← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

وهو قول عمر بن الخطاب (١)، وابنه (٢)، والشعبي (٣)، والنخعي (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، ومجاهد (٦)، والحكم (٧)، والضَّحَاك (٨)، واحتجوا بحديث النَّبِيّ ﷺ : أنَّه أتي بوسق، ستين صاعًا، فأعطى رجلًا وجبت عليه كفارة، وقال: "أعطه ستين مسكينًا" (٩). قال علي بن أبي طالب، ومحمَّد بن كعب: غداء، وعشاء (١٠). وعن شريح: إن شاء الله أكلة مأدومة حتَّى يصدوا (١١).

стр. 5917

وعند الشَّافعيّ لا يجوز أخذ القيم في الزكوات والكفارات، وأجازه أبو حنيفة (١)، فاعتبر الشَّافعيّ النص، وأبو حنيفة: المصلحة، والمنفعة. وعند الشَّافعيّ لا يجوز أن يعطي أقل من عشرة مساكين (٢)، وقال أبو حنيفة: إن أعطى مسكينًا واحدًا في عشرة أيام جاز (٣). وقال الشَّافعيّ: لا يجوز أن يعطي الكفارة (٤) إلَّا حرًّا مسلمًا محتاجًا, ولا يجوز أن يعطي العبيد، ولا الكفار، ولا الأغنياء. وقال أبو حنيفة: إن أعطى الكفارة أهل الذمة جاز (٥)، فأما الزكاة

стр. 5918

فلا يجوز أن يعطي أهل الذمة بلا خلاف. ودليل الشَّافعيّ قوله ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (١) والكافر (٢) من أسفه السفهاء، قال الله : ﴿هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ (٣)، وحجة أبي حنيفة قوله : ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (٤) والأسير لا يكون إلَّا من الكافرين. ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي: من خير قوت عيالكم، فلو أنَّه يقتات الحنطة لم يجز له أن يعطي الشعير، وقرأ الصادق (أهاليكم) (٥)، ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قراءة العامة بكسر الكاف، وقرأ السلمي بضمة (٦)، وهما لغتان، مثل (إسوة وأُسوة، ورِشْوة ورُشْوة)، وقرأ سعيد بن جبير (أو كإسوتهم) (٧)، يعني كإسوة أهلك في الطعام، والإسوة: المثل والنظير، أي: تطعمون المساكين كما تطعمون أهليكم.

стр. 5919

واختلف العلماء في الكسوة التي تجزئ في الكفارة، فقال قوم: هي ثوب واحد، مما يقع عليه اسم الكسوة، إزار ورداء وقميص، أو سراويل، أو كساء أو عمامة، ونحوها، وهو قول ابن عباس (١)، والحسن (٢)، والحكم (٣)، ومجاهد، وعطاء (٤)، والباقر (٥)، وإليه ذهب الشَّافعيّ (٦). وقال آخرون: ثوب جامع، ولا يجزئ (٧) فيه العمامة، وهو مذهب النَّخَعيّ (٨)، وأبي حنيفة (٩). وقال مالك: أقل ما يجوز فيه الصلاة (١٠). وقال سعيد بن المسيّب، والضَّحَاك: لكل مسكين ثوبان (١١)،

стр. 5920

واحتجا بأن أَبا موسى الأَشْعريّ لزمته كفارة فكسا عشرة مساكين، لكل واحد ثوبين ظهرانيا، ومعقَّدًا من معقَّد البحرين (١). وقال شهر بن حوشب: ثوب ثمنه خمسة دراهم. ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وقال الشَّافعيّ: لا يجزئ في كفارة ولا واجبة إلَّا رقبة مؤمنة، مثل كفارة القتل، واليمين، والظهار، والجماع في نهار رمضان، والنذر، والوصية (٢)، ووافقه أبو حنيفة في كفارة القتل، وأجاز في غيرها الرقبة الكافرة (٣). ودليل الشَّافعيّ أن الله قال في كفارة القتل ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فقيد، وأطلق في سائرها، والمطلق محمول على المقيد (٤)، واحتج أَيضًا بما روي أن رجلًا جَاء إلى النَّبِيّ ﷺ

стр. 5921

فقال: يَا رسول الله أوجبْتُ، فقال: "أعتق رقبة"، فجاء برقبة أعجمية إلى النَّبِيّ ﷺ ، فقال لها رسول الله ﷺ : "من ربك؟ " ففهمها الله، فأشارت أنَّه واحد، فقال: "من أنا؟ " فأشارت إلى السماء، أي: إنك رسول الله، فقال ﷺ : "اعتقها فإنَّها مؤمنة" (١). و(أوجبت) لفظة مطلقة محتملة. وروى أبو سلمة عن الشريد (٢): أن أمه أوصت أن يعتق عنها رقبة، فجاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إن أمي أوصت أن تعتق عنها رقبة، وعندي جارية نوبية سوداء، أفأعتقها؟ قال: "ادع بها"، فجيء بها، فقال: "من ربك؟ " قالت: الله، قال: "فمن أنا؟ " قالت: رسول الله، فقال: "اعتقها فإنَّها مؤمنة" (٣).

стр. 5922

واتبع أبو حنيفة ظاهر الآية. ويجوز في الكفارة (١) من الرقاب الصغير والكبير، والذكر والأثنى. فأما إذا كان معيوبًا فاعلم أن العيب عيبان: عيب يمنعه من العمل فلا يجوز، مثل الأعمى، والأشل، والمقعد، والمجنون المطبق، والأخرس، وإن كان عيبًا خفيفًا لا يمنعه من العمل فيجوز، مثل الأجدع، والمقطوع الخنصر، ونحوهما (٢)، وهذا كما يقول في الكسوة: إن كان الثوب لبيسًا قد بلي وانقطع منه جل المنفعة لم يجز، وإن لبس لبسًا خفيفًا لم ينقطع عنه جل المنفعة جاز. والمكفر مخير بين هذِه الأشياء؛ لأن الله تعالى ذكره بلفظ التخيير وهو (أو). ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ اختلف الفقهاء في صفة من لم يجد، ومتى يجوز له

стр. 5923

الصيام، فقال أبو حنيفة: إذا كان عنده مائتا درهم، أو عشرون مثقالًا، أو أقل ما تجب فيه (١) الزكاة لم يجز له الصيام، فإن كان أقل من ذلك فهو غير واجد، وجاز له الصوم (٢). وقال بعض متأخري الفقهاء (٣): إذا كان له كفاية من المال، يتصرف فيها لمعاشه، فإن فضل عن رأس ماله مقدار ما يكفر بالإطعام فليس له أن يصوم وإن لم يفضل عن رأس ماله مقدار ما يطعم فله أن يصوم. وقال الشَّافعيّ: إذا كان عنده قوته، وقوت عياله، يومه وليلته، ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين، لزمته الكفارة بالطعام، وإن لم يكن عنده هذا القدر فله الصيام (٤). وقال بعضهم: إذا ملك ما يمكنه الإطعام فليس له الصيام، وإن لم يفضل له من الكفارة شيء، وهو قول سعيد بن جبير والحسن، قالا: إذا كان عنده درهمان، أو ثلاثة فهو واجد (٥).

стр. 5924

فإن لم يجد شيئًا من هذا ﴿فَصِيَامُ﴾ أي: فعليه، أو فكفارته صيام ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾، واختلفوا في كيفية الصيام: فللشافعي فيه قولان: أحدهما: أنها متتابعة، وإن فرقها لا يجوز، وهو مذهب أبي حنيفة، والثوري، واختيار المزني (١)، قياسًا على الصيام في كفارة الظهار، واعتبارًا بقراءة عبد الله، وأبي (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (٢)، وهذا قول ابن عباس وقتادة (٣). والقول الثاني: أنَّه بالخيار، إن شاء تابع، وإن شاء فرق، والمتابعة أفضل وأحسن، وهو مذهب مالك (٤). ﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت ﴿كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ فحنثتم، كقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٥)، وقوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ﴾ (٦) يعني:

стр. 5925

فأفطر، وحلق، ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ فلا تحلفوا، وإذا حلفتم فلا تحنثوا، ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ٩٠ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ قد مر تفسيرها، وصفة تحريمها (١)، وسنذكر أخبارًا في الوعيد الوارد في شربها، واتخاذها، وبيعها، وبالله التوفيق. [١٣٢٤] أخبرنا الشيخ الفاضل (٢) أبو عمرو أَحْمد بن أبي (بن أَحْمد) (٣) الفراتي -بقراءتي عليه في رجب سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة- قال أخبرنا الحاكم أبو الفضل محمَّد بن أَحْمد بن عبد الله السلمي المروزي (٤) قال ثنا عبد الله بن يحيى (٥) قال ثنا الحسين بن المبارك (٦)، حَدَّثَنَا بقية بن الوليد (٧)، عن عبد الله بن حبيب (٨)، عن الزُّهْرِيّ (٩)، عن سعيد بن المسيّب (١٠)، عن عثمان بن عفان قال:

стр. 5926

قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يجمع الخمر والإيمان في جوف امرئ أبدًا" (١). [١٣٢٥] وأخبرنا أَحْمد بن أُبي (٢) قال: أخبرنا عمران بن موسى (٣)، أخبرنا مسدد بن قطن (٤)، ثنا عثمان بن أبي شيبة (٥)، ثنا

стр. 5927

محمَّد بن سليمان الأَصْبهانِيّ (١)، عن سهيل بن أبي صالح (٢)، عن أَبيه (٣)، عن أبي هريرة (٤) قال: قال رسول الله ﷺ : "مدمن الخمر كعابد الوثن" (٥).

стр. 5928

[١٣٢٦] وأخبرنا أَحْمد بن أُبي (١) قال: قال: ثنا محمَّد بن يعقوب (٢)، قال أخبرنا الرَّبيع بن سليمان (٣) قال أخبرنا الشَّافعيّ (٤)، عن (مالك (٥) عن) (٦) نافع (٧)، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ وقال: "من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة" (٨).

стр. 5929

[١٣٢٧] وأخبرنا أَحْمد بن أُبي (١) قال: أخبرنا أبو عبد الله محمَّد ابن موسى الرازي (٢)، ثنا الحارث بن أبي أسامة البغدادي (٣)، ثنا داود ابن المحبر الواسطيّ (٤)، ثنا ميسرة بن (٥) عبد ربه (٦)، عن أبي عائشة السعدي (٧)، عن يزيد بن عمرو بن عبد العزيز (٨)، عن أبي سلمة بن عبد الرَّحْمَن (٩)، عن أبي هريرة وابن عباس جميعًا قالا: قال رسول الله ﷺ : "من شرب الخمر في الدنيا سقاه الله من سم الأساود، وسم العقارب، من شربها تساقط لحم وجهه في الإناء قبل أن يشربها، فإذا شربها تفسخ (١٠) لحمه كالجيفة، يتأذى به أهل الجمع ثم يؤمر به إلى النَّار، ألا وشاربها وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها، سواء في إثمها

стр. 5930

وعارها, ولا يقبل الله منه صلاة ولا صيامًا, ولا حجًّا, ولا عمرة حتَّى يتوب، فإن مات قبل أن يتوب منها كان حقًا على الله أن يسقيه بكل جرعة شربها في الدنيا شربة من صديد جهنم، ألا وكل مسكر خمر، وكل خمر حرام" (١). [١٣٢٨] وأخبرنا أَحْمد بن أُبي (٢)، قال: ثنا أبو العباس الاسم (٣)، قال: أخبرنا محمَّد بن إسحاق الصغاني (٤)، ثنا أبو نعيم (٥)، ثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز (٦)، عن عبد الرَّحْمَن ابن عبد الله الغافقي (٧) - من أهل مصر- عن ابن عمر أنَّه قال:

стр. 5931

أشهد لسمعت رسول الله ﷺ -وهو يقول: "لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها" (١). [١٣٢٩] وأخبرنا أَحْمد بن أُبي، قال: ثنا أبو العباس الأصم، قال: ثنا محمَّد بن إسحاق بن جعفر الصغاني، ثنا نعيم بن حماد، ثنا عبد العزيز بن محمَّد (٢)،

стр. 5932

عن عمرو بن أبي عمرو (١)، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "اجتنبوا الخمر، فإنَّها مفتاح كل شر، ولا يموتن أحدكم وعليه دين، فإنَّه ليس هناك دينار (٢)، وإنما يقتسمون هناك الحسنات، والسيئات، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله" (٣). [١٣٣٠] وأخبرنا أبو بكر محمَّد بن أَحْمد القطَّان (٤) قال: أخبرنا محمَّد بن الحسن بن محمَّد الدهقان (٥) قال: حَدَّثَنَا عثمان بن سعيد

стр. 5933

الدَّارميّ (١)، قال: ثنا الرَّبيع بن روح أبو توبة الحلبي (٢)، قال: ثنا محمَّد بن فرات الجرمي (٣)، عن الحكم بن عتيبة (٤)، عن محمَّد بن علي (٥)، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : "من شرب الخمر بعد إذ (٦) حرمها الله على لساني فليس له أن يزوج إذا خطب، ولا يصدق إذا حدث، ولا يشفع إذا شفع، ولا يؤتمن على أمانة، فمن ائتمنه على أمانة فاستهلكها فحق على الله ألا يخلف (٧) عليه" (٨).

стр. 5934

[١٣٣١] أنشدنا أبو القاسم الحبيبي (١)، قال: أنشدنا أبو العباس عبد الله بن محمَّد الجياني (٢)، قال: أنشدنا رضوان بن أَحْمد الصيدلاني (٣): تركت النبيذ لأهل النبيذ وصرت حليفًا لمن عابهُ شرابًا يدنس عرض الفتى ويفتح للشر أبوابهُ (٤) ﴿وَالْمَيْسِرُ﴾ القمار ﴿وَالْأَنْصَابُ﴾ يعني: الأوثان، سميت بذلك لأنهم كانوا ينصبونها، واحدها نصب بفتح النُّون، وجزم الصاد، ونصب بضم النُّون مخففًا ومثقلًا، ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾ يعني: القداح التي كانوا يستقسمون بها ﴿رِجْسٌ﴾ خبث ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ وتزيينه

стр. 5935

﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ رد الكناية إلى الرجس ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ٩١ - ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ﴾ يلقي ﴿بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ كما فعل بالأنصاري الذي شج سعد بن أبي وقَّاص بلحي الجمل (١) ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ كما فعل بأضياف عبد الرَّحْمَن بن عوف (٢)، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أي: انتهوا، لفظه استفهام، ومعناه أمر، كقوله : ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ (٣). ٩٢ - ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ المحارم والمناهي ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عن ذلك ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ فأما التوفيق والخذلان، والثواب والعقاب إلى الله سبحانه. فلما نزل تحريم الخمر والميسر، قالت الصَّحَابَة: يَا رسول الله، فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر، ويأكلون مال الميسر؟ فأنزل الله (٤) قوله:

стр. 5936

٩٣ - ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ أي: شربوا من الخمر نظيره قوله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (١)، وفيما أكل من الميسر، لذلك ذكر الطعم، لأنه بلفظ جامع ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ الشرك، ﴿وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ الخمر، والميسر بعد تحريمها، ﴿وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ ما حرم الله عليهم كله، ﴿وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. [١٣٣٢] أخبرني ابن فنجويه (٢)، قال: ثنا عمر بن الخطاب (٣)، قال: ثنا محمد بن إسحاق المسوحي (٤)، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة (٥)، قال: ثنا محمد بن بشر (٦)، ثنا مسعر (٧)، عن أبي عون (٨)، عن محمد بن حاطب (٩) قال: ذكر عثمان، فقال الحسن بن

стр. 5937

علي (١): هذا أمير المؤمنين يأتيكم، فيخبركم قال: فجاء علي ﵁ فقال: إن عثمان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢). ٩٤ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ الآية نزلت عام الحديبية، ابتلاهم الله بالصيد، فكان الوحش تغشى رحالهم كثرة وهم محرمون، فبينا هم يسيرون بين مكة والمدينة إذا عرض لهم حمار وحشي، فحمل عليه أبو اليسر بن عمرو، فطعنه

стр. 5938

برمحه فقتله، فقيل له: إنك قد قتلت الصيد، وأنت محرم، فأتى رسول الله ﷺ ، فسأله عن ذلك، فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ (١)، ليختبرنكم الله ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ وإنما بعَّض، فقال ﴿بِشَيْءٍ﴾ لأنه ابتلاهم بصيد البر خاصة ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ وهي الفراخ والبيض، وما لا يستطيع أن يفر من الصيد ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ وهي الوحش، وكبار الصيد ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ ليرى الله، وقد علم، ولم يره بعد (٢) ﴿مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ فلا يصطاد في حال الإحرام ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: صاد بعد تحريمه فاستحله ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ٩٥ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أي: محرمون بالحج والعمرة، وهو جمع حرام، يقال: رجل حرام، وامرأة حرام، ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ اختلفوا في صفة العمد الموجب للجزاء والكفارة في قتل الصيد فقال قوم: هو العمد لقتل الصيد مع نسيانه إحرامه في حال قتله، فأما إذا قتله عمدًا، وهو ذاكر إحرامه فلا حكم عليه، وأمره إلى الله، لأنه أعظم من أن تكون له كفارة، وهذا قول مجاهد، والحسن (٣).

стр. 5939

وقال آخرون: هو العمد من المحرم بقتل الصيد ذاكرًا لحرمه، فيحكم عليه في العمد والخطأ بالكفارة والجزاء، وهو اختيار الشافعي وأكثر الفقهاء (١). قال الزهري: نزل القرآن بالعمد، وجرت السنة في الخطأ (٢). وقال ابن عباس: إن قتله متعمدًا سئل: هل قتلت قبله شيئًا من الصيد؟ فإن قال: نعم، لم يحكم عليه، وقيل له: اذهب، فينتقم الله منك، وإن قال: لم أقتل قبله شيئًا، حكم عليه، فإن عاد إلى قتل الصيد محرمًا، بعدما حكم عليه لم يحكم عليه، ولكن يملأ ظهره وصدره ضربًا وجيعًا (٣)، وكذلك حكم رسول الله ﷺ في وَجٍّ، وهو واد بالطائف (٤).

стр. 5940

وعندنا إذا عاد حكم عليه، وعليه الجمهور، فذلك قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ نونها يعقوب، وأهل الكوفة (١)، ورفعوا ﴿مِثْلَ﴾ على البدل من الجزاء، كأنه فسر الجزاء فقال: مثل ما قتل من النعم، وأضافها الآخرون لاختلاف الأسمين (٢)، ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ أي: بالجزاء ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فقيهان عدلان، فينظران إلى أشبه الأشياء به (٣) من النعم فيحكمان به (٤) حتى يفديه به، ويهديه إلى الكعبة، فذلك قوله ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. فإن قتل نعامًا فعليه بدنة، وإن قتل بقرة أو أيِّلًا أو حمارًا فعليه بقرة، وإن قتل ولد بقرة وحشية فعليه عجل إنسي، وفي الضبع كبش؛ لأنه صيد، وأكله حلال، فأما السباع فلا شيء فيها، فإن قتل ظبيًا فعليه شاة، وفي الغزال والأرنب حمل، وفي الضب واليربوع سَخْلة (٥)، وفي الحمام،

стр. 5941

والفواخت (١)، والقمري، والدُّبْسِي (٢)، وذوات الأطواق (٣)، وكل ما عبَّ (٤) وهدر شاة، واختلفوا في الجرادة، فقال عمر لكعب -في جرادتين-: ما جعلت في نفسك؟ قال: درهمًا، قال: بخ، درهم خير من مائة جرادة (٥)، وروي عن عمر أيضًا: في الجرادة تمرة (٦)، وقال ابن عباس: قبضة من طعام (٧). فمن أصاب فرخًا أو بيضًا أو شيئًا لا يبلغ بهيمة فعليه قيمته طعامًا، وهو قول عمر (٨)، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عباس (٩)،

стр. 5942

وابن عمر (١)، وإليه ذهب الشافعي (٢)، وعليه جمهور أهل العلم. وقال النخعي: يقوَّم الصيد المقتول قيمته من الدراهم، ثم يشتري بثمنه فداء (٣) من النعم، ويهديه إلى الكعبة. روى عبد الملك بن عمير (٤)، عن قبيصة بن جابر (٥) قال: خرجنا حجاجًا، فكنا إذا صلينا الغداة اقتدنا رواحلنا نتماشى، ونتحدث فبينا نحن ذات غداة، إذا سنح لنا ظبي، فابتدرناه فابتدرته، ورميته بحجر فأصاب خُشَّاءه، فركب رَدْعَه (٦)، فمات، فلما قدمنا مكة سألنا عمر ابن الخطاب وكان حاجًّا، وكان جالسًا وإلى جنبه عبد الرحمن بن عوف، فسألته عن ذلك، فقال عمر لعبد الرحمن: ما ترى؟ قال: عليه شاة، قال: وأنا أرى ذلك، فقال: اذهب فأهد شاة، فخرجت إلى صاحبي فقلت: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره، قال: فلم يفجأنا إلا عمر ومعه الدرة، فعلاني بالدرة، وقال:

стр. 5943

أتقتل في الحرم، وتسفه الحكم، قال الله تعالى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فأنا عمر، وهذا عبد الرحمن. [١٣٣٣] حدثناه محمد بن عبدوس (١) قال: أخبرنا محمد بن الحسن (٢) قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز (٣)، ثنا القاسم بن سلام (٤) قال: حدثني ابن أبي أمية (٥)، عن أبي عوانة (٦)، عن عبد الملك بن عمير (٧).

стр. 5944

﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ إذا لم يكن واجدًا للفدية، أو لم يكن للمقتول مثل من النعم فكفارته حينئذ الإطعام يقوَّم من الصيد المقتول دراهم، ثم تقوم الدراهم طعامًا، فيتصدق به على مساكين الحرم، فإن لم يجد صام لمنصف صاع يوما، عند أبي حنيفة (١)، وقال الشافعي: لكل مد (٢)، وعندنا أنه مخير بين هذِه الأشياء الثلاثة، لأنه ذكرها بلفظ (أو) وهو قول مجاهد، وعطاء (٣). واختلفوا في تقويم الطعام (٤)، فقال الشافعي، وأبو حنيفة، وأكثر الفقهاء (٥): يقوم الصيد قيمة الأرض التي أصابه بها. وقال الشعبي: يقومه بسعر الأرض التي يكفر بها (٦). وقال جابر: سئل الشعبي عن محرم أصاب صيدًا بخراسان، قال:

стр. 5945

يكفر بمكة (١) بثمن مكة. واختلفوا في الإطعام أين يطعم؟ فقال قوم: يطعم بمكة، لا يجزئ إلا بها، وهو قول عطاء (٢)، وإليه ذهب الشافعي (٣)، فأما الهدي فلا يجوز إلا بمكة بلا خلاف، وأما الصوم فيجوز بأي موضع صام، بلا خلاف، ولو أكل من لحم صيد فلا جزاء عليه، إلا في قتله، أو جرحه، ولو دل على صيد كان مسيئًا، ولا جزاء عليه، كما لو أمر بقتل مسلم (كان مسيئًا) (٤) ولا قصاص عليه. واعلم أن الصيد الذي لا يجوز قتله في الحرم وفي حال الإحرام هو ما حل أكله. [١٣٣٤] أخبرنا ابن فنجويه (٥) -بقراءتي عليه- قال أخبرنا السني (٦) قال أخبرنا النسائي (٧) أخبرنا قتيبة بن سعيد (٨)، عن مالك (٩)، عن نافع (١٠)، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 5946

"خمس ليس على المحرم في قتلهن جناح الغراب، والحَدْأة، العقرب، والفأرة، والكلب العقور" (١). [١٣٣٥] وبه عن أبي عبد الرحمن (٢)، قال: ثنا عمرو بن علي (٣)، قال: ثنا يحيى (٤)، قال ثنا شعبة (٥)، ثنا قتادة (٦)، عن سعيد بن المسيب (٧)، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: "خمس يقتلهن المحرم: الحية، والفأرة، والحدأة، والغراب الأبقع، والكلب العقور" (٨).

стр. 5947

﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ جزاء معصيته ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ يعني: قبل التحريم، ونزول الآية، ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ بعده، وقال السدي: عفا الله عما سلف في الجاهلية (١)، ومن عاد في الإسلام ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ في الآخرة. وقال ابن عباس: يملأ ظهره سوطًا، حتى يموت (٢). السدي: عاد رجل بعدما حكم عليه بالتحريم فأحرقه الله بالنار (٣). ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾. ٩٦ - ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ على المحرم والحلال، وهو على ثلاثة أوجه: الحيتان وأجناسها، وكلها حلال.

стр. 5948

والثاني: الضفادع وأجناسها، وكلها حرام. والباقي فيه قولان: أحدهما: حلال، والثاني: حرام، وهو مذهب أبي حنيفة (١). وقال بعضهم: كل ما كان مثاله في البر حلالاً، فهو حلال في البحر، وما كان مثاله حرامًا في البحر، فهو حرام في البر. وأراد بالبحر جميع المياه، كقوله سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٢). ﴿وَطَعَامُهُ﴾ قال بعضهم: هو ما مات في الماء، فقذفه إلى الساحل ميتا، وهو قول أبي بكر (٣)، وعمر (٤)، وابنه (٥)، وأبي هريرة، وابن عباس (٦). وقال بعضهم: هو المليح منه (٧)، وهو قول سعيد بن جبير (٨)،

стр. 5949

وعكرمة (١)، والنخعي (٢)، وابن المسيب (٣)، وقتادة (٤). ﴿مَتَاعًا﴾ منفعة ﴿لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ يعني: المارة ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ لا يجوز للمحرم أكل الصيد إذا صاد هو، أو صيد له بأمره، فأما إذا صاده حلال بغير أمره ولا له، فيجوز له أكله بلا خلاف، فأما إذا قتله المحرم، فهل يجوز للحلال أكله أم لا؟ فقال الشافعي: يجوز، لأنه ذكاة مسلم (٥)، وعند أبي حنيفة: لا يجوز، وأحلَّه محلَّ ذكاة المجوسي (٦). ودليل الشافعي: [١٣٣٦] ما أخبرنا ابن فنجويه (٧)، قال: أخبرنا السني (٨)، قال:

стр. 5950

أخبرنا أبو عبد الرحمن النسائي (١)، قال: أخبرنا محمود بن غيلان (٢)، ثنا أبو داود (٣) قال: ثنا شعبة (٤)، أخبرني عثمان بن عبد الله بن موهب (٥) قال سمعت عبد الله بن أبي قتادة (٦) يحدث عن أبيه (٧): أنهم كانوا في مسير لهم، بعضهم محرم، وبعضهم ليس بمحرم، قال: فرأيت حمار وحش، فركبت فرسي، وأخذت الرمح، فاستعنتهم فأبوا أن يعينوني فاختلست سوطًا من بعضهم، وشددت على الحمار، وأخذته فأكلوا منه، فأشفقوا، فسئل عن ذلك النبي ﷺ فقال: "هل أشرتم أو أعنتم؟ " قالوا: لا، قال: "فكلوا" (٨).

стр. 5951

[١٣٣٧] وبإسناده عن أبي عبد الرحمن (١) قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد (٢) قال: ثنا يعقوب (٣) -وهو ابن عبد الرحمن- عن عمرو (٤)، عن المطلب (٥)، عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم" (٦). ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.

стр. 5952

٩٧ - قوله ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ﴾ الآية قال ابن عباس: كانوا يتعاورون ويتقاتلون، فأنزل الله ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ (١). قال مجاهد: سميت كعبة للتربيع، والعرب تسمي كل بيت مربع كعبة (٢). وقال مقاتل: سميت كعبة لانفرادها من البناء (٣). قال أهل اللغة: أصلها من الخروج والارتفاع، وسمي الكعب كعبًا لنتوئه، وخروجه من جانبي القدم، ومنه قيل للجارية إذا قاربت البلوغ وخرج ثدياها: قد تكعَّبت، فسميت الكعبة كعبة لارتفاعها من الأرض، وبنائها على الموضع الرفيع (٤)، وسمي البيت الحرام لأن الله حرمه، وعظم حرمته.

стр. 5953

وفي الحديث: مكتوب في أسفل المقام: إني أنا الله ذو بكة، حرمتها يوم خلقت السموات والأرض، ويوم وضعت هذين الجبلين، وحففتهما بسبعة أملاك حنفاء، من جاءني زائرًا لهذا البيت عارفًا بحقه، مذعنا إليّ بالربوبية حرمت جسده على النار (١). ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ أي: قوامًا لهم في أمر دينهم ودنياهم، وصلاحًا لمعاشهم ومعادهم، لما يحصل عنده من الحج والعمرة والزيارة والتجارة، وما يجبى إليه من الثمرات، وتظهر فيه من أنواع البركات. قال سعيد بن جبير: من أتى هذا البيت يريد شيئًا للدنيا والآخرة أصابه (٢). ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ أراد الأشهر الأربعة الحرم، يأمن الناس فيها

стр. 5954

﴿وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. اعترض على هذِه الآية، فقيل: كيف يليق أول الآية بآخرها؟ والجواب: أن مجاز الآية: إن الله يعلم صلاح الناس، كما يعلم ما في السموات وما في الأرض (١). ٩٨ - ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾. ٩٩ - ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾. ١٠٠ - ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ نزلت في شريح بن ضبيعة وحجاج بكر بن وائل ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ولا تتعرضوا للحاج، وإن كانوا مشركين، وقد مضت هذِه القصة في أول السورة ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ١٠١ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ اختلفوا في نزولها، فروى الزهري، وقتادة عن أنس، وأبو صالح أيضًا عن أبي هريرة، قالا: سأل الناس رسول الله ﷺ حتى أحفوه (٢) بالمسألة، فقام مغضبًا خطيبًا، وقال: "سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا بينته لكم"، فأشفق أصحاب رسول الله

стр. 5955

- ﷺ أن يكون بين يدي أمر قد حضر. قال أنس: فجعلت لا ألتفت يمينًا ولا شمالًا إلا وجدت رجلًا لافًّا رأسه في ثوبه يبكي، فقام إليه رجل (من قريش) (١) من بني سهم يقال له: عبد الله بن حذافة، وكان يطعن في نسبه، وكان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه، فقال: يا نبي الله، من أبي؟ فقال: "أبوك حذافة بن قيس"، قال الزهري: فقالت أم عبد الله بن حذافة: ما رأيت ولدًا أعق منك قط، ما كنت تأمن أن تكون أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية، فتفضحها على رءوس الناس، فقال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته. فقام إليه رجل آخر، فقال: يا رسول الله، أين أنا؟ فقال: "في النار"، فقام عمر بن الخطاب، وقبَّل رجل رسول الله ﷺ ، وقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، وبالقرآن إمامًا، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك، فاعف عنا عفا الله عنك، فسكن غضبه، وقال: "أما والذي نفسي بيده، لقد صُوِّرَت إليَّ الجنة والنار آنفًا في عرض هذا الحائط، فلم أر كاليوم في الخير والشر" (٢).
следующие страницы →