← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

وقيل ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ في حقوق المسلمين، فلما نزلت هذِه الآية خطب رسول الله ﷺ فقال: "أي يوم هذا؟ ". . الحديث في خطبة الوداع، (ثم قال) (١): هل بلغت؟ (٢). ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ قرأ ابن محيصن، وابن كثير، وأبو عمرو، والأعمش، وشبل ﴿رِسَالَتَهُ﴾ على واحدة، وهي قراءة (أصحاب) (٣) عبد الله، الباقون جمع. فإن قيل: أي فائدة في قوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ولا يقال: كل من هذا الطعام، وإن لم تأكل فما أكلته؟ فالجواب عنه: [١٣١٥] ما سمعت أبا القاسم بن حبيب (٤) يقول: سمعت علي بن

стр. 5882

المهدي الطبري (١) يقول: أمر رسول الله ﷺ بتبليغ كل ما أوحي إليه، وأُعْلِمَ أنه إن خَرَم بعضًا كان كمن لم يبلغ، لأن تركه إبلاغ البعض محبط لإبلاغ ما بلغ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ (٢) فأعلم أن إيمانهم بالبعض لن ينفعهم، وأن كفرهم بالبعض محبط للإيمان بالبعض، وحاشا لرسول الله ﷺ أن يكتم شيئًا مما أوحي إليه (٣). قالت العلماء: الدعوة بمنزلة الصلاة، إذا نقص ركن من أركانها بطل الجميع. [١٣١٦] وسمعت أبا القاسم بن حبيب (٤) يقول: سمعت أبا بكر ابن عبدوش (٥) يحكي عن الحسين بن الفضل (٦) أنه قال: معنى الآية: بلغ ما أنزل إليك من ربك في الوقت، ولا تتأنَّ به، حتى تكثر الشوكة

стр. 5883

والعدة، وإن لم تفعل هذا كنت كمن لم يبلغ وقيل: «بلغ ما أنزل إليك (١) مجاهدا، محتسبا، صابرا، غير خائف». وقيل: «بلغ ما أنزل إليك من ربك إلى جميع الناس، ولا تحاب»، وهذا من المحذوف، الذي يدل ظاهر الكلام عليه. ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ﴾ يحفظك، ويمنعك ﴿مِنَ النَّاسِ﴾، فإن قيل: فما وجه (هذه) (٢) الآية، وقد شج جبينه، وكسرت رباعيته (٣)، وأوذي في عدة مواطن بضروب من الأذى؟ فالجواب: إن معناها: والله يعصمك من القتل، فلا يصلوا إلى قتلك. وقيل: نزلت هذه الآية بعدما شج جبينه، وكسرت رباعيته، لأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن. وقيل معناه: والله يخصك بالعصمة من بين الناس، لأنه كان نبي الوقت، والنبي معصوم (٤).

стр. 5884

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. [١٣١٧] أخبرني ابن فنجويه (١)، قال: ثنا السني (٢)، قال: أخبرني عروبة (٣)، ثنا عمرو بن هشام (٤) قال: حدثنا محمد بن سلمة (٥)، أبي عبد الرحيم (٦)، عن أبي عبد الملك (٧)، عن القاسم (٨)، عن أمامة (٩) قال: كان رجل من بني هاشم يقال له ركانة، وكان من

стр. 5885

أفتك الناس وأشدهم (١)، وكان مشركًا، وكان يرعى غنمًا له في واد يقال له أضم، فخرج نبي الله من بيت عائشة ذات يوم، فتوجه قبل ذلك الوادي، فلقيه ركانة، وليس مع نبي الله أحد (٢)، فقام إليه ركانة، فقال: يا محمد، أنت الذي تشتم آلهتنا اللات والعزى، وتدعو (٣) إلى إلهك العزيز الحكيم، فلولا رحم بيني وبينك ما كلمتك، حتى أقتلك، ولكن ادع إلهك العزيز الحكيم ينجيك مني اليوم، وسأعرض عليك أمرًا، هل لك أن أصارعك، وتدعو إلهك العزيز الحكيم يعينك علي، وأنا أدعو اللات والعزى، فإن أنت (٤) صرعتني فلك عشر من غنمي هذِه تختارها؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم، إن شئت". واتخذا، ودعا نبي الله إلهه العزيز الحكيم أن يعينه على ركانة، ودعا ركانة اللات والعزى: أعني اليوم على محمد، فأخذه النبي ﷺ فصرعه، وجلس على صدره، فقال ركانة: قم، فلست الذي فعلت بي هذا، إنما فعله إلهك العزيز الحكيم -وخذله اللات والعزى- وما وضع أحد جنبي قبلك، فقال له ركانة: عبد، فإن أنت صرعتني فلك عشرة أخرى من خيارها، فأخذه النبي ﷺ ، ودعا كل

стр. 5886

واحد منهما إلهه، كما فعلا أول مرة، فصرعه نبي الله، وجلس على كبده، فقال له ركانة: قم، فلست الذي فعلت بي هذا، إنما فعله إلهك العزيز الحكيم -وخذله اللات والعزى- وما وضع جنبي أحد قبلك. فقال له ركانة: عبد، فإن أَنْتَ صرعتني ذلك عشرة أخرى تختارها، فأخذه نبي الله، ودعا كل واحد منهما إلهه، فصرعه نبي الله الثالثة، فقال له ركانة: لست أَنْتَ الذي فعلت بي هذا، إنما فعله إلهك العزيز الحكيم -وخذله اللات والعزى- فدونك ثلاثين شاة من غنمي، فاخترها. فقال النَّبِيّ ﷺ : "ما أريد ذلك، ولكن أدعوك إلى الإِسلام يَا ركانة، وأَنْفِس بك أن تصير إلى النَّار، وإنك إن تُسلِم تَسلَم"، فقال له ركانة: ألا تريني آية؟ فقال له نبي الله: "الله شهيد عليك، لئن أنا دعوت ربي ، فأريتك آية لتجيبني إلى ما دعوتك إليه؟ "، قال: نعم. وقريب منهما شجرة ذات فروع وقضبان، فأشار إليها نبي الله ﷺ وقال لها: "أقبلي بإذن الله"، فانشقت اثنين، وأقبلت على نصف شقها وقضبانها وفروعها، حتَّى كانت بين يدي النَّبِيّ ﷺ ، وبين ركانة، فقال له ركانة: أريتني عظيمًا فمرها فلترجع فقال له نبي الله ﷺ : "الله (١) شهيد عليك، لئن أنا دعوت ربي فأمرها فرجعت لتجيبني إلى ما أدعوك إليه؟ "، فقال: نعم، فأمرها فرجعت بقضبانها وفروعها، حتَّى التأمت بشقها، فقال له النَّبِيّ ﷺ : "أسلم

стр. 5887

تسلم" فقال له ركانة: ما بي ألا أكون رأيت عظيمًا, ولكني أكره أن يتحدث نساء أهل المدينة وفتيانهم، أني إنما أجبتك لرعب دخل قلبي منك، ولكن قد علمت نساء المدينة وصبيانهم، أنَّه لم يوضع جنبي قط، ولم يدخل قلبي رعب ساعة قط، ليلًا أو نهارًا، وذلك دونك، فاختر غنمك، فقال له النَّبِيّ ﷺ : "ليس بي حاجة إلى غنمك إذا أبيت أن تسلم". فانطلق رسول الله ﷺ راجعًا، وأقبل أبو بكر وعمر يلتمسانه في بيت عائشة، فأخبرتهما أنَّه قد توجه قبل وادي أضم، وقد عرفا أنَّه وادي ركانة لا يخطئه، فخرجا في طلبه، وأشفقا أن يلقاه ركانة فيقتله فجعلا يصاعدان على كل (١) شرف، ويشرفان له، إذ نظرا إلى النَّبِيّ ﷺ مقبلًا، فقالا: يَا نبي الله، كيف تخرج إلى هذا الوادي وحدك، وقد عرفت أنَّه جهة ركانة، وأنه من أفتك النَّاس، وأشدهم تكذيبًا لك! فضحك إليهما النَّبِيّ ﷺ وقال: "أليس يقول الله ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، إنه لم يكن يصل إلى والله معي" وأنشأ يحدثهما حديث ركانة والذي فعل به، والذي أراه، فعجبا من ذلك، فقالا: يَا رسول الله، أصرعت ركانة؟ فلا والذي بعثك بالحق ما نعلم أنَّه وضع جنبه إنسان قط، فقال النَّبِيّ ﷺ : "إنِّي

стр. 5888

دعوت ربي فأعانني عليه، وإن ربي أعانني ببضع عشرة ملك، وبقوة عشرة" (١). ٦٨ - ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ من الدين ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يَا محمَّد ﴿مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ حيث كفروا بالقرآن مع قيام الدلالة والحجة عليهم ﴿فَلَا تَأْسَ﴾ لا تحزن ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.

стр. 5889

٦٩ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ كان حقه والصابئين، وإنما رفعه عطفًا على ﴿الَّذِينَ﴾ قبل دخول ﴿إِنَّ﴾ , لأنه لا يحدث معنى، كما تقول زيد قائم، وإن زيدا قائم، معناهما واحد (١). وقرأ الحسن (إن الله وملائكته) برفع التاء (٢)، ﴿وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ٧٠ - ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ في التوحيد، والنبوة ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾. ٧١ - ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وظنوا ألا يكون ابتلاء واختبار، ورفع نونه بعض القراء من

стр. 5890

العراق (١)، فمن نصب فعلى ترك المبالاة بـ (لا)، ومن رفع فعلى معنى إنه لا يكون. ﴿فَعَمُوا﴾ عن الحق، فلم يبصروه ﴿وَصَمُّوا﴾ عنه، فلم يسمعوه، وكان ذلك عقوبة لهم، ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ بعد ذلك بخذلانه إياهم، ثم بين فقال ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ وهم كفار أهل الكتاب، ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. ٧٢ - ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ يعني: الملكانية، ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. ٧٣ - ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ يعني: النسطورية، وذلك أنَّهم قالوا: أبًا، وابنًا (٢)، وروحًا قدسًا، ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ

стр. 5891

الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُم﴾ خص الكفار لعلمه أن بعضهم يؤمن ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ٧٤ - ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾. ٧٥ - ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ كثيرة الصدق، قال مقاتل: إنما سميت صديقة؛ لأنه لما أتاها جبريل وهي في المسبح (١)، وقال لها: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ صدقته، ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ قال أهل المعاني: هذا عبارة عن الحدث، ومن أحدث وأكل لا يستحق أن يكون إلهًا (٢) ﴿انْظُر﴾ يَا محمَّد ﴿كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ يصرفون عن الحق. ٧٦ - ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾. ٧٧ - ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ يعني: النصارى ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ يعني: لا تتجاوزوا الحق إلى غيره، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾.

стр. 5892

٧٨ - ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: عذبوا بالمسخ (١) ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾ يعني: أهل أيلة، لما اعتدوا في السبت، قال داود ﵇: اللهم العنهم، واجعلهم آية، فمسخوا قردة ﴿وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ يعني: كفار أصحاب المائدة، لما لم يؤمنوا قال عيسى ابن مريم ﵇: اللهم العنهم، واجعلهم آية، فمسخوا خنازير (٢) ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. ٧٩ - ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [١٣١٨] أخبرني الحسين بن محمَّد بن الحسين بن عبد الله (٣) قال: ثنا موسى بن محمَّد بن عليّ بن عبد الله (٤)، قال: ثنا عبد الله بن محمَّد ابن سنان (٥)، ثنا عبد العزيز بن الخطاب (٦)، قال: ثنا خالد بن عبد الله

стр. 5893

الواسطيّ (١)، قال: ثنا العلاء بن المسيّب (٢)، عن عمرو بن مرة (٣)، عن أبي عبيدة (٤)، عن عبد الله بن مسعود. [١٣١٩] وأخبرنا الحسين بن محمَّد (٥)، قال: أخبرنا أَحْمد بن محمَّد بن إسحاق (٦)، قال: أخبرنا أبو يعلى الموصلي (٧)، ثنا وهب ابن بقية (٨)، قال: أخبرنا خالد (٩)، عن العلاء بن المسيّب (١٠)، عن عمرو بن مرة (١١)، عن أبي عبيدة (١٢)، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "كان ممن كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل العامل منهم بالخطيئة نهاه الناهي تعذيرًا، فإذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه، كأنه لم يره على الخطيئة، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض، وجعل منهم القردة،

стр. 5894

والخنازير، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾، والذي نفسي بيده لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعنهم" (١). ٨٠ - ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ أي: من اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مشركي مكة، حين خرجوا إليها يستجيشون (٢) على محمَّد ﵇ ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ غضب الله عليهم ﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾.

стр. 5895

٨١ - ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ﴾ محمَّد ﵇ ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ القرآن ﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ يعني: من لم يسلم.

стр. 5896

٨٢ - قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ يَا محمَّد ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ يعني: يهود أهل المدينة. [١٣٢٠] وأخبرني ابن فنجويه (١)، قال: ثنا أبو جعفر محمَّد بن أَحْمد الصفار الهمداني (٢)، قال: ثنا أبو علي عبد الله بن عليّ بن الزُّبير البلخي (٣)، قال: ثنا إسماعيل بن بهرام الأَشجعيّ (٤) ثنا عباد ابن العوام (٥)، عن يحيى بن عبيد الله (٦)، عن أَبيه (٧)، عن أبي

стр. 5897

هريرة عن النَّبِيّ ﷺ قال: "ما خلا يهوديان بمسلم إلَّا هما بقتله" (١). ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ مشركي العرب ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ لم يرد به جميع النصارى، مع ما فيهم من عداوة المسلمين، وتخريب بلادهم، وهدم مساجدهم، وقتلهم، وأسرهم، وإحراق مصاحفهم، لا, ولا كرامة لهم، وإنما نزلت هذِه الآية في النَّجاشيّ وأصحابه. قال المفسرون: ائتمرت قريش بأن يفتنوا المُؤْمنين عن دينهم، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، يؤذونهم ويعذبونهم، فافتتن من افتتن، وعصم الله سبحانه منهم من شاء، ومنع الله رسوله بعمه أبي طالب، فلما رأى رسول الله ﷺ ما بأصحابه، ولم يقدر

стр. 5898

على منعهم، ولم يؤمر بعد بالجهاد، أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال: "إن بها ملكًا صالحًا، لا يظلم، ولا يظلم عنده أحد، فاخرجوا إليه، حتَّى يجعل الله للمسلمين فرجا". وأراد به النَّجاشيّ، واسمه أصحمة، وهو بالحبشية عطية، وإنما النَّجاشيّ اسم الملك، كقولك: كسرى وقيصر، فخرج إليها سرًّا أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، وهم: عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله ﷺ قال ﷺ : "ما بين لوط وبين عثمان من مهاجر"-، والزُّبير بن العوام، وعبد الله بن مسعود، وعبد الرَّحْمَن ابن عوف، وأبو حذيفة بن عتبة، وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو، ومصعب بن عمير، وأبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة بنت أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى بنت أبي حثمة، وحاطب بن عمرو (١)، وسهيل بن بيضاء (٢)، فخرجوا إلى البحر، وأخذوا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار، وذلك في رجب، في السنة الخامسة، من مبعث رسول الله ﷺ ، وهذِه الهجرة الأولى، ثم خرج جعفر بن أبي طالب، فتتابع المسلمون إليها، وكان جميع من هاجر إلى الحبشة من المسلمين

стр. 5899

اثنين وثمانين رجلًا، سوى النساء والصبيان، فلما علمت قريش بذلك، وجهوا عمرو ابن العاص وصاحبه (١)، بالهدايا إلى النَّجاشيّ، وإلى بطارقته، ليردهم إليهم، فعصمهم الله (٢). وقد ذكرت هذِه القصة بالشرح في سورة آل عمران، فلما انصرفا خائبين، أقام المسلمون هناك بخير دار، وأحسن جوار، إلى أن هاجر رسول الله ﷺ ، وعلا أمره، وذلك في سنة ست من الهجرة، كتب رسول الله ﷺ إلى النَّجاشيّ، على يدي عمرو بن أمية الضمري ليزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان -وكانت هاجرت إليه مع زوجها، فمات زوجها- ويبعث إليه من عنده من المسلمين، فأرسل النَّجاشيّ إلى أم حبيبة جارية له يقال لها: أبرهة، فأخبرتها بخطبة رسول الله ﷺ إياها، فأعطتها أوضاحًا (٣) لها سرورًا بذلك، وأمر بها أن توكل من يزوجها، فوكلت خالد بن سعيد بن العاص، حتَّى أنكحها على صداق أربعمائة دينار، وكان الخاطب لرسول الله ﷺ النَّجاشيّ، فدعا النَّجاشيّ بأربعمائة دينار، وأنفذها إلى أم حبيبة على يدي أبرهة، فلما جاءتها بها أعطتها خمسين دينارًا، فقالت أبرهة: قد أمرني الملك ألا آخذ منك شيئًا، وأن أرد الذي أخذت

стр. 5900

منك، فردته، وقالت: أنا صاحبة دهن الملك وثيابه، وقد صدقت محمدًا رسول الله وآمنت، وحاجتي إليك أن تقرئيه مني السلام، قالت: نعم. وقد أمر (١) الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهن من عود، وعنبر، وكان رسول الله ﷺ يراه عليها وعندها فلا ينكر. قالت أم حبيبة: فخرجنا في سفينتين، وبعث النَّجاشيّ معنا الملاحين، حتَّى قدمنا الجار (٢)، ثم ركبنا الظهر إلى المدينة، ورسول الله ﷺ بخيبر، فخرج من خرج إليه، وأقمت بالمدينة، حتَّى قدم رسول الله ﷺ فدخلت عليه، فكان يسألني عن النَّجاشيّ، فقرأت عليه من أبرهة السلام، فرد رسول الله ﷺ ، وقال رسول الله: "لا أدري أنا بفتح خيبر أسر، أم بقدوم جعفر؟ " وأنزل الله ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ﴾ يعني: أَبا سفيان، ﴿مَوَدَّةً﴾ (٣) يعني: تزويج أم حبيبة، ولما جاء أَبا سفيان تزويج أم حبيبة قال: ذاك الفحل لا يُقدع أنفه (٤)، وبعث النَّجاشيّ ﵀ بعد قدوم جعفر إلى رسول الله ﷺ ابنه أرها بن أصحمة بن أبحر،

стр. 5901

في ستين رجلًا من الحبشة، وكتب إليه: يَا رسول الله، أشهد أنك رسول الله صادقًا مصدقًا، وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك، وأسلمت لله رب العالمين، وقد بعثت إليك بابني أرها، وإن شئت آتيك بنفسي فعلت، والسلام عليك يَا رسول الله. فركبوا سفينة في أثر جعفر وأصحابه، حتَّى إذا كانوا في وسط البحر غرقوا، ووافى جعفر وأصحابه رسول الله ﷺ في سبعين رجلًا، عليهم ثياب الصوف، منهم اثنان وستون من الحبشة، وثمانية من أهل الشَّام، وهم: بحيرا الراهب (١)، وأبرهة، وإدريس، وأشرف، وتمام، وقسيم، ودريد، وأيمن، فقرأ عليهم رسول الله ﷺ سُورَة يس إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن، وآمنوا، وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى ﵇، فأنزل الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ يعني: وفد النَّجاشيّ الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب، وهم السبعون، وكانوا أصحاب الصوامع (٢).

стр. 5902

وقال مقاتل والكلبي: كانوا أربعين رجلًا اثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من أهل الشَّام (١). عطاء: كانوا ثمانين رجلًا: أربعون من أهل نجران، من بني الحارث بن كعب، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية روميون من أهل الشَّام (٢). وقال قتادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب، كانوا على شريعة من الحق، ما جاء به عيسى ﵇ يؤمنون به وينتهون إليه، فلما بعث الله تعالى محمدًا صدقوه، وآمنوا به، فأثنى الله عليهم (٣). ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾ أي: علماء، قال قطرب: القس، والقسيس العالم، بلغة الروم (٤)، قال ورقة (٥):

стр. 5903

بما خبرتنا من قول قَسٍّ ... من الرهبان أكره أن تبوحا وقال عروة بن الزُّبير: ضيعت النصارى الإنجيل (١)، وأدخلوا فيه ما ليس منه، وكان الذي غير ذلك أربعة نفر: لوقاش، ومرفوش، وبلجيس، ومينوس، وبقي قسيس على الحق والاستقامة والاقتصاد، فمن كان على هديه ودينه فهو قسيس (٢). [١٣٢١] أخبرنا عبد الله بن يوسف بن أَحْمد (٣) -بقراءتي عليه- قال: أخبرنا محمَّد بن حامد بن محمَّد التَّمِيمِيّ بمكة (٤)، قال: ثنا محمَّد بن الجهم السمري (٥)، ثنا عبد الله بن محمَّد (٦)، أخبرنا يحيى الحماني (٧) قال أخبرنا نصير بن زيد الطَّائيّ (٨)، عن صلت

стр. 5904

الدهان (١)، عن حامية بن رئاب (٢)، عن سلمان قال: قرأت على رسول الله ﷺ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ فأقرأني: (ذلك بأن منهم صديقين) (٣). ﴿وَرُهْبَانًا﴾ والرهبان: العباد أصحاب الصوامع، واحدهم راهب، مثل فارس، وفرسان، وراكب وركبان، وقد يكون واحدًا، وجمعه رهابين، مثل قُربان، وقرابين وجُرذان، وجراذين (٤)، وأنشد في الواحد (٥):

стр. 5905

لو عاينتْ رهبان دير في القُلَل ... لأقبل الرهبان يسعى ونزل وأنشد في الجمع (١): رهبان مدين لو رأوك تنزلوا ... والعُصْمُ من شعَف الجبال الفاردُ وهو من قول القائل: رهب الله، إذا خافه، يرهبه (٢)، رهبا، ورهبانًا. ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لا يتعظمون عن الإيمان والإذعان للحق. ٨٣ - ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ محمَّد ﷺ ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ﴾ تسيل ﴿مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾. [١٣٢٢] أخبرنا أبو عثمان بن أبي بكر الزعفراني (٣)، قال: حَدَّثني شيخي (٤)، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفر بن أبي خالد (٥)، قال: ثنا عبد الرَّحْمَن بن عمر بن يزيد (٦)،

стр. 5906

قال: ثنا ابن أبي عدي (١) قال: حَدَّثَنَا شعبة (٢)، عن عمرو بن مرة (٣) قال: قدم على أبي بكر الصديق ﵁ وفد من اليمن فقالوا: اقرأ علينا القرآن , فقرأ عليهم القرآن فجعلوا يبكون، فقال أبو بكر ﵁: هكذا كنا حتَّى قست القلوب، وكان أبو بكر لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن (٤). ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ يعني: أمة محمَّد ﷺ ، دليله قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٥). ٨٤ - ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾ أي: في أمة محمَّد، دليله قوله: ﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (٦).

стр. 5907

٨٥ - ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ﴾ جازاهم الله ﴿بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ وإنما أنجح قولهم لاقترانه بالإخلاص، بدليل قوله ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾. ٨٦ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. ٨٧ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية قال المفسرون: جلس رسول الله ﷺ يومًا فذكَّر (١) النَّاس، ووصف القيامة، ولم يزدهم على التخويف، فرق النَّاس وبكوا، فاجتمع عشرة من الصَّحَابَة في بيت عثمان بن مظعون الجمحي، وهم: أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو، وأبو ذر الغفاري، وسالم مولى أبي (٢) حذيفة، والمقداد بن الأسود، وسلمان الفارسيّ، ومعقل بن مقرن (٣)، واتفقوا على أن يصوموا النهار، ويقوموا الليل، ولا يناموا على الفرش (٤)، ولا يأكلوا اللحم، ولا (٥) الودك (٦)، ولا يقربوا النساء

стр. 5908

والطيب، ويلبسوا المسوح (١)، ويرفضوا الدنيا، ويسيحوا في الأرض، ويترهبوا، ويجبوا مذاكيرهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فأتى دار عثمان بن مظعون فلم يصادفه، فقال لامرأته أم حكيم بنت أبي أمية، واسمها الخولاء (٢)، وكانت عطارة: "أحق ما بلغني عن زوجك وأصحابه؟ " فكرهت أن تكذب رسول الله ﷺ ، وكرهت أن تبدي على زوجها، فقالت: يَا رسول الله ﷺ ، إن كان أخبرك عثمان فقد صدقك، فانصرف رسول الله ﷺ ، فلما دخل عثمان أخبرته بذلك، فأتى رسول الله ﷺ هو وأصحابه، فقال لهم رسول الله ﷺ : "ألم أُنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا؟ " قالوا: بلى يَا رسول الله، وما أردنا إلَّا الخير، فقال رسول الله ﷺ : "إنِّي لم أومر بذلك" ثم قال: "إن لأنفسكم عليكم حقًا، فصوموا، وأفطروا، وقوموا، وناموا، فإنِّي أقوم، وأنام، وأصوم، وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني"، ثم جمع النَّاس وخطبهم، فقال: "ما بال أقوام حرموا النساء، والطعام، والطيب، والنوم، وشهوات الدنيا، أما إنِّي لست

стр. 5909

آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا، فإنَّه ليس في ديني ترك اللحم والنساء، ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم، ورهبانيتهم الجهاد، اعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وحجوا، واعتمروا، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، واستقيموا يستقم لكم، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع"، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (١). وروى عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم، عن أَبيه قال: ضاف عبد الله ابن رواحة ضيفًا، فانقلب ابن رواحة ولم يتعش، فقال لزوجته: ما عشيتيه؟ قالت: كان الطعام قليلًا، فانتظرتك، فقال: حبست ضيفي من أجلي، طعامك على حرام، فقالت: وهو علي حرام إن لم تأكله، وقال الضيف: وهو على حرام إن ذقته إن لم تأكلوه، فلما رأى ذلك ابن رواحة قال: قربي طعامك، كلوا بسم الله، وغدا إلى رسول الله ﷺ وأخبره بذلك، فقال ﵇: "أحسنت"، فنزلت هذِه الآية (٢).

стр. 5910

وروى عكرمة عن ابن عباس: أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يَا رسول الله إنِّي أصبت من اللحم فانتشرت وأخذتني شهوة فحرمت اللحم، فأنزل الله تعالى (هذِه الآية) (١). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يعني: اللذات التي تشتهيها النفوس، وتميل إليها (٢) القلوب، مما أحل الله لكم من المطاعم الطيبة، والمشارب اللذيذة، ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ ولا تجاوزوا الحلال إلى الحرام. وقيل: هو جب المذاكير، وقطع آلة التناسل (٣). ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. ٨٨ - ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾. قال عبد الله بن المبارك: الحلال ما أخذته من وجهه، والطيب ما غذى فنما، فأما الجوامد، والطين، والتراب، وما لا يغذي فمكروه، إلَّا على جهة التداوي (٤)، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾.

стр. 5911

وروي عن عائشة وأبي موسى الأَشْعريّ أن النَّبِيّ ﷺ كان يأكل جاج، والفالوذج، وكان يعجبه الحلواء والعسل (١). وقال: "إن المؤمن حلو يحب الحلاوة" (٢). وقال: "في بطن المؤمن زاوية لا يملؤها إلَّا الحلوى" (٣). وروي أن الحسن كان يأكل الفالوذج، فدخل عليه فرقد السبخي فقال: يَا فرقد، ما تقول في هذا؟ فقال فرقد: لا آكله، ولا أحب

стр. 5912

أكله، فأقبل الحسن على غيره كالمتعجب، وقال: لعاب النحل، بلباب البر من (١) سمن البقر هل يعيبه مسلم. وجاء رجل إلى الحسن فقال: إن لي جارًا لا يأكل الفالوذج، قال: ولم؟ قال: يقول: لا يؤدي شكره، فقال الحسن: فيشرب الماء البارد؟ قال: نعم، قال: إن جارك جاهل أن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته (٢) في الفالوذج. وقال ابن عباس: لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلى آخر الآيتين، قالوا: يَا رسول الله، فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها - وكانوا حلفوا على ما عليه اتفقوا - فأنزل الله تعالى: ٨٩ - ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٣) قرأ أهل الحجاز والبصرة (٤) ﴿عَقَّدْتُمُ﴾ مشددًا، بمعنى: وكدتم، واختاره أبو حاتم، وقرأ أهل الكوفة بالتخفيف (٥)، واختاره أبو عبيد،

стр. 5913

قال: لأن التشديد في التكرير مرة بعد مرة، ولست آمن أن يلزم من قرأ تلك القراءة ألا يوجب الكفارة عليه في اليمين الواحد، حتَّى يرددها مرارًا، وهذا خلاف الإجماع. وقرأ أهل الشَّام (١) (عاقدتم) والمفاعلة قد تكون من واحد، مثل عافاك الله ونحوها، وقرأ الأَعمش (بما عقدت الإيمان) (٢)، جعل الفعل للأيمان، ومعنى الآية: ما قصدتم، وتعمدتم، وأردتم، ونويتم، كقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٣). ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ أي: كفارة ما عقدتم من الأيمان إذا حنثتم ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، واختلفوا في قدرها: فقال الشَّافعيّ: مد بمد النَّبِيّ ﷺ (٤) - والمد رطل وثلث- وكذلك في جميع الكفارات، وهو قول زيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن المسيّب، والقاسم، وسالم، وسليمان بن يسار، وعطاء،

стр. 5914

والحسن (١). واحتجوا بما: [١٣٢٣] أخبرنا أبو بكر الجوزقي (٢)، قال: أخبرنا أبو الفضل العباس بن منصور الفرندآباذي (٣)، قال: ثنا أَحْمد بن منصور (٤)، قال: حَدَّثني أبي (٥)، قال: حَدَّثني إبراهيم بن طهمان (٦)، عن منصور بن المعتمر (٧)، عن الزُّهْرِيّ (٨)، عن (حميد بن) (٩) عبد

стр. 5915

الرَّحْمَن (١)، عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إنيّ وقعت على أهلي -وذاك في نهار (٢) رمضان فأمره أن يعتق رقبة، فقال: ما أجدها، قال: "فصم شهرين متتابعين"، قال: ما أطيقه، قال: "فأطعم ستين مسكينًا"، قال: ما أجده، قال: فأتي رسول الله ﷺ بمكتل فيه خمس عشرة صاعًا من تمر، قال: "خذ هذا فأطعمه"، فقال: والذي بعثك بالحق ما بين لابتيها أهل بيت أحوج منا، فقال رسول الله ﷺ : "خذه، فأطعمه أهلك، ولا تعد" (٣). قالوا: وخمسة عشر صاعًا إذا قسم على ستين مسكينًا حظ كل مسكين مد. وقال أبو حنيفة: إن أطعم من الحنطة فنصف صاع، وإن أطعم من الشعير، والتَّمر، والزبيب ونحوها فإنَّه يعطي صاعًا كاملًا, ولا يجزئ أقل من ذلك (٤).

стр. 5916

وهو قول عمر بن الخطاب (١)، وابنه (٢)، والشعبي (٣)، والنخعي (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، ومجاهد (٦)، والحكم (٧)، والضَّحَاك (٨)، واحتجوا بحديث النَّبِيّ ﷺ : أنَّه أتي بوسق، ستين صاعًا، فأعطى رجلًا وجبت عليه كفارة، وقال: "أعطه ستين مسكينًا" (٩). قال علي بن أبي طالب، ومحمَّد بن كعب: غداء، وعشاء (١٠). وعن شريح: إن شاء الله أكلة مأدومة حتَّى يصدوا (١١).

стр. 5917

وعند الشَّافعيّ لا يجوز أخذ القيم في الزكوات والكفارات، وأجازه أبو حنيفة (١)، فاعتبر الشَّافعيّ النص، وأبو حنيفة: المصلحة، والمنفعة. وعند الشَّافعيّ لا يجوز أن يعطي أقل من عشرة مساكين (٢)، وقال أبو حنيفة: إن أعطى مسكينًا واحدًا في عشرة أيام جاز (٣). وقال الشَّافعيّ: لا يجوز أن يعطي الكفارة (٤) إلَّا حرًّا مسلمًا محتاجًا, ولا يجوز أن يعطي العبيد، ولا الكفار، ولا الأغنياء. وقال أبو حنيفة: إن أعطى الكفارة أهل الذمة جاز (٥)، فأما الزكاة

стр. 5918

فلا يجوز أن يعطي أهل الذمة بلا خلاف. ودليل الشَّافعيّ قوله ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (١) والكافر (٢) من أسفه السفهاء، قال الله : ﴿هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ (٣)، وحجة أبي حنيفة قوله : ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (٤) والأسير لا يكون إلَّا من الكافرين. ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي: من خير قوت عيالكم، فلو أنَّه يقتات الحنطة لم يجز له أن يعطي الشعير، وقرأ الصادق (أهاليكم) (٥)، ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قراءة العامة بكسر الكاف، وقرأ السلمي بضمة (٦)، وهما لغتان، مثل (إسوة وأُسوة، ورِشْوة ورُشْوة)، وقرأ سعيد بن جبير (أو كإسوتهم) (٧)، يعني كإسوة أهلك في الطعام، والإسوة: المثل والنظير، أي: تطعمون المساكين كما تطعمون أهليكم.

стр. 5919

واختلف العلماء في الكسوة التي تجزئ في الكفارة، فقال قوم: هي ثوب واحد، مما يقع عليه اسم الكسوة، إزار ورداء وقميص، أو سراويل، أو كساء أو عمامة، ونحوها، وهو قول ابن عباس (١)، والحسن (٢)، والحكم (٣)، ومجاهد، وعطاء (٤)، والباقر (٥)، وإليه ذهب الشَّافعيّ (٦). وقال آخرون: ثوب جامع، ولا يجزئ (٧) فيه العمامة، وهو مذهب النَّخَعيّ (٨)، وأبي حنيفة (٩). وقال مالك: أقل ما يجوز فيه الصلاة (١٠). وقال سعيد بن المسيّب، والضَّحَاك: لكل مسكين ثوبان (١١)،

стр. 5920

واحتجا بأن أَبا موسى الأَشْعريّ لزمته كفارة فكسا عشرة مساكين، لكل واحد ثوبين ظهرانيا، ومعقَّدًا من معقَّد البحرين (١). وقال شهر بن حوشب: ثوب ثمنه خمسة دراهم. ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وقال الشَّافعيّ: لا يجزئ في كفارة ولا واجبة إلَّا رقبة مؤمنة، مثل كفارة القتل، واليمين، والظهار، والجماع في نهار رمضان، والنذر، والوصية (٢)، ووافقه أبو حنيفة في كفارة القتل، وأجاز في غيرها الرقبة الكافرة (٣). ودليل الشَّافعيّ أن الله قال في كفارة القتل ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فقيد، وأطلق في سائرها، والمطلق محمول على المقيد (٤)، واحتج أَيضًا بما روي أن رجلًا جَاء إلى النَّبِيّ ﷺ
следующие страницы →