبِدَ الطاغوت)، على الفعل للمجهول (١)، وقرأ الحسن (وعَبْدَ الطاغوت) على الواحد (٢)، وقرأ بريدة الأسلمي (وعابد الطاغوت)، بالألف على الواحد (٣)، وقال (٤) ابن عباس: (وعبيد الطاغوت) بالجمع، وقرأ أبو واقد الليثي: (وعباد الطاغوت) (٥)، مثل: كافر وكفار، وقرأ عون العقيلي (٦)، وأبان بن تغلب (٧): (وعُبَّدَ الطاغوت) (٨) مثل رُكَّع،

стр. 5859

وسُجَّد، وغُزى، وقرأ عبيد بن عمير: (وأَعْبُدَ الطاغوت) (١)، مثل كلب وأكلب. ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ فلما نزلت هذِه الآية عير المسلمون اليهود، وقالوا: يا إخوان القردة والخنازير، فسكتوا، وافتضحوا وفيهم يقول الشاعر (٢): فلعنة الله على اليهودِ ... إن اليهود إخوة القرودِ ٦١ - ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١)﴾ هؤلاء هم المنافقون، قاله المفسرون. وقال ابن زيد: هؤلاء الذين قالوا ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ (٣) (٤) وهذا التأويل أليق بظاهر التنزيل، لأن هذِه الآيات نزلت في اليهود ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ من صفة محمد، ونعته (٥).

стр. 5860

٦٢ - ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ يعني: اليهود ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٦٣ - ﴿لَوْلَا﴾ هلا ﴿يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار﴾ يعني: العلماء، وقيل: الربانيون: علماء النصارى، والأحبار علماء اليهود (١). وقرأ أبو واقد الليثي، وأبو الجراح العقيلي (الرِّبيون) (٢)، كقوله ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾. ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، وهده أشد آية على تاركي النهي عن المنكر، حيث أنزلهم منزلة مرتكبه، وجمع بينهم في التوبيخ. [١٣١١] أخبرنا الحسن بن أحمد بن محمد (٣)، وشعيب بن محمد بن شعيب (٤) قالا أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي (٥)، ثنا

стр. 5861

الأحمسي (١)، قال: ثنا المحاربي (٢)، عن عبد الحميد بن جعفر (٣)، عن أبي إسحاق (٤)، عن عبيد الله بن جرير (٥)، عن أبيه (٦) قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من رجل يجاور قومًا، فيعمل بالمعاصي بين ظهرانيهم، فلا يأخذون على يديه، إلا أوشك الله أن يعمهم منه بعقاب" (٧).

стр. 5862

[١٣١٢] وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب (١) قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب (٢)، قال: ثنا عبد الله بن أسامة (٣)، قال: ثنا أسيد بن زيد الجمال (٤)، ثنا يحيى ابن سلمة بن كهيل (٥) عن أبيه (٦)، عن الشعبي (٧)، عن النعمان ابن بشير (٨) قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل الفاسق في القوم مثل

стр. 5863

قوم ركبوا سفينة، فاقتسموها، فصار لكل إنسان منها نصيب، فأخذ رجل منهم فأسًا، فجعل ينقر في موضعه، فقال له أصحابه: أي شيء تصنع؟ تريد أن تغرق، وتغرقنا، قال: هو مكاني، فإن أخذوا على يده نجوا، ونجا، وإن تركوه غرق، وغرقوا" (١). وقال مالك بن دينار: أوحى الله إلى الملائكة أن عذبوا قرية كذا، فصاحت الملائكة إلى ربها: يا رب، إن فيهم عبدك العابد، فقال: أسمعوني ضجيجه، فإن وجهه لم يتغير غضبًا لمحارمي (٢).

стр. 5864

وأوحى الله إلى يوشع بن نون: إني مهلك من قومك أربعين ألفًا من خيارهم، وثمانين (١) ألفًا من شرارهم، فقال: يا رب، هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي، وواكلوهم، وشاربوهم (٢). ٦٤ - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ قال ابن عباس، وعكرمة، والضحاك، وقتادة: إن الله تعالى كان (٣) قد بسط على اليهود، حتى كانوا من أكثر الناس مالًا، وأخصبهم ناحية، فلما عصوا الله في محمد، وكذبوا به، كف الله عنه ما بسط عليهم من السعة، فعند ذلك قال فنحاص بن عازورا: يد الله مغلولة. لم يريدوا إلى عنقه، ولكنهم أرادوا أنها محبوسة مقبوضة ممسكة عن الرزق، فنسبوه إلى البخل (٤). قال أهل المعاني: إنما قال هذِه المقالة فنحاص، فلم ينهه الآخرون، ورضوا بقوله، فأشركهم الله فيها، وأراد باليد العطاء؛ لأن عطاء الناس وبذل معروفهم في الغالب بأيديهم، فاستعمل الناس اليد في وصف الإنسان بالجود، والبخل.

стр. 5865

قال الشاعر (١): يداك يدا مجد فكف مفيدةٌ ... وكفٌّ إذا ما ضُنَّ بالزاد تنفقُ ويقال للبخيل: جعد الأنامل، مقبوض الكف، كز الأصابع، مغلول اليدين. قال الله : ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ (٢). قال الشاعر (٣): كانت خراسان أرضًا إذ يزيد بها ... وكل باب من الخيرات مفتوحُ فاستبدلت بعده جعدا أنامله ... كأنما وجهه بالخل منضوحُ وقال الحسن: معناه: يد الله مكفوفة عن عذابنا، فليس يعذبنا إلا بما يبر به قسمه، قدر ما عبد آباؤنا العجل (٤). وقال مجاهد والسدي: هو أن اليهود قالوا: إن الله لما نزع ملكنا منا وضع يده على صدره، يتحمَّد إلينا ويقول: يا بني إسرائيل، يا بني أخياري، لا أبسطها، حتى أردَّ عليكم الملك (٥).

стр. 5866

والقول الأول أولى بالصواب، لقوله ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. وقيل: هو استفهام تقديره: أيد الله مغلولة عنا، حيث قتر المعيشة علينا؟ قال الله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: أمسكت أيديهم عن الخيرات، وقبضت عن الانبساط بالعطيات. وقال يمان بن رباب: شُدِّد وثُقِّل عليهم الشرائع (١)، بيانه قوله: ﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٢). وقال (٣): هو من الغل في النار يوم القيامة، كقوله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾ (٤). ﴿وَلُعِنُوا﴾ عذبوا، ﴿بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ اختلفوا في معنى يد الله: فقال قوم: إن له يدا، لا كالأيدي، فأشاروا باليد إلى الجارحة، ثم قصدوا نفي التشبيه بقولهم لا كالأيدي وهذا غير مرضي من القول، وفساده لا يخفى (٥).

стр. 5867

وقال آخرون: يده: قدرته، وقوته (١)، كقوله ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ (٢). وقيل: هو ملكه، كما يقال لمملوك الرجل: هو ملك يمينه، قال الله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (٣) أي: أنه يملك ذاك وعلى هذين القولين يكون لفظه تثنية، ومعناه واحد، كقوله : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ (٤) أراد به جنة واحدة (٥)، قال الفراء: وأنشدني بعضهم (٦):

стр. 5868

ومَهْمَهين قَذْفَين مَرْتَين ... قَطَعته بالأمِّ لا بالسَّمْتين أراد: مهما واحدًا، وسمتًا واحدًا. قال: وأنشدني آخر: يسعى بكَيْداء ولهذمين ... قد جعل الأرطاة جنتين (١) أراد لهذما، وجنة. وقال بعضهم: أراد بذلك نعمتاه، كما يقول: لفلان عندي يد، أي: نعمة (٢)، وعلى هذا القول يكون لفظه تثنية، ومعناه جمعًا، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (٣)، والعرب تضع الواحد موضع الجمع، كقوله: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ (٤)،

стр. 5869

وقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ (١)، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) ونحوها، وتقول العرب: ما أكثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، وتضع أيضًا التثنية موضع الجمع كقوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ (٣) وأراد الزبانية (٤)، قال امرؤ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلِ (٥) يدل عليه قوله: وقوفًا بها صحبي عليَّ مطيهم فدل على أنه أراد الجمع.

стр. 5870

قال محمد بن مقاتل الرازي (١): أراد نعمتاه مبسوطتان، نعمته في الدنيا ونعمته في الآخرة. قلت (٢): وهذِه تأويلات مدخولة؛ لأن الله تعالى ذكر أنه خلق آدم بيده على طريق التخصيص والتفضيل لآدم على إبليس، فلو كان تأويل اليد ما ذكر لما كان لهذا التخصيص معنى، لأن إبليس أيضًا مخلوق بقدرة الله وفي ملك الله، ونعمته. وقال أهل الحق: هذِه صفة من صفات ذاته، كالسمع والبصر، والوجه (٣). قال الحسن: إن لله يدا لا توصف (٤)، ودليل هذا التأويل أن الله سبحانه ذكر اليد مرة بلفظ الواحد، فقال: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ (٥)، ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ (٦)، ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ (٧)، ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٨)،

стр. 5871

﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (١). وقال رسول الله ﷺ : "إن الله واضع يده لمسيء الليل ليتوب بالنهار، ولمسيء النهار ليتوب بالليل" (٢). وقال ﷺ : "يمين الله ملأى، لا يغيضها نفقة" (٣). وثناه مرة، فقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٤)، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وقال ﷺ : "كلتا يديه يمين" (٥)، وجمعه مرة (٦)، فقال: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ (٧).

стр. 5872

قوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ بإنكارهم، ومخالفتهم القرآن، وتركهم الإيمان به، ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يعني: بين اليهود والنصارى ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ (يعني اليهود) (١)، أفسدوا وخالفوا حكم التوراة، فبعث الله عليهم بختنصر (٢)، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم بطرس الرومي، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين، وكانوا كلما استقام أمرهم شتته الله، وكلما أجمعوا على حرب رسول الله، وأوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله وقهرهم، ونصر نبيه ودينه ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. ٦٥ - ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا﴾ بمحمد ﴿وَاتَّقَوْا﴾ الكفر ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. ٦٦ - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ يعني: أقاموا أحكامهما وحدودهما، وعملوا بما فيهما ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني: القرآن، وقيل: كتب أنبياء بني إسرائيل ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يعني: المطر ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ النبات. وقال الفراء: إنما أراد به التوسعة، كما يقال: فلان في خير من

стр. 5873

قرنه إلى قدمه (١)، ونظير هذا قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢). ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ يعني: مؤمني أهل الكتاب، عبد الله بن سلام وأصحابه، وثمانية وأربعون رجلًا من مؤمني النصاري، وهم: النجاشي (٣)، وبحيرا الراهب (٤)، وسلمان الفارسي،

стр. 5874

وجبر (١) مولى قريش، وأصحابهم. قال ابن عباس: هم العادلة، غير الغالية ولا الجافية (٢). ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ كعب بن الأشرف وأصحابه وأهل الروم، ﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. ٦٧ - قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية اختلفوا في تنزيل الآية، وتأويلها: فروى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل منزلًا اختار له أصحابه شجرة ظليلة (٣)، فينزل تحتها ويقيل، فنزل ذات يوم تحت شجرة، وعلق سيفه عليها، فأتاه أعرابي، وأخذ السيف من الشجرة، واخترطه، ثم أتى النبي ﷺ -وهو نائم، فقال: يا محمد، من يمنعك مني؟ قال: "الله"، فرعدت يد الأعرابي، وسقط السيف منه، وضرب برأسه الشجرة، حتى انتثر دماغه، فأنزل الله هذِه الآية (٤).

стр. 5875

وقال (١) أنس: كان النبي ﷺ يحرس، قال: وقالت عائشة: فكنت ذات ليلة إلى جنبه فسهر تلك الليلة، فقلت: يا رسول الله، ما شأنك؟ قال: "ألا رجل صالح يحرسني الليلة؟ " قالت: بينا نحن كذلك سمعت صوت السلاح، فقال: "من هذا؟ " قال: سعد وحذيفة، جئنا نحرسك، فنام رسول الله ﷺ حتى سمعت غطيطه، فنزلت هذِه الآية، فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من قبة أدم، وقال: "انصرفوا أيها الناس، فقد عصمني الله" (٢). وروى الحسن مرسلًا: أن النبي ﷺ قال: "إن الله بعثني برسالته،

стр. 5876

فضقت بها ذرعًا، وعرفت أن من الناس من يكذبني"، وكان يهاب قريشًا واليهود والنصارى، فأنزل الله هذِه الآية (١). وقيل: لما نزل قوله: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ سكت النبي ﷺ عن عيب آلهتهم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٢)، يعني: من معائب آلهتهم. وقيل: نزلت في عيب اليهود، وذلك أن النبي ﷺ دعا اليهود إلى الإسلام، فقالوا: أسلمنا قبلك، وجعلوا يستهزءون، ويقولون: تريد أن نتخذك حنانًا، كما اتخذت النصارى عيسى حنانًا، فلما رأى النبي ﷺ ذلك سكت فحرَّض الله على دعائهم إلى الإسلام، وأمره أن يقول لهم (٣) ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ الآية. قال الحسين بن الفضل: وهذا أولى الأقاويل؛ لأنه ليس بين قوله ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ وبين قوله ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ فصل، فلما نزلت هذِه الآية قال النبي ﷺ : "لا أبالي من خذلني ومن نصرني" (٤).

стр. 5877

وقيل: نزلت في قصة (١) عيينة بن حصن، وفقراء أهل الصفة. وقيل: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ من الرجم، والقصاص، نزلت في قصة اليهود (٢). وقيل: ﴿بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ في أمر نسائك، وذلك أن رسول الله ﷺ لما نزلت آية التخيير، لم يكن يعرضها عليهن خوفًا من اختيارهن الدنيا، فأنزل الله هذِه الآية (٣). وقيل: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ في أمر زينب بنت جحش (٤). وقيل: نزلت في الجهاد، وذلك أن المنافقين كرهوه، قال الله: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ (٥) الآية، وكرهه أيضًا بعض المؤمنين، قال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ (٦) الآية، فكان النبي ﷺ يمسك في بعض الأحايين عن الحث على الجهاد لما يعلم من كراهة القوم، فأنزل الله هذِه الآية (٧).

стр. 5878

وقال أبو جعفر محمد بن علي (١): معناه ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ في فضل علي بن أبي طالب، فلما نزلت هذِه الآية أخذ رسول الله ﷺ بيد على فقال: "من كنت مولاه فعلي مولاه". [١٣١٣] أخبرنا أبو القاسم يعقوب بن أحمد بن السري (٢) قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد (٣)، ثنا أبو مسلم إبراهيم ابن عبد الله الكجي (٤)، ثنا الحجاج بن منهال (٥)، ثنا حماد (٦)، عن علي بن زيد (٧)، عن عدي بن ثابت (٨)، عن البراء (٩) قال: لما أقبلنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع كنا بغدير خم، فنادى أن الصلاة جامعة، وكُشِحَ للنبيِّ ﷺ تحت شجرتين، فأخذ بيد على، فقال: "ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "ألست أولى بكل مؤمن من نفسه؟ " قالوا: بلى، قال: "هذا مولى من أنا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه"، قال: فلقيه عمر، فقال: هنيئًا لك يا ابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت

стр. 5879

مولى لكل مؤمن، ومؤمنة (١). [١٣١٤] أخبرني أبو محمد عبد الله بن محمد القاني (٢)، قال: ثنا أبو الحسن محمد بن عثمان النصيبي (٣)، قال: ثنا أبو بكر محمد بن الحسين السبيعي (٤)، قال: ثنا علي بن محمد الدهان (٥) والحسين بن إبراهيم الجصاص (٦)، قالا: ثنا حسين بن حكم (٧)، قالا: ثنا حسين ابن حسن (٨)، عن حبان (٩)، عن الكلبي (١٠)، عن أبي صالح (١١)،

стр. 5880

عن ابن عباس (١) في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ قال: نزلت في علي، أمر النبي ﷺ أن يبلغ فيه، فأخذ رسول الله ﷺ بيد علي فقال: "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه" (٢).

стр. 5881

وقيل ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ في حقوق المسلمين، فلما نزلت هذِه الآية خطب رسول الله ﷺ فقال: "أي يوم هذا؟ ". . الحديث في خطبة الوداع، (ثم قال) (١): هل بلغت؟ (٢). ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ قرأ ابن محيصن، وابن كثير، وأبو عمرو، والأعمش، وشبل ﴿رِسَالَتَهُ﴾ على واحدة، وهي قراءة (أصحاب) (٣) عبد الله، الباقون جمع. فإن قيل: أي فائدة في قوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ولا يقال: كل من هذا الطعام، وإن لم تأكل فما أكلته؟ فالجواب عنه: [١٣١٥] ما سمعت أبا القاسم بن حبيب (٤) يقول: سمعت علي بن

стр. 5882

المهدي الطبري (١) يقول: أمر رسول الله ﷺ بتبليغ كل ما أوحي إليه، وأُعْلِمَ أنه إن خَرَم بعضًا كان كمن لم يبلغ، لأن تركه إبلاغ البعض محبط لإبلاغ ما بلغ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ (٢) فأعلم أن إيمانهم بالبعض لن ينفعهم، وأن كفرهم بالبعض محبط للإيمان بالبعض، وحاشا لرسول الله ﷺ أن يكتم شيئًا مما أوحي إليه (٣). قالت العلماء: الدعوة بمنزلة الصلاة، إذا نقص ركن من أركانها بطل الجميع. [١٣١٦] وسمعت أبا القاسم بن حبيب (٤) يقول: سمعت أبا بكر ابن عبدوش (٥) يحكي عن الحسين بن الفضل (٦) أنه قال: معنى الآية: بلغ ما أنزل إليك من ربك في الوقت، ولا تتأنَّ به، حتى تكثر الشوكة

стр. 5883

والعدة، وإن لم تفعل هذا كنت كمن لم يبلغ وقيل: «بلغ ما أنزل إليك (١) مجاهدا، محتسبا، صابرا، غير خائف». وقيل: «بلغ ما أنزل إليك من ربك إلى جميع الناس، ولا تحاب»، وهذا من المحذوف، الذي يدل ظاهر الكلام عليه. ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ﴾ يحفظك، ويمنعك ﴿مِنَ النَّاسِ﴾، فإن قيل: فما وجه (هذه) (٢) الآية، وقد شج جبينه، وكسرت رباعيته (٣)، وأوذي في عدة مواطن بضروب من الأذى؟ فالجواب: إن معناها: والله يعصمك من القتل، فلا يصلوا إلى قتلك. وقيل: نزلت هذه الآية بعدما شج جبينه، وكسرت رباعيته، لأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن. وقيل معناه: والله يخصك بالعصمة من بين الناس، لأنه كان نبي الوقت، والنبي معصوم (٤).

стр. 5884

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. [١٣١٧] أخبرني ابن فنجويه (١)، قال: ثنا السني (٢)، قال: أخبرني عروبة (٣)، ثنا عمرو بن هشام (٤) قال: حدثنا محمد بن سلمة (٥)، أبي عبد الرحيم (٦)، عن أبي عبد الملك (٧)، عن القاسم (٨)، عن أمامة (٩) قال: كان رجل من بني هاشم يقال له ركانة، وكان من

стр. 5885

أفتك الناس وأشدهم (١)، وكان مشركًا، وكان يرعى غنمًا له في واد يقال له أضم، فخرج نبي الله من بيت عائشة ذات يوم، فتوجه قبل ذلك الوادي، فلقيه ركانة، وليس مع نبي الله أحد (٢)، فقام إليه ركانة، فقال: يا محمد، أنت الذي تشتم آلهتنا اللات والعزى، وتدعو (٣) إلى إلهك العزيز الحكيم، فلولا رحم بيني وبينك ما كلمتك، حتى أقتلك، ولكن ادع إلهك العزيز الحكيم ينجيك مني اليوم، وسأعرض عليك أمرًا، هل لك أن أصارعك، وتدعو إلهك العزيز الحكيم يعينك علي، وأنا أدعو اللات والعزى، فإن أنت (٤) صرعتني فلك عشر من غنمي هذِه تختارها؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم، إن شئت". واتخذا، ودعا نبي الله إلهه العزيز الحكيم أن يعينه على ركانة، ودعا ركانة اللات والعزى: أعني اليوم على محمد، فأخذه النبي ﷺ فصرعه، وجلس على صدره، فقال ركانة: قم، فلست الذي فعلت بي هذا، إنما فعله إلهك العزيز الحكيم -وخذله اللات والعزى- وما وضع أحد جنبي قبلك، فقال له ركانة: عبد، فإن أنت صرعتني فلك عشرة أخرى من خيارها، فأخذه النبي ﷺ ، ودعا كل
следующие страницы →