← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

قال مجاهد: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: كنت لا أدري ما: فاطر السماوات والأرض؟ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها، أنا ابتدأتها (١). ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ أي: وهو يَرْزُقُ، ولا يُرْزَقُ. دليله قوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (٢). وقرأ عكرمة والأعمش: (وَلا يَطْعَمُ) بفتح الياء (٣) -أي: وهو يرزق، لا يأكل. وقرأ أشهب العقيلي: (وهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعِمُ) كلاهما بضم الياء،

стр. 6057

وكسر العين (١). قال الحسين بن الفضل: معناه: هو القادر على الإطعام، وترك الإطعام، كقوله : ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (٢). [١٣٤٦] وسمعت أبا القاسم الحبيبي (٣) يقول: سمعت أبا منصور الأزهري (٤) بهراة (٥)، يقول: معناه: وهو يطعم ولا يستطعم. تقول العرب: أطعمت غيري، وأطعمت بمعنى: استطعمت (٦). وأنشد:

стр. 6058

إنَّا لنطعم عند الصيف مُطعِمنا ... وفي الشتاء إذا لم يونسِ القَزَعُ (١) أي: مستطعمنا. وقيل: معناه: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ﴾ يعني: الله ﴿وَلَا يُطْعَمُ﴾ يعني: الولي (٢). ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾: أخلص ﴿وَلَا تَكُونَنَّ﴾ يعني: وقيل لي: ولا تكوننَّ (٣) ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ١٥ - ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾: فعبدت غيره ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: وهو يوم القيامة. ١٦ - ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذ﴾ (٤) يعني: من يُصرف (٥) العذاب عنه.

стр. 6059

وقرأ أهل الكوفة (١): ﴿يَصرِفْ﴾ بفتح الياء وكسر الراء (٢)، على معنى: من يصرف الله عنه العذاب. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لقوله (فيما قبله: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾. ولقوله، فيما بعده: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ ولم يقل: رُحِم، على المجهول (٣). ولقراءة أُبيٍّ: (من يصرفه الله عنه) (٤). ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة. وهو ظرف مبني على الجر؛ لإضافة الوقت إلى: إذْ، كقولك (٥): حينئذٍ، وساعتئذٍ.

стр. 6060

﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ يعني: النجاة البينة. ١٧ - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾: بشدة وبَلِية وفقر ومرض ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ﴾: دافع وصارف (١) ﴿إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ﴾: يصبك ﴿بِخَيْرٍ﴾ يعني: عافية ورخاء ونعمة ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: من الخير والضير ﴿قَدِيرٌ﴾. [١٣٤٧] أخبرنا محمد بن الحسين بن محمد الرَّمجاري (٢)، قال حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب (٣)، حدثنا أحمد بن شيبان الرملي (٤)، حدثنا عبد الله بن ميمون القداح (٥)، حدثنا شهاب بن خِرَاش (٦)، عن عبد الملك بن عمير (٧)، عن ابن عباس ﵄ قال: أُهْدِيَ للنبي ﷺ بغلة، أهداها له كسرى، فركبها بحبل من شعر، ثم أردفني خلفه،

стр. 6061

ثم سار بي مليًّا، ثم التفت إليَّ، فقال لي: "يا غلام"! قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "احفظِ الله يحفظكَ، احفظِ الله تجدهُ أمامك، تعرَّفْ إلى الله في الرخاءِ يعرفك في الشدةِ، وإذا (١) سألتَ، فاسألِ (٢) الله، وإذا استعنتَ، فاستعنْ بالله، قد مضى القلمُ بما هو كائنٌ، فلو جَهدَ الخلائق أن ينفعوك بما لم يقضه الله لك، لما قدروا عليه، ولو جَهدُوا أن يضروك بما لم يكتبه الله عليك، لما قدروا عليه، فإن استطعتَ أن تعملَ بالصبر مع اليقين، فافعل، فإن لم تستطع، فاصبر، فإن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن مع الكربِ الفرجَ، وأن مع العسر يسرًا" (٣).

стр. 6062

١٨ - ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾: القادر الغالب ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ وفي القهر زيادة معنى على القدرة، وهو: منع غيره عن بلوغ المراد. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في أمره ﴿الْخَبِيرُ﴾ بأعمال عباده.

стр. 6063

١٩ - ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ الآية (١) قال الكلبي: أتى أهل مكة رسول الله ﷺ ، فقالوا: أما وجد الله رسولاً غيرك؟ ! ما نرى أحدًا يصدقك بما تقول، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك (٢) عندهم ذكر، فأرنا من يشهد أنك رسول الله كما تزعم، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ﴾ (٣) أعظم ﴿شَهَادَةً﴾: فإن أجابوك، وإلاَّ فـ ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أكبر (٤) وهو ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ على ما أقول ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾: لأخوِّفكم، يا أهل مكة ﴿بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ يعني: ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم من الأمم. قال الفراء: والعرب تضمر الهاء في صِلات (الذي) و (مَن) و (ما) فتقول: الذي أخذتُ مالُك -أي: أخذته، ومَن أكرمتُ أبوك -يعني: أكرمتُه (٥). قال النبي ﷺ : "يَا أيُّها الناسُ بلغوا عنِّي ولو آيةً من كتابِ الله،

стр. 6064

فإنه من بَلَغَتْه آيةٌ من كتاب الله فقد بلغه أمر الله، أخذه أو تركه" (١). وقال الحسن بن صالح: سألت ليثًا: هل بقي أحد لم تبلغه الدعوة؟ فقال: كان مجاهد يقول: حيثما يأتي القرآن، فهو داع، وهو (٢) نذير، ثم قرأ هذِه الآية (٣). وقال مقاتل: من بلغه القرآن من الجن والإنس، فهو نذير له (٤). وقال محمد بن كعب القرظى: من بلغه القرآن، فكأنما رأى محمدًا ﷺ ، وسمع منه (٥). ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ ولم يقل: أُخَر أو آخرين؛ لأن الجمع يلحقه التأنيث، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٦)

стр. 6065

وقوله: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ (١). ﴿قُلْ﴾: يا محمد، إن شهدتم أنتم فـ ﴿لَا أَشْهَدُ﴾: أنا ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾. ٢٠ - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني: التوراة والإنجيل ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ يعني: محمدًا ﷺ ، بنعته وصفته ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾: من بين الصبيان. قال الكلبي: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، قال عمر بن الخطاب ﵁ لعبد الله بن سلام ﵁: إن الله قد أنزل على نبيِّه ﷺ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ فكيف هذِه المعرفة؛ فقال عبد الله: يا عمر قد عرفته (٢) فيكم حين رأيته، كما أعرف ابني إذا رأيته، ولأنا (٣) أشدُّ معرفة بمحمَّد مني بابني، قال: وكيف؟ قال (٤) قد نعته الله تعالى في كتابنا، ولا أدري ما أحدثت النساء، فقال: عمر ﵁: وفقك الله يا ابن سلام (٥). ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾: (أي: غبنوا) (٦) ﴿أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:

стр. 6066

وذلك؛ أن كل عبد له منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا كان يوم القيامة جعل الله لأهل الجنة منازل أهل النار في الجنة، وجعل لأهل النار منازل أهل الجنة في النار، وذلك الخسران. ٢١ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾: أكفر، قال الحسن (١): فلا أحد أظلم (٢) ﴿مِمَّنِ افْتَرَى﴾: أختلق ﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: فأشرك به غيره ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ يعني: القرآن. قال الحسن: كل ما في القرآن ﴿بِآيَاتِنَا﴾ و (آياته) (٣) فإنه يعني به: الدين. ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾: الكافرون. ٢٢ - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾: العابدين والمعبودين ﴿جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾: أنها تشفع لكم، عند ربكم. ٢٣ - ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾: يعني: قولهم وجوابهم، وقيل: معذرتهم. والفتنة: التجربة، فلمَّا كان سؤالهم تجربة لإظهار ما في قلوبهم، قيل: فتنة. ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾: وذلك؛ أنهم إذا رأوا يوم القيامة

стр. 6067

مغفرة الله وتجاوزه (عن أهل التوحيد) (١)، قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك؛ لعلنا ننجو مع أهل التوحيد، فيقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فيقول الله لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾: تدَّعُون أنهم شركائي، ثم يختم على أفواههم، وتشهد جوارحهم عليهم بالكفر. ٢٤ - فذلك قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ﴾: وزال وبطل ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: من الأصنام. ٢٥ - قوله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ الآية. قال الكلبي: اجتمع أبو سفيان بن حرب، والوليد بن المغيرة (٢)، والنضر بن الحارث، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأمية وأُبي ابنا خلف (٣). والحارث بن عامر (٤)، استمعوا حديث رسول الله ﷺ ، فقالوا للنضر:

стр. 6068

يا أبا قتيلة! ما يقول محمد؟ قال (١): والذي جعلها بيته -يعني: الكعبة- ما أدري ما يقول، إلاَّ أنه (٢) يحرك لسانه، ويقول أساطير الأولين، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية. وكان النضر كثير الحديث عن القرون وأخبارها، فقال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول حقًّا، وقال أبو جهل: كلاَّ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (٣): وإلى كلامك ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾: غشاوة وغطاءً ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾: يَعْلَمُوه ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾: ثقل وصمم (٤) ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا﴾: ما هذا ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني: أحاديثهم، جمع: أسطورة، وإسطارة. وقال أهل اللغة: هي التُّرَّهات والأباطيل، وأصلها من: سطرت -أي: كتبت (٥). ٢٦ - قوله (٦): ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾: قال مقاتل: نزلت في أبي طالب، واسمه: عبد مناف، وذلك؛ أن

стр. 6069

النبي ﷺ كان عند أبي طالب يدعوه إلى الإسلام، فاجتمعت قريش إلى أبي طالب، يريدون سوءًا بالنبي ﷺ ، فقال أبو طالب: والله، لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أُوَسَّدَ في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وأبشر، وَقَرَّ بذاك منك عيونا ودعوتني، فزعمت أنك ناصحي ... ولقد صدقت، وكنتَ ثَمَّ أمينا وَعَرَضْتَ دينًا، لا محالة أنه ... من خير أديان البرية دينا لولا الملامةُ، أو حَذَاري سُبَّة ... لوجدتني سمحًا، بذاك، متينا (١) فأنزل الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ (٢) أي: ينهون الناس عن أذى النبي ﷺ ، وينأون ويتباعدون عمَّا جاء به من الهدى، فلا يصدقونه. وهذا قول القاسم بن مخيمرة (٣)

стр. 6070

وعطاء بن دينار (١)، وإحدى الروايات عن ابن عباس ﵄ (٢). وقال (٣) محمد ابن الحنفية والسدي والضحَّاك: نزلت في جملة كفار مكة -يعني: وهم ينهون الناس عن اتِّباع محمد ﷺ ، والإيمان (٤) به، ويتقاعدون (٥) بأنفسهم عنه (٦). وقال مجاهد: ﴿وَهُمْ﴾ يعني: قريشًا -ينهون عن الذكر ويتباعدون عنه (٧).

стр. 6071

وقال قتادة: ينهون عن القرآن وعن النبي ﷺ ، ويتباعدون عنه (١). ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾، لأن أوزار الذين يصدُّونهم عليهم ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: أنها كذلك. ٢٧ - ﴿وَلَوْ تَرَى﴾: يا محمد ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾ أي (٢): حبسوا ﴿عَلَى النَّارِ﴾ يعني: في النار، كقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ (٣) يعني: في ملك سليمان. وقرأ ابن السميفع: (إِذْ وَقَفُواْ) (٤) (بفتح الواو والقاف (٥) من: الوقوف، والقراءة الأولى من: الوَقْف. يقال: وقفت بنفسي وقوفًا، ووقَّفْتُ غيري وقفًا. وجواب (لو) محذوف، معناه: لو تراهم في تلك الحالة، لرأيت عجبًا (٦).

стр. 6072

﴿فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قرأ (١) العامة بالرفع على معنى: يا ليتنا نُرَدُّ، ونحن لا نكذب بآيات ربنا، ونكون من المؤمنين. وقرأ ابن أبي إسحاق وحمزة: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾ ﴿وَنَكُونَ﴾ نصبًا؛ على جواب التمني (٢). والعرب تنصب جواب التمني بالواو، كما تنصبه بالفاء (٣). وقرأ ابن عامر: (نرد ولا نكذبُ) بالرفع (ونكونَ) بالنصب (٤)، قال: لأنهم تمنَّوْا الرد، وأن يكونوا من المؤمنين، وأخبروا أنهم لا يكذِّبون بآيات ربهم، إن ردُّوا إلى الدنيا (٥).

стр. 6073

٢٨ - ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ﴾: ظهر ﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾: يُسِرُّون في الدنيا من كفرهم ومعاصيهم. وقال أبو روق: هو أنهم قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾: فذلك إخفاؤهم ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: فأنطق الله جوارحهم، فشهدت عليهم بما كتموا، فذلك قوله: ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ (١). وهذا أعجب إليَّ من القول الأول؛ لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا، إلاَّ أن يجعل الآية في المنافقين. وقال المبرد: معناه ﴿بَدَا لَهُمْ﴾: جزاء (٢) ﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾. وقال النضر بن شميل: معناه: بل بدا عنهم (٣). ثم قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾: إلى الدنيا ﴿لَعَادُوا لِمَا﴾ يعني (٤): إلى ما ﴿نُهُوا عَنْهُ﴾ من الكفر ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: في قولهم: لو رُدِدْنَا إلى الدنيا لم نكذِّب بآيات ربِّنا، وكُنَّا من المؤمنين. ٢٩ - ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾. كان عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول: هذا من قولهم، لو رُدُّوا

стр. 6074

لقالوه (١). ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾: بعد الموت. ٣٠ - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾: قيل: على حكم الله وقضائه فيهم (٢)، ﴿قَالَ﴾: فيقول لهم الخزنة؛ بأمر الله: ﴿أَلَيْسَ هَذَا﴾: العذاب ﴿بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾: إنَّه حق. ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: به في الدنيا. ٣١ - ﴿قَدْ خَسِرَ﴾: غبِنَ وَهَلَكَ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾: بالبعث بعد الموت ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ﴾: القيامة ﴿بَغْتَةً﴾: فجأة ﴿قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا﴾: يا حزننا وندامتنا ﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا﴾: قصَّرنا ﴿فِيهَا﴾: في الطاعة. وقيل: تركنا في الدنيا من عمل الآخرة (٣). وقال محمد بن جرير: الهاء: راجع إلى الصفقة (٤)، وذلك أنه

стр. 6075

لما (١) تبيَّن لهم خسران صفقتهم ببيعهم الإيمانَ بالكفر، والدنيا بالآخرة، ﴿قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ أي: في الصفقة، فترك ذكر الصفقة؛ اكتفاءً بقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ لأن الخسران لا يكون إلاَّ في صفقة بيع. وقال السدي: يعني: على ما ضيعنا من عمل الجنة (٢). يدل عليه ما روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري (٣) ﵁ عن النبي ﷺ ، في هذِه الآية قال: "يرى أهل النار منازلهم من الجنة، فيقولون: يا حسرتنا" (٤). ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾: آثامهم وأثقالهم. قال أبو عبيد: يقال للرجل، إذا بسط ثوبه، فجعل فيه المتاع: احمل وِزْرَكَ وَوَزْرَكَ (٥) (٦).

стр. 6076

﴿عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾: قال السدي (١)، وعمرو بن قيس الملائي: إن المؤمن إذا خرج من قبره، استقبله أحسن شيء صورةً، وأَطْيَبُه ريحًا، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلاَّ أن الله قد طيب ريحك، وحسَّن صورتك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طال ما ركبتك في الدنيا، فاركبني أنت اليوم، وقرأ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ أي: ركبانًا، وإن الكافر يستقبله أقبح شيء صورة، وأنتنه ريحًا، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلاَّ أن الله قد قبح صورتك، ونَتَّنَ ريحك. فيقول: كذلك كان عملك في الدنيا، أنا عملك السيئ، طالما ركبتني في الدنيا، فأنا أركبك اليوم، وذلك قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ (٢).

стр. 6077

وقال الزجاج: معناه: لا تزايلهم أوزارهم، كما تقول: شخصك نَصْب عيني، وذكرك نَجِي قلبي (١). ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ أي: يحملون ويعملون. ٣٢ - ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾: باطل، وغرور لا يبقى، وهذا تكذيب من الله تعالى للكفار، في قولهم: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ الآية. ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ (برفع التاء) (٢): على نعت الدار. وأضافه أهل الشام؛ لاختلاف اللفظيْن (٣)، كقولهم: ربيعُ الأولِ، ومسجدُ الجامع، وَحَبُّ الحَصِيدِ (٤). وسميت الدنيا؛ لدنوِّها، وقيل: لدناءتها. وسميت الآخرة؛ لأنها بعد الدنيا. ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الشرك ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أن الآخرة أفضل من الدنيا.

стр. 6078

٣٣ - قوله ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ الآية (١). قال السدي: التقى الأخنس بن شريق وأبو جهل بن هشام، فقال الأخنس (٢) لأبي جهل: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد: أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس ها هنا أحد يسمع كلامك غيري؟ فقال له أبو جهل: والله، إن محمدًا لصادق، وما كذب محمد قطُّ، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ ! فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٣). وقال أبو يزيد المدني: لقي رسول الله ﷺ أبا جهل فصافحه، فلقيه بعض شياطينه، فقال له: رأيتك تصافحه؟ فقال: والله إني لأعلم إنه لصادق (٤)، ولكنَّا متى كنا تبعًا لعبد مناف؟ ! فأنزل الله هذِه الآية (٥). وقال ناجية بن كعب ﵁: قال أبو جهل للنبي ﷺ : ما نتهمك ولا نكذبك، ولكنا نتهم الذي جئت به ونكذبه، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (٦).

стр. 6079

وقال مقاتل: نزلت في الحارث بن عامر (١) بن نوفل بن عبد مناف ابن قصي (بن كلاب) (٢)، كان يكذب النبي ﷺ في العلانية، فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب، ولا أحسبه إلاَّ صادقًا. وقال للنبي ﷺ : إنَّا لنعلم أن الذي تقوله حق، وإنه لا يمنعنا أن نتبع الهدى معك إلاَّ مخافة أن يتخطَّفنا الناس من أرضنا -يعني: العرب- فإنَّا نحن أكلة رأس، ولا طاقة لنا بهم (٣)، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ بأنك كاذب وساحر ومجنون. ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أي: لا ينسبونك إلى الكذب، ولا يقولون لك: كذبت. وقرأ نافع والكسائي: (يُكْذِبُونَك) بالتخفيف (٤)، وهي قراءة علي

стр. 6080

وأبي الدرداء ﵄، يعني: لا يجدونك كاذبًا. تقول العرب: أَجْدَبْتُ الأرضَ، وأحييتها، وأخصبتها، وأهيجتها: إذا وجدتها جدبة، وحية ومخصبة، وهائجة النبات (١). وقال (٢) رؤبة: وَأَهْيَجَ الخَلْصَاء مِنْ ذَاتِ البُرَقْ (٣) أي: وجدها هائجة النبات. قال الكسائي: تقول العرب: أكذبت الرجل: إذا أخبرت أنه جاء بالكذب فرواه، وكذبته، إذا أخبرته أنه كاذب (٤).

стр. 6081

﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ٣٤ - ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾: يعزي نبيه ﷺ ، يقول: كذبهم قومهم، كما كذبتك قريش ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ بهلاكهم. ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ قال الكلبي: يعني: القرآن (١). وقال عكرمة: يعني قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ (٢)، وقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٣)، وقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ (٤). وقال الحسين بن الفضل: يعني: لا خُلْفَ لِعَداتِه (٥). ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (مِن): صلة، كما تقول: أصابنا من مطر.

стр. 6082

٣٥ - قوله (١): ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ الآية (٢). قال الكلبي: قال الحارث بن عامر: يا محمد، ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي بها، فإن أتيت بها امنَّا بك وصدَّقناك، فأبى الله تعالى أن يأتيهم بها، فأعرضوا عنه، وَكَبُرَ عليه ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ﴾ عظم وشق ﴿عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ عنك ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ﴾: تطلب وتتخذ ﴿نَفَقًا﴾: سَرَبًا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: مثل نافقاء اليربوع؛ وهو أحد جِحَرتِهِ، فيذهب فيه ﴿أَوْ سُلَّمًا﴾ أي (٣): درجًا ومصعدًا ﴿فِي السَّمَاءِ﴾: فتصعد فيه. قال الزجاج: السُّلم من السلامة، وهو الذي يسلمك إلى مصعدك (٤) ﴿فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾: فافعل ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ فآمنوا كلّهم ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: بأنه يؤمن بك بعضهم دون بعض، وأن الله لو شاء لجمعهم على الهدى، وأن من يكفر به إنما يكفر به (٥)، لسابق علمه فيه. ٣٦ - قوله : ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ يعني: المؤمنين الذين يسمعون الذكر، فيتبعونه وينتفعون به، دون

стр. 6083

من ختم الله على سمعه؛ فلا يصغي إلى الحق ﴿وَالْمَوْتَى﴾ يعني: الكفار ﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ مع الموتى ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. ٣٧ - ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: الحارث بن عامر وأصحابه ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما لهم في نزولها. ٣٨ - قوله : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ (١) على التأكيد، كما يقال: أخذت بيدي، ومشيت برجلي، ونظرت بعيني. ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾: يفقه بعضهم عن بعض، فالناس أمة، والطير أمة، والسباع أمة، والدواب أمة (٢). وقيل: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ مخلوقة أمثالكم (٣).

стр. 6084

وقال عطاء: أمثالكم في التوحيد والمعرفة (١). وقيل: ﴿إِلَّا أُمَمٌ﴾: في التصوير ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾: في التسخير. ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ﴾ يعني: في اللوح المحفوظ (٢). ﴿مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال ابن عباس والضحّاك: حشرها: موتها (٣). وقال أبو هريرة ﵁ في هذِه الآية: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة: البهائم والدواب والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل (٤) الله -يومئذٍ- أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابًا، عند ذلك (٥) ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ (٦).

стр. 6085

قال عطاء: فإذا رأوا بني آدم، وما هم فيه من الجزع قلن: الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم (١) فلا جنة نرجو، ولا نارًا نخاف. فيقول الله لهُنَّ: كن (٢) ترابًا، فحينئذ يتمنى الكافر أن يكون ترابًا (٣). وعن أبي ذر ﵁ قال: بينا أنا عند رسول الله ﷺ : إذ انتطحت عنزان، فقال النبي ﷺ : "أتدرون فيما انتطحا؟ " فقالوا: لا ندري. قال: "لكن الله يدري، وسيقضي بينهما" (٤).

стр. 6086

٣٩ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: بمحمد ﷺ والقرآن ﴿صُمٌّ﴾ لا يسمعون الخير ﴿وَبُكْمٌ﴾ لا يتكلمون بخير ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾: في ضلالات الكفر. ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾: فيموت على الكفر ﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: قائم، وهو الإسلام .. ٤٠ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾ أي: هل رأيتم (١)، والكاف فيه للتأكيد ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾: يوم بدر وأحد والأحزاب وحنين ﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾: في صرف العذاب عنكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ٤١ - ثم قال: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾: تُخْلِصون ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ﴾: وتتركون ﴿مَا تُشْرِكُونَ﴾. ٤٢ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾: فكفروا ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ﴾: الشدة والجوع ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: المرض والزمانة ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ فيؤمنون، ويتوبون، ويخضعون،

стр. 6087

ويخشعون (١) ٤٣ - ﴿فَلَوْلَا﴾: فهلا ﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾: عذابنا ﴿تَضَرَّعُوا﴾ فآمنوا، فكشف عنهم ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: من الكفر والمعصية. ٤٤ - ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: تركوا ما وُعِظَوا وأمروا به ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: بدَّلناهم مكان البلاء والشدة الرخاءَ في العيش، والصحة في الأبدان ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا﴾: أعجبوا ﴿بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾: فجاءة، آمنَ ما كانوا، وأعجبَ ما كانت الدنيا إليهم (٢) ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾: آيسون من كل خير. قال السدي: هالكون (٣). قال ابن كيسان: خاضعون (٤). وقال الحسن: مبصبصون (٥). وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: (مبْلَسُون) بفتح اللام، مفعولًا

стр. 6088

بهم -أي: مؤيسون (١). وأصل الإبلاس: الإطراق من الحُزْنِ والنَّدَم (٢). وقال مجاهد: مكتئبون (٣). وقال ابن زيد: المبلس: الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه (٤). قال جعفر الصادق ﵁: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾: من التعظيم ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من النعيم ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾: من الترفيه والنعيم. ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾: إلى سواء الجحيم. ٤٥ - ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال السدي: أصل القوم (٥). وقال قطرب: آخرهم -يعني: أنهمُ استُؤصِلوا وَأُهْلِكُوْا ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: على هلاكهم (٦). روى عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا رأيت الله يعطي

стр. 6089

العباد ما يشاءون على معاصيهم، فإنما ذلك استدراج منه لهم". ثم تلا هذِه الآية: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا﴾ الآية (١). ٤٦ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾: فذهب بها (٢) ﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾: فطُبع عليها، حتى لا تفقهوا قولًا، ولا تبصروا حجة ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾: يعني: بما أخذ، فلذلك ذكر: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ﴾: نبين لهم ﴿الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾: يعرضون عنها، مكذبين بها. ٤٧ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾ فجاءة ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾: معاينة (٣) ترونه حين ينزل ﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾: بالعذاب ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾: المشركون. ٤٨ - ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ العمل ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: حين يخاف أهل النار ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: إذا حَزِنوا.

стр. 6090

٤٩ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ بمحمد ﷺ والقرآن ﴿يَمَسُّهُمُ﴾: يصيبهم ﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: يكفرون. ٥٠ - ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾: يعني: رزق الله ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾: ما خفي عن الناس ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ فتنكرون قولي وتجحدون أمري ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ وذلك غير مُنْكَر ولا مستحيل في العقل، مع قيام الدلائل والحجج البالغة. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾: الكافر والمؤمن والضال والمهتدي ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾: أنهما (١) لا يستويان. ٥١ - ﴿وَأَنْذِرْ﴾: خوَف ﴿بِهِ﴾: بالقرآن ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾: يخشون ﴿أَنْ يُحْشَرُوا﴾: أي (٢): يبعثوا ويجمعوا ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾ وقيل: يعلمون أن يحشروا؛ لأن خوفهم إنما كان من علمهم (٣) ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ﴾: من دون الله ﴿وَلِيٌّ﴾: قريب ينفعهم

стр. 6091

﴿وَلَا شَفِيعٌ﴾: يشفع لهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. ٥٢ - قوله ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (١) الآية. [١٣٤٨] أخبرنا محمد بن الحسين (بن محمد) (٢) الصوفي (٣)، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الجوهري (٤)، قال: ثنا عبد الله بن محمد (٥)، ثنا إسحاق بن إبراهيم (٦) (٧)، قال: أخبرنا جرير (٨) عن الأشعث بن سوار (٩)، عن كردوس (١٠)، عن عبد الله بن مسعود

стр. 6092

- ﵁، قال: مر الملأ من قريش على رسول الله ﷺ ، وعنده صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء من قومك، أفنحن نكون تبعًا لهؤلاء، أهؤلاء الذين مَنَّ الله عليهم (من بيننا) (١): اطردهم عنك (٢)، فلعلك إن طردتهم اتَّبعناك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية (٣) (٤). وقال سلمان وخباب بن الأرت: فينا نزلت هذِه الآية: جاء الأقرع ابن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفَزَارِيْ وذووهم من المؤلفة قلوبهم، فوجدوا النبي ﷺ قاعدًا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المؤمنين (٥)، فلما رأوهم حوله حقروهم، فأتوه، فقالوا يا رسول الله، لو جلست في صدر المسجد ونفيت عنا

стр. 6093

هؤلاء، وأرواح جبابهم -وكان عليهم جباب صوف لم يكن عليهم غيرها- لجالسناك وحادثناك وأخذنا عنك، فقال رسول الله ﷺ : "ما أنا بطارد المؤمنين" قالوا: فإنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسًا، تعرف لنا به العربُ فضلنا؛ فإن وفود العرب تأتيك، فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأَعْبُد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: "نعم". قالوا: اكتب لنا عليك بذلك كتابًا. قال: فدعا بالصحيفة، ودعا عليًّا؛ ليكتب. قال: ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبريل ﵇ بقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ فألقى رسول الله ﷺ الصحيفة من يده، ثم دعانا، فأتيناه، وهو يقول: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم، قام وتركنا، فأنزل الله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية. قال: وكان رسول الله ﷺ يقعد معنا بعد، وندنو منه، حتى كادت ركبتنا تمسُّ ركبته، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها، قمنا وتركناه حتى يقوم، وقال لنا: "الحمدُ لله الذي لم يُمتْنِي حتى أَمرَني أنْ أصبرَ نفسِي مع قومٍ من أمتي، معكم المحيا، ومعكم الممات" (١).

стр. 6094

وقال الكلبي: قالوا له: اجعل لنا يومًا ولهم يومًا، قال: "لا أفعل"، قالوا: فاجعل المجلس واحدًا، فأقَبِل علينا وولِّ ظهرك عليهم، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (١). وقال مجاهد: قالت قريش: لولا بلال وابن أم عبد لتابعنا محمدًا، فأنزل الله هذِه الآية (٢). وقال عكرمة: جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومطعم بن عَدِيْ (٣) والحارث بن نوفل، وقُرْظة بن عبد عمرو (٤) بن نوفل (٥) في أشراف بني

стр. 6095

عبد مناف، من أهل الكفر إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب، لو أن ابن أخيك محمدًا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا؛ فإنما هم عبيدنا وعسفاؤنا، كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتِّباعنا إيَّاه، وتصديقنا له، فأتى أبو طالب النبي ﷺ ، فحدَّثه بالذي كلموه. فقال عمر بن الخطاب ﵁: لو فعلت ذلك حتى تنظر ما الذي يريدون، وإلى ما يصير قولهم؟ (١) فأنزل الله هذِه الآيات، فلما إنزلت هذِه الآيات) (٢) أقبل عمر بن الخطاب، فاعتذر من مقالته (٣). وقال جبير (٤) بن نفير: إن قريشًا أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: إن كنت أُرْسِلْتَ رسولًا إلينا (٥)، فاطرد هؤلاء السقاط عنك، فنكون أصحابك؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (٦). قال ابن عباس ﵁: يعني: يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾: يعني: صلاة الظهر (٧) وصلاة العصر: وذلك أن
следующие страницы →