← Тафсир

Тафсир · id 18686

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير

الثعلبي

Полный текст (16 476 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

﴿وَلَا شَفِيعٌ﴾: يشفع لهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. ٥٢ - قوله ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (١) الآية. [١٣٤٨] أخبرنا محمد بن الحسين (بن محمد) (٢) الصوفي (٣)، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الجوهري (٤)، قال: ثنا عبد الله بن محمد (٥)، ثنا إسحاق بن إبراهيم (٦) (٧)، قال: أخبرنا جرير (٨) عن الأشعث بن سوار (٩)، عن كردوس (١٠)، عن عبد الله بن مسعود

стр. 6092

- ﵁، قال: مر الملأ من قريش على رسول الله ﷺ ، وعنده صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء من قومك، أفنحن نكون تبعًا لهؤلاء، أهؤلاء الذين مَنَّ الله عليهم (من بيننا) (١): اطردهم عنك (٢)، فلعلك إن طردتهم اتَّبعناك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية (٣) (٤). وقال سلمان وخباب بن الأرت: فينا نزلت هذِه الآية: جاء الأقرع ابن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفَزَارِيْ وذووهم من المؤلفة قلوبهم، فوجدوا النبي ﷺ قاعدًا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المؤمنين (٥)، فلما رأوهم حوله حقروهم، فأتوه، فقالوا يا رسول الله، لو جلست في صدر المسجد ونفيت عنا

стр. 6093

هؤلاء، وأرواح جبابهم -وكان عليهم جباب صوف لم يكن عليهم غيرها- لجالسناك وحادثناك وأخذنا عنك، فقال رسول الله ﷺ : "ما أنا بطارد المؤمنين" قالوا: فإنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسًا، تعرف لنا به العربُ فضلنا؛ فإن وفود العرب تأتيك، فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأَعْبُد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: "نعم". قالوا: اكتب لنا عليك بذلك كتابًا. قال: فدعا بالصحيفة، ودعا عليًّا؛ ليكتب. قال: ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبريل ﵇ بقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ فألقى رسول الله ﷺ الصحيفة من يده، ثم دعانا، فأتيناه، وهو يقول: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم، قام وتركنا، فأنزل الله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية. قال: وكان رسول الله ﷺ يقعد معنا بعد، وندنو منه، حتى كادت ركبتنا تمسُّ ركبته، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها، قمنا وتركناه حتى يقوم، وقال لنا: "الحمدُ لله الذي لم يُمتْنِي حتى أَمرَني أنْ أصبرَ نفسِي مع قومٍ من أمتي، معكم المحيا، ومعكم الممات" (١).

стр. 6094

وقال الكلبي: قالوا له: اجعل لنا يومًا ولهم يومًا، قال: "لا أفعل"، قالوا: فاجعل المجلس واحدًا، فأقَبِل علينا وولِّ ظهرك عليهم، فأنزل الله تعالى هذِه الآية (١). وقال مجاهد: قالت قريش: لولا بلال وابن أم عبد لتابعنا محمدًا، فأنزل الله هذِه الآية (٢). وقال عكرمة: جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومطعم بن عَدِيْ (٣) والحارث بن نوفل، وقُرْظة بن عبد عمرو (٤) بن نوفل (٥) في أشراف بني

стр. 6095

عبد مناف، من أهل الكفر إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب، لو أن ابن أخيك محمدًا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا؛ فإنما هم عبيدنا وعسفاؤنا، كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتِّباعنا إيَّاه، وتصديقنا له، فأتى أبو طالب النبي ﷺ ، فحدَّثه بالذي كلموه. فقال عمر بن الخطاب ﵁: لو فعلت ذلك حتى تنظر ما الذي يريدون، وإلى ما يصير قولهم؟ (١) فأنزل الله هذِه الآيات، فلما إنزلت هذِه الآيات) (٢) أقبل عمر بن الخطاب، فاعتذر من مقالته (٣). وقال جبير (٤) بن نفير: إن قريشًا أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: إن كنت أُرْسِلْتَ رسولًا إلينا (٥)، فاطرد هؤلاء السقاط عنك، فنكون أصحابك؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (٦). قال ابن عباس ﵁: يعني: يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾: يعني: صلاة الظهر (٧) وصلاة العصر: وذلك أن

стр. 6096

ناسًا من الفقراء كانوا مع النبي ﷺ ، فقال ناس من الأشراف: إذا صلَّينا فأخِّر هؤلاء، وليصلُّوا خلفنا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (١). قال حمزة بن عيسى (٢): دخلت على الحسن فقلت له: يا أبا سعيد، أرأيت قول الله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ أهم هؤلاء القصاص؟ قال: لا، ولكن هم المحافظون على الصلوات في الجماعة (٣). وقال مجاهد: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب، فلما سلَّم الإمام، ابتدر الناس القاصَّ، فقال سعيد: ما أسرع الناس إلى هذا المجلس؟ ! قال مجاهد: فقلت: يتأوَّلون قول الله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ قال: أو في هذا هو؟ إنما ذلك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن (٤).

стр. 6097

وقال إبراهيم: يعني: يذكرون ربهم (١). وقال أبو جعفر: يعني (٢) يقرأون القرآن (٣). ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي: يريدون الله ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ﴾ جواب لقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، وقوله: ﴿فَتَكُونَ﴾: جواب لقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾ أحدهما جواب النفي، والآخر جواب النهي (٤). ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: من الضارين لنفسك بالمعصية، الواضعين الطرد في غير موضعه. ٥٣ - ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا﴾ ابتلينا (٥) ﴿بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾: الشريف بالوضيع، والغني بالفقير، والعربي بالمولى (٦) ﴿لِيَقُولُوا﴾: يعني: الأغنياء والأشراف (٧) ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾: يعني: الضعفاء والفقراء. الذين ﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ قال الكلبي: هو أن الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد آمن قبله، حَمِيَ أنفًا أن يسلم ويقول: سبقني هذا بالإسلام، فلا يسلم ﴿أَلَيْسَ

стр. 6098

﴿اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ يعني: المؤمنين. وهذا جواب لقولهم: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ وقيل: أليس الله بأعلم بمن يشكر الإسلام إذا هديته له. [١٣٤٩] أخبرنا محمد بن الحسين بن محمد (١)، قال (٢): أخبرنا عبد الله بن محمد بن علي بن زياد (٣)، قال (٤): ثنا عبد الله بن محمد المدني (٥)، ثنا إسحاق (٦) قال (٧): أخبرنا سليمان بن حرب (٨) (٩)، ثنا حماد بن زيد (١٠)، عن المعَلَّى بن زياد (١١)، عن العلاء بن بشير (١٢)،

стр. 6099

عن أبي الصديق الناجي (١)، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنت في عصابة فيها ضعفاء المهاجرين، وإن بعضهم يستر بعضًا من العري، وقارئ يقرأ علينا، ونحن نستمع، قال: فجاء النبي ﷺ حتى قام علينا، فلما رآه القارئ سكت، فسلم وقال: "ما كنتم تصنعون؟ ". قلنا: يا رسول الله، كان قارئ يقرأ علينا، وكنا نستمع إلى قراءته. فقال النبي ﷺ : "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أُمِرْتُ أن أصبر نفسي معهم". ثم جلس وسطنا، يعدل (٢) نفسه فينا، ثم قال هكذا بيده، فتحلق القوم، وبرزت وجوههم، فلم يعرف رسولُ الله ﷺ منهم أحدًا، وكانوا ضعفاء المهاجرين، فقال النبي ﷺ : "أبشروا صعاليك المهاجرين بالفوز التام يوم القيامة؛ تدخلون الجنة قبل أغنياء المؤمنين بنصف يوم، مقداره خمسمائة سنة" (٣).

стр. 6100

[١٣٥٠] وأخبرنا محمد بن الحسين (١) (٢)، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن قريش (٣) قال: أخبرنا الحسن بن سفيان (٤)، قال (٥): ثنا عبد الواحد بن غياث (٦) ثنا هشام بن سليمان (٧)، قال (٨): ثنا يزيد الرقاشي (٩)، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معشر الفقراء، إن الله رضي لي أن أتأسَّى بمجالسكم، وإن الله تعالى قال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (١٠) مجالس الأنبياء قبلكم والصالحين" (١١).

стр. 6101

[١٣٥١] وأخبرنا محمد بن الحسين (١)، قال (٢): أخبرنا محمد بن عبد الله الجوهري (٣)، قال (٤): ثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن (٥)، قال: ثنا إسحاق الحنظلي (٦)، قال: أخبرنا عفان (٧)، ثنا حماد بن سلمة (٨)، عن ثابت (٩)، عن معاوية بن قُرَّة (١٠)، عن عائذ بن عمرو (١١) ﵁: أن أبا سفيان مرَّ بسلمان وصهيب وبلال، فقالوا له: ما أخذت السيوف من عُنُقِ عدو الله مأخذها. فقال لهم أبو بكر ﵁: تقولون هذا لشيخ قريش وَسَيّدِهَا، ثم أتى رسولُ الله ﷺ ، فقال: "يا أبا بكر لعلك أغضبتهم؛ إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك". فرجع أبو بكر ﵁ إليهم فقال: لعلِّي أغضبتكم؟

стр. 6102

فقالوا: لا يا أبا بكر، يغفر الله لك (١). ٥٤ - قوله (٢): ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ الآية. اختلفوا فيمن نزلت (٣) فيهم هذِه الآية: فقال عكرمة ﵁: نزلت في الذين نهى الله نبيه ﷺ عن طردهم، وكان النبي ﷺ إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام" (٤). وقال الكلبي: لما نزلت هذِه الآية: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ جاء عمر ﵁ إلى رسول الله ﷺ ، فاعتذر إليه من مقالته واستغفر الله منها، وقال: يا رسول الله، والله ما أردت بهذا إلَّا الخير، فنزل في عمر ﵁: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ (٥). وقال عطاء: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وسالم

стр. 6103

وأبي عبيدة ومصعب بن عمير وحمزة وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار ابن ياسر، والأرقم بن أبي الأرقم (١) وأبي سلمة بن عبد الأسد، ﵁ (٢). وقال أنس بن مالك ﵁: أتى رسول الله ﷺ رجال فقالوا: إنا أصبنا ذنوبًا كثيرة عظيمة، فسكت عنهم رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (٣). ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ﴾: قضى ﴿عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾: قال مجاهد: لا يعلم حلالًا من حرام، ومن جهالته ركب الأمر، وكل من عمل خطيئة فهو بها جاهل (٤). وقيل: جاهل بما يورثه ذلك الذنب (٥). وقيل: جهل حين آثر المعصية على الطاعة (٦).

стр. 6104

﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ﴾: رجع عن ذنبه ﴿وَأَصْلَحَ﴾ عمله، وقيل: أخلص توبته ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. واختلف القرَّاء (١) في قوله: ﴿أَنَّهُ﴾، ﴿فَأَنَّهُ﴾ فكسرهما جميعًا ابن كثير والأعمش، وأبو عمرو وحمزة والكسائي على الاستئناف (٢)، ونصبهما الحسن وعاصم ويعقوب، بدلًا من الرحمة (٣)، وفتح أهل المدينة الأولى على معنى: كتب أنَّه، وكسروا الثانية على الاستئناف؛ لأن ما بعد فاء الجزاء ابتداء (٤). ٥٥ - ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: وهكذا، وقيل: معناه: وكما فصلنا لك في هذِه السورة دلائلنا وأعلامنا على المشركين والمنكرين (٥)، كذلك ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: أي: نميز ونبين لك حجتنا (٦) وأدلتنا في كل حق ينكره أهل الباطل ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾: من رفع السبيل، فمعناه: وليظهر ويتضح طريق المجرمين. يقال: بأن الشيء وأبان وتبين واستبان، إذا ظهر ووضح، والسبيل

стр. 6105

مذكر ومؤنث (١)، فتَمِيمٌ (٢) تُذَكِّرُهُ، وأهل الحجاز (٣) تؤنِّثه. ودليل التذكير قوله تعالى (٤): ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ (٥) (٦) ودليل التأنيث قوله تعالى: ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ (٧). وقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ (٨). فلذلك قرئ: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ بالياء والتاء، وقرأ أهل المدينة: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ بالتاء (٩). ﴿سَبِيلُ﴾: بالنصب على خطاب النبي ﷺ ، معناه: ولتعرف يا

стр. 6106

محمد سبيل المجرمين. يقال: استبنت الشيء وتبيَّنته: إذا عرفته. ٥٦ - ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ في عبادة الأوثان وطرد بلال وسلمان ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ يعني: وإن فعلت ذلك فقد تركت سبيل الحق، وسلكت غير الهدى. وقرأ يحيى بن وثاب وأبو رجاء (قد ضَلِلْتُ) بكسر اللام (١)، وهما لغتان: ضلَّ يضِلُّ، مثل قلَّ يقِلُّ. وضلَّ يضَلُّ، مثل ملَّ يمَلُّ، والأولى هي الأصح والأفصح؛ لأنها لغة أهل الحجاز (٢).

стр. 6107

٥٧ - ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ﴾: بيان وبرهان وبصيرة وحجة (١) ﴿مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾: أي: بربي ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾: يعني: العذاب، نزلت في النضر بن الحارث (٢) ﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾: ما القضاء ﴿إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ﴾. قرأ أهل الحجاز وعاصم: ﴿يَقُصُّ﴾ بالصاد المشددة (٣)، أي: يقول الحق، قالوا: لأنه مكتوب في جميع المصاحف بغير ياء؛ ولأنه قال: الحق، وإنما يقال: قضيت بالحق. وقرأ الباقون: بالضاد أي: يحكم بالحق، ودليله قوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ والفصل: جلب القضاء. قالوا: وإنما حذفوا الياء؛ لاستثقال (٤) الألف واللام، كقوله: ﴿صَالِ الْجَحِيمِ﴾، ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ و ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ و ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ونحوها. وحذفوا الباء من: ﴿الْحَقُّ﴾ لأنه صفة المصدر، فكأنه قال: يقضي القضاء الحق. ٥٨ - ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي﴾ وبيدي ﴿مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ من العذاب ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾

стр. 6108

أي: فُرغَ من العذاب، وَأُهْلِكْتُم ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾. ٥٩ - قوله : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ المفاتح: جمع المفتح. وقرأ ابن السمَيفع: (مَفَاتِيحُ الغيب) على جمع المفتاح (١) -يعني: ومن عنده معرفة الغيب، وهو يفتح ذلك لخلقه. واختلفوا في مفاتيح الغيب: فروى عبد الله بن عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "مفاتيح الغيب خمس، لا يعلمها إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢). وقال السدي: مفاتيح الغيب: خزائن الغيب (٣). وقال عطاء: يعني: ما غاب عنكم، من الثواب والعقاب، وما يصير إليه أمري وأمركم (٤). وقيل: هي الآجال، ووقت انقضائها (٥). وقيل: أحوال العباد، من السعادة والشقاوة (٦).

стр. 6109

وقيل: عواقب الأعمار، وخواتيم الأعمال (١). وقيل: هي ما لم يكن بَعْدُ، إنَّهُ يَكُوْنُ أَمْ لا يكون؟ وما يكون كيف يكون، وما لا يكون إن كان (٢) كيف يكون (٣). قال ابن مسعود ﵁: أوتي نبيُّكم ﷺ علم كل شيء، إلَّا مفاتيح الغيب (٤). ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: قال مجاهد: البر، القفار، والبحر: كل قرية فيها ماء (٥). ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾: قال ابن عباس ﵁: ما شجرة في بر ولا بحر إلَّا وبها ملك موكَّل، يعلم من يأكل، وما يسقط من ورقها (٦).

стр. 6110

وقيل: يعلم عدد ما بقي [في] (١) الشجرة (٢) من الورق (٣)، وما يسقط منها (٤). [١٣٥٢] وسمعت أبا القاسم بن حبيب (٥) يقول: سمعت أبا بكر ابن عبدوس (٦) (٧) يقول: معناه: أنه يعلم كم انقلبت ظهرًا لبطن إلى أن سقطت على الأرض (٨). ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ أي: في بطون الأرض. وقيل: تحت الصخرة في أسفل الأرضين (٩) ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾: قال ابن عباس ﵁: الرطب: الماء، واليابس: البادية (١٠).

стр. 6111

وقال عطاء: يريد ما يَنْبُتُ، وما لا ينبتُ (١). وقال الحسن (٢): يكتبه الله رطبًا، ويكتبه يابسًا؛ لتعلم يا ابن آدم، أن عملك أولى بالإحصاء من تلك الحبة. وقيل: الرطب: لسان المؤمن، رطب بذكر الله، واليابس: لسان الكافر؛ لا يتحرَّك بذكر الله، وبما يرضي الله (٣). وقيل: هو الأشجار والنبات. روى الأعمش (٤)، عن يزيد بن أبي زياد (٥)، عن عبد الله بن الحارث (٦)، قال: ما في الأرض من شجرة، ولا كمغرز إبرة، إلَّا عليها ملك مُوْكَّل، يأتي الله بعلمها بيبسها (٧) إذا يبست، ورطوبتها إذا رطبت (٨).

стр. 6112

[١٣٥٣] وأخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن أحمد الخلقاني (١)، قال: أخبرنا علي بن عيسى بن إبراهيم الورّاق (٢)، قال: حدثني محمد ابن الحسين بن معاذ الطويل (٣)، قال: حدثني أحمد بن أبي الخليل (٤)، قال: حدثني يزيد بن هارون الواسطي (٥)، عن محمد بن إسحاق (٦) (٧)، عن نافع (٨)، عن ابن عمر ﵁، عن النبي ﷺ ، قال "ما من زرع على الأرض، ولا ثمار على أشجار، إلَّا عليها مكتوب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، رِزق فلان بن فلان، وذلك قوله، في محكم كتابه: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي

стр. 6113

ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ " (١). ٦٠ - قوله (٢): ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ أي: يقبض أرواحكم في منامكم ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ أي: كسبتم ﴿بِالنَّهَارِ﴾ وأصله من: جارحة اليد. ثم قيل لكل عامل: جارح، بأي عضو من أعضائه عَمِل، ومنه: جوارح الصيد. ويقال: لا ترك الله له جارحًا، أي: عبدًا ولا أمة يكسب له ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ﴾ أي: يثيركم ويوقظكم ﴿فِيهِ﴾: في النهار ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ يعني: أجل الحياة إلى الممات، حتى ينقطع أثرها ورزقها. وقرأ أبو رجاء وطلحة: (لنقضي) بالنون المفتوحة (أَجَلا) بالنصب (٣). وفي هذا إقامة الحجة على منكري البعث -يعني: كما قَدِرْت على هذا، فكذلك أقدر على بعثكم بعد الموت.

стр. 6114

ويقال: مكتوب في التوراة: يا ابن آدم، كما تنام، كذلك تموت، وكما توقظ، كذلك تبعث (١). ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾: في الآخرة ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ﴾: يخبركم، ويجازيكم ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ٦١ - ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ يعني: الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم، وهو جَمْعُ حَافِظ، نظيره قوله (٢): ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠)﴾. قال عمر بن الخطاب ﵁: ومن الناس من يعيش شقيًّا ... جاهل القلب، غافل اليَقَظَهْ فإذا كان ذا وفاء، ورأْيٍ ... حَذِرَ المَوتِ، واتَّقى الحَفَظَهْ إنما الناس راحلْ، ومقيمٌ ... فالذي بأن للمقيم عظهْ (٣)

стр. 6115

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ أي: أعوان ملك الموت، يقبضونه، ثم يدفعونه إلى مَلَكِ الموت ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾: لا يقصِّرُون، ولا يضيِّعون. وقرأ عبيد بن عمير: (لا يُفْرِطُونَ) بالتخفيف (١)، يعني: لا يجاوزون الحد. ٦٢ - ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ يعني: الملائكة، وقيل: العباد ﴿مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾: القضاء دون خلقه ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ لأنه لا يحتاج إلى فكرة ورويَّة، ولا عقدِ يدٍ. ٦٣ - ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: إذا ضللتم الطريق، وخفتم الهلاك، ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٢).

стр. 6116

وقرأ عاصم: (وخِفية) وهما لغتان (١). وقرأ الأعمش: (وخيفة) من الخوف، كالذي في الأعراف (٢). ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا﴾ يعني: ويقولون: لئن أنجيتنا ﴿مِنْ هَذِهِ﴾ يعني: الظلمات ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾: من المؤمنين ٦٤ - ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾: حُزْنٍ ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ (٣). ٦٥ - ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يعني: الصيحة والحجارة والطوفان والريح، كما فَعَلَ بِعادٍ وثمود، وقوم شعيب، وقوم لوط، وقوم نوح ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني: الخسف (٤)، كما فَعَلَ بقارون.

стр. 6117

وقال الضحاك: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: من قبل كباركم (١) ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: من أسفل منكم. وقال مجاهد: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: السلاطين الظلمة، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: العبيد السوء (٢). ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾: أو يخلطكم فرقًا، ويبث فيكم الأهواء المختلفة ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾: يعني: السيوف المختلفة، يقتل بعضكم بعضًا، كما فعل ببني إسرائيل، فلما نزلت هذِه الآية قال رسول الله ﷺ : "يا جبريل ما بقاء أمتي على ذلك؟ " فقال: إنما أنا عبد مثلك، فسل ربك. فقام رسول الله ﷺ فتوضأ وصلى، وسأل ربه، فأُعطِي اثنتين، ومُنِع واحدة، قال رسول الله ﷺ : "سألته أن لا يبعث على أمتي عذابًا من فوقهم أو من تحت أرجلهم، فأعطاني ذلك، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني، وأخبرني جبريل أن فناء أمتي بالسيف" (٣).

стр. 6118

وقال الزهري: راقب خباب ﵁ رسول الله ﷺ ذات ليلة يصلي، فلما فرغ، قال له وقت الصبح: لقد رأيتك تصلي صلاة، ما رأيتك صليت مثلها؟ . قال: "أجل، إنها صلاة رغبة ورهبة، سألت ربي فيها ثلاثًا فأعطاني اثنتين، وزوى عني واحدة: سألته أن لا يسلط على أمتي عدوًّا من غيرهم، فأعطاني، وسألته أن لا يرسل عليهم سنة تَرْمِدُهُمْ، فأعطاني، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فزواها عني" (١). ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾

стр. 6119

٦٦ - ﴿وَكَذَّبَ﴾ قرأ إبراهيم بن أبي عبلة: (وكذبت) بالتاء (١) ﴿بِهِ﴾: أي: بالقرآن (٢)، وقيل: بالعذاب (٣) ﴿قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾: أي: حفيظ ورقيب، وقيل: بمسلط، إنما أنا رسول. ٦٧ - ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ﴾: خبر ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾: موضع قراره حقيقة، ومنتهى ينتهي إليه، فيتبيَّن صدقه من كذبه، وحقه من باطله. قال مقاتل: لكل خبر يخبره الله وقت ومكان يقع فيه، من غير خلف ولا تأخير (٤). وقال الكلبي: لكل قول وفعل حقيقة، ما كان منه في الدنيا فسيعرفونه، وما كان منه في الآخرة فسوف يبدو لهم ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ذلك (٥).

стр. 6120

وقال الحسن: لكل عمل جزاء، فمن عمل عملا من الخير جُوزِي به الجنة، ومن عَمِل عَمَل سوء جُوزِي به النار (١) ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: يا أهل مكة. وقال السدي: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾: أي: ميعاد وعدتكموه، فسيأتيكم حتى تعرفوه (٢). وقال عطاء: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾: يؤخر عقوبته؛ ليعمل ذنبه فإذا عمل ذنبه عاقبه (٣). ورأيت في بعض التفاسير أن هذِه الآية نافعة من وجع الضرس، إذا كتبت على كاغد، ووضع عليه السِّن (٤). ٦٨ - ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾: يعني: القرآن، بالاستهزاء والتكذيب ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، فاتركهم، ولا تجالسهم ﴿حَتَّى يَخُوضُوا﴾: يدخلوا ﴿فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾: غير القرآن. وذلك أن المشركين كانوا (٥) إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول

стр. 6121

الله ﷺ ، فسبُّوا واستهزءوا، فنهى الله المؤمنين عن مجالستهم (١). ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ﴾. قرأ (٢) ابن عباس وابن عامر: (يُنسّيَنَّك) بالتشديد (٣)، ﴿الشَّيْطَانُ﴾ شيئًا ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: فقم من عندهم بعد ما ذكرت. ٦٩ - ثم قال: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾: الخوض ﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾: من آثام الخائضين ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ قال ابن عباس ﵁: قال المسلمون: فإنَّا نخاف الإثم حين نتركهم، فلا ننهاهم. فأنزل الله هذِه الآية (٤). وقال ابن عباس ﵁، في رواية أخرى: قال المسلمون: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن، وخاضوا فيه (٥) قمنا عنهم لم نستطع (٦) أن نجلس في المسجد الحرام، وأن نطوف بالبيت، فنزل (٧) ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٨).

стр. 6122

﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ أي: ذكِّروهم وعظوهم، وهي في محل النصب على المصدر (١) -أي: ذكروهم ذكرى، والذكر والذكرى واحد، ويجوز أن يكون في موضع الرفع- أي: هو ذكرى لهم (٢) ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: الخوض، إذا وعظتموهم. وقيل: لعلهم إذا قمتم عنهم (٣) منعهم ذلك من الخوض والاستهزاء. وقيل: لعلهم يستحيون (٤). ٧٠ - قوله : ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾: عيدهم ﴿لَعِبًا وَلَهْوًا﴾: باطلًا وفرحًا ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. وذلك أن الله تعالى جعل لكل قوم عيدًا، يعظِّمونه ويصلون فيه، فكل قوم أتخذوا عيدهم لهوًا ولعبًا، إلّا أمة محمد ﷺ ؛ فإنهم اتخذوا عيدهم صلاة لله وذكرًا؛ مثل: الجمعة والفطر والنحر ﴿وَذَكِّر﴾: وَعِظ ﴿بِهِ﴾ هو أي (٥): بالقرآن. ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ يعني: أن لا تبسل، كقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ

стр. 6123

لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (١). ومعنى الآية: ذكِّرهم ليؤمنوا؛ كي لا تُبْسَل نفس بما كسبت. قال ابن عباس ﵁: تهلك (٢). وقال قتادة: تحبس (٣). وقال الحسن ومجاهد وعكرمة والسدي: تُسَلَّم للهلكة (٤) وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: تفضح (٥). وقال الضحاك: تنضج وتحرق. وقال ابن زيد والمؤرج: تؤخذ (٦). قال الشاعر (٧):

стр. 6124

وإبسالي بُنَيَّ، بغير جُرْمٍ ... بَغَوْنَاهُ، ولا بِدمٍ مُرَاقِ وقال الأخفش: تجازى (١). قال الفراء: ترتهن (٢). وأنشد: ونحن رهنَّا بالأُفاقة عامرًا ... بما كان في الدرداء يومًا فأبسلا (٣) وقال عطية العوفي: تُسلَّم إلى خزنة جهنم. قال أهل اللغة: وأصل الإبسال: التحريم، يقال: أبسلت الشيء -أى: حَرَّمْتَه (٤)، والبسل: الحرام. قال الشاعر (٥): بَكَرَتْ تلومك بعد وَهْنٍ في الندى ... بَسْلٌ عليك ملامتي وعتابي

стр. 6125

ويقال: أسد باسل -أي: شجاع لا يَقْرَبُ منه، كأنه قد حرم نفسه، ثم جعل ذلك نعتًا لكل شديدة تترك وتتقى. ويقال: شراب بَسْلٌ (١) - أي: متروك. قال الشنفرى (٢): هنالك (٣)، لا أرجو حياة تسرني ... سمِيْرَ الليالي، مُبْسَلًا بالجرائرِ (٤) ﴿لَيْسَ لَهَا﴾: لتلك النفس ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ﴾: قريب صديق ﴿وَلَا شَفِيعٌ﴾ يشفع لهم في الآخرة: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ أي (٥):

стр. 6126

تَفْدِ كل فداء ﴿لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾. وقال أبو عبيدة: وإن تقسط كل قسط لا يقبل منها (١)، لأن التوبة في الحياة. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (٢). ٧١ - قوله : ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق (٣) حين دعا أباه إلى الكفر، فأنزل الله تعالى (٤): ﴿قُلْ أَنَدْعُو﴾: أنعبد ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا﴾: إن عبدناه ﴿وَلَا يَضُرُّنَا﴾: إن تركناه ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾: إلى الشرك ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي﴾ (٥).

стр. 6127

تقول العرب لكل راجع خائب لم يظفر بحاجته: ردَّ على عقبيه (١)، ونكص على عقبيه (٢). فيكون مَثَلُنَا (٣) كمثل الذي ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ أي: أضلته. ﴿فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾. قال ابن عباس ﵁: كالذي استفزته الغيلان في المهامه فأضلوه،

стр. 6128

فهو حائر بائر (١) (٢)، و (حيران) نصب على الحال. وقرأ الأعمش وحمزة: (كالذي استهويه) بالياء (٣). وقرأ طلحة: (استهواه) بالألف. وقرأ الحسن: (استهوته الشياطون) (٤). وفي مصحف عبد الله وأُبي ﵄: (اسْتَهْوَاهُ الشَّيْطَانُ) على واحد (٥). ﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ يعني: أبويه (٦)، وقيل: أصحاب محمد ﷺ . ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ﴾ أي: (وقل: أمرنا) (٧) لنسلم -أي: أن نسلم ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

стр. 6129

٧٢ - ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢)﴾ ٧٣ - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ قال أبو عبيدة: هو جمع: صورة، مثل: سورة وسور (١). قال العجاج: وربَّ ذي سُرَادقٍ مَحْجورِ ... سِرْتُ إليه، في أَعَالِي السُّورِ (٢) وقال الآخرون: هو قرن ينفخ فيه بلغة أهل اليمن (٣). وأنشد: نَحْنُ نَطَحْنَاهُمْ غَدَاةَ الجَمْعَيْن بالصابحات في غبار النَّقْعْين

стр. 6130

نطحًا شديدًا لا كنطح الصوريْن (١) يدل على هذا القول: الخبر المروي عن النبي ﷺ : "كيف أنعمُ، وصاحبُ القَرْنِ قد التَقَمَ القرن، وحنى جبهته، وأصغى بسمعه؛ ينتظر متى يؤمر، فَيَنْفُخُ" (٢). ثم قال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ٧٤ - قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ قال محمد بن إسحاق والضحاك والكلبي: آزر: هو (٣) أبو إبراهيم (٤)، وهو: تارخ، مثل إسرائيل ويعقوب، وكان من
следующие страницы →