стр. 5951
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 18686
تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير
الثعلبي
Полный текст (16 476 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.
стр. 5952
٩٧ - قوله ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ﴾ الآية
قال ابن عباس: كانوا يتعاورون ويتقاتلون، فأنزل الله ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ (١).
قال مجاهد: سميت كعبة للتربيع، والعرب تسمي كل بيت مربع كعبة (٢).
وقال مقاتل: سميت كعبة لانفرادها من البناء (٣).
قال أهل اللغة: أصلها من الخروج والارتفاع، وسمي الكعب كعبًا لنتوئه، وخروجه من جانبي القدم، ومنه قيل للجارية إذا قاربت البلوغ وخرج ثدياها: قد تكعَّبت، فسميت الكعبة كعبة لارتفاعها من الأرض، وبنائها على الموضع الرفيع (٤)، وسمي البيت الحرام لأن الله حرمه، وعظم حرمته.
стр. 5953
وفي الحديث: مكتوب في أسفل المقام: إني أنا الله ذو بكة، حرمتها يوم خلقت السموات والأرض، ويوم وضعت هذين الجبلين، وحففتهما بسبعة أملاك حنفاء، من جاءني زائرًا لهذا البيت عارفًا بحقه، مذعنا إليّ بالربوبية حرمت جسده على النار (١).
﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ أي: قوامًا لهم في أمر دينهم ودنياهم، وصلاحًا لمعاشهم ومعادهم، لما يحصل عنده من الحج والعمرة والزيارة والتجارة، وما يجبى إليه من الثمرات، وتظهر فيه من أنواع البركات.
قال سعيد بن جبير: من أتى هذا البيت يريد شيئًا للدنيا والآخرة أصابه (٢).
﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ أراد الأشهر الأربعة الحرم، يأمن الناس فيها
стр. 5954
﴿وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
اعترض على هذِه الآية، فقيل: كيف يليق أول الآية بآخرها؟
والجواب: أن مجاز الآية: إن الله يعلم صلاح الناس، كما يعلم ما في السموات وما في الأرض (١).
٩٨ - ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾.
٩٩ - ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾.
١٠٠ - ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾
نزلت في شريح بن ضبيعة وحجاج بكر بن وائل ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ولا تتعرضوا للحاج، وإن كانوا مشركين، وقد مضت هذِه القصة في أول السورة ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
١٠١ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾
اختلفوا في نزولها، فروى الزهري، وقتادة عن أنس، وأبو صالح أيضًا عن أبي هريرة، قالا: سأل الناس رسول الله ﷺ حتى أحفوه (٢) بالمسألة، فقام مغضبًا خطيبًا، وقال: "سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا بينته لكم"، فأشفق أصحاب رسول الله
стр. 5955
- ﷺ أن يكون بين يدي أمر قد حضر.
قال أنس: فجعلت لا ألتفت يمينًا ولا شمالًا إلا وجدت رجلًا لافًّا رأسه في ثوبه يبكي، فقام إليه رجل (من قريش) (١) من بني سهم يقال له: عبد الله بن حذافة، وكان يطعن في نسبه، وكان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه، فقال: يا نبي الله، من أبي؟ فقال: "أبوك حذافة بن قيس"، قال الزهري: فقالت أم عبد الله بن حذافة: ما رأيت ولدًا أعق منك قط، ما كنت تأمن أن تكون أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية، فتفضحها على رءوس الناس، فقال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته.
فقام إليه رجل آخر، فقال: يا رسول الله، أين أنا؟ فقال: "في النار"، فقام عمر بن الخطاب، وقبَّل رجل رسول الله ﷺ ، وقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، وبالقرآن إمامًا، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك، فاعف عنا عفا الله عنك، فسكن غضبه، وقال: "أما والذي نفسي بيده، لقد صُوِّرَت إليَّ الجنة والنار آنفًا في عرض هذا الحائط، فلم أر كاليوم في الخير والشر" (٢).
стр. 5956
وقال ابن عباس: كان قوم يسألون رسول الله ﷺ امتحانًا مرة، واستهزاء مرة، فيقول له بعضهم: من أبي؟ ويقول الآخر: أين أنا؟ ويقول الآخر: إذا ضلت ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله تعالى هذِه الآية (١).
وقال علي بن أبي طالب، وأبو أمامة الباهلي: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: "إن الله كتب عليكم الحج"، فقام رجل من بني أسد، يقال له: عكاشة بن محصن، فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه، حتى عاد مرتين، أو ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ : "ويحك وما يؤمنك أن أقول: نعم، والله لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء
стр. 5957
стр. 5958
إنما ينزل بإلزام فرض، فيشق عليكم، أو بتحريم شيء كان حلالًا لكم ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
١٠٢ - ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾
كما سألت ثمود صالحًا الناقة، وقوم عيسى المائدة ﴿ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ فأهلكوا، وروى مكحول الشامي عن أبي ثعلبة الخشني قال: إن الله فرض فرائض فلا تسبقوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وعفى عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها (١).
١٠٣ - قوله : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ﴾
ما أنزل الله ولا بين الله، ولا أمره، نظيره قوله : ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٢) أي: أنزلناه ﴿مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾.
روى محمد بن إسحاق (٣)، عن محمد بن إبراهيم التيمي (٤)، عن أبي صالح السمان (٥)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لأكثم بن
стр. 5959
جون الخزاعي (١): "يا أكثم، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجرُّ قُصْبَه في النار، فما رأيت من رجل أشبه برجل منك (به، ولا بك منه) (٢) وذلك أنه أول من غير دين إسماعيل، ونصب الأوثان، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، ولقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه" (٣)، فقال أكثم (٤): أيضر بي شبهه يا رسول الله؟ فقال: "لا، إنك مؤمن، وهو كافر" (٥).
قال (٦): وذلك أن الناقة إذا بلغت (٧) ثنتي عشرة إناثا سيبت فلم
стр. 5960
يركب ظهرها، ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها، ثم خلي سبيلها مع أمها في الإبل، فلم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف، كما فعل بأمها، فهي البحيرة بنت السائبة.
وقال ابن عباس: إنهم كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن نظروا في البطن الخامس فإن كان ذكرًا نحروه، فأكله الرجال والنساء جميعًا، وإن كانت أنئى شقوا أذنها، وتلك البحيرة ثم لا يجز لها (١) وبر، ولا يذكر عليها اسم الله إن ركبت، ولا إن حمل عليها، وحرمت على النساء لا يذقن من لبنها شيئًا، ولا ينتفعن بها، وكانت لبنها ومنافعها خاصة للرجال، دون النساء حتى تموت، فإذا ماتت اشترك الرجال والنساء في أكلها (٢).
وقيل: هو أنهم كانوا إذا ولد السقب بحروا أذنه، وقالوا: اللهم إن عاش ففتي، وإن مات فذكي، فإذا مات أكلوه (٣).
وأما السائبة فكان الرجل يسيب من ماله فيجيء به إلى السدنة فيدفعه إليهم فيطعمون منه أبناء السبيل من ألبانها، ولحمانها، إلا النساء، فإنهم كانوا لا يعطونهن منها شيئًا، حتى تموت، فإذا
стр. 5961
ماتت أكلها الرجال والنساء جميعًا (١).
وقال علقمة: هي العبد يسيب، على أن لا يكون له ولاء ولا عقل ولا ميراث، فقال رسول الله ﷺ : "إنما الولاء لمن أعتق" (٢).
وإنما أخرجها بلفظ الفاعلة وهي بمعنى المفعولة، وهي المسيبة والمخلاة، على مذهب قوله ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (٣)، و ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (٤) (٥).
وأما الوصيلة فهي الشاة إذا ولدت سبعة أبطن، نظروا فإن كان البطن السابع ذكرًا أكلوه (٦) وأهدوه للآلهة، وإن كانت أنثى استحيوها (٧)، وإن كان ذكرًا وأنثى أستحيوا الذكر من أجل الأنثى، وقالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوه (٨).
وأما الحام فهو فحل (٩) الفحل إذا ركب ولد ولده، قيل: حمى
стр. 5962
ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه (١)، ولا يمنع من ماء ولا مرعى إلى أن يموت، فيأكله الرجال والنساء، قال الله : ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ﴾ يختلقون ﴿عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ في قوله: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ (٢)، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
١٠٤ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾
في تحليل الحرث والأنعام، وبيان الشرائع والأحكام ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ من الدين، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ نظيرها في سورة البقرة ولقمان (٣).
١٠٥ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾
اختلف العلماء في تأويل هذِه الآية، فأجراها بعضهم على الظاهر، قال ضمرة بن ربيعة: تلا الحسن هذِه الآية، فقال: الحمد لله (٤) بها، والحمد لله عليها، ما كان مؤمن فيما مضى، ولا (٥) كان مؤمن فيما بقي إلا وإلى جانبه منافق يكره عمله (٦).
стр. 5963
وقال بعضهم: معناها: عليكم أنفسكم، فاعملوا بطاعة الله، ولا يضركم من ضل إذا اهتديتم، فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، وروى أبو البختري عن حذيفة في هذِه الآية قال: إذا أمرتم ونهيتم (١).
وروى إسماعيل بن أبي خالد، وبيان (٢) عن قيس بن أبي حازم قال: قال أبو بكر الصديق ﵁ على المنبر: إنكم تقرءون هذِه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ وتضعونها غير موضعها، ولا تدرون ما هي؟ وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا منكرًا فلم يغيروه عمهم الله بعقاب، فأمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، ولا تغتروا بقول الله ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ فيقول أحدكم: على نفسي، والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليستعملن الله عليكم شراركم فليسومنكم سوء العذاب، ثم ليدعن الله خياركم فلا يستجيب لهم" (٣).
стр. 5964
стр. 5965
وقال بعضهم: معنى الآية: عليكم أنفسكم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يقبل منكم.
قال شقيق بن عقال (١): قيل لابن عمر: لو جلست في هذِه الأيام فلم تأمر ولم تنه، فإن الله قال: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فقال ابن عمر: إنها ليست لي، ولا لأصحابي، لأن رسول الله ﷺ قال: "ألا فليبلغ الشاهد الغائب، فكنا نحن الشهود، وأنتم الغُيَّب، ولكن هذِه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم" (٢).
وروى أبو الأشهب عن الحسن، والربيع عن أبي العالية: أن هذِه الآية قرئت على ابن مسعود ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فقال ابن مسعود: ليس هذا بزمانها، قولوها ما قبلت منكم (٣)، فإذا ردت عليكم، فعليكم أنفسكم، ثم قال: إن القرآن نزل
стр. 5966
حيث نزل، فمنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه آي وقع تأويلهن على عهد رسول الله ﷺ ، ومنه آي وقع تأويلهن بعد رسول الله ﷺ بيسير (١)، ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه آي يقع تأويلهن في آخر الزمان، ومنه آي يقع تأويلهن يوم القيامة ما ذكر من الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم، وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعًا، ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا بالمعروف (٢) وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء، وألبستم شيعًا، وذاق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه، فعند ذلك جاء تأويل هذِه الآية (٣).
وقال أبو أمية الشعباني (٤): سألت أبا ثعلبة الخشني عن هذِه الآية
стр. 5967
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ فقال أبو ثعلبة: سألت عنها رسول الله ﷺ ، فقال: "ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت دنيا مؤثرة، وشحًّا مطاعًا، وهوى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك، وذر عوامهم، فإن وراءكم أيامًا أيام الصبر، إذا عمل العبد بطاعة الله لم يضره من ضل بعده وهلك، وأجر العامل المتمسك يومئذ بمثل الذي أنتم عليه كأجر خمسين عاملًا".
قالوا: يا رسول الله كأجر خمسين عاملًا منهم؟ قال: "لا، بل كأجر خمسين عاملًا منكم" (١).
стр. 5968
وقال بعضهم: نزلت هذِه الآية في أهل الأهواء، قال أبو جعفر الرازي دخل على صفوان بن محرز شاب من أصحاب الأهواء، فذكر شيئًا من أمره، فقال صفوان: ألا أدلك على خاصة الله، التي خص بها أولياءه؟ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (١).
وقال الضحاك: عليكم أنفسكم إذا اختلفت الأهواء، ما لم يكن سيف أو سوط (٢).
وقال سعيد بن جبير: نزلت هذِه الآية في أهل الكتاب يعني ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ من أهل الكتاب (٣).
وقال الكلبي (٤) عن أبي صالح (٥)، عن ابن عباس: أن رسول الله
стр. 5969
- ﷺ كتب إلى أهل هجر (١)، وعليهم المنذر بن ساوي التميمي، يدعوهم إلى الإسلام فإن أبوا فليؤدوا الجزية، فلما أتاه الكتاب، عرضه على من عنده من العرب، واليهود والنصارى والمجوس، فأقروا بالجزية وكرهوا الإسلام، فكتب إليه رسول الله ﷺ : "أما العرب فلا تقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وأما أهل الكتاب والمجوس فاقبل منهم الجزية"، فلما قرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ أسلمت العرب، وأما أهل الكتاب والمجوس فأعطوا الجزية، فقال في ذلك منافقو أهل مكة (٢): عجبًا من محمد، يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وقد قبل من مجوس أهل (٣) هجر وأهل الكتاب الجزية، فهلا أكرههم على الإسلام وقد ردها على إخواننا من العرب؟ فشق ذلك على المسلمين مشقة شديدة، فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ بعد أن بلَّغ محمد وأعذر، ونزل بعدما أسلم العرب: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (٤).
стр. 5970
وقال ابن زيد: نزلت في جميع الكفار، وذلك أن الرجل كان إذا أسلم قالوا: سفهت أباك، وضللت وفعلت، فأنزل الله ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (١).
وهذا لفظة إغراء، والعرب تغري من الصفات بعليك، وإليك، وعندك، ودونك (٢).
ثم قال: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ الضال والمهتدي، ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
стр. 5971
١٠٦ - قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية
نزلت في ثلاثة نفر خرجوا تجارًا من المدينة إلى الشام، عدي بن بندي (١)، وتميم بن أوس الداري (٢) -وهما نصرانيان- وبديل (٣) مولى عمرو بن العاص السهمي، وكان مسلمًا مهاجرًا -واختلفوا في كنية أبيه، فقال الكلبي: بديل بن أبي مارية (٤) وقال قتادة وابن سيرين وعكرمة: هو ابن أبي مارية (٥)، وقال محمد بن إسحاق بن يسار: هو ابن أبي مريم (٦) - فلما قدموا الشام مرض بديل، فكتب كتابًا فيه
стр. 5972
جميع ما معه، وطرحه في جوالقه (١)، ولم يخبر صاحبيه بذلك، فلما اشتد وجعه أوصى إلى تميم وعدي، وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله ومات بديل، ففتشا متاعه، فأخذا منه إناء من فضة، منقوشًا بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال فضة، مموهًا بالذهب، فغيباه، ثم قضيا حاجتهما وانصرفا، وقدما المدينة فدفعا المتاع إلى أهل الميت، ففتشوا فأصابوا الصحيفة، فيها تسمية ما كان معه، وفيها الإناء، فجاءوا تميمًا، وعديًا فقالوا: هل باع صاحبنا شيئًا من متاعه؟ قالا: لا، قالوا: فهل اتجر تجارة؟ قالا: لا، قالوا: فهل طال مرضه فأنفق على نفسه؟ قالا: لا، قالوا: فإنا وجدنا في متاعه صحيفة، فيها تسمية ما معه، وإنا فقدنا منها إناء من فضة مموها بالذهب، فيه ثلاثمائة مثقال فضة.
قالا: ما ندري، إنما أوصى إلينا بشيء، وأمرنا أن ندفعه إليكم، فدفعناه، وما لنا بالإناء من علم، فرفعوها إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ (٢).
стр. 5973
قال أهل الكوفة: ليشهد اثنان، لفظ الآية خبر، ومعناها أمر (١).
وقال أهل البصرة: معناه ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ شهادة اثنين، فألغيت الشهادة، وأقيمت الاثنان مقامهما، كقوله : ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٢) أي: أهل القرية، فألغى وأقام القرية مقامه، فنصبها (٣).
وقال بعضهم: معناه: شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت أن يشهد اثنان (٤).
﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ أمانة وعقل ﴿مِنْكُمْ﴾ يا معشر المؤمنين من أهل دينكم وملتكم، قاله جميع المفسرين إلا عكرمة وعبيدة؛ فإنهما قالا: معناه:
стр. 5974
من حي الموصي (١).
واختلفوا في صفة الاثنين، فقال قوم: هما الشاهدان اللذان يشهدان على وصية الموصي (٢).
وقال آخرون: هما الوصيان (٣)، أراد الله سبحانه تأكيد الأمر فجعل الوصي اثنين، دليل هذا التأويل أنه عقبه بقوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ﴾ ولا يلزم الشاهد يمين، ولأن الآية نزلت في الوصيين، وعلى هذا القول تكون الشهادة بمعنى الحضور، كقولك: شهدت وصية فلان، بمعنى: حضرت، قال الله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥) ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ اختلفوا فيه، فقال بعضهم: معناه: من غير دينكم وملتكم، وهو قول سعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعبيدة، ويحيى بن يعمر، وأبي مجلز (٦)، قالوا: إذا لم يجد مسلمين فيشهد كافرين.
стр. 5975
وقال شريح: إذا كان الرجل بأرض غربة، ولم يجد مسلمًا يشهده على وصيته، فأشهد يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو مجوسيًّا أو عابد وثن، أو أي كافر فشهادتهم جائزة، ولا تجوز شهادة الكافرين على المسلمين إلا في سفر، ولا تجوز في سفر إلا في وصية، فإن جاء رجلان مسلمان، وشهدا بخلاف شهادتهما أجيزت شهادة المسلمين، وأبطلت شهادة الكافرين (١).
وعن الشعبي: أن رجلًا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا (٢)، ولم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة، فأتيا الأشعري (٣)، فأخبراه، وقدما بتركته ووصيته.
فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله ﷺ ، فأحلفهما وأمضى شهادتهما (٤).
стр. 5976
وقال آخرون: معناه من غير حيِّكم وعشيرتكم، وهو قول الحسن والزهري وعكرمة (١)، قالوا: ولا تجوز شهادة كافر في سفر ولا حضر.
﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ﴾ سرتم وسافرتم، ﴿فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ فأوصيتم إليهما ودفعتم مالكم إليهما، فأدياه، فارتاب بعض الورثة، واتهموهما في ذلك، وادعوا عليهما خيانة، فإن الحكم حينئذ أن ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ أي: تستوقفونهما ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾، وقال ابن عباس: هذا من صلة قوله ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: من الكفار، فأما إذا كانا مسلمين فلا يمين عليهما (٢).
стр. 5977
واختلفوا في هذِه الصلاة ما هي؟
فقال النخعي، والشعبي، وسعيد بن جبير، وقتادة: يعني: من بعد صلاة العصر (١).
وقال السدي: من بعد صلاة أهل دينهما وملتهما، لأنهما لا يباليان بصلاة العصر (٢).
﴿فَيُقْسِمَانِ﴾ يحلفان ﴿بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ شككتم ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ يقول: لا نحلف بالله كاذبين على عوض نأخذه عليه، أو مال نذهب به، أو حق نجحده ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ولو كان الذي يقسم له به ذا قرابة منا ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ قرأ -الشعبي (ولا نكتم شهادةً) بالتنوين (الله) بخفض الهاء على الاتصال (٣)، أراد: والله على القسم، وروي عن أبي جعفر: (شهادة) منونة (الله) بقطع الألف، وكسر الهاء، على معنى: ولا نكتم شهادة. تم الكلام، ثم ابتدأ يمينًا، فقال: (الله) أي: والله (٤).
стр. 5978
وقرأ يعقوب بتنوين الشهادة (آلله) بالاستفهام، وكسر الهاء (١)، جعل الاستفهام عوضًا من حرف القسم.
وروي عن بعضهم (شهادة) منونة (الله) بنصب الهاء، يعني: ولا نكتم الله شهادة (٢).
﴿إِنَّا﴾ إن فعلنا ذلك ﴿إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ فلما نزلت هذِه الآية صلى رسول الله ﷺ صلاة العصر، ودعا بعدي وتميم، واستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنهما (٣) لم يختانا شيئًا مما دفع إليهما، فحلفا على ذلك، وخلى رسول الله ﷺ سبيلهما حين حلفا، فكتما الإناء ما شاء الله أن يكتما، ثم ظهر.
واختلفوا في كيفية ظهور الإناء، فروى سعيد بن جبير عن ابن
стр. 5979
عباس: أن الإناء وجد بمكة، فقالوا: اشتريناه من تميم وعدي.
وقال الآخرون: لما طالت المدة أظهرا الإناء، فبلغ ذلك بني سهم، فأتوهما في ذلك، فقالا: إن كنا قد اشترينا منه هذا الإناء، فقالوا: ألم تزعما أن صاحبنا لم يبع شيئًا من متاعه؟
قالا: لم يكن عندنا بينة، فكرهنا أن نقر لكم به، فكتمناكموه لذلك، فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله (١)
١٠٧ - ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾
أي: أطلع وظهر، وأصل العثر: الوقوع والسقوط على الشيء، ومنه قولهم: عثرتْ إصبع فلان بكذا إذا صدمته وأصابته، ووقعت عليه (٢)، وقال الأعشى:
بذات لوث عَفَرْنَاة إذا عثرَتْ ... فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا
يعني بقوله (عثرت): أصابت منسم خفها حجرًا أو غيره، ثم يستعمل ذلك في كل واقع على شيء كان عنه خفيًّا، كقولهم في أمثالهم: عثرت على الغزل بأخرة، فلم تدع بنجد قردة (٣).
стр. 5980
﴿عَلَى أَنَّهُمَا﴾ يعني: الوصيين ﴿اسْتَحَقَّا﴾ استوجبا ﴿إِثْمًا﴾ بأيمانهما الكاذبة وخيانتهما ﴿فَآخَرَانِ﴾ من أولياء الميت ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ يعني: مقام الوصيين ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ قرأ الحسن وحفص بفتح التاء، وهي قراءة على وأبي، أي: وجب عليهم الإثم، يقال: حق واستحق، بمعنى واحد، ثم قال ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ رجع إلى قوله ﴿فَآخَرَانِ﴾ ولم يرتفع بالاستحقاق (١)، وقرأ الباقون (استحق) بضم التاء على المجهول، يعني: الذين استحق فيهم ولأجلهم الإثم، وهم ورثة الميت، استحق الحالفان بسببهم وفيهم الإثم.
(على) (٢) بمعنى (في)، كقوله: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ (٣) أي: في ملك سليمان، وقال صخر الغي (٤):
стр. 5981
متى ما تنكروها تعرفوها ... على أقطارها علق نفيثُ
﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ بالجمع، قراءة أكثر أهل الكوفة، واختيار يعقوب، أي: من الذين الأولين، وقرأ الحسن (الأولان) وقرأ الآخرون (١) ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ على نعت (الآخران)، وإنما جاز ذلك و ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ معرفة، و (الآخران) نكرة؛ لأنه حين قال ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ وحدّهما ووصفهما، صارا كالمعرفة في المعنى (٢).
﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا﴾ أي: والله لشهادتنا ﴿أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ يعني: يميننا أحق من يمينهما، نظيره قوله ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ (٣) في قصة اللعان، أراد الإيمان، وهذا كقول القائل: أشهد
стр. 5982
بالله، أي: أقسم ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ في يميننا ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
فلما نزلت هذِه الآية قام عمرو بن العاص، والمطلب بن أبي وداعة السهميان فحلفا بالله بعد العصر، فدُفع الإناء إليهما وإلى أولياء الميت، فكان تميم الداري بعدما أسلم، وبايع النبي ﷺ يقول: صدق الله ورسوله، أنا أخذت الإناء، فأتوب إلى الله وأستغفره (١).
وإنما انتقل اليمين إلى الأولياء لأن الوصيين صح عليهما الإناء، ثم ادعيا أنهما ابتاعاه، وكذلك إذا ادعى الوصي أن الموصي أوصى له بشيء ولم تكن له ثم بينة، وكذلك إذا ادعى رجل قبل رجل مالًا، فأقر المدعى عليه بذلك ثم ادعى قضاءه، فيكون القول قول رب الدين، وكذلك إذا ادعى سلعة في يد رجل فاعترف بذلك، ثم ادعى أنه اشتراها من المدعي، أو وهبها منه المدعي فإن في هذِه المسائل وأشباهها يحكم برد اليمين على المدعي.
وروى محمد بن إسحاق (٢)، عن أبي النضر (٣)، عن باذان مولى أم هانئ (٤)، عن ابن عباس، عن تميم الداري (٥) قال: بعنا الإناء بألف درهم، فقسمناها أنا وعدي، فلما أسلمت تأثمت من ذلك، بعدما
стр. 5983
حلفت كاذبًا، فأتيت موالي الميت فأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فوثبوا إليه، وأتوا به إلى رسول الله ﷺ فسألهم البينة، فلم يكن، فأمر الموالي أن يحلفوا، فحلف عمرو والمطلب، فنزعت الخمسمائة من عدي، فرددت أنا الخمسمائة (١)، فذلك قوله .
١٠٨ - ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾
أي: ذلك أجدر، وأحرى أن يأتي الوصيان بالشهادة على وجهها، وسائر الناس أمثالهم إذا خافوا رد اليمين، وإلزامهم الحق.
﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.
واختلفوا في حكم هذِه الآية، فقال بعضهم: هي منسوخة، وروي ذلك عن ابن عباس (٢).
وقال الآخرون: هي محكمة، وهو الصواب (٣).
١٠٩ - ﴿يَوْمَ﴾ أي: اذكروا واحذروا يوم ﴿يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾
وهو (٤) يوم القيامة، ﴿فَيَقُولُ﴾ لهم ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ أي: ما الذي أجابتكم أمتكم؟ وما الذي رد عليكم قومكم حين دعوتموهم إلى
стр. 5984
توحيدي وطاعتي؟ ﴿قَالُوا﴾ أي: فيقولون: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ قال ابن عباس: معناه: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا (١).
وقال ابن جريج: معنى قوله ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ أي: ما عملوا، وأحدثوا بعدكم فيقولون ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ (٢).
وقال الحسن، ومجاهد، والسدي: من هول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب، ثم يجيبون بعدما تثوب إليهم عقولهم بالشهادة على أممهم (٣).
١١٠ - ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾
يعني: حين قال الله: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ محل ﴿عِيسَى﴾ نصب؛ لأنه نداء منسوب إذا جعلته نداء واحدًا، وإن شئت جعلته نداءين فيكون (عيسى) في محل الرفع؛ لأنه نداء مفرد و (ابن) في موضع
стр. 5985
النصب لأنه نداء مضاف (١)، وتقدير الكلام: يا عيسى مفرد (٢) ابن مريم.
ونظيره قول الحرمازي (٣):
يا حكم بن المنذر بن الجارود ... أنت الجواد بن الجواد بن الجود
لك في (حكم) الرفع، والنصب، وليس في (ابن المنذر) غير النصب (٤).
﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي﴾ قال الحسن: ذكر النعمة: شكرها (٥)، وأراد بقوله ﴿نِعْمَتِي﴾ نعمي، لفظه واحد، ومعناه الجمع، كقوله تعالى:
стр. 5986
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ أراد نعم الله؛ لأن العدد لا يقع على الواحد.
﴿عَلَيْكَ﴾ يا عيسى ﴿وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ مريم، ثم ذكر النعم فقال: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قويتك، وأعنتك بجبريل، ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ يعني: وتكلم الناس في المهد صبيا، ﴿وَكَهْلًا﴾ نبيا (١).
قال ابن عباس: أرسله الله وهو ابن ثلاثين سنة، فمكث في رسالته ثلاثين شهرًا، ثم رفعه الله إليه (٢).
﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ﴾ يعني: الخط ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني: العلم والفهم ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ﴾ تجعل، وتصور، وتقدر، نظيره قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (٣) أي: المصورين. ﴿مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ كصورة الطير، ﴿بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا﴾ يطير ﴿بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ﴾ وتصحح وتشفي ﴿الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ من قبورهم أحياء ﴿بِإِذْنِي﴾ فأحيا سام بن نوح، ورجلين، وامرأة، وجارية، ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ﴾ أي؛ منعت وصرفت ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يعني: اليهود ﴿عَنكَ﴾ حين هموا بقتلك ﴿إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يعني: الدلالات المعجزات، وهي التي ذكرنا ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا﴾ ما هذا ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ يعني: ما جاءهم به من
стр. 5987
البينات، ومن قرأ ﴿ساحرٌ﴾ (١) بالألف فإنه راجع إلى عيسى ﵇.
[١٣٣٨] أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون (٢)، أخبرنا مكي بن عبدان (٣)، حدثنا أبو الأزهر (٤)، ثنا أسباط (٥)، عن حصين (٦)، عن مجاهد (٧)، عن عبيد بن عمير (٨) قال: لما قال الله لعيسى ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ كان يلبس الشعر، ويأكل الشجر، ولا يدخر شيئًا لغد، ولم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أدركه المساء بات (٩).
стр. 5988
١١١ - قوله: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾
أي: ألهمتهم وقذفت في قلوبهم الرعب (١).
والوحي على أقسام: وحي بمعنى: إرسال جبريل إلى الرسل، ووحي بمعنى: الإلهام، كالإيحاء إلى أم موسى والنحل، ووحي بمعنى: الإعلام في حال اليقظة والمنام (٢).
وقال أبو عبيدة: يعني: أمرت (٣)، و ﴿إِلى﴾ صلة، يقال: أوحى ووحى، قال الله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾، وقال العجاج:
وحى لها القرار فاستقرت (٤) ...
أي: أمرها بالقرار فقرت.
والحواريون خواص أصحاب عيسى.
قال الحسن: كانوا قصارين (٥).
وقال مجاهد: كانوا صيادين (٦).
стр. 5989
وقيل: كانوا ملاحين (١).
وقال قتادة: الحواريون: الوزراء (٢).
قال عكرمة: هم الأصفياء (٣).
وكانوا اثني عشر رجلًا: بطرس (٤)، ويعقوب، ويحنس (٥)، واندرابيس (٦)، وفيلس، وتلما (٧)، ومنتا (٨)، وتوماس (٩)، ويعقوب ابن حلفانا (١٠)، وتداوسيس (١١)، وقنانيا (١٢)، وتودس (١٣) ﵇.
﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ عيسى ﴿قَالُوا﴾ حين لقنهم ووفقهم ﴿ءَامَنَّا
стр. 5990
وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾.
١١٢ - ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾
قرأ علي (١)، وعائشة (٢)، وابن عباس (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، ومجاهد (هل تستطيع) بالتاء ﴿رَبُّكَ﴾ بنصب الباء، وهو اختيار الكسائي، وأبي عبيد (٥) على معنى: هل تستطيع أن تدعو أو تسأل ربك، كقوله ﴿وسَئلِ القرية﴾ (٦).